مجلة الموقف الأدبي - مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - العدد 351
Updated: Tuesday, September 23, 2003 05:08 AM
فهرس العدد فهرس الدوريات
 

ربيع الشعر أم خريفــه؟! ـــ شـــوقي بغدادي

سوف تقرؤون في هذا العدد "المقالة" الأدبية النقدية التي كتبها الشاعر أحمد يوسف داوود عن "الحداثة الشعرية". وسوف تقرؤون غيرها في مجلات أخرى، و لا بدّ أنكم قرأتم قبل ذلك هنا وهناك ما يتعلّق بهذا الموضوع الذي غدا أشبه بالأسطوانة المملّة من كثرة تكرارها:‏

الحداثة.. ما بعد الحداثة.. ضد الحداثة أو معها.. عزلة الشعر.. ربيع الشعر.. الخ..‏

والإبرة عالقة على جملة موسيقية واحدة هي: هل يعاني فن الشعر اليوم من تراجع أهميّته في حياة البشر أم لا؟ وإذا كان الشعر يقاسي فعلاً من أزمة انحسار، فما هي الأسباب العميقة لهذا الانحسار؟.. وإذا لم يكن الأمر على هذه الخطورة فلماذا كلّ هذه الضوضاء؟!.‏

أنا شخصياً من أنصار التفاؤل مهما كانت نشرة الأحوال الثقافية رديئة.. ولكنْ.. للتفاؤل حدود بالتأكيد، وتجاهلها سذاجة لا نريد أن نوصف بها.. وإليكم هذه المعلومات، ولكم بعدها أن تتفاءلوا، أو أن تتشاءموا:‏

-لم تَعُدْ دور النشر في أوروبا تجرؤ على طباعة ديوانِ شعر حديث إلا لشاعر شهير وفي حدود نسخ قليلة لا تتجاوز الألف وخمسمئة نسخة. بالنسبة لبلد قارئ ومثل فرنسا التي يبلغ عدد سكانها 56 مليوناً تقريباً. أما الشعراء الجدد فلا أمل لهم في الظفر بهذا الحظ السعيد إلاّ بعد أن يكرّسوا أسماءهم في الصحف الأدبية المعتمدة كشعراء مجيدين تعترف بهم الأوساط الأدبية، وإذا قبلت دار نشر مجموعتهم فهي لا تطبع منها في المرة الأولى أكثر من ألف نسخة.‏

وفي العام الواحد لا يَصْدُر في فرنسا أكثر من ست مجموعات شعرية جديدة.‏

هذه معلومات حصلت عليها مباشرة من السيّد "بريتون" صاحب مجلة "شعر" Poésie الفصلية المعروفة في حوار شخصي معه وهو صاحب دار نشر أيضاً. وحين سألته مازحاً:‏

- هل أفهم من ذلك أن الفرنسيين لم يعودوا يحبون الشِعر؟.‏

فأجاب على الفور:‏

-بالعكس.. إنهم ما زالوا يحبّون الشِعر ويقرؤونه، ولكنْ في دواوين أمثال لامارتين، وفيكتور هوغو، وألفرد دو موسيّه، وشاتو بريان وغيرهم من تلك الأجيال ممن يفهمون شعرهم فيُطبع من دواوينهم عشرات الألوف من النسخ سنوياً وتُباع كلها. إن عدم الإقبال على الشِعر ظاهرة تكاد تنحصر في الشِعر الحديث أو بعضه على الأقلّ.‏

وعندما سألته عن السبب قال:‏

- الجواب معقّد صعب، غير أنني أوجز أهم عناصره في اعتقادي بعوامل ثلاث:‏

1-غموض الشِعر الحديث، وإغراقه في الذاتية بعيداً عن الهموم الإنسانية والاجتماعية الكبرى، أو عن الجماليات المعروفة في الطبيعة والحبّ.‏

2-التحوّلات التي طرأت على بنية الحضارة الحديثة وجعلها حضارةً ذاتَ طابعٍ استهلاكي سريع الإيقاع مهووس بهاجس التغيير.‏

3-المنافسة التي يلقاها الشعر من الفنون البصرية المحدثة، والمتنوّعة في التلفزيون، والكومبيوتر، والسينما.‏

- والمعلومة الأخرى حصلت عليها من إحدى السيدات البلجيكيات العاملات في حقول تنظيم الحفلات والمعارض الثقافية في زيارة لها لدمشق إذ صرّحت لي جواباً على سؤالي إياها عن أحوال الشعر في بلادهم والبلاد المجاورة فأجابت بأن الشِعر لم يعدْ مرغوباً بين الجماهير الواسعة في الحفلات العامة، ولكنهم يحتالون على تقديمه أحياناً بين الفقرات الموسيقية والغنائية وفي حدود خمس دقائق للشاعر الواحد.‏

وأضافت: "وإذا كان ثمّة شِعر يُقرأ هناك ويُسمع فهو شِعر "الأغاني" الذي يُكتب خصيصاً كي يلحّن ويغنيه المطربون الذائعون الصيت.. والسبب يعود إلى بساطة هذا الشِعر وعفويّته، وحفاظه على الإيقاع!.‏

أمّا في وطننا العربي الكبير فالأزمة حاصلة، ولا رواج إلاّ لأسماء قليلة من "نجوم" الشِعر، والأسباب أكثر وأعقد مما ذكرناه آنفاً.‏

نرى.. هل هذا هو السبب الذي دفع منظمة عالمية مثل "اليونيسكو" إلى أن تتبنّى يوماً خاصاً في كل عام هو 21 آذار.‏

- وهو موعد عيد النيروز أيضاً كما تلاحظون- كي تسميّه "يوم الشِعر" وتدعو دول العالم أجمع إلى الاحتفال بالشِعر في الأسبوع المحيط بهذا التاريخ من شهر آذار.‏

وفي فرنسا دعت المؤسسات الخاصة والرسمية في العام الفائت إلى مهرجان دام شهراً كاملاً سمّته "ربيع الشِعر"، تُنظم فيه الندوات، وتعقد المهرجانات والأمسيات، وتصدر الكتب والكرّاسات، وكلّها عن الشِعر..‏

والسؤال هو: هل نعدّ هذه الإجراءات اعترافاً غير مباشر بأزمة الشعر عالمياً، وأنها تأتي لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من هذا الفن العريق الجميل المهدّد؟!.‏

هل هو ربيع الشِعر حقاً.. أم خريف الشِعر؟..‏

وهل يُصلح العطّار ما أفسده العصر الحديث؟!..‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244