مجلة الموقف الأدبي - مجلة أدبية شهرية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - العدد 303 تموز 1996
فهرس العدد فهرس الدوريات
 

الزمن وآليته في قصتين قصيرتين عند مراد السباعي، ود.بديع حقي ـــ أحمد المعلم

الغاية من العمل هي تلمّس وحدة البناء وطريقة التعبير وهي تقدّم اللوحة القصصية. والتلخيص أم التقدير من جانبنا أمر لا بد منه، كي يتم التواصل الأجدى، ولا بد من الاعتراف بأن الشواغل الفنية تضيع في التلخيص:‏

القصة الأولى: ساعة مخول1: بقرة مرعي رعت سكبة خضار لمخول. فضربها مخول بضراوة، مما أثار حفيظة مرعي وغضبه.. وتشاجر الاثنان، وفي الليل لم يتمكن مرعي من النوم، فقد أحبّ أن ينتقم من مخول، على الرغم من الصداقة التي كانت بينهما، حيث أشارت إلى ذلك زوجته.. واتته فرصة النوم على كتف الساقية، وفي الصباح، راجع نفسه، وندم على ما كان ينوي فعله ليلاً.. وإذ يرى مخول قادماً، فإنه يتشاغل عنه.‏

مخول يقدّم ساعة يد هدية لمرعي، ليذكره بها دائماً. يُسرّ مرعي من الهدية. فقد صار يعرف متى سينهض إلى العمل، ومتى يتناول الغداء، ومتى يعود إلى البيت.‏

حين شعر مرعي بضعف عاد إلى بيته، وانتظر زوجته، وشرع يحسب الوقت بالثواني ثم بالدقائق فالساعة. تبدّت له الحياة مملة من حساب الزمن بالثواني والدقائق والساعات. فحطم الساعة بغضب، ولم يندم، حيث أراد أن يعرف الزمن من العمل.‏

القصة الثانية: الساعة2: لقية إسماعيل كانت ساعة جيب، يعلوها بعض الصدأ، يفرح بها كثيراً. وقد كان بإمكانه شراء مثل هذه الساعة لولا معاينة الطبيب والدواء.‏

الساعة هذه تشبه ساعة شيخ الجامع.. يستعرض إسماعيل كل الناس في القرية فلم يجد أحداً فقد ساعته. وعلى الرغم من ذلك فقد ظلّ يخفيها عن الأنظار.‏

يبدو أن الحمّى قد ألهبت جسمه ليلاً، فخاف من الأرقام الفوسفورية، وظن عقارب الساعة عقرباً يطوّق عنقه.‏

بينما كان إسماعيل ونفر من أهل القرية في جلسة عادية، أذّن المؤذن، فأخرج شيخ ساعته، ونظر إليها، ثم أسرع إلى الصلاة، أما إسماعيل فلم يتمكن من رؤية ساعته خوفاً من الآخرين. غير أنه يمضي إلى الصلاة حيث يموت.‏

تلك هي مفاصل القصتين باختصار. فكيف تأسس البناء والتعبير؟‏

1-محتوى القصتين واحد وهو موقف الإنسان من الزمن.‏

2-تمقت "ساعة مخول" الزمن محسوباً بالدقائق: (كم تبدو الحياة طويلة حين يعيشها الإنسان دقائق) ص 15.. وتستسلم "الساعة" للساعة. وهي تحسب الأنفاس، وهي وسيلة الزمن المسيطر: (ومضت هنيهة، أحصت فيها أنفاساً معدودة، ثم لاذت بالصمت من جديد) ص 76.‏

3-الحوار في: "ساعة مخول" ثانوي، يتوجه إلى تعزيز موقع الصداقة: (مريم- أنا لا أستطيع أن أحقد على أحد بلا سبب، فالرجل جارنا.. وهو صديقك من أيام الطفولة، ألا يمكن أن نتسامح معه ولو مرة واحدة) ص 11. أما حوار: "الساعة" فإنه يدعم الملكية، ويشير إلى نفحة الاعتزاز: (وأحصى إسماعيل في ذهنه عشرة من أبناء قريته، ممن يحملون ساعة جيب، وأما الباقون فيستغنون مثله عن الساعة بتنقل فيء الشجر، في استجلاء الوقت.‏

وصافح سمعه أذان المؤذن، يتعالى من جامع القرية، وقال شيخ الضيعة:‏

-حانت صلاة الظهر.‏

ومدّ يده إلى جيب سرواله، وسحب ساعته بفتور، ونظر إليها بعينيه السقيمتين الضيّقتين نظرة مستطلعة بليدة، ولاحقتها وهي تنسكب على الساعة نظرة قلقة خاطفة، انسابت من جفني إسماعيل) ص 81.‏

4-وهذا الحوار مؤسّس على الرفض والانتقام في: "ساعة مخول" (مرعي- ملعونة أنت أيضاً.. نامي وغداً تسمعين أخباره) ص 11. أما حوار: "الساعة" فإنه مؤسس على المخاتلة: (وغمغم في ذات نفسه: هذه الساعة ليست لك، ولهذا تخفيها، أنت لص سارق، لِمَ لا تقول أنك عثرت على ساعة؟) ص 82.‏

5-البطل في: "الساعة" يلهب ظهره وفكره الخوف من الآخرين: (ترى لمن تكون الساعة؟ وقد أضناه هذا السؤال سحابة نهاره، وبدا له أن يكون في وسعه أن يفضي إلى أحد بسرّ ساعته، وأن يبرزها أمامه، فقد يدّعيها أي شخص، ويستخلصها منه، بعد أن أضحت ملكاً له) ص 79. أما بطل: "ساعة مخول" فإنه قوي شجاع، يستطيع أن يعيش مع الآخرين: (ماذا فعل مخول؟ لقد شتمه، ولعن أباه، وضرب بقرته.. ولكنه هو أيضاً شتم مخول، وهمّ بأن يضربه لولا تدخل بعض الجيران) ص 12.‏

6-مادة العمل القصصي في: "ساعة مخول" هدية تعزّز موقع الصداقة: (انظري ما تفعل الصداقة؟ لقد أهداني مخول ساعة يد) ص 14. أما مادة عمل: "الساعة" فهي لقية، كأنها كانت منتظرة من البطل: (إنها ساعة ضائعة، انزلقت، بلا ريب، من جيب صاحبها، دون أن يشعر، وانتظرت هنا، على هذه الدرب، يداً مسعفة تنجيها، وتنحو بها إلى جيب شخص آخر، تستقرّ فيه، لتستأنف بها حياتها) ص 76.‏

7-الساعة في: "الساعة" رمز الزمن، ووحيدة مع البطل، متفردة به، وقد تصبح أنيساً له: (وبدا له، إلى ذلك، أن هذه الساعة، بلغوها الرتيب سوف تؤنس عزلته التي ألفها واستطابها، بعد أن أمضى عمره عزباً) ص 78. بينما نرى الساعة رمز الزمن في: "ساعة مخول" وسيلة لتوطيد العلاقة مع الآخرين، والانطلاق إلى العمل: (لقد أهداني مخول ساعة يد:‏

صاحت مريم بسرور:‏

-ألم أقل لك إن مخول إنسان طيب.‏

-اعتذر مني، وأسمعني كلمات جميلة، يا للرجل المهذّب، دعينا، الساعة الآن التاسعة صباحاً، وعلي أن أتناول طعامي، وأسرع إلى عملي) ص 14.‏

8-كلا البطلين يعمل في الحقل، إلا أن بطل: "الساعة" يعيش وحيداً، ومريضاً:‏

(أمضى عمره عزباً، دون زوجة ترعاه أو تسهر على صحته المتداعية، وكان يشكو من وهن في قلبه) ص 78. وأما بطل: "ساعة مخول" فإنه يعيش وسط الآخرين: (لم يستطع مرعي أن يبعد مخول عن ذاكرته... لقد فكّر في أشياء كثيرة جميلة... ذكر حبه الأول والثاني والثالث، واستعرض كل النساء اللواتي كانت لهن صلة بحياته، ولكن صورة مخول كانت تبرز) ص 11.‏

9-المواجهة فاعلة في: "ساعة مخول"، لا يلبث التعقل أن يحكمها: هو أيضاً شتم مخول وهمّ بأن يضربه لولا تدخل بعض الجيران... كم كان غبياً في الليلة الماضية عندما حرم نفسه النوم من أجل أمر تافه كهذا.. ألم يكن من السهل عليه تناسي ما حدث؟ (نعم) ص 12. بينما الاعتزال والضعف يسيطران في: "الساعة": (ولما امتدّت أصابعه الخشنة إلى بلّور الساعة الأملس، وداعبت سلسلتها المتدلية، نسي سؤاله المضني، وتراخى شعوره القلق إلى خدر لذيذ قريب من الغبطة، فقد ساق القدر إليه هذا الحيواني المعدني الصغير، لا ليجلو له الوقت فحسب، بل ليتجاذب تنفّسه الرتيب، المنتظم أطراف الحديث مع قلبه الضعيف) ص 79.‏

