|
||||||
| Updated: Tuesday, September 23, 2003 01:54 AM | ||||||
| فهرس العدد | فهرس الدوريات |
|
قاضي البصرة.. ـــ شعر: د.شاكر مطلق. قاضي البصرةِ يجلسُ في الديوانِ على جُبَّتهِ السَّوداءِ يُداعب، في قلقٍ مُرتبكاً لحيتَهُ البيضاءَ يُتمتِمُ مهموماً، أَسماءَ الباري يلعَنُ، في السرِّ، الأنثى والشيطانْ.. ماذا يفعل بالولدِ الواقفِ في الحضرةِ مضطرباً عُريانْ؟ لا يعرفُ أحوالَ البصرهْ لا يفهمُ أسرارَ التِّيجانْ أمسَكهُ جندُ السلطانِ بجرمٍ مشهودٍ لايُغفَرْ آنَ رأَوْهُ يمدُّ من العينين الغائرتينِ شعاعاَ وردياً يُطلق من شفتيهِ الصَّامتتينِ نداءً شبقيَّاً نحو أميرةِ "بغدادَ". وقد جاءت في هودجها الذَّهبيِّ إلى حاراتٍ ضيِّقةٍ منسيَّهْ لم يعبُرْها من قبلُ سوى العسَسِ اللَّيليِّ وأسرابِ الجُرذانْ... قالوا، في صوتٍ مهموسٍ: جاءتْ تستقرئُ طالعَها عندَ عجوز الحيِّ العرَّافهْ كي تسألَ عن فحلِ الأحلامْ عن اسمِ حبيبٍ موعودٍ للنهدِ العالي مرصودٍ سيجيء إليها يوماً يعدو فوقَ زُرافهْ الرأسِ كثورٍ بريٍّ أدناهُ شبيهٌ بالإنسانْ.. قال الفرسانْ: هذا ماسَطَّرَهُ الكُهَّانُ عن الأجدادِ وظلَّتْ تحكيهِ الجدَّةُ للأحفادِ وترويه النِّسوانْ تتناقلُه، عند الحجِّ، الرُّكبانُ إلى كلِّ مكانْ.. والرَّكبُ الذهبيُّ يَخُبُّ،وئيداً، بين الحاراتِ المَنسيَّةِ يَسألُ شيخاً أعمى عن بيت العرَّافهْ ويُناخُ الرَّكبُ، أمام البيت الطِّينيِّ لتنزلَ صاحبةُ العفَّةِ من هودجِها كي تعبرَ من بابٍ خشبيٍّ ضيَّقْ فترى ظلاً شاحبْ يُقعي ، في خدَرٍ، خلفَ الجُدرانْ لفتىً مهموم "غلبانْ". رَسَمَ العمرُ عليه قليلاً من شَعرٍ أو صدَإٍ في الشفتينِ وغيماً من أحزانٍ في العينينِ ونظْراتٍ من لَهَبِ الجانْ.. ويقوم الظِّلُ إليها مبهوراً مذعوراً يرمي، في دَهَشٍ، نظراتٍ حارقةً في عينيها السوداوينْ كشظايا الجمر إذا لامَسه الماءُ وتُطلقُ من قُمقُمِها، الأنواءُ ويرتعشُ البانْ.. فرآه الجندُ وجُرَّ بعيداً عنها أُشبعَ ضرباً تخاطفه السجانْ واقتيدَ إلى القاضي مَغلولاً يحكي ماكانْ.. قال القاضي ـ العارفُ بالآثامِ الكبرى ـ في قلقٍ: ـ ماذا تبغي من نَظْراتٍ تغلي شوقاً يا مجنونْ؟ حتى رائحةُ الرَّيْحانْ مَحظورٌ أن تَدْنوَ منها كيفَ العينانْ.؟ هودجُها العالي قِبلَتُنا وبَنانُ الكفِّ لنا الميزانْ لا إنسٌ يقربُ هودجَها حتَّى لو كانَ من الأعيانْ من دونِ طقوسِ أوَّلُها أنْ يفهمَ آياتِ القرآنْ ويُجِلَّ الأرضَ كما الرحمنْ.. أطرقَ صاحبُنا، في صمتٍ، وتنهَّدْ عيناه الفارغتان بقايا "فرقَدْ". مكسورٍ فوق الشطآنْ والصوتُ كموجٍ يتمدَّدْ... قال "الغَلبانْ": ـ ياسيِّدَنا القاضي.. إنَّ عذابَ الجوع مخيفٌ والحلْمُ لطيفٌ إذْ تشهدُ في العينين فضاءً ورغيفاً من شَهْدٍ أسودْ إذْ تشتَّمُّ الأَبعَدْ يدنو برذاذ البحرِ من القَفرِ العاتي إذْ يَشتمُّ الفرحَ الآتي طفلُ الحُمَّى ويَرى شمسَ اللهِ تَشعُّ على "بغداد". فتنقَشَعُ الأحزانْ وهوى "بغداد" سيبقى وشْماً في القلبِ على الأزمانْ لكنَّ "الكَرْخَ" نأى عنَّا والإرثُ الأمويُّ تبدَّلْ ونُواسِيُّ الخمرِ ترحَّلْ وتعجَّلْ منْ وقعِ التُّخمةِ من زحمةِ ما ألقى من أشعارِ القارِ على خدِّ السلطانْ وغَدا من كثرةِ ما أُعطي شيخَ الأعوانْ.. قلنا: دجَّالٌ يأكل دجَّالاً و"الكرْخُ" سيلبَسُ أسمالاً فخرابُ البصرةِ في الأذهانْ لكنَّ الشدةَ لن تبقى سيظلُّ لنا مجدُّ الأوطانْ قد كنا أغفلنا العُريانْ ونسينا تنِّينَ الجانْ.. يا سيدَنا.. للخَلْقِ نواميسٌ تُرعى للموتِ طقوسٌ كلَّ أوانْ أمَّا أن نُذبَحَ في صمتٍ من غيرِ صلاةٍ دونَ أذانْ هذا لم يخطُرْ في بالٍ أبداً لمْ يَدخلْ في الحِسْبانْ نقَتاتُ الرملَ ولا ندري إنْ كان شفاءً للأبدانْ أمْ قدراً فصَّله أحفادُ الشيطانْ إرضاءً للوحش الآتي من خلفِ البحرِ مع الغيلانْ يلتهمُ الروحُ ولا يُبقي إلاَّ أشباحاً من قارٍ تحيا في جُحْرٍ كالفئرانْ الفوضى صارتْ مذهبَنا وقطيعاً صِرنا دون أمانْ: الراعي يأكل نعجتَهُ يَعقِرُ عفَّتها منذ زمانْ والنعجةُ قدْ صارتْ ظلاً تاهتْ، من جَزَعٍ، في الوِديانْ صلَّتْ لآلهٍ من غضبٍ كي يوري ناراً في الكُثبانْ داهَمها الذِّئْبُ فما ارتاعتْ فالموتُ خلاصٌ آنَ نعيشْ في قفرٍ تحرسُهُ الذُّؤبانْ وكرامُ القومِ يؤرقِّهمْ رجْسٌ في الأنثى لا الغِلمانْ يدْعونَ "اللاَّةَ"، إذا اغتسلوا و"العُزَّى" تغفو في الأحضانْ يدعونَ لعاصفةٍ تحمي ملكَوتاً أطَّرَهُ الطُّغيانْ يُلقون أميرةَ عزتهمْ للغازي في زمنِ الخِصيانْ... ـ يا سيدَنا.. يا مولانا... ما ذَنْبي قلْ لي ما ذَنْبِي إنْ مرَّ الرَّكْبُ على دربي وأناخوا الهَودجَ في قلبي ودعاني الظَّبيُ إلى البُستانْ فنسيتُ وأغراني الشيطانْ؟! صدَّقني يا قاضي البصرهْ ـ إني شاهدتُ من العينينْ شَهْداً ينسابُ إلى كَفِّي نَجْماً يتجلَّى في روحي والتَمرُ اليانعُ في النهدينْ يتساقطُ بُرءاً لجروحي فسهوتُ قليلاً عن حالي وشطحتُ بعيداً في حُلمي ونسيتُ الحضرةَ والسُّلطانْ ومعاني آياتِ الغفرانْ... ـ يا سَيِّدَنا.. ماذا نفعلُ من دونِ الحلْمِ وقد جفَّتْ في الروحِ عروقُ الكَرْمِ وتوارتْ عنَّا "إنانا" وزمانُ الحُلُمِ الأوَّلِ فاتْ؟ فاحكمْ ماشئت على جسدي بالنِّطْعِ أو النّار العُظمى فالرُّوحُ أسيرةُ "بغدادٍ" وأميرةُ "بغدادَ" الحُبلى ستظلُّ تبشِّرُ بالطُّوفانْ... *** 4 - الموقف الأدبي الموقف الأدبي - 4 |
|
| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |