|
||||||
| Updated: Tuesday, September 23, 2003 03:29 AM | ||||||
| فهرس العدد | فهرس الدوريات |
|
واقعية الأدب الروائي لدى تولستوي ـــ د.ياسين الأيوبي القارئ لرواية "آنا كارنينا"، تدهشه الأوصاف الخارجية المختلفة التي يعنى بها تولستوي، بصورة تجعل المشهد الموصوف حيِّزاً حيَّاً نابضاً بالحركة والحضور، من الحياة التي نحياها، وقلْ مثل ذلك في الأوصاف الداخلية، ورصد الأفكار والهواجس، والأحلام الحبيسة داخل جدران النفس، كأننا نعيشها بما يشبه التحسس الذاتي أو مايقرب. وهو من أكثر مايوصف به الأدب الواقعي الذي بلغ أجمل أساليبه في "آنّا كارنينا" حيث لا شيء يطغى على الواقع، أو المتوقَّع الذي يفوق الواقع أحياناً، بنصوعه وحدَّته، وشدة انطباقه على مجريات الحياة الإنسانية التي يحياها الناس في مختلف العصور، وشتى الأماكن. نمثِّل على ذلك بجزء من حوار ذاتي بين البطل الثالث في الرواية "ليفين"، وبين نفسه، وهو يتأمل البطل الثاني الكونت والضابط فرونسكي، يعرض فيه ليفين إلى مايتخذه الناس في نظرتهم إلى بعضهم البعض، فلا يرون من الرجل الخصم إلا السيئات، ومن الصديق إلاَّ الحسنات.. ويخالف ليفين الفريق الأول، في نظرته إلى الضابط الشاب، فلا يرى إلاَّ المزايا الجميلة والملامح المتناسقة: "كان فرونسكي أسمر، متوسط القامة، منسق الجسم، جميل المحيَّا، أنيس الطلعة، هادئ القسمات، واثقاً من نفسه إلى أقصى الحدود. كان كل شيء في وجهه وشخصه، بدءاً من شعره الأسود القصير وذقنه الحليقة منذ وقت قريب، إلى بزته الجديدة الرائعة التفصيل، بسيطاً وأنيقاً في آن واحد.".1- ويتابع المؤلف وصفه لمشهد الحوار الجاري بين سيدة كونتسة هي نوردستون، والضابط فرونسكي، لنقع منه على جانب آخر من جوانب التصوير الداخلي اللافت، الضمير للضابط مخاطباً الأميرة كيتي: "كان يتحدث مخاطباً كيتي تارة، وليفين تارة أخرى، منقِّلاً بينهما نظرته الهادئة المتوردة، كان يقول، على مايبدو، كل مايخطر بباله. وحين لاحظ أن الكونتيسة نورد ستون تنوي أن تقول شيئاً توقف في وسط جملته وأصغى إليها بانتباه"2-. تولستوي، لا يصف مايرى ويحدث، بل مايتخيله في جنبات الذات، كأنما هو الذي يتحدث ويروي مايعتريه، وهو إن دلَّ على شيء، فعلى طول باعه في التجربة السرديَّة والحياتية الذاتية، فيكشف مالا يكشف ويصور ما لا يقع تحت دائرة الحواس، بل مايقع في دائرة الحواس والتوقع، وتلك درجة رفيعة من الصدق الواقعي، يرقى به الأدب الروائي، إلى مرتبة الإبداع والخلق الفني. إن الوصف الخارجي الدقيق، لكثير من الأحداث والمشاهد والوقائع، يذهل القارئ، ويجعله في حيرة من أمر ما يقرأ ويتأمل، هل هو المؤلف، الذي تزوَّد بطاقات لا حدود لها من الملاحظة الدقيقة الشاملة، النافذة إلى ما وراء الملامح والقسمات... أم الأشياء تتحدث عن نفسها: مرئية، محسوسة، من كل الجهات، أو ذاتية تنفض عنها الأغشية التي توشيها وتحيط بها؟؟ اقرأ له الفصل العاشر من الجزء الأول من المجلد الأول، وقد خصصه لتناول وجبة طعام في مطعم داخل فندق انكلترا في موسكو، تقع على دقائق ولطائف من المحسوسات على اختلافها، ولا مثيل لها في واقعيتها وصدقها وعفويتها، وغرابتها في آن: (الضمير لمسؤولٍ في المطعم). "وفي طرفة عين، مدَّ غطاءً نظيفاً على طاولة مستديرة، ومغطاة بغطاء آخر من قبل، وواقعةٍ تحت مصباح جداري من البرونز، وقرَّبَ من الطاولة كرسيين من المخمل، وظلَّ واقفاً قرب ستيفان أركادييفتش ينتظر الأوامر، وفوطته تحت ذراعه، ولائحة الطعام بيده"3-. في أثناء الأكل والحديث، تظهر على السطح الأفكار والمشاعر التي تنتاب ليفين، وهو المزارع الريفي العريق، عندما يغرق وسط زحام المرافق السياحية المدنية الصاخبة، فلا يجد بداً من المقارنة والتذكر، على قدر كبير من الحنين لنمط العيش والأكل والعمل في الريف. ترانا نبذل وسعنا لكي نجعل من أيدينا أداة صالحة للعمل: إنا نقصُّ أظافرنا ونشمِّر أكمامنا، بين الحين والآخر، أما هنا فالناس يتركون عن عمد، أظافرهم تطول ماشاء لها الطول، ويعلِّقون في أردانهم صحوناً صغيرة بدل الأزرار، لكي يتعذر عليهم فعل شيء بأيديهم"4-. لنقرأ أيضاً مثالاً آخر على السرد الجزئي والوصف الحسي والنفسي المتناهي دقة وصدقاً وواقعية، في تبادل النظرات، والعناق، والملاطفة مابين كيتي ووالدها العجوز والضابط فرونسكي، والبطل ليفين (الجزء الأول ـ الفصل 16 ـ ص 121)*. ومثله، مشهد محطة القطار قبيل وصول القطار إليها، من حركات متعاظمة على الرصيف، وجيئات الحمالين وروحاتهم، وحشود المستقبلين المتوافدين بكثرة لاستقبال المسافرين، ..الخ مدة من أمور يمكن تخيلها في هذا المكان وتلك المناسبة (ج1 /ص131)*. ومثله، ولكن بنسبةٍ أكبر، وإحاطة بنوازع النفس أشمل، مشهدٌ من الفصل السادس عشر، عن الجزء الثاني وفيه يبيع السيد أوبلونسكي (ستيفا أركادييفتش) غابته للتاجر ريا بينين، فنجد المؤلف يلقي بظلاله النفسية على دخائل بطليه المذكورين آنفاً، فيصورها وفقاً لما يطابق الواقع أو المثال، للنفوس: رديئة كانت أم كريمة.. ويعطي السمات التي تتمتع بها كل نفس، ويجعلنا نحسُّ بأمانة النقل والتصوير من غير تعديل أو تشويه... وموضوع المشهد حوار التاجر ريا بينين وأوبلونسكي ورصد نفسية التاجر الذي يسعى إلى تجنيس ثمن الغابة بكل الوسائل والحجج الواهنة المختلقة. ومن التفاصيل التي رصدها المؤلف لسحنة التاجر تغير لهجته عقب إعلان السيد ليفين عن قراره بشراء الغابة بثمن أعلى، إن لم يكن قد وقع عقد البيع بين التاجر والسيد أوبلونسكي، فبعد أن كان الرقم المطلوب دفعه، من قبل باهظاً، ومدعاة خسارة فادحة، "توارت الابتسامة بغتةً عن وجه ريابينين، وكسا وجهه تعبير وحشيُّ شرهٌ كالذي للطيور الكاسرة. وحلَّ أزرارَ معطفه على عجل، بأصابعه الناحلة، فكشف عن