10-الغاية من "ساعة مخول" هي التوجه إلى الحياة بالعمل: (زال الزمن الصغير البطيء، وحلّ محله الزمن الكبير السريع، الزمن الذي يعمل فيه الإنسان بلا حساب) ص 15. بينما الغاية في "الساعة" تركن إلى هيمنة الزمن: (وشعر وهو بسبيل السجود أن رجليه تتقصفان، وأن ضربات قلبه تخفق في عالم غريب قصي، وأحس بوخزة مفاجئة: لقد مدّت هذه الحشرة المعدنية ذراعيها الدقيقتين المترادفتين، وجعلتا تصهران قلبه، وتشدان عليه، رويداً رويداً، رويداً) ص 83.‏

11-التنويع على الحدث المركزي في: "ساعة مخول" قدّم بياناً، يُوجب التعقّل: (نعم من الممكن ذلك فيما لو عقل، ولكنه في الحقيقة لم يملك أعصابه) ص 12. وقدّم تمتيناً لأواصر الصداقة: (-انظري ما تفعل الصداقة، لقد أهداني مخول ساعة يد) ص 14. بينما قدّم هذا التنويع في: "الساعة" العزلة والخوف من الآخرين، وأغرق الشخصية في بحران الذاتية والانغلاق: (لا، لا، لا أحد يسير في هذا الوقت المبكر، ولكنه لمح هراً أبيض، مرّ أمامه بسرعة خاطفة، وتوقف ونظر إليه بعينين فوسفوريتين فزعتين، ثم لاذ بمنعطف قريب، واختفى طرف منه، وبقي ذيله ظاهراً، يتلوى في نزق، وينوس يمنة ويسرة كرقاص ساعة كبيرة، ثم يسوط ظله الذي كان يقلد حركته على الأرض) ص 77.‏

12-الزمن يأتي بطل "الساعة" وهو مستسلم: (يريد أن يخلد إلى إغفاءة، ولكن النوم لم يسلس له، فهناك إلى جانبه لا يألو يتردد لغز هذا الصرصار المعدني هازجاً: تك، تك، تك.‏

وتقلب في فراشه، يستدني إغفاءة ممتنعة، ثم فتح جفنيه، وأجال نظره في العتمة إنه يرى شيئاً غريباً: كانت تحدجه من زاوية في غرفته عين مدورة، سقط هدبها، لم تكن تغتمض أو ترف...) ص 79. وبطل "ساعة مخول" يتمرد على الزمن، (وقعت عيناه على حجر كان بالقرب منه، أمسك به، ورفع يده إلى أعلى، وبحركة سريعة أصبحت الساعة قطعاً صغيرة تتناثر على الأرض.‏

جميل هذا ومريح، لقد اختفت الثواني والدقائق والساعات، زال الزمن الصغير البطيء، وحلّ محله الزمن الكبير السريع، الزمن الذي يعمل فيه الإنسان بلا حساب) ص 15.‏

14-في: "ساعة مخول" يتعزز دور الشجاعة بمؤشرها الإيجابي: (مخول- الحقيقة أنني لم أكن مهذباً معك.. ولكن! كان لا بد أن أغضب، نحن لا نستطيع السيطرة على أنفسنا، تصور أن مسكبة كاملة من الذرة الصفراء قد تهشمت، ماذا يعني هذا؟ يعني أني خسرت مئات الليرات.. وهذا لا يهم إذا ما فكّر الإنسان بعقله..) ص 13. وفي "الساعة" يتعزز دور الوحدة بمؤشرها السلبي الواهن: (ولما وقف إسماعيل إلى جانب المصلين، يتلو الفاتحة، وقد وضع راحتيه فوق ساعته الخبيئة تحت نطاقه، خيل إليه أن راحتيه تضمان عصفوراً صغيراً، يخفق قلبه وجلاً، مندغماً بدقات قلبه المريض، ليمتزجا) ص 83.‏

15-كلتا القصتين اعتمد تشكيلاً ثنائياً: (ساعة مخول = صدفة + زمن) و: (الساعة = خوف من الآخرين + استسلام للزمن).‏

16-الاسترسال متراخٍ في "الساعة" دائماً هناك مسافة بين الصورة والأخرى، تحتاج إلى وسيط تعارف. أما الاسترسال في: "ساعة مخول" فهو صلب مترابط الأجزاء بقوة. ولا ننسى أن نشير إلى تلك الصلة الضعيفة بين تعزيز مفهوم الصداقة وتعزيز قيمة العمل، أي أن هذه الصلة متراخية هنا أبعد من مسافات: "الساعة".‏

17-سلطة الزمن قوية فاعلة في "الساعة": (وأن الساعة الجاثمة في جيبه تتململ، كأنما تود أن تخرج من محبسها) ص 82. بينما نجد سلطة الزمن مزعجة في "ساعة مخول": (مضى من الوقت خمس دقائق ولم تحضر زوجته، مضت ربع ساعة، نصف ساعة، ساعة، وكان يشعر أن كل دقيقة تعادل في طولها يوماً كاملاً.‏

وهمس ضجراً) ص 15.‏

18- الفعل الذي أتى عليه بطل: "ساعة مخول": تحطيم الساعة، غير مقبول، حيث إنه يحطم رمز الصداقة المتجددة، ويبدو أن هذا الفعل قد جاء من الكاتب، أو من خارج السياق القصصي. وكان الأجدى للبطل أن يحتفظ بالساعة رمز الصداقة، وأن يهتم بالوقت نفسه بالعمل. وأما الفعل في "الساعة" فإنه جاء منسجماً، قد تغلغل في عمق البناء، وشكّل محوراً يعود إلى البداية، هو عودة الزمن إلى لقاء إنسان آخر: (وتعثرت نظرته بالساعة الجاثمة على الأرض، فالتقطها وقلّبها في راحته مستغرباً)، وهزّها هزة رفيقة، فترجّحت سلسلتها، وناست كذيل هر نزق مغضب) ص 84. وللتدليل على أهمية هذا التوجه ننقل: (وهو يقفل عائداً إلى بيته، كان الهر الأبيض ينظر إليه من المنعطف) ص 78.‏

19-البنية الإيقاعية حركية ناشطة في: "ساعة مخول"، تتدفق حيوية: (ونظر إلى الشمس، فأدرك أنه ما زال هنالك متسع من الوقت للعمل، فحمل مجرفته، وانطلق باتجاه الساقية، يخامره شعور مَنْ يسترد حريته بعد سجن طويل) ص 15. أما النبرة الإيقاعية في: "الساعة" فإنها واهنة بطيئة، متراخية، ربما بتوافق مع قلب البطل الواهن الضعيف: (وكان يشكو من وهن في قلبه، وقد كان في ميسوره أن يشتري ساعة جديدة، حين سنحت له الفرصة، ومضى إلى دمشق منذ أكثر من خمس سنوات، ليراجع طبيباً مختصاً بأمراض القلب. ولكن أجرة الطبيب وثمن الأدوية ونفقات السفر، التهمت جلّ المبلغ المدّخر الذي قدم به إلى دمشق، وانتسخت أمنيته الحلوة، منذ ذلك الوقت، وأنه ليذكر نظرته الحسيرة، حين وقف أمام واجهة دكان ساعات، في ساحة المرجة) ص 78.‏

20-حسّ الاتجاه كان عنيفاً في توجهه إلى الحياة في: "ساعة مخول" حيث إنه ظل مثابراً على الحيوية حتى النهاية: (ومرت بضعة أيام لم يكن فيها مرعي مرتاحاً لساعة مخول كما كان في اليوم الأول.‏

كان الوقت قبل وجود الساعة في يده يمر بسرعة.. وكانت الوحدة الزمنية تبدأ مع شروق الشمس، وتنتهي بغيابها، أما الآن فقد اختلف الأمر، فالزمن أصبح بطيئاً وبطيئاً جداً) ص 14. أما حس الاتجاه نحو الحياة في: "الساعة" فإنه جاء متخاذلاً: (-تبدو اليوم مصفر الوجه شاحباً، أكثر من أي يوم مضى يا إسماعيل، إنك تشكو من قلبك، فلماذا لا تذهب إلى المدينة، لتراجع الطبيب مرة أخرى.‏

وأجابه إسماعيل كمألوف عادته، إذ يتلقى هذه النصيحة:‏

-الشافي هو الله) ص 83. وهذا الاتجاه يخدم غاية القص وبناءه.‏

21-وتلاؤماً مع حسّ الاتجاه فإن سيرورة الحياة في قصة: "ساعة مخول" تؤول إلى العمل والحركة، بينما هي في: "الساعة" تؤول إلى اللامبالاة والسكون، أي الموت. نتذكر موقف إسماعيل من التداوي.‏

