مجلة الموقف الأدبي - مجلة أدبية شهرية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - العدد 303 تموز 1996
فهرس العدد فهرس الدوريات
 

كلشكوف‏

الحياة الروحية في بابل: الإنسان المصير للزمن ـــ شاكر الأنباري‏

الناشر: دار المدى للثقافة والنشر 1995/176 صفحة‏

ترجمة: عدنان عاكف حمودي‏

تمتد الفترة الزمنية التي درستها المؤلفة خلال الألف الثاني ومنتصف الألف الأول قبل الميلاد من حياة البابليين، حيث اعتمدت على النصوص القديمة لحضارة وادي الرافدين، ونشأت فكرة إعداد هذا الكتاب لأول مرة في ربيع عام 1974 حيث كانت المؤلفة عضواً في بعثة صغيرة من معهد التاريخ القديم، التابع لأكاديمية العلوم السوفيتية فأسهمت في دراسة المواقع الأثرية في دلتا مور غابا. ويستنتج من رؤية المؤلفة للأحداث أن المعرفة عموماً كانت عند الإنسان القديم ذات طابع عملي تطبيقي، مقارنة بالإنسان المعاصر ذي المنحى التجريدي النظري. فالفوارق العميقة بين المعرفة القديمة والحديثة لا تقتصر على موضوع المعرفة فحسب، بل تشمل في بنيتها الداخلية، كما تجلى الفارق أيضاً في نمط التفكير عند الإنسان القديم وتباينه عن مثيله الإنسان المعاصر، ويمكن القول أن نمط التفكير لدى الإنسان وحداني، وعلاقاته أضيق مما هي عليه اليوم غير أن تلك العلاقة كانت عميقة وطويلة الأجل، عكس ما نراه اليوم، علاقات كثيرة ومتنوعة لكنها سطحية سريعة الزوال.‏

تتناول المؤلفة عدداً من المفاهيم كالزمن والمصير والملكية والقيم الأخلاقية، لتصل إلى رؤية الإنسان البابلي لها وكيف تتجلى لديه في الوعي أو تؤثر على سلوكه اليومي في الحياة. وهي تقرر أن كل إنسان له زمنه الخاص، وبوسع الإنسان المنعزل أن يستغني عن الزمن، إلا أن الإنسان عموماً يجد نفسه مرغماً على التعامل مع زمن الغير، لذلك عليه أن يعرف جيداً الأعراف المرتبطة بالتصور الجماعي عن الزمن. فالتصور المعاصر عن الزمن متنوع معقد، وهم يميزون بين الزمن الفيزيقي أو الموضوعي والزمن النفسي أي الذاتي. كما يختلف مفهوم الزمن عند أفراد المجتمع أنفسهم، أيضاً، فزمن الفلاح يرتبط بتعاقب الفصول ودورة الشهر بالنسبة للعامل والموظف الصغير، وللأطفال زمنهم الخاص، وكذلك يختلف الزمن بين الشباب والعجائز، وبين النساء والرجال.‏

الزمن في الوعي المعاصر تواصلية مجردة، تمتاز بالتجانس والأرجعة، وتخضع للقياس بالوحدات متساوية القيمة، وهذا المفهوم، (مفهوم ما بعد نيوتن) تغلغل في الحضارة برمتها. ولكن عندما نتعامل مع لغات الشعوب القديمة أو المتأخرة، فإننا نستخدم ودون أن نعين ذلك مفهوماً للزمن بدل مفاهيم تلك الشعوب. كيف كان البابليون يفهمون الزمن إذاً؟ هل تبدل تصورهم عن الزمن خلال ألفي سنة من عمر الحضارة البابلية؟ هل كان يوجد اختلاف في مفهوم الزمن لدى الأفراد أنفسهم؟‏