قميصه، وأزرار صدرته النحاسية، وسلسلة ساعته، وأخرج محفظة بالية. وقال وهو يرسم إشارة الصليب بسرعة ويمدُّ يده. ـ عفواً، الغابة لي، خذ المال. الغابة لي" (المجلد الأول، الجزء الثاني، ص 327-328). وتصل ملكة التصوير الواقعي، غاية الصدق والنفاذ إلى أبعد من الشمول والإحاطة.. إلى مايمكن تسميته الواقعية الباهرة، عندما يلتقط أوقل: يختلس مشهداً لا يعيره الناس أي التفاتة، ويرون فيه أمراً طبيعياً واعتيادياً في مستوى النوافل.. لكن تولستوي توقف عنده وقدَّم لنا من خلاله شهادة رفيعة المقدار، بعيدة الأثر لدى القارئ الدارس، عنيتُ: التثاؤب المفاجئ أثناء الكلام وتوقف الحوار بسببه، وذلك في معرض جواب السيد أوبلونسكي، لليفين معلِّلاً سبب إخفاق هذا الأخير باستمالة قلب كيتي، بعد أن نافسه عليها الضابط فرونسكي. "لقد قلتُ لك آنذاك إنني لا أعلم حظَّ أيٍّ منكما أوفر، فلم لم تتقدم لخطبتها؟ لقد قلتُ لك، في ذلك الزمن أن... وهنا تثاءب بفكيه دون أن يفتح فمه"(المجلد الأول... ص 333). أية موهبة أدبية ومقدرة خارقة على النظر الثاقب وتسجيل حركات الوجه وتغضناته اللا إرادية، أوتيها تولستوي، لرصد هذا الجانب الإنساني العارض؟؟... من جزئيات المشاهد الواقعية التي يقتنصُها المؤلف من خلال الحياة وحركيتها الهاربة، لقاء غير متوقع بين البطلين داريا وليفين على مقربة من منزل الأولى وهي على متن عربتها، وحوار طبيعي حارٌّ ودعوة الخادمة لليفين كي يصعد العربة في طريقهم إلى منزلها قائلة. " ـ اصعد معنا، سنرصُّ أنفسنا قليلاً.. ـ ولا أفضل أن أتابع الطريق مشياً".. ج2/57). وبعد مضي العربة، ونزول أولاد داريا من العربة وركضهم إلى جانبه، "طلبت ليلي [الطفلة الصغرى]، أيضاً أن تلحق بهم، فناولته إياها. وأجلسها على كتفه وأخذ يركض. قال وهو يبتسم بفرح للأم: ـ لا تخافي يا داريا ألكسندروفنا، لن أدعها تسقط"، (ص58). وفي الفصل الخامس والعشرين، من الجزء الثالث، يتوقف ليفين وهو في طريقه إلى صديق ريفي، عند فلاح غنيّ، فيصف لنا مدخل منزل هذا الفلاح، وامرأة تقوم بتنظيف الأرض، وكيف خافت من وجود كلبة ليفين بصحبته... ويدخل هذا الأخير إحدى غرف المنزل، ويتوقف داخلها، متأملاً جوانبها ومحتوياتها واصفاً كل ملمح فيها: من المدفأة الهولندية، والحاجز النصفي، والطاولة والرسوم والمقاعد والخزانة... ويلفتنا إلى أشياء لا يعيرها الناظر أية نظرة، كقوله: ".... ولم تكن المصاريع المغلقة تسمح بدخول الذباب"، وكان كل شيء نظيفاً جداً حتى إنَّ ليفين خشي أن توسخ "لاسكا"، التي ركضت على الطريق، وتخبطت في المستنقعات، أرض الغرفة؛ فأشار إليها بمكان في الزاوية.."