22-الروح التي بنت "ساعة مخول" متوثبة خلاقة، يقابلها في "الساعة" الروح الهادئة المتدبرة.‏

ساعة مخول: توجه إلى الحياة بتحطيم الزمن والسير إلى العمل.‏

الساعة: توجه إلى السكون بسيطرة الزمن والانكفاء عن المواجهة.‏

وماذا بعد؟..‏

لقد حرص الراوي في: "الساعة" على تجسيد مشاهد عديدة، من شأنها أن تقدم عناصر مساعدة، تفسح المجال لاستنباط الخوف المركب في شخصية إسماعيل: اللقية والخوف من الآخرين، الهر ومحاولته بث الخوف في البطل، ثم جاءت سيطرة الزمان وإجهازها على هذه الشخصية محصلة ضرورية لمجمل الأفعال. فنحن نتخيل مع الراوي كل المشاهد المعروضة بتصويرها الدقيق، ونحن نعرف طريقنا إلى هذه الصور من التراكيب اللغوية الخافتة في بنائها، والموعزة بحال ساكنة، ستنتهي إليها مجمل الأحوال، وبالتالي، فإن الخاتمة أو لحظة التنوير كما يسميها د.رشاد رشدي3 جاءت من ضمن الفعل القصصي، ومنسجمة معه بتماسك متميز، هو تماسك الأسلوب وطراوته وإغراؤه في عملية استرسال القصة من جهة، وفي شد المتلقي وتشويقه إلى المتابعة من جهة أخرى. حقيقة لم نكن نتوقع أن تصبح الساعة اللقية رمزاً لاختراق الحياة والإجهاز عليها. ولكن مَنْ منا لا يُسرّ لهذا الاستنباط؟..‏

ومَن منا يستطيع أن ينسى هذه المشاهد المعروضة، بغية تجسيد الخوف من جهة، ولإمكان انحدارها إلى النهاية من جهة ثانية، ولبثّ وإشاعة السكون من جهة ثالثة؟.. ومن ينكر رهبة الساعة في انبساط دلالتها الموحية إلى الزمن، وقوة فعلها المؤثر في هذه الشخصية النموذجية، والتي قدمت أفعالاً وأحوالاً نراها يومياً؟.. إن إطباق الراوي على الشخصية في اللحظة الحاسمة يحقق شرطاً رائعاً وخاماً لبناء قصة قصيرة فاعلة.‏

وكما حرص كاتب: "الساعة" على تجسيد قوة الزمن، فإن كاتب: "ساعة مخول" حرص على تقديم حب العمل. حتى تصبح الحياة هي العمل. وهذا الحب للعمل قد ينسينا فعل البطل مرعي، حين أقدم على تحطيم الساعة رمز الصداقة. فقد أصبحت هذه الساعة تذكار لمفهوم الصداقة والحرص عليه. وكان يمكن للكاتب أن يجهز على الزمن بغير هذه الوسيلة وغير هذا الفعل. لقد نسي الكاتب بطل القصة، واندفع هو للتواصل مع المتلقي مباشرة، فلم يحتفل كثيراً باللحظة الحاسمة في تكوين القصة.‏

إن الإجهاز على وسيلة الزمن في: "ساعة مخول" كان درامياً مؤثراً، لكنه لاقى كثيراً من الإرباك للبطل. وعلى الرغم من إيقاعية: "ساعة مخول" الحركة الفاعلة النشيطة، ومن ضمور الحركة الإيقاعية أو تراخيها في "الساعة" أكثر مما ينجذب إلى "ساعة مخول".‏

لقد كان كاتب "ساعة مخول" ناشطاً لبلوغ الغاية، واعترضته في مسار البناء نتوءات متشظية، غافلة الذاكرة فحضرت، ولم يترك للفعل أن ينمو بطريقة سليمة، كما فعل في تعزيز مفهوم الصداقة. بينما كان الفعل في "الساعة" رتيباً في بروزه، وئيداً في تصوراته، فكانت النهاية مطابقة لواقع الحال.‏

1 مجموعة: أسئلة تطرح وأصداء تجيب- مراد السباعي.‏

2 مجموعة: حين تتمزّق الظلال- بديع حقي.‏

3 فن القصة القصيرة- د.رشاد رشدي.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244