قسم البابليون السنة إلى 360 يوماً، موزعة على 12 شهراً قمرياً، يتطابق اليوم مع الاعتدال الربيعي، ويبدأ اليوم في بابل مع غروب الشمس. ويقسم كل من الليل والنهار إلى ثلاثة أجزاء، كل جزء يقسم بدوره إلى جزأين، ويطلق الفلكيون على هذه الوحدة الزمنية مصطلح (الساعة المزدوجة). لكن هل عرف البابليون (ساعة حقيقية) أخرى؟ إذا كان الجواب بنعم فهل كانت شائعة الاستعمال؟ مما لا شك فيه أن البابليين عرفوا الساعة المائية، وهي عبارة عن إناء ذي ثقب صغير يتسرب منه الماء، ويعتقد أنهم عرفوا الساعة الشمسية أيضاً. غير أن استخدام تلك الأدوات كان مقتصراً على فئة ضيقة من الناس، هم علماء الفلك والرياضيات، أما الغالبية فيستخدمون الوحدات الطبيعية لقياس الزمن، السنة، اليوم، الساعة المزدوجة. فالزمن المجرد لم يكن مدركاً في القصور البابلية، ويمكن القول بشكل عام أن المفردات اللغوية المتلعقة بالظواهر الزمنية تمتاز بطابعها الملموس وبشكل يدعو إلى الدهشة. فأسماء الفصول مثلاً: حصاد، قيظ، حر، برد، وتسمى أجزاء اليوم: سهرة معتمة، سهرة ابتهاج، بزوغ الشمس... الخ.‏

لهذا فإن البابليين لم يعرفوا نظاماً تقويمياً للتاريخ كالنظام المعاصر، أي حقبة زمنية تتألف من عدد كبير من السنين، مع نقطة ثابتة لبداية التاريخ. كانت السنون تسمى بأهم الأحداث السياسية والدينية للبلاد، وكان لحساب الزمن على أساس حكم الملوك ميزة سياسية هامة، وحافظ الحكم الملكي في بلاد ما بين الرافدين، وحتى مرحلة متأخرة، على طابعه القدسي، مع كل ما يترتب على ذلك من نتائج. فعلى السمات الذاتية للملك وحسناته وسيئاته واصطلاحاته كان يتوقف كل شيء، في الوقت نفسه ساعد ذلك على لم شمل الشعب حول العاهل الحاكم، وربط النشاط اليومي للرعية بحياة حاكمها.‏

ومن السمات المهمة للزمن البابلي طابعه (الخطي) ويقصد بذلك انعدام الدورية الواضحة في مسيرة الزمن، ويمتاز أيضاً بعدم تجانسه، فهو لا يتجسد في الوعي الاجتماعي كفترة من الوقت، بل يتوقف كثيراً على الشيء الذي يملؤه، ويعتقد أن الزمن كان يقيم بدرجات متفاوتة في الليل والنهار، حيث تنص بعض القوانين على أن الجريمة التي تقترف في النهار تكون عقوبتها الغرامة، في حين أن نفس الجريمة المقترفة ليلاً تكون عقوبتها الموت.‏

أما الماضي، كزمن، فيقسمه البابليون إلى ثلاثة أقسام، الزمن التأريخي والزمن المحيطي والزمن الأسطوري، والزمن التأريخي هو الماضي الموثق نسبياً، سمع عنه البشر أو قرأوه عياناً، والزمن المحيطي، هو الواقع على مشارف المحيط، زمن المعجزات الخارقة وغير المألوفة، زمن أبطال الملاحم والحضارات. في حين أن الزمن الأسطوري هو زمن الآلهة، وعلى العموم كان الماضي بأزماته دلالة للخير والكمال لذلك يكتسي الجديد غالباً لبوساً قديماً، وكان التوجه نحو الماضي سمة من سمات حضارات العصور القديمة، ولم يكن الماضي هوة للأرقام فقط بل أحداثاً ملموسة ومآثر سلف ممجد يستحق التبجيل.‏

لم يكن للزمن بحد ذاته أهمية لدى سكان بلاد الرافدين، فكرة المصير هي التي تكمن في أساس التصور البابلي عن الحياة وعن كل ما يحدث فيها. ويمكن تعريف المصير بأنه (الضرورة الحتمية) التي تتحكم بجميع الموجودات، لكن كيف كان البابليون ينظرون إلى المصير؟‏

ينبغي الإشارة إلى عدم وجود مفهوم شامل للمصير على جميع المستويات، الحياتية واللاهوتية والأسطورية. لكل شيء مصيره في هذا الكون، للآلهة والبشر، ومصير الإله يقرر دوره وعظمته ووقعه في مجمع الآلهة، ويتضح أن المصير يتقرر في لحظة نشوء الظاهرة: لقد تقرر مصير المدينة عند تأسيسها، ومصير الإنسان عند ولادته، ولا ترد في النصوص إشارات لذلك، لكن تتوفر معطيات لصالح هذه الفكرة. ويبدو أن قرارات الآلهة وكلمتهم والمصير المقرر من قبلهم تكون (نهائية). وتقرير المصير للإنسان عند ولادته لا بد أن يؤدي إلى تقرير مستقبله بشكل تام، ولا بد أن يقود في النهاية، إلى القدرية المطلقة. لكن يلاحظ أن كلمة (لا تخرق) كانت تخرق في حالات كثيرة، ففكرة الحتمية معششة في مستوى الابتزاز الكهانوتي، أما الأدعية والصلوات فكانت تمارس بصورة عملية، وفي حالات كثيرة تقوم الآلهة ببعض التعديلات على القرارات المتخذة من قبل، علماً أن كل إنسان بابلي كان له إله حامٍ، يمتلك معه علاقة خاصة أشبه بعلاقة الابن مع الأب. هذه الوجهة الذاتية (الإنسانية) في العلاقة بين الآلهة والبشر هي التي أنقذت البابلي من الوقوع في القدرية التامة، وتركت للفرد نوعاً من الحرية والإمكانية للتأثير على مصيره بشكل ما.‏

وبعيداً عن المصير والزمن، كرس للملكية الخاصة في بلاد الرافدين دراسات كثيرة، لما لها من تأثير في حياة الفرد وسلوكه اليومي وعلاقته بالآخرين، إذ كانت معياراً للموقع الاجتماعي وصحة الفرد وعلاقته بالآلهة. غير أن الجانب (النفساني)، في موضوع الملكية، لم ينل من الباحثين الاهتمام المطلوب، إلى أي مدى بلغ الإحساس بالملكية، وهل كان ثمة شيء مميز وبعيد كل البعد عن موقف الإنسان المعاصر من الملكية؟ من المعروف أن السمات الذاتية للإنسان تتجسد في الثروة التي في حوزته، ففيها يكمن نجاحه وسعادته، وفقدانه لهذه الأشياء يعني الموت، أو يعني نقيصة من اكتماله الذاتي. إذ ثمة علاقة خاصة بين الأشياء ومالكها، الأشياء تندغم مع روح مالكها، لذلك تتم عمليات البيع والشراء وفق طقوس خاصة، فاسم الفرد وملكيته ومصيره تشكل مركباً واحداً، وهو ما يطلق عليه اليوم تعبير الشخصية الفردية، أو شخصية الإنسان. وفي النصوص التأريخية المكرسة للحملات العسكرية تكون التفاصيل حول الغنائم أكثر غنى في الحالات التي لاذ فيها العدو بالفرار للتأكيد على فداحة الخسارة وجسامة الأضرار التي لحقت بشخصية الهارب، بعد أن جرد من ممتلكاته. ولم تكن النتائج المترتبة على نقل الغنائم من الدول والمدن المحتلة إلى بلاد الرافدين، مقتصرة على الجوانب الاقتصادية الملموسة، فالثروة المفقودة، أو المستولى عليها، تؤثر على مصير المدينة ومستقبل الملك والبلاد أيما تأثير.‏

ولعل المعتقدات الأخلاقية في الوعي البابلي، هي الأكثر تجانساً مقارنة مما هي عليه عند الإنسان المعاصر، على الرغم من أنها كانت متشابكة- مترابطة مع المعتقدات الدينية والتشريعية والاجتماعية، وهي بمجموعها تكون تصورات موحدة عن الوجود البشري.‏

إن أفضل وأوثق المصادر التي يمكن أن تساعدنا على رسم الصورة الحقيقية للمعتقدات الاجتماعية الأخلاقية عند البابليين، هي النصوص التي تشتمل على عدد أكبر من الآراء التي لا تحتمل الاجتهاد والتأويل والتفسيرات المختلفة والمعاني المتعددة.‏

لم تكن عند البابليين عادة تخليد الموتى بواسطة النقوش التذكارية في الأضرحة، الأمر الذي جعل من هذا المصدر الحيوي فاقداً للفائدة. إن العدد الكبير من التراتيل والأدعية والتعاويذ والنصوص الملكية، يمكن أن تعوض جزئياً عن المعلومات التي تقدمها نقوش الأضرحة. لكن من الصعب الجزم إن كانت هذه النصوص تعبير بالفعل عن آراء الناس البسطاء، فالمعلومات المستخلصة منها أقل أهمية من المعلومات التي تقدمها نقوش الأضرحة الفردية والجماعية، كما هو حال الأضرحة الرومانية. إن المعضلة المرافقة للنصوص هي أن الكثير منها لم تكن موجهة إلى الجيل المعاصر، خاصة النصوص الملكية، بل إلى الأجيال القادمة والآلهة، أجل كان ثمة كتابات موجه للمعاصرين أيضاً، لكن الجهة الأساسية التي خاطبتها تلك النصوص هم الآلهة والأحفاد. وكان لهذا الأمر أثره الكبير على نبرة ومحتوى هذه النصوص، بحيث أنها اكتست طابعاً ملحمياً خاصاً. وتبدو الوثائق التشريعية والحياتية البابلية من الناحية العملية قليلة الجدوى لأنها تعكس أخلاقيات (الدوائر العليا) وليس الدوائر المعنية. إنها تشكل مادة ضرورية هي والنصوص الملكية عند رسم صورة الحياة الواقعية للمجتمع. لكن بالفعل ستبدو صورة الواقع كئيبة جهماء: أما التعامل مع الملاحم البطولية والأسطورية فيجعل من غير الممكن تعميم قواعد العلاقات القائمة بين شخصياتها على المجتمع الذي تترعرع فيه. وفي هذه الظروف علينا أن نتصور مدى الأهمية التي يقدمها (أدب الحكمة) البابلي لفهم الحياة الروحية لهذا الشعب. وهو يشتمل على النصائح الأخلاقية ومجموعات الأمثال والمواعظ والتراتيل والحوارات العلمية.‏

فوق ذلك فالمصادر المتوفرة في هذا المجال تنقسم إلى مجموعتين: تضم المجموعة الأولى النصوص التي تعكس المفاهيم والآراء العامة المتفق عليها، أو كانت معروفة من قبل جمهرة واسعة من الناس، مثل المواعظ المدرسية والأمثال والقوانين والتعاويذ، والمجموعة الثانية تضم المؤلفات المقتصرة على دائرة ضيقة نسبياً من الكتبة والمتعلمين، أي تعكس آراء النخبة الواعية من المجتمع القديم، مثل الحوارات العملية والصلوات وبعض التراتيل والنصوص الأدبية وبعض القصائد الشعرية.‏

من خلال قصيدة (اللاهوتي البابلي) المكتوبة في الألف الأول قبل الميلاد، ويعتقد أن مؤلفها شخصية متعلمة ينتمي إلى الفئة المتنورة التي تنحدر من الطبقات الوسطى، نجد أن موضوعة المعذب البريء كانت شائعة في النصوص الشعرية. الإنسان يتذمر من المحن التي ألمت به، مؤكداً أنه يجهل الذنوب التي اقترفها. فالخطيئة حتمية لدى كل البشر، وما على الإنسان المخطئ إلا تقديم الصلوات والاعترافات للإله كي يغفر له ذنوبه، وتتساءل القصيدة عن سبب انتصار الظالمين والأشرار، بينما تكون الخيبة والإحباط من نصيب الصالحين الطيبين.‏

إن معضلة عذاب الأبرياء في اللاهوتي البابلي تتحول على لسان المعذب من مشكلة شخصية بحتة إلى مشكلة اجتماعية، وكان للتراتب الاجتماعي للأفراد دوره في تحديد المصير الذي ينتظره. كل فرد له دور مرسوم في ذلك التراتب، وأي خروج عنه يستدعي غضب الآلهة وعداءها. لذلك كان الناس ينظرون إلى بقاء المروق الجدي دونما عقاب مثابة نذر بعواقب وخيمة وتحولات وكوارث. كان تأثير مؤلفات بلاد الرافدين حول عذاب الأبرياء على الأدب التوراتي وخاصة كتاب سفر أيوب، يشكل موضوعاً في غاية التعقيد ويبدو أن الأدب البابلي أعطى الدفعة الأولى لمؤلف (العهد القديم)، وقد ساعدت الظروف الاجتماعية التي سادت السبي وفي المرحلة التي تلت، على تركيز اهتمام اليهود نحو مثل هذه القضية.‏

أما حكمة البابليين فلم تكتسب طابعاً منطقياً مجرداً، وظلت حتى آخر أيامها في مجرى البناء الأسطوري التقليدي الملموس، وهذا لا يعني أن البابليين لم يفكروا جدياً بالقضايا الحياتية العميقة، أو أن حكمتهم كانت سطحية بدائية غير ناضجة، نحن هنا إزاء نمط آخر من التفكير، وهناك سؤال هام ينبغي التوقف عنده: ما هو مدى الانتشار الفعلي للأفكار الواردة في النصوص المدونة؟ لم يكن التعليم مقتصراً على النخبة، رغم الإشكالات المتعلقة بعملية تعلم الكتابة، حيث دلت التقنيات أن الألواح الطينية كانت موجودة في الكثير من البيوت المتواضعة، وتتوفر معطيات على أن التعليم شمل النساء أيضاً، وكان يوجد الكثير من كتبة الشوارع الذين يقومون بصياغة الوثائق والعناوين والرسائل للأميين لذلك من الخطأ عزل الحضارة (الكتابية) عن الحضارة (الشعبية) في بلاد الرافدين والعناوين واعتبار الآثار الكتابية القديمة مقتصرة على النخبة السياسية والاقتصادية فقط.‏

أما مسألة الموت والموقف منه فلها دور بالغ الأهمية في بلورة منظومة القيم وتحديد سلوك الفرد. كان الفرد بمثابة الوحدة الأساسية للمجتمع وليس العائلة أو القبيلة، وارتباطاً بذلك احتل السؤال عن الموت ومصير الإنسان بعد الموت مركز الصدارة في اهتمامات البابليين.‏

إن المعتقدات البابلية عن العالم السفلي غير سارة، هنا يتلظى الموت بدون أي أمل في البعث أو الولادة الجديدة. ولم تتبلور فكرة الحساب بوضوح شيء واحد ينتظر الصالحين والأشرار على حد سواء، الكآبة والخمول. وتكون الحالة أفضل نسبياً لمن خلف أولاداً بعده وهي أسوأ لمن لم يسلم جثمانه للدفن، وآفاق الوجود تنحصر بين المهد واللحد، لذلك تتركز كل الجهود لإطالة المسافة بينهما قدر المستطاع، والموت الذي هو نقيض الحياة، يصبح في الوقت نفسه نقيض الخير، الشر هو الموت والخير هو الحياة.‏

في النصوص القديمة لا نلاحظ أيضاً تمجيداً كبيراً للعمل، يمكن ملاحظة المديح الموجه للعاملين في مجال الفن والتباهي بالأدوات والمصنوعات ولكننا لا نلمس أي تمجيد لعملية الشغل ذاتها، إذ كان العمل الجسدي من نصيب العبيد والفئات الاجتماعية الدنيا.‏

إن الآلهة البابلية لم تخص البشر بالعمل والموت فقط إنما بالأفراح والمسرات، فكانت المعابد والأسواق محطات للاحتفالات والرقص وشرب الخمرة التي كانت مباحة اجتماعياً للفرد.‏

وكان لدى البابليين كثير من المصطلحات للتعبير عن الخطيئة، الجريمة، الإثم، الذنب، ومفهوم الخطيئة كان يعني الدنس الطقوسي الذي يكفر عنه بالمراسيم والابتهالات والصلوات. والخطيئة عند البابلي لا تخلو من طابع مادي، نوع من النجاسة الخاصة التي يمكن غسلها ونقلها أو تحويلها من حاملها إلى أي شيء آخر. وتشكل الآثام والخطايا ذات الطابع الديني حيزاً كبيراً من حياة الفرد البابلي. وهناك قائمة طويلة بتلك الخطايا كأكل الأغذية المحرمة والتلامس المباشر مع شخص غير طاهر من الناحية الطقوسية والمحاولات الخائبة للاحتكاك بعالم الآلهة الخاص... الخ.‏

ثم تليها التجاوزات الاجتماعية التي تحمل طابعاً أدبياً معنوياً شهادة الزور وإراقة الدماء وعدم احترام الوالدين والفجور والغش والعنف والنميمة والوشاية.‏

أما القيم الخيرة عند الفرد البابلي فهي الصحة والعمر المديد، بينما يحتل الأطفال، الورثة، الموقع التالي في درجات القيم، وثمن سكان بلاد الرافدين تثميناً استثنائياً عالياً الملك والثروة. إن الثروة تفتح الطريق إلى الرفاه والنعيم، وهي إلى جانب خدمة الآلهة من نصيب الإنسان، الثروة لم تكن وسيلة فقط بل غاية.‏

وكانت الحكمة من القيم الروحية الأخرى التي ينظر إليها البابليون باحترام. إنها تعني الخبرة الدنيوية والعلم والمعرفة، كما مجد البابليون الحقيقة والإنصاف والعدالة والوفاء بالعهد، غير أنهم لم يمجدوا القوة والجسارة والروح العسكرية، وغالباً ما يدور الكلام عن الوداعة والمسالمة وعدم التهور ورباطة الجأش. ويمكن من حيث الظاهر وصف الأخلاق البابلية ونظرتهم إلى العالم بالتفاؤل وحب الحياة، ولكن هذا التفاؤل الظاهري كان مصحوباً بخلل خفي، ووعي ديني متزمت شيئاً ما.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244