|
||||||
| Updated: Tuesday, September 23, 2003 03:40 AM | ||||||
| فهرس العدد | فهرس الدوريات |
|
الشعر التونسي في القرن العشرين ـــ د. الطاهر الهمامي يجدر التنبيه بادئاً إلى اثنين من العوامل الهامة التي أثرت في مسيرة الشعر التونسي خلال القرن العشرين، الأول قديم ولا نذكره إلا على سبيل التذكير وهو ارتباط المغرب بالمشرق، مهد العروبة وآدابها، والثانية طارئ من طوارئ الطباعة الحديثة ألا وهو الصحافة والدور الخطير الذي أصبحت تؤديه في توجيه الحركة الشعرية وحكم مصائرها، إنشاءً ونشراً وتقبلاً. والرأي عندنا أن القرن الغارب شهد خمس محطات متفاوتة الأهمية والأثر لا محالة، لكنها أسهمت جميعاً في رسم الخارطة الشعرية العامة ببلادنا على مدى العقود العشرة الماضية، وهي تباعاً محطات: 1-الشعر "العصري" 2-الرومانسية 3-الشعر الحر 4-شعر "الطليعة" 5-المنحى الصوفي. فمنذ القرن 19 بدأ الشعر التونسي يشرئب بدوره إلى معاودة الانخراط في حركة الواقع وتعلّق قيم الإصلاح والتمدّن والنهضة الهابّة رياحها من غرب الأنوار، لكن دون أن يشهد القصيد تحولاً في بنيته، بل ظل مثله الأعلى في عهود ازدهاره الماضية يقتبس منها ويحذو حذو نماذجها متأثراً بالتصور الإحيائي الذي قاد فكر زعماء الإصلاح وقتها، وكان أبلغ ممثلي هذا الطور عندنا محمود قابادو (ت 1871) الذي وصل تأثيره بشعرنا إلى مشارف "الشعر العصري" في أوائل القرن. دعوة "الشعر العصري" وعندما بزغت شمس القرن 20 لم تضع حداً لهذا المنحى الكلاسيكي الإحيائي الذي أخذ يتجه وجهة وطنية في علاقته بمقدمات النهوض ضد الاستعمار، بعد أن كان أسير الأغراض التقليدية (مدح، رثاء، هجاء، غزل...) وعلى صفحات جرائد مثل السعادة العظمى (ظهرت سنة 1904 لصاحبها محمد الخضر حسين) و "خير الدين" (ظهرت سنة 1906 لصاحبها محمد الجعايبي) طرحت قضايا الشعر ورفعت شعاراً لافتاً لانتباه المؤرخ الأدبي هي الشعر العصري الذي رُوجعت في إطار الدعاية له المفاهيم السائدة ونُودي بركوب موج التطور1-. وتحت تلك اللافتة نُشرت القصائد بالفصحى وبالعامية وثار دعاة "الشعر العصري" على رموز التقليد، ونال قابادو نصيبه من شظايا هذه الثورة "فديوانه كله تملق ونفاق جمع فأوعى من الأفكار الساقطة والتعاليم الفاسدة والشعر العقيم"2-. ونشأت حركية نقدية حول موضوع "الشعر العصري" بين أنصاره وخصومه، "وأصبح الشعر العصري أحياناً مرادفاً لمعنى الشعر الوطني أو التقدمي أو الشعر الداعي إلى التضامن والتعاضد" وكان صالح السويسي (ت1941) "أول من بادر برسم شعره في قطب هذه التسمية الجديدة"3- التي انضوى تحتها الشيخ سالم بوحاجب (ت 1924) في بعض قصائده ومحمد الشاذلي خزندار (ت 1954) الذي رغم نزعته المحافظة، يُنشرُ له شعر "عصري" في "استنهاض الهمم وتحريك العزائم للإصلاح الحقيقي والأخذ بناصية التقدم والارتقاء"4-. ويتسابق الشعراء إلى حمل هذا الزي ويتزايد عدد الصحف المحتفية به، حتى الهزلي منها، وعدد القصائد المتحلية به، حتى الشعبي منها (مثال ما نشر لعبد الرحمان الكافي) "وأصبح الشعر العصري عنوان كل كتابة تحاول الدخول في العصر وتسعى جاهدة إلى تغيير الواقع الاجتماعي والفكري"5-. والحاصل أن عصرية الشعر العصري حملت دلالة الانتماء إلى شواهد العصر وفُهِمت فهماً موضوعياً (نعني الموضوع) يُعنى بتعلق القيم التمدنية والوطنية والتنكب عن الأغراض التقليدية، فيما ظل الشكل من الثوابت. ثم كان الضجيج حول التيار فوق العطاء الذي أعطاه، وتعلّق الأمر بتحسس فكري، لا إبداعي، لضرورة التطور ومواكبة أحوال الوقت، فلم تفرز هذه المحطة أعلاماً ونصوصاً ذات بال، وربما كان الشعر الشعبي وجهها الوضّاح، ولم تسلم من اختلاط حابلها بنابلها "إذ كان بمقدور كل واحد أن يجعل من هذه اللافتة عنواناً يبرّئه من المسؤولية ويدرأ عنه كيد النقاد"6-. المحطة الرومانسية أما المحطة الثانية فقد كانت محطة الرومانسية التي ألقت بظلالها على ثلاثة عقود من الزمن بين أوائل العشرينات وأواخر الأربعينات وتركت أثراً بالغاً في تصور الشعر، بعد أن حوّلته إلى شأن فردي وقلبي، وأعلنت حربها على الكلاسيكية ومنظورها ومنظومة قيمها الأدبية. وطوال هذه العقود، وخاصة أولها وثانيها كانت رحى المعركة تدور عربياً بين أقطاب المبشرين والدعاة الرومنسيين الذين "نظّموا صفوفهم" في جماعات وجمعيات وحول دوريات، والأصوات المحافظة، المناوئة، ومن المفارقات أن شاعراً كـ "أمير الشعراء" أحمد شوقي (ت 1932) الذي استهدفته سهام هؤلاء في العشرينات باعتباره رمز القدامة لازم موقعاً فوق الخصام وبدا قاصراً همه على الإنشاء الشعري حتى أُتيح له أن يكون في مستهل الثلاثينات أول رئيس لجمعية أبولو ذات الغالبية الرومانسية وكان الشابي عضواً فيها. ووجدت التشكيلات الرومانسية المشرقية (المهجر، الديوان، أبولو...) وصحافتها الأدبية ومنشوراتها الشعرية ودعواتها وتنظيراتها إنها صدى واسعاً في تونس وخاصة عند الجيل الذي فتح عينيه على الكتابة بدءاً من العشرينات واحتضنته الصحافة الصادرة وخاصة "النهضة" و "العالم الأدبي" و "الزمان" وأفرزت هذه اللحظة الغنية في مسيرة الشعر التونسي خلال القرن 20 علماً اختزل على قِصَر عمره، المذهب وروحه، واستطاع أن "يُتَوِنْسَه" إلى حد بعيد، هو أبو القاسم الشابي (ت1943) الذي بات أحد أقطاب الرومانسية العربية، وعقد النقاد والدارسون مقارنات بينه وبين نظرائه وخاصة في الجناح اللبناني المهجري (جبران). وبديوانه (أغاني الحياة) ومحاضرته (الخيال الشعري عند العرب) ومذكراته ورسائله قدَّم الشابي "بيان" تلك الرومانسية وأنشأ نصوصاً معتبرة بجمعها إلى معانقة أشواق العصر والمصر مفارقة زمنها، وإلى انحيازها (الإنساني) انزياحها (عن كثير من السبل المطروقة)7-. ومع الشابي كان جيل الشباب يشدو شدو الرومانسية ويعتنق رؤيتها ويبثها (ومن يطلّع على مختارات "الأدب التونسي في القرن الرابع عشر" لزين العابدين السنوسي وقتها، يجد