(ج2/153). ونمضي مع تولستوي في عيِّنات من السرد الواقعي المدهش، لنصل إلى نقل تهرُّجات الصوت وتقطعات الكلام في لحظات التأزم النفسي، بين البطلة الأولى، وزوجها السيد كارينين. وذلك في غمرة انفعاله من مصارحتها بصوابية مافعلت وهتكتْ... "ـ نعم، أنت لا تفكرين إلاَّ في نفسك! وآلام الرجل الذي كان زوجك لا تعنيك في شيء. لا فرق عندك إن تحطمت حياته، إن تأ... تألم من الموت والهوى"، (ج2/221). وندهش لمشهد غريب.. ألا وهو مشهد العُثَّة التي يصادفها المرء بين كتبه وملابسه، ولا يأبه لها وذلك أثناء لقاء السيد كارينين بأحد المحامين الذي قصده لتسوية وضعه مع زوجته... فيعطي المؤلف كل عنايته الفنية والموضوعية لنقل هذه اللمحة الطارئة، المرة تلو المرة، تاركاً في نفس القارئ شعوراً مزدوج الانتماء بين الرضى التأملي والامتعاض الذوقي.. "... ولم يكد يتجمد في هذا الوضع [الضمير للمحامي] حتى أخذت عثَّةٌ تحوِّم فوق المكتب، فهبَّ المحامي بسرعة لا تتُوقع منه، وباعد بين يديه، وقبض على العثة وعاد إلى وضعه".(الجزء الثاني/ ص 225). ويتكرر منظر العث ثلاث مرات، في الوقت نفسه، والجلسة نفسها بين كارينين والمحامي، ليضفي السرد على القارئ، مزيداً من الوفاء لجوهر القص الواقعي، ومتطلباته من الصدق والنصوع لدرجة تفوقُ ما ترشح به الأشياء نفسها في مجالسنا وممارسة حياتنا اليومية.. لتصل في الموقع الحواري نفسه بين كارينين والمحامي، حالة من التنبه المثير، كأنما المقاطعة الكلامية، وتقاطع المشاهد العارضة في المشهد الرئيس، تبدو كما لوكان الروائي عدسة سينمائية لا تغادر صغيرة ولا كبيرة، إلاَّ رصدها، تحقيقاً لواقعية مايسرد ويروى، ويصور: "وقال لأمين سره [أي المحامي]، الذي أطلَّ من الباب: "لينتظروا".. ومع ذلك نهض، وذهب إليه وأسرَّ إليه ببعض كلماتٍ ثم عاد وجلس وتابع: [متحدثاً عن دوافع الكلام]، ـ في الحالات التالية: سوءُ التركيب الجسدي، غياب أكثر من خمس سنوات. (وطوى إصبعه القصيرة المغطاة بالشعر)، وأخيراً الزنى (ولفظ هذه الكلمة برضا ظاهر). أما التفريعات فهي (وظلَّ يطوي أصابعه الضخمة مع أن الحالات وتفريعاتها لا يجوز بطبيعة الحال أن تصنَّف معاً): سوء التركيب الجسدي في الزوج أو الزوجة.(وبما أن جميع أصابعه كانت مطوية، فقد فتح يده وتابع): هذه لمحة نظرية)".(ج2/ ص 228). لاشك في أن المشهد لم يعد شريحة حيَّة من وقائع مايجري بين المتحاورين.. بل تجاوز ذلك إلى استشفاف الخلجات التي يترجَّع ضمنها المشهد وتُروى تفاصيله التي تأبى حتى على نظر المُشاهد، كوصف تولستوي لأحد أغطية طاولات الغرف بالتجريح من أثر ضربات السكين(ج2/270). أو رصف لقطة من لقطات تناول الطعام في أحد المنازل، بعفوية بالغة، وصدق نادر: "قالتْ كيتي، وهي تحاول عبثاً أن تغرز شوكتها في فطر أبى أن يعلق بالشوكة التي كانت تنزلق عنه، وتردُّ التخريمة التي كانت تسقط على يدها البيضاء" (ج2/250). حتى المخاطبة، بضمير المفرد، بين الحبيبين، رصدها الكاتب وصورها..(ج2/291). ومثلها صوتُ قطرات الشمع الذائب في أحد الأعراس، داخل الكنيسة: (والمشهد احتفال ليفين بزواجه من كيتي): .... وانحنى أحدهم ليصلح ذيل ثوب العروس. وران على الكنيسة صوتٌ عظيم، حتى لقد كانت تسمع قطراتُ الشمع وهي تسقط"(ج3/ص32). الوصف هنا لامس ضمير الأشياء فشفَّ واستدق ليختلس صوت مالا صوت له، ويحكي عن حركة لا شعورية، تنبث بها الشموع وهي تحترق صامتة مبتهلة.. ومن المشاهد الوصفية الجديرة بالتأمل، الفصل العشرون، من الجزء الخامس من المجلد الثالث والأخير من الرواية، وهو فصل الموت الذي استغرق عشر صفحات حافلة بتوجعات القلم وارتعاشات القلب مع كل خفقة تصدر عن نيقولا شقيق ليفين، وكل حركة تصدر عن الرجل المائت، ثم لا تلبث ـ أي الريشة التي تصور ذلك ـ أن تنتفض إزاء أية حركة توحي بمعاودة الحياة، وبإمكانية الانتصار على الموت: "مدَّدَ ليفين أخاه على ظهره، وجلس قربه، وتأمل وجهه وهو يحبس نفسه لقد أغمض المحتضر عينيه، لكن عضلات جبينه كانت تتحرك من وقت إلى آخر، كما تتحرك لدى الإنسان الذي اشتغل ذهنه بالتفكير العميق.. وكان ليفين يفكر هو أيضاً، بالرغم منه، فيمايتمُّ، في هذه اللحظة، في المريض، لكنه كان يرى، برغم الجهد الذي بذله لمرافقته، ومن تعبير وجهه الهادئ والصارم، ومن حركة العضلات فوق حاجبيه، أن المحتضر قد انكشف له بوضوح يتزايد شيئاً فشيئاً، ماظلَّ غامضاً بالنسبة إلى ليفين" (ج3/106). وهكذا، مابين مد وجزر، وانحباس وافترار، ولجلجة وتمتمات خافتة ممزوجة باليأس والأمل الهارب، حتى يلفظ نيقولا أنفاسه الأخيرة، مخلِّفاً سحباً من الأفكار والتأملات المعتمة حيال لغز الحياة الأكبر الذي هو الموت..هذا الذي نظر إليه تولستوي منذ نعومة أظفاره، نظرة المتوجس المرتعد من شبحه المخيم عليه، ناقوساً يؤذن بالفناء الذي التقى به الأول مرة يوم قادوه ـ وهو ابن سنتين ـ إلى قرب جثمان أمه.. "إنه العدم، أو ذلك الشيء الأسود الرابض خلف الحياة".5-. وعندما يذكر الموت لدى تولستوي، تخطر صورته لدى دوستويفسكي الذي عاناه حقيقة صارخة عندما رُبط، ذات يوم، إلى عمود الإعدام، وقد عُصبت عيناه، ينتظر طلقات الرصاص التي ستضع حداً لحياته، والذي كان يتردَّى في كل أسبوع فريسة لاختلاجات صرعية"6-، بينما معاصره تولستوي "ينتابه الارتعاش لمجرد سماعه صدى الكلمة أو لمجرد افتراب فكرة الموت منه.. إنه لا يجد اكتمال قيمة الحياة إلا في ازدهار أناه، في "نشوة الحياة"، على حد تعبيره"7-. ولم يكن هناك من وسيلة لتجنب الغرق في هذا الرعب إلاَّ بإقامة معادلة الحياة حياله. الحياة وحدها تقف للموت بالمرصاد، وهو ما توصل إليه، في نهاية فصل الموت (لشقيق ليفين)، حينما أسدل الستار عن مشهداً أو خبر حمل زوجته كيتي... ويتصاعد المد الواقعي وتتنوع أساليبه، في وجوه الجمل الاستدراكية التي يقف من خلالها أمام الهيئات والأحوال المصاحبة لنمو حركية المشهد، ولاسيما في حلقات الحوار الذي يشكل العمود الفقري للعمل الروائي هو والإخبار. فهو ـ من خلال هذه الجمل ـ لا يفتأ يصف قسمات الوجه، وحركات العينين، وملامح الهيئة الخارجية. ونكاد نقول إنَّ كل مافي الرواية قائم على هذه الأوصاف، وخاصة ما يتعلق بالأمور الجانبية الهامشة.. عنيتُ مايدور علىهامش المشهد، وفي طياته، بحيث تبدو الجمل الاستدراكية الحالية أكثر أهمية من الجمل الرئيسية.. وما ذلك إلاَّ ليضفي على السرد حرارة الشمول والنصاعة ودقة التصوير... وإليك هذه العينات المقتطعة من الفصل الحادي والعشرين، من الجزء السادس، من المجلد الثالث والأخير، في جانب من جوانب الحوار مابين فرونسكي، وداريا الكسندروفنا: " ـ إن لك تأثيراً عظيماً في آنا [المخاطب هو فرونسكي]. ألقت داريا الكسندروفنا نظرة مستفهمة، ووجلة على وجهه الصارم الذي تراقصت عليه ظلال الزيزفون، وانتظرت ماسيقوله: لكنه ظلَّ يمشي بقربها بصمت، وهو يضربُ الحصى بعصاه. وسألها: وهو يلتفتُ إليها: ـ إذا كنتِ جئتِ لترينا، أنت المرأة الوحيدة بين جميع أصدقاء آنا (لا أعد الأميرة بربارة)... أجابت داريا الكسندروفنا وهي تغلق مظلتها: ـ نعم، لكن.. ـ .... قالت داريا الكسندروفنا، وقد أعجبت رغماً عنها، بالصدق والعزم اللذين ضمنهما كلامه.. ـ ... فقال بسرعة وهو يقطب بين حاجبيه بوجه متجهم: المجتمع ! وكيف يمكنني أن أحتاج إلى المجتمع؟ ـ .. قالت ذلك، وهي تبتسم، وبالرغم منها، تساءلت وهي تقول ذلك..."(ج3/ 312-313). على هذا النسق عقد تولستوي فصول روايته، وحاك خيوطها، وعناصرها جامعاً بإحكام وتداخل عضوي بين الواقع والفن، حتى بات من المتعذر الفصل بينهما أو الإجابة عن السؤال: أين الفن، وأين الواقع؟ "لقد كان تولستوي يعتبر ذاته من دعاة "الواقعية"، بكل معانيها التي أهمها تمثيل "الواقع"، المعاصر بأمانة، لكنه أيضاً كان يعتبر ذاته فناناً، لا مؤرخاً أو صحفياً".8-. إنَّ صنيع تولستوي في هذا المزج المبدع بين الفن والواقع، لم يتحقق بفعل سحري، ولكنه حصيلة جهد داخلي دؤوب، ووليد معاناة عميقة الغور، واسعة المدى، لمختلف جوانب الحياة، وهو لا يترك أثراً لهذا الجهد، وتلك المعاناة كهيئة إحدى بطلات روايته كيتي، في حفلة راقصة أعدت نفسها لها إعداداً متقناًـ فيه الكثير من الجهد والتفكير، أو كما يقول هو، ممعناً في إغناء المنحى الواقعي لأدبه الروائي: "ومع أن زينتها، وتسريحة شعرها، وجميع استعدادات السهرة، قد كلَّفت كيتي كثيراً من الجهد والتفكير، إلا أنها دخلت الحفلة الراقصة في ثوب من التول المعقد، المركب على فستان ضيق وردي، وبكثير من اليسر والبساطة حتى لكأنَّ عقد الشريط، والتخريم، وجميع متممات الزينة، لم تتطلب منها دون وصيفاتها دقيقة من العناية، وكأنها ولدت في هذه التول، وفي تلك التخريمات ومع هذه التسريحة العالية التي تعلوها وردةٌ تحيطُ بها ورقتان"(ج1/ص 163). بلى، إن ما ألمحت إليه أعلاه بشأن امتزاج الفن بالواقع، امتزاجاً عضوياً لا سبيل إلى فصل الواحد عن الآخر، هو في جوهر واقعية الأدب لدى تولستوي، التي تنطلق من ملايين المشاهدات الدقيقة لجزئيات العالم الخارجي ومطاوي العالم الداخلي فلا تفوتها صغيرة أو كبيرة، من وقائع الحياة... ويتساءل الدارس، هل هي الموهبة الوصفية وحدها، أم الصبر الطويل، والجهد الفكري المتواصل، وراء هذا النسيج الروائي المذهل؟؟ لا يسعنا اعتماد أ ي واحد من العاملين المذكورين، ولا أي عامل آخر وحده.. لأن الإبداع المجسَّد في أعمال كبيرة من طراز ما تقدم تولستوي، لا يصنعه هوى أو موهبة أو غنى فكري تجربيّ. وإنما هو متعدد العناصر والإسهامات، تتداخل جميعها، كلُّ في جانب أو ناحية، متآلفة منسجمة على غرار ما تفعل أوركسترا سمفونية في عمل موسيقي كبير ـ بإشراف قائد (مايسترو)، موسوعي الثقافة والممارسة والاطلاع الواسع. "إن المرء ليتصور ـ وهو يقرأ تولستوي ـ أنه إنما يتطلع إلى العالم الواقعي من نافذة مفتوحة المصراعين تطل عليه من عل"9-. فنتوهم، في بعض اللحظات أن ماكتبه تولستوي ليس شيئاً أكثر من اسم مباشر للطبيعة والحياة، وأن الفن بهذا التفسير ـ شيء يسير للغاية، وأن الحقيقة الفنية أمر طبيعي تماماً، وأنه لا يلزم في سبيل ذلك ـ حسب تعبير تولستوي نفسه ـ أكثر من "موهبة سلبية، ألا وهي عدم الكذب". ذلك أن آثار تولستوي تنتصب أمام أعيننا، بوضوح عظيم، وبكل مافي المشاهد الطبيعية من طبيعي ساذج، تنتصب أمام أعيننا إذن، ثرية هدارة، أشبه بطبيعة جديدة، ولا تقل عن الطبيعة الأخرى صحة وصدقاً ونصيباً من الحقيقة".10- ومن أراد تبيُّن هذه الطبيعة الجديدة التي تفوق الطبيعة الأولى نصاعة ووضوحاً وجمال معاناة، فليقرأ ـ على سبيل المثال ـ الفصل الخامس عشر من الجزء السابع من الرواية، الخاص بمخاض الولادة الأولى للبطلة العاطفية النبيلة كيتي، زوجة ليفين، يكتشف مدى التوغل الفني في سكب خفقات المخاض وصوغ أنات وآهات التضور، والتلهف لكلا البطلين: كيتي وليفين، قبيل واثناء وعقب الولادة.. إنه الفصل المقابل لمشهد الموت والاحتضار الذي توقفناعنده، في الصفحات السابقة، وقد وصفه وصاغه تولستوي بعناية فائقة، وهاهو الآن يقدم لنا سيِّد الرواية الواقعية، ومشهد الولادة المعذبة، ليؤكد، المرة تلو المرة، أصالة واقعيته الأدبية، سطوع حضوره الفني العالي في ماينقل ويسرد ويصور، وحيرة القارئ الدارس في نوعية ما أبدع كاتبنا وحقيقته.. "كان يصغي [الضمير لليفين]، ورأسه مستند إلى إطار الباب، إلى الصباح الآتي من الغرفة المجاورة، وهو صياح لا يشبه في شيء ما سمعه حتى الآن، وكان يعلم أن هذه الصرخات تنبعث عمَّن كانت قديماً كيتي، ولم يعد يفكر في الوليد، منذ زمن بعيد، كان يكره ذلك الوليد، بل إنه لم يكن يتمنى أن تحيا كيتي، فكل ماكان يتمنَّاه أن يرى النهاية لمثل هذه الآلام المبرحة(...)، وفجأة، ألقى ليفين نفسه وقد انتقل فوراً من ذلك العالم غير الواقعي، الرهيب المحفوف بالأسرار، الذي عاش فيه اثنين وعشرين ساعة، إلى عالم عاداته القديم، لكن هذا العالم أخذ يلتمع الآن بنور السعادة الباهر حتى إنه لم يستطع أن يحتمله. وانقطعت الحبال التي شُدَّت شدَّاً مفرطاً، فهزَّه النحيب ودموع الفرح، التي لم يتوقعها هزَّاً عنيفاً لم يستطع معه الكلام زمناً طويلاً". (الجزء الثالث / ص 454-455). لو أردنا عقد مقارنة بين فصلي الموت والولادة: الموت لشقيق ليفين، وولادة ابنه الأول لمعرفة مستوى الصدق الفني، وغنى الأدب الواقعي، طالعتنا نتيجة واحدة ومحصلة واحدة هي: أن الكاتب يغرف من بحر الحياة ويخط بريشة واحدة ويُريق سائلاً واحداً، هو: "استشفاف الأشياء والنفاذ إلى أسرارها وتصوير أدق الخلجات، والتمزقات الجسدية والنفسية.. ذاك أن كلا الاحتضار والولادة: معاناة وتصدع ومخاض.. كلاهما صراع لا حدود له ومصير محتوم مجهول مجبول بالدم والدموع والخلاص: الأول إلى الأبدية حيث الحساب والدينونة.. والثاني إلى الدنيا وفصول الفرح والعذاب المتعاقبة المتواصلة.. الفوارق الطفيفة مابين الفصلين، هي طول الأول (إحدى عشرة صفحة)، وقصر الثاني (أربع صفحات)، الأول صيغ ورسم بمداد أحمر قاتم.. والثاني بمداد أحمر فاقع، أو قل: فاتح.. الأول يتضمن اختلاجات طويلة بعيدة المدى ذات علاقة بالمناخ النفسي الذي تتلجلج فيه نفس تولستوي والثاني، مثله، لكنه منتهٍ إلى نافذة مضيئة نحو مسافة محسوبة ومقدرة من الحياة.. ومايؤكد شبه المطابقة بين المشهدين، إعلان نتيجة واحدة لنهاية المشهد أو الشوط. وهي "انتهى الأمر!".. لفظها، في المشهد الأول: الكاهن.. ولفظها في الثاني: كيتي الأم الواضعة المعذَّبة، انتهى الأمر هناك، إلى اللا نهاية.. وههنا إلى بداية النهاية.. ونخلص إلى حيث ابتدأنا في مطلع هذا الفصل، وهو عبقرية تولستوي في كل مايصف ويخبر ويصور، لا تكاد تقف عنده على عثرة فنية واحدة ولا يخالجنا أي شعور بالتكلف والتصنع، إنما نحن في هدير الحياة وجلبة الأيام تتوالى أمام أعيننا، وتنصب في أسماعنا، فيختال البصر والسمع ويضمنا موكب احتفالي متناغم القسمات موصول الخطوات. r n الهوامش: 1 ـ رواية "آنا كارنينا"، لتولستوي، ترجمة صيَّاح الجهيم، وزارة الثقافة، دمشق 1984، جزء أول، ص 115. 2 ـ نفسه، ص 117. 3 ـ آنا كارنينا ، ج1/ ص84. 4 ـ نفسه، ص 88. * "الجزء"... هنا يعني الكتاب، أو المجلد، وليس الجزء الداخلي في الرواية التي تشتمل على ثمانية أجزاء، جمعت في ثلاثة كتب، أو أجزاء، وهكذا في جميع هوامش هذا الكتاب... 5 ـ "تولستوي"، بقلم ستيفان زفايج، ترجمة فؤاد أيوب، دار اليقظة العربية للتأليف والترجمة والنشر، دمشق/ لا تاريخ، ص 43. 6 ـ مصدر نفسه/ ص 45. 7 ـ المصدر السابق/ ص 45. 8 ـ تولستوي: مقدمة نقدية، ص 261. 9 ـ "تولستوي"، بقلم ستيفان زفايج، ص 53. 10 ـ مصدر نفسه/ ص 53. |
|
| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |