مجلة الموقف الأدبي - مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - العدد 351
Updated: Tuesday, September 23, 2003 04:39 AM
فهرس العدد فهرس الدوريات
 

حداثتنا الشعرية ـــ أحمد يوسف داود

-1-‏

هل كانت (حداثتنا الشعرية) في النصف الثاني من هذا القرن -قصيدة التفعيلة حصراً- هي حداثة زائفة أو مصطنعة؟!.. أم إنه كانت لولادتها مسوغات جعلتها تمتلك نوعاً من المشروعية؟!.. وكيف؟!‏

تلك أسئلة مؤرقة. فإذا كان الجواب على السؤال الأول هو جواباً بالإيجاب، فبأي منظور يجب أن يرى ذلك الزيف أو الاصطناع؟! وبأي معنى؟!. فالظاهرة قد وجدت، وهذا يعني أن وجودها امتلك مسوغاته، والإّ ما مكان له أن يتحقق. وتحدد الإجابة على السؤال الثالث طبيعة الصلة- من داخل الظاهرة الموجودة ومن خارجها -بين المعنى الخاص للزيف والاصطناع هنا وبين عناصر التسويغ، بقدر ما تعين على رسم الأسس لاستجلاء حقيقة معطيات هذه الظاهرة: تعبيرياً وجمالياً ودلالياً ووظيفياً، ولمعرفة أساليب تجلياتها النصية، وتحولات التجارب الكبرى فيها، والمآلات الإجمالية لها.‏

ونحن إذاً نقترح وجوب إعادة النظر في (درس حداثتنا الشعرية هذه)، ببدئها، وتحولاتها، ومصائرها التي تبدو الآن كأنما هي قد انغلقت بتكرار (ثيماتها) الأساسية وبالدوران حولها في قسط كبير من نماذجها الجديدة- أي بوصولها إلى نهايات الطريق المسدود الذي يجعل لها كلاسيكياتها التعبيرية المكرورة دون إضافات تذكر- أو كأنما هي قد انفلشت في قسطٍ آخر من نماذج أخرى طامحة إلى التجاوز. ولكن، كيف.. وعلى أية قواعد.. وبأية أدوات ومعايير، يمكن للمرء أن يُجريَ إعادة النظر تلك؟! ثم لأية غاية، ما دام أنه لا يمكن للتاريخ- بما فيه تاريخ الأدب- أن ينكفئ راجعاً إلى الوراء بتاتاً؟!‏

أسئلة لازمة حسبما نعتقد. وربما، للإجابة عليها، لابد من العودة إلى الأطر التاريخية الموضوعية التي نشأت مقدمات الحداثة فيها، ثم نضجت وتبدت كظاهرة. فنحن نعترف ببديهية الصلة الحميمية بين الإبداع والتاريخ بما هو سياق للوقائع والتراكمات والتغيرات وصراع الأضداد... أي إننا -في النهاية- نرى أيضاً عمق الصلة الوطيدة بين النقد والتاريخ من حيث أن الأول كشف لأبعاد النص الإبداعي وآفاقه التخييلية /التعبيرية/ الجمالية/ الوظيفية التي تصدر عن كيفية ما من كيفيات (تمثُّلِ التاريخ)، وترتدّ إلى الاندراج فيه بقدر ماتشير إليه كاشفة أعماقه.‏

وإذا صح هذا فإن علينا -بدئياً- أن نقرّ بحقيقة معاصرة، قائمة ومتفاقمة وتخصّ وجودنا، وهي أننا -رغم كل مشروعاتنا الخلاصية: المعرفية منها والعملية، خلال القرنين الأخيرين- لم نزد على أن نكون مستهلكين نمطيّين لمنتجات الحضارة الحديثة: من الأفكار التجريدية إلى السلع التطبيقية للتكنولوجيا القائمة‏

على (علم) نكاد لا يكون لنا شأن به حتى الآن. وهذا يعني أن هناك (آخر) ينتج.. وأنه، في إطار فعاليته الإنتاجية ومستجراتها -وهذه نقطة المركز في بحثنا هذا- يحدد لنا موقع (المستهلك النمطي) بمختلف الأساليب. وفي حدود علاقة (المركز بالأطراف) هذه، ومقاومة الأطراف للمركز، حسب سمير أمين: اقتصادياً واجتماعياً وسياسياً وثقافياً... وبما المركز (أي الآخر المنتج حضارياً) "شرقن، ويشرقِن" الأطراف، أي يعيد إنتاج تصوراته لها وفق مصالحه، ويفرض عليها -معرفياً- أن ترى ذاتها وفق تلك التصورات، حسب إدوار سعيد..‏

.. في حدود هذه التركيبات العلائقية الشاذة ولدت حداثتنا الشعرية مترافقة مع شروط برهةٍ خاصةٍ من برهات السياق التاريخي الحضاري العام الراهن: برهة ما بعد الحرب العالمية الثانية.. وهي بالنسبة لنا برهة تحقّق الاستقلالات الوطنية في ظروف الحرب الباردة، وعلى أساس من تمزيقنا قومياً، ومن خلق قضية فلسطين ومستجراتها المعروفة.‏

ثمة إذاً ما يجب أن يعاد قوله هنا من باب التوكيد وهو: إننا "تابعون" هامشيون، ومستهلِكون بكثير من الابتذال لمنتجات (الآخر) المهيمن.. بما في ذلك الاستهلاك في المجال الثقافي!‏

وعليه، فإن مراجعتنا لدرس الحداثة الشعرية عندنا لابد أن تأخذ بالحسبان مسألة التبعية لذلك (الآخر)، وهي تبعيّة حدّدت ـ وتحدد ـ وعينا (لذاتنا) في إطار ذلك الاستهلاك، ومن حيث ذلك (الآخر) مستمر في الفاعلية القصدية ـ وعبر تطورات أوضاعه التاريخية ـ من أجل أن نستمر كذلك. كما لابد لهذه المراجعة من أن تنظر جيداً في كيفيات مقاومتنا لذلك، وأساليب السعي إلى تحديد السوية الصحيحة لتحقيق (ذاتنا): رؤيةً ووجوداً حضارياً فاعلاً ومستقلاً.. أي أساليب المقاومة والسعي إلى الخروج من دائرة التهميش التي حُصِرنا فيها.‏

والترابط بين صيغة تبعيتنا المذكورة وبين صيغ مقاوماتنا لها يتناول أبعاداً سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية وعلمية واسعة، ولذلك لن نتطرق هنا لتلك الأبعاد إلا بالقدر البسيط من الملامسة التي تستلزمها الإجابة على سؤالنا الأول السابق ومشتقاته.‏

-2-‏

في إطار تاريخي خاص بنمو الآخر/ الغرب ولدت (الحداثة) -حداثتُهُ هو!- خلال القرن الماضي، وعلى وجه الدقة في النصف الثاني منه. وكان ذلك الإطار نوعاً من الانقلاب البنيوي الشامل في كيفيات وجوده.. حيث قلبت الثورة الصناعية الأولى التركيبات البنيوية الاجتماعية، وطرائق المعرفة، والسلوك، والعلاقات، والقيم والفلسفات، وأساليب التعبير الأدبية والفنية... إلى آخره، مع تغير جذري في نوعية الصلة ببقية العالم وكيفية النظر إليه والتعامل معه: (استشراء الحركة الاستعمارية، المركزية الأوروبية في الثقافة... الخ).‏

وباختصار: مع التقدم العلمي والتكنولوجي الواسع نمت المدن الكبرى حول المصانع مجتذبة سكان الأرياف وكثيراً من سكان المستعمرات، حيث تفاقم البحث والصراع على مصادر المواد الأولية وعلى الأسواق، وقيم (السوق) أخذت تتعزز في سياق الحركة الليبرالية للمال والسلع، فاشتد ارتباط معنى وجود الإنسان (بالملكية)، واشتد الإحساس بالاغتراب والضياع وتصدع الشخصية متعززاً بالتركيب الاجتماعي‏

الجديد للمدن، وبالانقلاب الشامل السريع على نمط الحياة القديم وقيمه وإيماناته... وفي هذا المناخ العام تغيرت الذائقة الفنية ومعايير الجمال الفني تغيراً جذرياً متوازياً مع فواعل هذا المناخ ومعطياته، وتمَّ انحراف اللغة عن أنماط استعمالاتها التعبيرية القديمة لتصير قادرة على أداءٍ يجسد المزاج الجديد ويصور الأحوال الجديدة، حيث أخذ العالم يبدو متزايد القتامة والخواء: خصوصاً مع تزايد الحروب على الأسواق، والأزمات الاقتصادية العاصفة، والكساد والبطالة، واختلاق المزيد من "الحاجات" الفائضة أصلاً على الاحتياجات الإنسانية المألوفة، إضافة للمستجدات العلمية والتقنية السريعة المدوّخة.‏

وهكذا فإنّ (الحداثة) كمصطلح هي هذا كله، بما له من سماتٍ عالمية معممة بالقوة- عبر إخضاع مختلف شعوب الأرض: من حيث هي "موضوع" لفعالية الرأسمال النّهاب الذي أنجز ذلك "الكلّ" المذكور في المركز.. ومن حيث هي تحاول مواجهة ذلك بما سمي (حركات تحرر وتقدم) قبست خليطاً من المفاهيم الليبرالية والاشتراكية وعملت على إدخالها في نظمها الثقافية المتوارثة، أو عارضتها بها، حسب توجهات سوف يتبين لاحقاً أنها لم تكن محسوبة جيداً ولا مدروسة!- ..لكن اقتصاراً اصطلاحياً لذلك الموضوع المشْكِل: (الحداثة)، وقد جعله مخصصاً لجملة إنجازات المدارس الأدبية والفنية والفكرية في فترات زمنية غربية متفاوتة من حيث التصنيف، وفي "جغرافيا" غربية مختلفة قليلاً أو كثيراً، ومتفاوتة مستويات النموّ والأهمية والفعالية. فهناك -تصنيفياً- الحداثة، وما بعد الحداثة التي تفضي الآن إلى العولمة.. وهناك -تصنيفياً- الحداثة الأولى، والحداثة الثانية، والحداثة الثالثة.. الخ، وهناك -جغرافياً- حداثة فرنسية، ثم ألمانية مختلفة، ثم انكلوساكسونية، ثم أمريكية.. إلى آخره، إلى آخره.‏

وتمتزج الفرنسية بالأنكلوساكسونية المؤمركة على اختلاف بيّن في التوجهات العولمية الراهنة. وما يهمنا هنا هو أن نبيّن -ولو كررنا- أن ذلك كله "تطورات" شديدة التسارع تاريخياً عن أصل الانقلاب الأول، وأن ما يدعوه بعض كبار مفكرينا العرب "مثاقفة" يقع جلُّهُ في دائرة "الشرقنة، والتشرقن، فالتغربن" حسبما كشف إدوار سعيد في كتابيه المشهورين: (الاستشراق، والثقافة والإمبريالية)، رغم إيمانه -أو تمنّيه- بـ (أن ينجلي أن فكرة التعددية الثقافية أو الهُجنة- التي تشكل الأساس الحقيقي للهوية اليوم- لا تؤدي بالضرورة دائماً إلى السيطرة والعداوة، بل تؤدي إلى المشاركة، وتجاوز الحدود، وإلى التواريخ المشتركة والمتقاطعة)، كما يقول في مقدمة الترجمة العربية لكتاب (الثقافة والإمبريالية). إن ما يسمى (المثاقفة) في إطار تبعية الهامش للمركز- أو علاقة المركز والأطراف، حسب سمير أمين -تظل محصلاته دائرة في فلك الشرقنة ما لم يتمّ إنجاز تفكيك التجليات البنيانية لهذه الشرقنة تفكيكاً كلياً من عقولنا ووجداناتنا وصيغ وجودنا إجمالاً، وهذا يعني أساساً (مثاقفة) في مستوى مختلف جذرياً لكنه شمولي ويستند إلى التاريخ دون استبدال أو إلغاء. غير أن هذا ليس هو موضوعنا هنا. لكن ما تجب الإشارة إليه هو أن متطرفاً كصموئيل هنتنغتون يفرض في الشروط الحضارية الراهنة- بأطروحته عن (صراع الحضارات) حدود عملية المثاقفة بالنسبة لنا، وكيفياتها، ومستوياتها، ونتائجها، من خلال ممارسات القوة الإمبريالية بمختلف أشكالها.‏

وقد يكون لهذه المآلات الراهنة الصارمة في الفعالية الإمبريالية أثرها العميق غير المنظور تماماً في تصفية (حداثتنا الشعرية) ومختلف أحلامنا التحديثية العربية الأخرى، ولكن هذا الأمر يجب ألا يُقرّ إلا بعد العودة إلى استبارِ بدايةِ حداثتنا الشعرية هذه ونشوئها في ظروفها التاريخية، وسيرورة تطوراتها الإجمالية عبر تطورات تلك الظروف التي لابد هنا أن نكرر التذكير باشتراطات تبعيتها للشروط التي أنتجتها‏

وتنتجها حركة (الآخر) وفعاليته المهيمنة الشاملة.‏

من أجل استبارٍ مجدٍ لظروف نشأة حداثتنا الشعرية لابد من العودة خلفاً قرابة قرن ونصف القرن تقريباً في تاريخنا المعاصر الذي يسبق نهاية الحرب العالمية الثانية التي كانت -في جوهرها الفعلي- تصفية للمتروبولات أو إمبراطوريات الاستعمار المباشر المتناحرة، كيما تعيد أمريكا بناءها من جديد وتوحيدها تحت هيمنتها، في سياق صراع كان يبدو مصيرياً لها ضد النظم الاشتراكية آنذاك وخصوصاً: الاتحاد السوفييتي السابق ومجموعة الدول التي كانت تدور في فلكه.‏

وعودتنا خلفاً في تاريخنا الخاص المعاصر قرناً ونصف القرن عن توقيت تلك (العملية الجراحية) الإمبريالية الكبرى، تساوي اقتراحاً باعتبار غزو نابليون لمصر وبعض بلاد الشام -وصل إلى عكا بفلسطين- وما أعقب ذلك مباشرة من رد إنكليزي عليه في مستهل القرن التاسع عشر، "المفصل" الذي ستتولد منه مجمل وقائع السياق التاريخي العربي: الاقتصادي/ الاجتماعي/ السياسي/ الفكري.. المنضج في منتصف القرن العشرين لظهور "حداثتنا الشعرية" في شروط بدت مناسبة لذلك الظهور.‏

وإذا كان هذا الاقتراح غير جديد فإنه يتجاوز أقدمية (المثاقفة بالغزو اللطيف!) مع الغرب عبر الإرساليات التبشيرية المختلفة إلى بلاد الشام عموماً، ولبنان على وجه الخصوص.. وذلك ما سوف يترك آثاراً هامة لاحقة على لبنان الذي كان حاضناً لانطلاقة (حداثتنا الشعرية)/ موضوع البحث! وقد يكون مفيداً تحديد جغرافية الحداثة المذكورة في بدايات انطلاقها. فتلك الحداثة تبدأ من العراق وتشمل مصر وسورية وفلسطين وتتمركز في لبنان لسنين غير قليلة من عمرها الذي نراه قصيراً بشكل مجمل.‏

وإذا كانت غزوة نابليون هي أول اصطدام معاصر مباشر للعرب بالغرب بصورة قاسية ومؤثرة، فإنها كانت أيضاً أول محرض إجمالي ليقظة عربية شاملة: اجتماعية، اقتصادية، فكرية وسياسية.. ولخصت تلك اليقظةَ محاولة محمد علي باشا وابنه إبراهيم باشا تكوين دولة عربية عصرية مصنّعة، مركزها مصر وتضم الجزيرة العربية من جهة وبلاد الشام من جهة أخرى.. وذلك ضد العثمانيين والروس والإنكليز معاً وبمعونة من فرنسا التي كانت مهزومة أمام إنكلترا. وفشلت المحاولة عملياً لكنها، على المستوى الفكري، قدمت درساً ومشروعاً نهضوياً جسدته أفكار الطهطاوي. وحتى الحرب العالمية الثانية ستتوالى أشكال الاستعمار والهيمنة على مختلف أقطار الوطن العربي، وسيتوالى فشل الثورات الوطنية وانكسار الطموحات العملية للعصرنة.. وبالمقابل سوف يتواتر نمو أساليب البحث الفكري التأملي لتجاوز الأوضاع الانحطاطية القديمة والمجدَّدة في اتجاهين:‏

- اتجاه البحث في التراث، وقد تناول في أحد جوانبه صلب المفهومات الإسلامية الشائعة بمناقشتها ومعايرتها على أصولها، فكان الاتجاه الإسلامي التنويري (محمد عبده، الكواكبي، علي عبد الرازق... كنماذج فقط) وكان الاتجاه الأصولي الإخواني المعروف وغيره.‏

- اتجاه البحث في (فكر الآخر) وآدابه وفلسفات علومه وأيديولوجياته.. فكانت الأفكار والأحزاب والتنظيمات الليبرالية والقومية والاشتراكية.. إلى آخره، وهي جميعاً كانت تقوم على معالجات تأملية للواقع من قبل "نخب ثقافية"، بينما حقائق البنيان الواقعي تعاد صياغتها استعمارياً طبقاً لتنوعات مصالح المستعمرين ومعادلات صراعاتهم.. وتجري (شرقنة) الوعي العام- بما فيه وعي النخب المثقفة- بمختلف السبل والوسائل، بدءاً بالقاع الشعبي وانتهاء بالإدارة الاستعمارية لكل قطر‏

والتي غالباً ما كانت تستخدم أفراداً أو أدوات منفذة من أبناء القطر الواحد. وعليه، كانت تلك الأحزاب والتنظيمات- بغض النظر عن نواياها ومصالح عناصرها وصراعاتهم المضمرة وأسس انتماءاتهم الأولى الكامنة- تعوم على ذلك البنيان المشرقن عوماً يناقض أطروحاتها وينقضها في العمق غير المرئي للصلة المتبادلة بينها وبينه.‏

وهكذا، فإن (المثاقفة)- بصرف النظر عن فعالية الغزو المباشر بهذا الخصوص- كانت تتم في إطار (الشرقنة) إجمالاً.‏

وبحكم طبيعة الأوضاع الثقافية الذاتية للعرب، أي تلك الموروثة المتجدرة تواً من عصر الانحطاط، وبحكم شروط تلك المثاقفة في إطار الهيمنة والشرقنة.. فإن ما هو لغوي -كالشعر خصوصاً- يصبح مجال فعالية النخب المثقفة، ويوضع -ولو توهماً- في خدمة أحلام النهضة عن طريق "عصرنته"! وهو مجال الفعالية الأقوى إن لم يكن المجال الوحيد.‏

وعلى ذاك الأساس قامت مدرسة (الإحياء) الشعرية لا لتعيد -فقط- للغة الشعر جزالتها القديمة، بل أيضاً لتوظف الشعر نفسه في خدمة الأغراض العامة.. فيصير ميدانَ الصراع، ودليل التعبير عن منعكسات الوقائع الكبيرة وأدوار الأشخاص الفاعلين، منظوراً إلى ذلك كله في سطح الحياة لا في عمقها. ومع فشل ثورة أحمد عرابي ثم فشل ثورة 1919 في مصر، ومع نمو مثاقفة كانت نتائجها المفهومية توشك أن تعلن عن نفسها في (دراسات في الشعر الجاهلي) لطه حسين و(الإسلام وأصول الحكم) لعلي عبد الرازق وموسوعة أحمد أمين الإسلامية، ظهرت مدرسة الوجدان في نقد الشعر على أيدي جماعة الديوان.. وذلك يتضمن تحصيل رؤية فلسفية جديدة لعمل اللغة إن صح التعبير، فالتركيز هنا على "ذات" الفرد الشاعرة يصب -في المحصلة النهائية- في رؤية مفادها: أن تقدم الغرب إنما تمّ بالتأكيد على الذات الفردية وعلى حرية مبادرتها في أطر التنافس الحر. لكن ما لم يفهم جيداً آنذاك -ولم يفهم حتى وقت متأخر من هذا القرن- هو موضوع التركيب الاجتماعي/ الاقتصادي/ السياسي لبنيانات وجود (الآخر) التي تستطيع حمل مسألة تلك الحرية في الأطر والمناهج الليبرالية المعتمدة لديه.‏

وبالتطور السريع للمثاقفة في شروطها المذكورة قبلاً، وبالانتكاسة التي تمخضت عنها حركة طه حسين وعلي عبد الرازق، وأساساً تحت وطأة الأزمة العالمية التي ستبرز جلية منذ أوائل الثلاثينيات والتي بدأت بإرخاء ظلالها الثقيلة على المستعمرات، ظهرت الحركة الرومانسية العربية (مدرسة أبولو) تكريساً للفردية المحبطة وعواطفها المصدوعة وأحلامها المكسورة مسقطة ذلك الإحباط والصدوع والانكسار على عناصر الطبيعة والكون التي صارت مشاركة -إلى حد كبير- في الآلام الشخصية جداً.. لكن هذا القفز اللغوي الشعري على حركة الواقع الموضوعي يعكس، بقوةٍ في العمق الدلالي، ارتباطاً متيناً -بالتضاد المفرط- مع سياق تلك الحركة وتجلياتها ومنعكساتها.. هذا عدا أن قصائد متفرقة لعدد من أعلام هذه المدرسة تطرقت مباشرة إلى القضايا الوطنية التحررية مثلاً، كما لدى أبي القاسم الشابي.‏

وبالتوازي مع هذا (النشاط الشعري) الذي استقطبته مصر حتى نهايات الأربعينيات فاستقدمت إليها (منذ القرن التاسع عشر، ولأسباب مختلفة) عديداً من أعلام الأدب والشعر والمسرح في بلاد الشام خصوصاً؛ فإن نشاطاً من نوع آخر قام على المثاقفة ذاتها واتخذ أبعاداً لغوية /مفهومية أو فكرية/ قد نشأ ونما بزخم غير عادي في بلاد الشام خصوصاً، والعراق إلى درجة مقبولة، وذلك كاستجابة سريعة:‏

1- لنوعية الاستعمار المباشر في هذه الأقطار.‏

2- للتقسيمات الجغرافية الحادة في بلاد الشام حصراً، حيث مزقت إلى أربعة أقطار، وسلخ لواء الاسكندرون من سورية وأعطي لتركيا.. الأمر الذي أدى إلى نزوح نخبة أبنائه إلى بقية أرجاء سورية.‏

3- احتدام الصراع السياسي والعسكري ضد عمليات الاستيطان الصهيوني في فلسطين/ الجزء الجنوبي من بلاد الشام.. وذلك ما سوف ينتهي بعد الحرب العالمية الثانية بإعلان قيام الدولة الصهيونية على القسم الأكبر من أرض فلسطين مع ما رافق ذلك من المجازر والتشريد العام لسكان الأرض المحتلة وحرب 1948 التي بدا فيها الضعف والخيانة واضحين لا لبس فيهما.‏

إن النشاط المذكور يتخذ له ميداناً أيديولوجياً له توجهات ثلاثة: القومي العربي، السوري القومي، الماركسي الشيوعي. وينضاف إلى ذلك الاتجاه الإسلامي الأصولي الذي كان يشمل أيضاً بقية أقطار الوطن العربي ويجد امتداداته في عمق (العالم الإسلامي).. لكن التوجهات الثلاثة الأولى والتي اتخذت شكل أحزاب -مع صرف النظر عن أحزاب أخرى محلية صغيرة، كالكتائب في لبنان، وحزب الشعب في سورية.. .الخ. هي التي، بتنافساتها وصراعاتها، صنعت تاريخ هذه الأقطار بعد الحرب العالمية الثانية وبعد قيام الدولة الصهيونية.‏

ومع أننا لسنا في صدد الدخول في الأفكار النظرية لتلك الأحزاب أو إلى مصادر تلك الأفكار وحدود مساهمتها في صنع التاريخ الاجتماعي وغير الاجتماعي لهذه الأقطار، ثم للوطن العربي عموماً.. إلا بالقدر الذي يوضح طبيعة حداثتنا الشعرية، فإنه من الضروري التوكيد على (البعد اللغوي) الأساسي لأطروحات هذه الاتجاهات والأحزاب الممثلة لها جميعاً. بمعنى أن تأمل الواقع ـ في سياق الضغوط الانفعالية والعاطفية لمفرداته ـ قاد إلى (قراءات) للأيديولوجيات في العالم، وإلى استنساخات انتقائية وتوليفية أو دوغمائية منها، ثم جرى تصوير الواقع على أنه مطابق لما تم استنساخه المنتقى والمولف، أو المنقول بفجاجة، من تلك الأيديولوجيات والنظريات العالمية بعد عزلها عن سياقات إنتاجها التاريخية.. وهي جميعاً ذات منشأ غربي على أي حال!‏

في عملية قسر الواقع على التطابق مع أية صيغة (انتخاب أيديولوجي) ينتفي الفكر القائم على الحوار كي لا تظهر ثغرات المنتخب المولف وقصوره ومعايبه - ونحن نعني "بقسر الواقع" صياغة ترسيمته الذهنيّة!- وبذلك تم حدوث انتقال جذريّ وخطِر: من جدالية (أسئلة النهضة) إلى قطعيّات الأيديولوجيا، وحلت الشعارات والجدال عليها محل إعمال العقل في فكر (الآخر).. بصرف النظر عن استمرار التبعية والهيمنة وأشكالهما المتغيرة.‏

وكانت (أفكار التنمية) محرضة على المزيد من الاستهلاك، فيما أخذ الشعر يشتغل في اتجاهين بعدما أدت متغيرات ما بعد الحرب العالمية الثانية، وقيام الدولة الصهيونية، وشيوع موضوعة (التنمية) التي ترافقت مع مسألة (العسكرة)، ومستجراتهما:‏

1- الاتجاه الأول: هو اتجاه تسويغ الأيديولوجيا بمختلف أشكالها، ورصد الحلم والواقع الإنسانيين في إطار ترسيماتها من جهة، والحقائق الناشئة على الأرض من منظورات أشكال تلك الأيديولوجيا من جهة أخرى نقضاً أو تسويغاً. وقد مثّل ذلك غالبية الشعراء المحدثين.‏

2- الاتجاه الثاني: هو اتجاه رفض الأيديولوجيات جميعاً، والأخذ بأيديولوجية (تمجيد الذات) شعرياً، واستبدال الواقع (بالقول الشعري) بغية التعالي عليه تحت شعارِ (إعادة خلقه وصياغته) بما يكفل (للذات الممجِّدة) تفوقاً تأليهياً يشفيها من الشروخ والصدوع التي شقيتْ بها واقعياً نتيجة استبعادها تنظيمياً من المجموعة الأيديولوجية التي كانت تنتمي إليها، من جهة أولى... ونتيجة عداء أصحاب الأيديولوجيات الأخرى، أو عدائها لهم، من جهة ثانية. وقد مثّل هذا الاتجاه جماعة (مجلة شعر) الذين استبعد أكثرهم من الحزب السوري القومي الاجتماعي، والذين لجؤوا إلى مدارس الشعر الغربي وأعلامه يستلهمون منها ومنهم طرائقهم التعبيرية والتصويرية والترميزية. وبالطبع، تفاعل الاتجاهان فنياً بقوة، وبالقدر الممكن في فترة معينة.. ثم ما لبثت الظروف العامة والخاصة أن دفعت بكل طرف وبكل شاعر إلى المصائر الخاصة لتجربته. وسائر هذه التجارب- ربما دون استثناء تقريباً- آلت إلى النكوص نحو تصرف مفتعل أو إلى تكرارية اجترارية (لكليشيهاتها) التعبيرية السابقة ورؤاها التي كانت كلها براقة ولها نكهة الطزاجة ذات يوم.. وذلك ما يشير إلى ضيق الحيّز الذي تحركت عليه (حداثتنا الشعرية) هذه.‏

-4-‏

ربما يشير ما قدمناه حتى الآن إلى حدود الزيف والعافية، أو حدود القسري والطبيعي، في (الحداثة الشعرية العربية).. لكن تلك الإشارة تظل ناقصة ما لم نتطرق إلى قضية (اللغة) بما اللغة، كمفردات وكصياغة تعبيرية حاملة للصور والرموز- وبالتالي: لحدود المقدرات الدلالية، والوظيفة الفنية والجمالية- تظل مرتبطة بمواريثها التاريخية/ الاجتماعية المحمولة فيها من مراحل حضارية سابقة، فيما هي تتعرض لما تتعرض له من مستجرات التبعية والاستهلاك- دون تغيرات بنيوية جديدة قائمة على الإنتاج الكفء الفعال- داخل آليات سوقٍ عالمية ابتزازية، ومثاقفة متكيفة معها بالقوة.‏

وبداية يمكن التأكد من أن لغتنا -كمفردات وكمقدرات صياغة- تحمل موروثات حِرَفية/ زراعية/ رعوية ويظهر ذلك في نظم الترميز ومنظومات الرموز وفي الأداء التصويري الذي يقوم على تلك النظم والمنظومات وكلها موروثات لم يستطع أي شاعر حداثي أن يتجاوزها. والمشكلة هنا أن تلك الموروثات تحكم -بدرجة كبيرة- مسألة إنشاء المفهومات، بقدر ما تتطلب المفهومات صيغاً تعبيرية ملائمة لها.‏

وبالطبع، هذا لا يعني عدم مقدرة اللغة على استبناء معطيات العصر الحديث في محمولاتها، وإظهار التمثل الشعري- أو الأدبي عموماً- لهذه المعطيات، لكن الأمر يحتاج إلى التغيير البنيوي الاجتماعي الحضاري القائم على الإنتاج كي يكون ذلك الاستبناء صميمياً وحقيقياً.. أما في حال الاستهلاك الناجم عن التبعية، والذي يفرض المثاقفة المتكيفة بالقوة مع آليات السوق وفقاً لمصالح (الآخر)، فإن الاستبناء المذكور يظل غير قابل للتحقق فعلياً. وجلّ ما يحدث هو (التصاق نثارات) من هذه المعطيات باللغة التصاقاً لا يقدم ما هو مهم فعلاً في أساليب التعبير الشعرية.. ولا حتى في المفهومات المتحصلة من استقراء الدلالات الكبرى لقصيدة ما، أو حتى لتجربة شاعر برمتها. فالنكوصات المفهومية إلى الإشراقية لدى البياتي مثلاً، أو إلى الرموز الصوفية الأسرارية لدى محمد عمران، أو إلى التكرارية لدى محمود درويش... أو إلى الاستمرار في نقض بنيان التاريخ والعالم، وتصويره غمراً من الخراب كي تتمكن الذات من تحقيق أوهامها في وحدانيتها الخالقة المتعالية عليه لدى أدونيس.... كل ذلك، وسواه الكثير، يبين‏

صحة ما نذهب إليه من محدودية قابلية (اللغة)، في الوضع المشار إليه قبلاً، لإمداد أية تجربة حداثية بالتطور المجدي دونما نكوص سريع كالذي حدث لأهم التجارب الحداثية لدينا.‏

إن انزياح اللغة إذاً عن أساليب أدائها التعبيرية القديمة لم يكن انزياحاً جذرياً وجوهرياً بسبب عدم حدوث تغير بنياني اجتماعي حضاري عربي شامل، ومن هذا المنظور حصرياً يمكن القول: إن حداثتنا الشعرية كانت في أساسها زائفة أو مصطنعة.‏

ولكن "الظاهرة" وجدت، فكيف يمكن تفسير وجودها من جهة؟! وما مدى التطور الأسلوبي والتعبيري: التصويري والترميزي في أداء أهم نماذجها؟! ثم ما هي حدود المحمولات الدلالية في تلك النماذج حيث هذه المحمولات تنطلق من (صيغة رؤيوية كلية) معنى الوجود في العالم، هي إما مغايرة للصيغة الرؤيوية الموروثة، وإما منشبكة فيها، بصرف النظر عن مظهرية التغاير الشكلاني الخارجي العابر؟! وبالطبع، تفترض هذه الأسئلة، التي نراها واسعة بقدر ما هي مهمة، سؤالاً متحصلاً ضمنياً عن مدى توليد جماليات جديدة متجاوزة -جوهرياً- للجماليات الموروثة في خطوطها العامة، وكلها، رغم سعتها، تحتاج إلى إجابات ولو مقتضبة. وهذا ما سنحاوله لنرى مدى مشروعية (الظاهرة) في المستويين: التاريخي، والفني.‏

-5-‏

تعرضنا قبلاً إلى مسألتين هامتين، حكمتا -وتحكمان بهذه الدرجة أو تلك- طبيعة وجودنا المعاصر، هما:‏

1- التبعية التي فرضت علينا مثاقفة: أساسها (الشرقنة)، وقوام سياقها الحركي (فاعلية الاستهلاك الابتذالي).‏

2- اعتماد الأيديولوجيا -على اختلاف تياراتها وأحزابها- كبديل لحوارات (مشروع النهضة) وأسئلتها، وكدليل نظري وعملي للتنمية وصولاً إلى الموازاة إنتاجياً ومعرفياً مع الغرب، أو بالأحرى: إلى اللحاق به (حضارياً!!) من أجل إلغاء التبعية المذكورة.‏

والمثاقفة المذكورة في المسألة الأولى تستدعي (إلصاقات) معرفية وفنية تعْلق باللغة من خارج، كما تعْلَق كذلك بمجمل القيم والبنيات التي عبرها وبها، تتحدد صلات الأفراد بذواتهم، وعلاقاتهم المتبادلة فيما بينهم. وتلك (الإلصاقات) المعرفية والفنية لا تناقض الموروث السائد فقط في مختلف المجالات، بل هي -بقدر ماتبدو عصرية براقة- تشكل عنصر هدمٍ لكل محاولة تكوّنٍ بنيوي فاعل، في نفس الوقت الذي تنخر فيه التاريخ الاجتماعي الحضاري الخاص، وسيكلوجية الأفراد والجماعات المجتمعية، وقيم تعاملها وسلوكياتها المعتمدة.‏

وبسبب من تناقض تلك (الإلصاقات) مع هذا المجموع دون المقدرة على هدمه كلياً واستبداله، فإنها تثير النكوصية نحو الماضي الذي تجعله الرغبة الملحة في استعادته المستحيلة وهما خالصاً (النوستالجيا).. هذا من جانب، ومن جانب آخر تثير محاولات تقليد تعبيري لما يُنجز في المركز المهيمن باعتبار أن اللغة هي آخر ما يمكن توكيد الموجودية به في الصيغ المطلوبة من التوهم.. ومن جانب ثالث تستثار ميول التبدد وانفراط الأفراد عن أي تكوّن جماعي قائم وتظهر العدمية والعبثية وعدم المبالاة بأية‏

أخلاقية أو تعاملية!.. وعموماً هي تثير في سيكولوجية الأفراد والجماعات المجتمعية نوعاً من (العصاب) المعمم القائم على التناقضات الجوّانية العميقة التي تسبب عطب الذات وشروخها الداخلية وتصدعاتها مما يؤدي إلى انعدام الثقة بأي شيء، وانعدام الإيمانات بأية حقيقة سوى حقيقة ما تقدمه (اللحظة الراهنة) من نفعية أو من مخاوف ومتاعب.‏

وبعد الحرب العالمية الثانية، ونكبة 1948، جاءت الأيديولوجيا- بأجزائها وتنظيماتها المختلفة المتناحرة- مستندة إلى "الكاريزمية"، ونزعة "العسكرة"، وجملة من المقولات والمفهومات التنموية، وجملة من التصورات عن المجتمع والأمة والوطن والدولة والسياسة والعالم.. وكلها أمور منقولة عن تواريخ (الآخر)، بمعنى أنها ليست نتاجاً للتطور الطبيعي في المجتمعات العربية، فهي بالتالي ذات طبيعة إلصاقية من خارج على (الاجتماعي القائم) فرضت فرضاً من قبل نخبةٍ ما، ولم تكن خياراً اجتماعياً عاماً.‏

وبقدر ما تبدو الأيديولوجيا داخلة في عملية نقض للتبعية والاستهلاكية.. فإنها، في الحقيقة، تجر الحياة الاجتماعية الإجمالية- في ميادينها كلها، وبنسب متفاوتة: حسب المقدرة الاستقطابية لكل أيديولوجية على حدة، وحسب وصولها إلى السلطة أو بقائها حائمة حول ذلك الوصول كهدف!- إلى المزيد من التبعية والاستهلاك. فهي إذ تصادر على حركة الحياة بقوالبِ مفهوماتها الجامدة كي تبرمجها في اتجاه تحقيق مقبوساتها النظرية الوافدة، تشجع على (دخول العصر!!) تسليعياً عبر مستويات متفاوتة من (المناورات العقيدية الواهمة)، والموهمة أيضاً بأن التنمية التي يتم تبنيها من موقع التنظير السياسي أولاً هي (عملية ميكانيكية) في الحاصل الأخير!.. وذلك كله لا يبرمج الإلصاقات المدخلة على "اللغة" وحسب، بل هو يحاول السطو على الميدان اللغوي كله عبر ضبطه داخل مقتضيات التعميم المحموم للقوالب الأيديولوجية ومفهوماتها الجامدة.‏

وما يجري هكذا لا يشكل انزياحاً حقيقياً في طبيعة اللغة وأنماط أدائها الموروثة، بل هو يشكل نوعاً من صناعة (غلاف مبطن بمثاقب) وهي تحاول الوصول إلى صميم اللغة (لتفجيرها!!)، على حد تعبير كثيرٍ من شعراء الحداثة، دون نجاح إلا في القليل من الشكلانيات التي يحكمها بناء المفهوم الأيديولوجي نصياً من جهة.. وتقليد صياغة تعبيرية حملتها مثاقفة مجتزأة داخل مجموع الشروط سابقة الذكر. على أن ما لا يمكن نكرانه هو أنه - على المستوى التاريخي- لم يكن هناك مهرب مما حدث. فلا التبعية، ولا الاستهلاك، ولا الأدلجة وتناحرات مذاهبها، كان يمكن تجنبها فعلاً، ذلك أن العامل الذاتي -أي الأوضاع العربية الخاصة برمتها- كان مرتهناً ارتهاناً قسرياً عجزياً للعامل الموضوعي الذي هو مجمل الوضع العالمي في تركيبه الخاص ومعادلاته المحدودة عقب انتهاء الحرب العالمية الثانية.‏

في هذا السياق تبدو (حداثتنا الشعرية) مسوغة تسويغاً يستمد مشروعيته من نمط الاستجابة التي اصطنعتها (الأنتلجنسيا) عموماً لتحديات (الفعل الخارجي) الابتزازي والتهميشي. وصيغة هذه المشروعية لا تنقض قضية (الزيف) التي شخصناها في فقرة سابقة.‏

لقد كان (الفعل الخارجي) أقوى دائماً من أن يُواجَهَ عملياً. وقد بدت مواجهته على مستويات الخطاب الأدبي عموماً، والشعري خصوصاً- وفي إطار الأدلجة التي سيتبيّن لاحقاً أنها كانت أقرب إلى جملة من الأوهام الكارثية- وكأنما هي (الخروج الفذ!!) من العجز الاجتماعي المزمن حيال ذلك (الفعل) ومقتضياته.‏

وبما أنه قد تم توظيف الخطاب الأدبي والشعري الحديث منه، وهو ما يعنينا هنا- لخدمة الأيديولوجيا ومترتباتها بمختلف الصيغ: من تمجيد الفقراء وتحقيق انتصاراتهم على الورق، إلى تمجيد العرب والعروبة بإطلاق، إلى تمجيد "الأنا" الشاعرة الكاريزمية المتعالية... فإن علينا أن نسجل هنا ما يلي:‏

- ادعى الخطاب الشعريّ الحداثي أنه - بذاته- فعلُ قلبٍ للبنيان الاجتماعي القائم وتثويرٍ له، سواء بآلية التحريض، أم بآلية استبدال الواقع بالشعر لإعادة خلقه استناداً إلى المفهوم البدائي: مفهوم الكلمة الخالقة. وبذلك أنجز هذا الادعاء مصالحة توفيقية -أو حتى تلفيقية!- بين جموح الوهم وبؤس الواقع.‏

- كان "العمق الاجتماعي" ذا (روحية عامة) مشبعة بالموروث الفقهي المتواتر من عصر الانحطاط.. من جهة، وبرواسب خرافية متواشجة مع ذلك الفقه ومؤطرة له من جهة أخرى، حيث ترتبط الذائقة الفنية الشعرية ومعاييرها الجمالية بمترتبات هذا المجموع. ومع سيادة الاستهلاك ومستجراته الثقافية والقيمية كانت تنشطر تلك (الروحية العامة) متوزعة بين الانشداد المتأصل إلى هذا المجموع وبين التطلع الراغب بحذر إلى الاستهلاك المفروض ومحمولاته. وقد تكفلت الأنتلجنسيا، لوقت غير قليل، بخطابها الأيديولوجي والأدبي -بما فيه الشعري الحديث- أن تقيم بنياناً رؤيوياً توليفياً توفيقياً بين مدّعياتها المفهومية والفنية وبين (المتعارضات والمتناقضات) في تلك الروحية حيث صارت (الأصالة) هي (هذا!) التحديث، وصار هذا التحديث صادراً عن الأصالة.. وفي حقيقة الأمر أن ذلك ما كان إلا وهماً بشكل عام. فانهيار الأيديولوجيات ترك الحداثة الشعرية عارية- رغم كل ما استورد أو اصطنع لها من نقد مغربن- حتى إنه يكاد الآن لا يعلَق بقلب المتذوق منها ومن نماذجها الأشهر إلاّ ما يداخل الجماليات البلاغية المتوارثة فيستبنيها مطوراً إياها في حدود، أو بعض ما استمرأته الذائقة لطول الألفة وقرب المأتى.‏

غير أن أهم ما ينبغي أن يسجل أيضاً هو انكفاء الشعر المؤدلج إلى اجترار صوفية خاصة- متعددة الصيغ والأوجه- لا تقوم على معاناة تجربة روحية فعلية، سواء اعتمدت تلك الصوفية على (مسْيحَة) الأنا من أجل تمجيدها كما لدى جماعة مجلة شعر ومن تبعهم من "التموزيين" -مع العلم أن المسْيحَة هنا والتمسيح لا يعنيان بتاتاً تقمص شخصية السيد المسيح وتكرير ولادته ومعجزاته رغم اتكائهما على ذلك كله!- أم اعتمدت على استعادة عدد من أفكار المتصوفة العرب وغيرهم وتعبيراتهم في الحلول أو التحولات أو الترميزات الأسرارية.. إلى آخره.‏

-6-‏

بالتأكيد، يحتاج ما قدمناه إلى معالجة تطبيقية نصية للإثبات القطعي عبر محاولات الإجابة على الأسئلة الأخيرة الثلاثة التي وردت في نهاية الفقرة الرابعة من هذه المقالة. وذلك ما سوف نقوم به قريباً في مقالة لاحقة.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244