المشهد بأصواته ونصوصه ووجوه أصحابه اليافعة) بيد أن ثالوثها الثابت كان يتألف منه ومن محمد الحليوي (ت1878) ومحمد البشروش (ت 1844) وربما عدّدنا منور صمادح (ت1899) في مرحلته الشبابية (في "فجر الحياة") وشقيقه محمد العربي صمادح (في "أفق") آخر حَبَّات العقْد الرومنسي التونسي. محطة الشعر الحر خبت شعلة الرومانسية التي عرفت عنفوانها بين الحربين، ودخلت معطيات ما بعد الحرب الثانية وأنذرت باتجاه العالم نحو التغير، ومعه الذائقة الأدبية والفنية وسُلّم القيم العام. مسّت الثورة الرومانسية شكل القصيدة مسّاً خفيفاً رغم تقليص الفجوة بين شعرية الشعر وشعرية النثر، وتعاطي الرومانسيين لـ "الشعر المنثور" وكانت خلخلة الشكل القديم (العمودي والموشحي) مهمّة "الشعر الحر" الذي ظهرت طلائعه في موفّى الأربعينات بالمشرق وامتد إلى المغرب ووجد صداه في تونس بدءاً من مطلع الخمسينات وشبَّ خصام جديد قابل هذه المرّة بين المتمسكين بقصيدة الشطرين ودعاة قصيدة التفعيلة. وشحذ كلٌّ أسلحته إلى حدود الستينات حين فقدت المعركة حرارتها بعد توطد أركان "الشعر الحر" عربياً على أيدي الرواد (السياب، الملائكة، البياتي، نزار، عبد الصبّور..) واحتلاله مكانته في المشهد الشعري العربي المعاصر. بيد أنّ هذه المحطة بقدر ما كان لها أعلام مشرقاً (مصر، لبنان، العراق، سوريا...) افتقدت من يمثلها تمثيلهم مغرباً ولم يفرز النقع الذي أثارته الخصومة عندنا نصوصاً جياداً وأسماء ذات إضافة كمية أو نوعية وقد تكفل الشاعر والباحث حسين العوري بلم شتات هذه المحطة في أطروحته التي درس فيها الظاهرة إلى أواخر الستينات وتعرض إلى 17 شاعراً من شعرائها من بينهم مصطفى الحبيب بحري وعلى شلفوح والشاذلي زوكار وأحمد اللغماني ومحيي الدين خريف وزبيدة بشير ومحسن بن حميدة والعروسي المطوي وأحمد القديدي وجمال الدين حمدي وجعفر ماجد ونور الدين والميداني بن صالح. شعر الطليعة لم تكد الستينات تقترب من نهايتها حتى كانت الساحة الوطنية تُرهص بمغامرة شعرية غير مسبوقة، اِختير لأبرز نزعاتها شعار "غير العمودي والحر" واحتضنتها مجلة "الفكر" و "العمل الثقافي" ومجلة "ثقافة" والصفحات الأدبية ببعض الأسبوعيات (الأيام، المسيرة، الناس...) وسرد وقائعها الشاعر والباحث الطاهر الهمامي الذي كان أحد متزعميها، في عمل توثيقي دراسي8-. ذلك أن هذا التيار كان يمثل -إلى جانب نزعات أخرى ثانوية نزعت منزع "قصيدة النثر"- الجناح الشعري لحركة الأدب التجريبي هذه. وبالعودة إلى أحداث القرن الأدبية والفنية في تونس يتبين للناظر أنه لم تدُر رحى خصومة حول "بدعة" شعرية دورانها حول "غير العمودي والحر" ولم تتخذ القصيد ميداناً لطرح أطروحاتها اتخاذه ها هنا، ولم تستغرق السنين التي استغرقتها، وذلك كان بسبب من "القطيعة" المعلنة والمجسدة في مستويات العُدول (écart) التالية: -عدول على مستوى النظام الإيقاعي حيث هجر "التجريبيون" عروض الخليل بمختلف تطبيقاته (عمودي، موشح، حرّ...) وراحوا يستنبطون أو يزعمون استنباط الشكل الإيقاعي الأشكَل بدهرهم، والملائم لكل قصيدة على حدة، وكأَنَّ لسان حالهم كان يردد مع شاعر الأغنية: هذي غنْايه جديده ميزانْها الآهات والتنهيده وربما لم ينطبق شعار "الشعر العصري" المرفوع أوائل القرن انطباقه على شعرهم في أواخر القرن، وذا ما أشار إليه أحد ألمع شعراء التيار، محمد الحبيب الزَّنَاد، بقوله: قصائدي لا تحمل طعم قديم الشعر وكثيراً ما تعبّر عن شكل هذا العصر عن مشاكل هذا العصر (...) وبقوله، نثراً، في غلاف "المجزوم بلم" (1970) باكورة أشعاره: "هذه بعض أشعاري تنفستُ بها وقد امتزجت بأذني أنغام الشوارع" وعبر عنه توفيق بكار، أستاذ جيل الحركة، وهو يقدم "اللحمة الحية" (1970) لقطب آخر من أقطابها، صالح القرمادي، بقوله "أيركبُ الشاعر منّا اليوم السيارة والقطار والطائرة ويزِنُ الشعر بخطو الجِمال؟". -عدول على مستوى اللغة حيث عنّ لرواد هذه "المغايرة" أن يفتحوا القصيد على المستعمل من الكَلِم ويوشِحوه بلسان "العامَّة" ومأثور المعيش واليومي بحثاً عن لُقَى النادر والبديع في غضون العادي، وهذا ما أشار إليه توفيق بكار وهو يقدم "الحصار" (1972) باكورة أشعار الطاهر الهمامي حين قال إنه "لا يخشى اللقطة الشعبية والعبارة العامية.. ينزّلها في الكلام الفصيح"9-. ولم نجد ثائرة المعترضة ثارت ثورتَها على العدول عن استقامة البحور "وسلامة" اللغة، الذي عدَله رواد "غير العمودي والحر" ومنتهجي نهجهم، عدا فضيلة الشابي، ثالثة الثالوث بعد الزناد والهمامي، التي لئن هجرت عروض الخليل فقد احتفظت بـ "صفاء" عربيتها. -عدول على مستوى التشكيل البصري حيث لم يعرف النص الشعري التونسي طيلة القرن 20 في مستوى جماليته الطباعية تحوّلاً كالذي عرفه مع هذه التجربة وبداية منها. فقد أحكم روادها استغلال مساحة الصفحة وإدارة الكر والفر بين سوادها وبياضها وتحسس الدور العائد إلى المكتوب والمرئي في ضخ الدلالة وإغناء الموسيقية. فكان على أكثر الجماعة تعاطياً لهذه اللعبة أن يُبيّن أمرها فنجده يقول "تصرّفي في التصميم المعماري لكتابتي الشعرية على الورق يمكن أن يُعدّ من قبيل اللعب لكنه ليس لعباً مجانياً. فلقد آن أوان زعزعة العادات البصرية للقارئ وتيسير الإيقاع المنشود. أنا أحاول كتابة صوتية أُحمِّلها نفسي الخاص الذي يتردد في صدري، بعد أن تركت عكاكيز القوالب القديمة"10-. -عدول على مستوى الموضوع حيث أزعج الذائقة السائدة من شعر الطليعة، عدا مظاهر الخروج الشكلية، موضوعُه الذي كثيراً ما حفل بالمغمور والمهمل والمنسي والمتروك والمحقور والمرذول والملتبس، وهو جانب التفاصيل الصغيرة واللحظات القصيرة من واقع الحياة، وعليه، خرقُ العادة التي جرت بِقصْر الشعر على "النبيل" و "السامي" و "الأصيل" و "النقي" و "المعقول" في المنظور الكلاسيكي ثم الرومانسي، الذي ظل ثابتاً ولم يُغيّر منه الشعر الحر شيئاً كثيراً. وأزعج الذائقة السائدة، بالتالي، أن يجد الهامشيون وكلامهم مكاناً مميزاً لهم داخل الشعر وأن يحفل شعراؤه بضجيج الحياة اليومية ومشكلات الناس العاديين وأحاسيسهم وهمومهم. ورأى الذوق السائد في ذلك نيلاً من حرمة الشعر الذي وقع النزول به إلى وهدة "قطار القلعة الجرداء" وباعة "الروبافيكا" ومسّاحي الأحذية ورعب الشارع "المسركل المكتوف". لذا لم يتردد عديد النقاد في اعتبار المغامرة الشعرية السبعينية ثانية لحظات القرن، بعد اللحظة الرومانسية، من حيث الجرأة والحراك الناجم. -عدول على مستوى جنس الكتابة واصطلاحاتها حيث وَضعت دوالَ الجهاز القائم موضع المراجعة ونُودِي بالتخلي عنها واعتماد بدائل من صلب الكتابة الجديدة، فرفِض مصطلح القصيدة ومصطلح الأدب بل ومصطلح الشعر دون أن يقع الاستقرار على اصطلاح بديل، فقد استُعمل حيناً مصطلح "إنتاج" ثم حيناً آخر "خلق" ثم "كتابة" وحيناً "نص" وكان أحد مبررات هذا الاستبدال إن لم يكن أهمها القول بزوال الحدود والفواصل بين أجناس الأدب والفن وتحقيق جنس عابر لها جميعاً عبر كتابة جامعة أو فن شامل. ويذكر الطاهر الهمامي في عمله التوثيقي المذكور إلى جانب "غير العمودي والحر" نزعات أخرى عرفتها الساحة أبرزها "القصيدة المضادة"11- لصاحبها محمد مصمولي وطائفة من الأشعار لم تحمل شعاراً رغم خروجها على هيئة الموزون كان يتعاطاها صالح القرمادي (ت1982)12- ومحمود التونسي وسمير العيادي، وهؤلاء لم يُعنَوا بالدعاية النظرية المصاحبة ولم تثر نصوصهم ردود فعل بالحجم الذي أثارته نصوص "غير العمودي والحر". ويحصي لشعراء الطليعة، على اختلاف نزعاتهم، متناً بـ 5 و 200 نص، ويسمّي، عدا الذين عرّضنا لأسمائهم، أحمد الحباشة وأحمد القديدي وتوفيق الزيدي وحمادي التهامي الكار ومحمد أحمد القابسي ومحمد رضا الكافي ونور الدين عزيزة وعبد اللطيف كادة وعبد الهادي البليش ووحيد الخضراوي ومختار اللغماني (ت 1976) وسوف عبيد. أما منصف المزغني الذي شد إليه الأنظار في موفى السبعينات بمطولته "عيَّاش" وطريقة إلقائه "المظفرية" (مظفر النواب كان وقتها أفقاً شعرياً) فقد نشأ في أعقاب "الطليعة" ولم يرِثْ منها عدولها الوزني بل ورث وطوّر بقية مستويات العدول في مختلف مجاميعه. وورث الصغير أولاد أحمد روحها الهازلة واحتفالها بالتفاصيل ونموذجها المتمرد. ورثت شاعرات الربع الأخير من القرن عدولها عن الوزن وعن مألوف التشكيل البصري (سميرة الكسراوي، آمال موسى، أميرة الرويفي. المنحى الصوفي تطور هذا المنحى في صيغته الحديثة غداة هُفُوت الضجة حول "الطليعة" عند أواسط السبعينات وشهد قفزته العربية والتونسية، إن لم نقل العالمية، غِبّ بدء مسلسل الانكسارات والانهيارات التي لحقت الفكرة التقدمية ومشروع التحرر، وانسداد الآفاق أمام المثقفين المصدومين وعموم الناس المحبطين. فكان أن نشطت سوق الأرواح القديمة واستعاد التراث الصوفي بريقه، وكان اللوذ به إما انكفاء وانطواء أو استمداداً لطاقة مقاومة ومكابدة فردية، جسدها بعض المتصوفة ورُوتها مُدوَّنات سِيّرهم أو أشعارهم ومن ثمة داخل الرمزُ الصوفي والمعجم الصوفي والنص الصوفي والموضوع الصوفي الشعر التونسي وبدأ تيار التجريب ينحسر، وعيار الشعرية يتبدل، إن قليلاً أو كثيراً.. وامتدت شواهد المنحى إلى عناوين المجموعات (المرائي والمراقي لمحمد الخالدي، حلاّج البلاد لعلالة الحواشي...) وعدا من سمينا عُدَّ ضمن ممثليه أيضاً محمد الغزي ومنصف الوهايبي أو ما عرف بـ "جماعة القيروان". أما فتحي النصري وإبراهيم النصراوي فقد ظلا يراوحان بين منحى التجريب ومنحى القصيدة الصوفية، الأول في "أصوات المنزل" (1994) و "قالت اليابسة" (1994) وسيرة الهباء" (1999) والثاني في "قطوف التيه" (1998). هذه جملة المحطات التي كان لها من الشأن ما استوقفنا ونحن نتتبع مسيرة الشعر العربي في تونس خلال 100 سنة بدايتها جانفي 1900 ونهايتها ديسمبر 1999. وعدا الذين استقطبتهم المحطات وشكّلوا عمادها من قريب أو بعيد عرفت العقود العشرة الماضية عشرات الأسماء العازفة على انفراد وعلى مَبْعَدة من التشكلات المذكورة وتشكيلاتها أو المجتمعة حول سائس (شعراء العكاظيات) أو حول قِطاع (شعراء المناجم) أو حول منشر (دار الأخِلاء) أو حول تصور (الريح الإبداعية، المنحى الواقعي..) دون أن تكون لها حدود بيِّنة وأن تترك في الخارطة أثراً مميزاً، وقد يكون لها ذلك بعد حين، من يدري؟ إنّ وقوفنا عند المحطات لا يعني أنّ بين المحطة والأخرى لم يوجد شاعر، أو أن كل من جمعتهم المحطة شعراء، ونحن نشير بذلك إلى الأسماء الكثيرة التي سيُصفي أمرها الزمن بعدنا، أسماء سالم الشعباني ومحمد عمّار شعابنية ومحمد البقلوطي وعبد الجبّار العش وعبد الله مالك القاسمي ومحجوب العياري والمولدي فروج وآدم فتحي وجميلة الماجري ويوسف رزوقة والهادي الجزيري وحميدة الصولي ونور الدين بالطيّب وسامي نصر وعبد الفتاح بن حمودة وغيرهم. r n الهوامش 1-نستعين بالمعطيات التي جمعها محمد صالح الجابري في كتابه: الشعر التونسي المعاصر 1870- 1970، الشركة التونسية للتوزيع، 1974. 2-نفسه، ص 79. 3-حمادي صمّود: الشعر العربي المعاصر في تونس، ضمن كتابه: من تجليّات الخطاب الأدبي، دار قرطاج للنشر والتوزيع، 1999، ص 20. 4-الجابري، المرجع المذكور، ص 84. 5-صمّود، المرجع المذكور، ص 23. 6-الجابري، ص 250. 7-الطاهر الهمامي، جدل الفن والواقع، "أغاني الحياة" للشابي مثالاً، حوليات الجامعة التونسية، ع 35، 1994، ص 188، 189. 8-حركة الطليعة الأدبية في تونس 1968- 1972، نشر كلية الآداب منوبة ودار سَحَر، 1994. 9-الحِصَار، الدار التونسية للنشر، ط1، 1972، ص 11. 10-الطاهر الهمامي، كلمة بيانية خامسة في غير العمودي والحرّ، فيفري 1971 ص 62. 11-انظر مجموعته، رافض والعشق معي، الدار التونسية للنشر، 1972. 12- انظر مجموعته: اللحمة الحيّة، سيراس للنشر، ط1، 1970- ط2، 1982. |
|
| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |