مجلة الموقف الأدبي - مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - العدد 351
Updated: Tuesday, September 23, 2003 02:16 AM
فهرس العدد فهرس الدوريات
 

ثنائيّة العُيُون ـــ د.أحمد عُلَبي

(1)‏

المياه الزرقاء‏

عيني اليمنى بدأ يضعف نظرها. ما الخبر؟ وقد شعرت بالإزعاج وأنا منهمك ومستمتع بقراءة ثلاثيّة حنّا مينة عن الصين: حَدَث في بيتاخو، عروس الموجة السوداء، المغامرة الأخيرة (دار الآداب، بيروت 95-1997)، بحيث أنهيت الألف صفحة خلال أسبوع أو يزيد قليلاً، ولكني شرعت أقرّب الصفحات من عيني، وكأني أمسحها بنظري مسحاً، كمن دهمه الحَوَل! وهرولت إلى الطبيب بعد فراغي من رواية حنّا مينة البديعة، فأخبرني أن المياه الزرقاء قد طفحت في العين اليمنى، وأنها شارعة في التسلل إلى اليسرى. وحتى الآن لم أهتدِ إلى طبيبِ عيون يوضح لي هذه التسمية الشاعرية: المياه الزرقاء، وذلك لأن الأمر ليس فيه مياه زرقاء ولا زُرْقة. إنها عدسة العين تبدأ بالتَّلَف، فتغدو بُنيّة شيئاً فشيئاً، ممايحول بين المصاب بها ورؤية الأشياء بوضوح.‏

وإذا كنا نحن من أصحاب الشاعرية، فلا يقلّ الأجانب عنا رهافة في التسمية، فيقولون عمّا أصابني: كاتاركت، أي الشلاّل. وطبعاً ليس هناك شلاّل ولا شُلَيْشيل.‏

وقد كنتُ حريصاً على تبرئة حنّا مينة مما ألمّ بي، فالرجل فاضل ومناضل عتيق، وهو روائي يستحق كل تكريم، ويقف في الصف الأمامي بين الروائيين العرب الأفذاذ. يعيب عليه بعض النقّاد كلاسيكيته، وأنا أؤثرها على بعض التجارب المفذلكة. فأنت تطلب الرواية للمتعة الروحية والانجذاب، كما هو دأبك في كل عمل فنّي ناجحٍ؛ أما الفذلكة، والغوص المفتعل على الأشكال، والسعي إلى الإبهار، فهي أساليب تضعك غالباً في حيرة وضياع، وتذهب بالمتعة الروحية التي ترنو إليها. ليست الكلاسيكية تهمة، وأنا بالطبع مع كل جديد في الفن والحياة ـ وإلا فعلامَ صنّـفت بأني أياسر دائماً ولا أيامن أبداً؟ ـ ولكني مع كل‏

جديد، شريطة أن لا يفتقر هذا الجديد إلى الجذور، ولا ينقطع عن الأصالة الأدبية. فالتجديد في الأدب ليس على شاكلة التجديد في بعض مناحي الحياة الاجتماعية. مالي أضيّع بُوصلة مقالتي؟ المهم أن الطبيب أبلغني أن حنّا مينة ليس موضع تهمة، لأن ما أصاب عدسة عيني يعود إلى تركيبي الفيزيولوجي، وقد يكون حنّا مينة سرّع من عملية سباحتي في المياه الزرقاء، ولكني، على أيّ حال، واصل إليها، عاجلاً أم آجلاً، وغرفة العمليات بانتظاري متى أصمم على ولوجها.‏

وهكذا وجدتني في الردهة قبل الولوج إلى غرفة العمليات، وهناك داعبتْ الممرضة عيوني ـ والعرب يستعملون، أحياناً، الجمع بدل المثنّى، للمبالغة والتعظيم، ثم إنَّ "اللغة ليست عقلاً"، كما يقول صديقنا الغالي أحمد حاطوم ـ وذلك بقطرات يبدو أنها تُرخي الأعصاب، قبل مباشرة العملية، ثم أدخلوني غرفة العمليات. ومع أن البنج موضعي فلست أذكر سوى أن طبيبي، وهو يجمع إلى مهارته المهنية، جسماً ممشوقاً يمتلئ بالصحّة والرجولة؛ وتشيع في وجهه وسامة لافتة؛ ويتوسّل في كلامه لهجة لبنانية، جبليّة بعض الشيء، وهي محببة إلى نفسي، وتبعث فيها الدفء؛ لست أذكر سوى أن طبيبي أطلّ عليّ من فوق رأسي، وأنا ممدد، وقال لمساعداته الممرضات: يلاّ يا صبايا.... وغبتُ عن الوعي، ثم أفقت دُفعة واحدة مع انتهاء العملية، وتلمّست عيني اليمنى، فإذا بضمادة بيضاء تغطيها.‏

وفي سالف الأيام كان أطبّاء العيون يتوسّلون النظّارات الطبية السميكة لمن كان مصاباً بالمياه الزرقاء، وذلك لأنهم لم يكونوا قد توصّلوا بعدُ إلى وسيلة يجعلون بها العدسة البديلة تنزل في العين وتظل ثابتة في موضعها. أما اليوم فالحال قد تبدّل كثيراً، وخصوصاً في ميدان طب العيون. قلت منذ هنيهة إني غبت عن الوعي إثر تبنيجي، وخلال هذا الغياب عمد الطبيب، كما علمت، بعدذلك، إلى رفع جفني وأحدث بمشرطه خطاً، ثم نزل منه إلى عيني اليمنى. وكنتُ في وسوسة خفيفة، ربما كانت مضحكة، من أن يخطئ الطبيب الطريق، فيدلف إلى اليسرى سهواً، كما يحدث لطبيب الأسنان الغشيم، فيقلع الضرس السليم، ويعفّ عن التالف الموجع. وخالجني شعور كهذا الذي خالجني عندما جاءني ابني البكر، فقد خفت أن يسلّموني عند الخروج، في قسم العناية بالمواليد، ولداً آخر غير ابني، كما يحدث في مرات نادرة ولكنها واقعة. على أن الممرضة طمأنتني، عهد ذاك، أن ابني هو الصبي الوحيد في الغرفة، وباقي المواليد بنات من الدرجة الثانية! على أني مازلت حتى اليوم مقهوراً، لأني رُزقت بصبين رائعين، ولكن فاتني ضوء ولا أجمل في بيتي، وهو طيف البنت، ابنتي.‏

وأنا أنزّه طبيبي عن الخطأ المتقدم الذكر حول معالجة العين اليسرى عوض اليمنى، فقد أعجبت بالدكتور جورج مذ عرفته، وبعث في صدري ثقة واطمئناناً، ولهذا أقدمت على إجراء العملية من غيرهواجس كبيرة تصيب عادة المقبل على أيّ عملية جراحية؛ وإن كانت هذه الهواجس إلى تراجع ملحوظ، هذه الأيام، لأن الطب تقدّم تقدماً مدهشاً، وما يعد به من آفاق تكاد تكون أحياناً باعثة على الذهول. قلت إن الطبيب نزل طيَّ عيني اليمنى، وهناك فتّت العدسة التي كنت أشكو منها، لأنها، بتلفها التدريجي، كانت تجعل الرؤية عندي ضبابيّة بعض الشيء، ثم عمد الطبيب إلى عملية شرق وسحب للعدسة المفتّتة. واستعان أخيراً بعدسة جديدة اصطناعية، كانوا قد هيّأوا لي، بواسطة الكمبيوتر، قياساتها الملائمة لعيني، فأنزل الطبيب هذه العدسة بإحكام في عيني، كماتضع شيئاً في حرز حريز. ثم خاط الجرح الذي أحدثه تحت الجفن. وقامت بمهمة أخذ قياسات العدسة الدكتورة سيلفي، وهي خرّيجة فرنسا، ولا أدري لماذا استبشرت خيراً بأسلوبها في العمل، وبهدوئها الجميل؛ وأنتوي، عندما يحين دور العملية في العين اليسرى، بعد أشهر قليلة، أن ألجأ إليها بالتحديد، فبعض الناس في هذه الدنيا يهبطون على روحك برداً وسلاماً.‏

ولم أنم في المستشفى، إذ لم أجد داعياً لذلك، وآثرت بيتي الهادئ، ففي اليوم الأول جئت إلى المستشفى على الريق، وذلك للقيام بالفحوص، وأخذ صورة للصدر، وتهيئة قياسات العدسة، ثم أخيراً مقابلة طبيبة عند الظهر تفحص الملف الذي يحتوي خلاصة ماسبق من إجراءات. وفي اليوم التالي قصدتُ المستشفى لإجراء العملية، وعندما خرجت، ظهراً، زوّدوني ببطاقة تحوي معلومات حول العدسة التي أصبحت جزءاً صميماً من كياني. وعند ذلك علمتُ أن العدسة التي أنزلوها في عيني اليمنى هي إنكليزية الصنع. وانشرح صدري لذلك، فإن صديقاً كان قد أجرى عملية مماثلة تناقشتُ معه حول العدسة قُبيل العملية، فعلمت أن هذه العدسة لها بورصة أسعار، حسب مصدرها، وأن هذه العدسات صارت رائجة في العالم، وأن بعضها، من صناعة الشرق، الأقصى، يُباع بنصف سعر الإنكليزية، وربما ليس له جودتها. كنت خائفاً من هذه الناحية، ولكني ترددت في مفاتحة طبيبي بالأمر، فعندما تثق بإنسان تخجل من مفاتحته بأشياء تعتقد أنها محسومة لديه أو ينبغي أن تكون كذلك.‏

وهكذا صارت عيني اليمنى إنكليزية، وفاتحتُ فتاةَ لَعُوباً، وهي تمازحني، بأن تنتبه لهذه الناحية، فأجابتني بخبثها ودلعها أنها تؤثر رجلاً بعيني إنكليزيتين! فأجبتها أن عليها أن تنتظر بعض الأشهر فقط لتحقق رغبتها. وقديماً كانوا يكنون عن الجاسوس بأنه عين، فكيف إذا كانت عيناً إنكليزية؟ إن الجاسوسية كانت، في سالف الأيام، بصريّة بنوع خاص، وكانو يصوّرون الجاسوس وهو يضع النظّارات السوداء، ويعتمر بقبّعة أوروبية لها رفرف‏

منثن بعض الشيء فوق نظّاراته. أما في زمننا فقد صارت الجاسوسية تعوّل بخاصة على العلم والتكنولوجيا والدراسات في أرقى صورها.‏

ويزيد من بروز عينيّ أني لم أعد أستعمل النظّارات الطبية التي كانت ذات درجات عالية، فلقد قال لي الطبيب: ارمِ بها، فلم تعد محتاجاً إليها. ورميتُ بها حسب الطلب، لأن عيني اليمنى أصبحت بفضل العدسة الجديدة، مفتوحة على البعيد؛ أما العين اليسرى فهي التي أعوّل عليها الآن للكتابة، فمقالتي هذه يسروية.‏

(2)‏

النظّارات الشمسيّة‏

بعد أن أجريتُ عملية جراحية في عيني اليمنى، لاستئصال المياه الزرقاء، نصحني الطبيب باتّقاء أشعة الشمس بنظّارات، وخصوصاً أني استغنيت، عقب العملية، عن النظّارات الطبية التي رافقتني لسنوات طويلة. وتذكرت أنني أمتلك بين "كراكيبي" القديمة نظّارات شمسيّة ذات قيمة ورُواء. وبحثت في أدراجي فوقعت على هذه النظارات: إطار معدني فضيّ لامع وجميل؛ وهناك وصلة معدنيّة على شاكلة جسر جامع بين الحدقتين؛ وموديل الإطار عريض بعض الشيء وجذّاب؛ أما الزجاجتان البلستيكيّتان ففي لون بنّي خفيف تماماً، بحيث إن الناظر منهما ينسى أنهما فوق عينيه، لأنهما لا تعوقان البصر ولا تشعرانه بحاجب مانع.‏

وخرجت، ذات يوم صيفيّ، من المنزل، وانتبهتُ، بفعل الحرارة، أني نسيت أن أضع النظارات الشمسية فوق عينيّ. وهكذا صعدت إلى الطابق الثالث حيث أقطن، وولجت البيت، ولكني لم أعثر على النظرات فوق "الشيفونياره" حيث أتركها عادة، فقلت في نفسي: ينبغي أن أكون قد وضعتها، بداعي العجلة على كرسيّ في الداخل، أو فوق المكتب، أو ربما على طاولة المطبخ، أو في غرفة الطعام، وذلك لأني غالباً ما أعود إلى البيت محمَّلاً بالحاجيّات، فأنزع نظارتي أحياناً عند الدخول إلى البيت، وأرمي بها هنا وهناك، قبل أن أنقلها بعد ذلك إلى غرفة نومي. وذهب تفتيشي أدراج الرياح، فلا نظارات في أيّ مكان! وهنا أعدت مسلسل يومي السابق، وشرعت أستعيد في حافظتي، وعلى نحو متدرّج، الأمكنة العديدة التي ترددت عليها، ولم يخالجني أيّ شعور بأني سأضيّع هذه النظارات، فهي عزيزة عندي، وكل قديم ثمين يكتسب مع الزمن قيمة إضافية، ويغدو أثيراً لدى صاحبه.‏

أبو مصطفى:‏

وبما أني أهوى قراءة الكتب البوليسية التي تتناول أمور الجاسوسية، وإن كانت الفرصة السانحة عندي، لإشباع هذا الهوى، قليلة، لهذا استشعرت، بشكل خفيّ، أني مقدِم على عمل استخباراتي! وقصدت أول مَن قصدت اللحّام أبا مصطفى، لأني عرّجت عليه صباح البارحة، وهو الذي ألحّ عليَّ في قراءة مقال صغير في الجريدة حول شجون الجامعة، جامعتي. ومن الطبيعي والمفترض أني نزعت من عينيّ النّظارات الشمسية ووضعتها قربي على الطاولة، ريثما قلّبت الجريدة وتفقّدت الرسمين اليوميين لفنّان الكاريكاتور السوري، النابغة: سعد حاجو، ثم ألقيت نظرة هنا ونظرة هناك مطالعاً العناوين، وأكببت بعدئذٍ على قراءة المقال الذي نصحني أبو مصطفى بمطالعته. وأبو مصطفى لحّام بالاسم، فهو في الحقيقة، إضافةً إلى مهارته كلّحام، مثّقف لافت، صاحب ذاكرة وقّادة، ومطالعات جمّة؛ قد أخرجه والده من المدرسة عنوة ليساعده في العمل، ولم تنفع مع الأب، الذي كان على جلافة ناطقة، الشَّفاعة والوساطة؛ وهكذا ظل الابن طوال حياته، يتحرَّق شوقاً إلى العلم. وهذا الشوق الذي فاته، عكسه على ابنته الصغرى، كما يفعل الكثيرون من الآباء الذين يتمنَّون أن يدرك أبناؤهم ماحُرموا منه وقصَّروا عن دركه، ولكن ابنته آثرت الزواج على متابعة التعليم العالي، فأحدثت لدى أبيها صدمة نفسيّة بالغة. ومع ذكاء أبي مصطفى وألمعيّته، فإنه لم يكن على استعداد ليدرك أن مافيه من مواهب واستنارة وسرعة بديهة ليس من المحتّم أن تتوافر في ابنته وتعريجي على أبي مصطفى، ذي الطبع الفرح الصاخب، معناه أنني سأتزوّد منه ببعض النكات الطريفة، إذ يقول لي قبل تركه: خذ آخر نكتة، ثم يرويها مصحوبة بالحركات وبالمواقف التمثيلية البارعة. على أني لم أجد نظارتي عنده، ولقد قال لي إنها لو كانت منسيّة لرفعها على حدة ولا تصل بي من أجلها.‏

أبو شادي:‏

إذن لابد أني نسيتها عند الحلاّق أبي شادي، ذلك أني قصدته لأتخفف من شعري الذي بات رمادياً في معظمه، والذي تكاثف واستطال عند الأذنين، وفوق الرَّقبة حيث صار دوائر. ولكنّ أبا شادي استغرب سؤالي إياه عن النظارات، فهو أكدّ لي أني لم أكن أحمل نظارات فوق عينيّ عندما ولجت المحل، ولا أقول الصالون، لأن المكان صغير، ومع ذلك فهو يضمّ مهنتين: الحلاّق أبا شادي والمختار أبا عماد. وأبو شادي حلاّق، ولكنه أصلع؛ وهو من الجنوب، وقريته جِبْشيت، في قضاء النبطيّة، مشتل حيث يلاقي المشتغل بالأزهار والأشجار، أو الهاوي لهما، كل ما يخطر وما لا يخطر على باله من أصناف وأشكال. وقديماً كانت المشاتل قليلة جداً وشبه بدائية في جِبْشيت، ويعوّل أصحابها خصوصاً على‏

بيع نصوب الزيتون؛ ثم تطورت هذه المهنة في العشرين سنة الأخيرة، بفعل عودة الكثير من الجنوبيين إلى قراهم هرباً من قنابل الحرب الأهلية، فإذا بالمشاتل تنتشر بالعشرات، ويتقاطر إليها اللبنانيون من مختلف الأنحاء، وفيها يجد المرء شتول الأزهار على أنواعها ونُصوب الأشجار المثمرة وغير المثمرة.‏

من الصحيح أني لا أرى الحلاّق أبا شادي كثيراً، فأنا أتردد عليه بين فترات متباعدة لأني أرغب في الشعرالطويل، ربما لأن المرحوم والدي كان يأمر الحلاّق، وكان ذا عين واحدة، بأن يقصّر شعرنا حتى الأخير، فنكاد نكون، عندما نطلع من تحت يديه، خرّيجي حُبُوس. وكان الوالد يفعل ذلك تنشيطاً لرؤوسنا، وكان يؤثر أن يسمّي هذه الحلاقة، وهي أقرب إلى الجزّ، بالتعبير الأجنبي: بروس، وهي شبيهة بالحلاقة الدارجة هذه الأيام لدى الشباب، تقليداً ربما للمارين الأميركي. على أني أُسرّ بزيارة أبي شادي، فهو حلاّق، ولديه دائماً أخبار وأحاديث، يتحدث عن بعضها بشيء من الهمس، لكأني أول سامع لها، وأحد أصدقائي الأعزّاء يخبرني أن صديقته التي أعرفها تروي له أخباراً وأحاديث، لكنها لا تعنيه في شيء، ولا تحرّك عنده أدنى اهتمام، ثم ينبري لي قائلاً: كيف تتحمّل أنت سماع كل هذا الكلام منها؟ فأتضاحك وأجيبه: هي في الغالب أخبار وأحاديث عن أناس أعرفهم أو لي دراية بأحوالهم، ثم أليس ممتعاً ومطرباً ومسلّياً أن تسمع امرأة تروي وتستفيض، وتنهمك في الكلام، لتخبرك، وهي مستلذّة، بالأسرار والخلفيّات؟‏

أبو عصام:‏

وهكذا تركت أبا شادي، ولكني بِتُّ بين الشك واليقين حول النظارات: هل كنت البارحة أضعها فوق عينيّ، أم أني لم أستعملها، وبالتالي ينبغي البحث عنها في البيت؟ ومضيت إلى محل بائع اليانصيب، فأنا أتردد عليه، وصرت مواظباً على زيارته مرة كل أسبوع، وفي الأسبوع الذي أتخلّف عن ذلك يقول لي أبو عصام إنه افتقدني، وكاد يترك لي ورقة يانصيب على اسمي، وفهمت أن الأشغال قليلة، وأنه راغب مني أن أكون زبوناً دائماً لديه، ثم هو يانصيب، وكنا ندعوه قديماً سوبستيك، فلعلّ وعسى نغتني بواسطة الحظ، هذا الذي تدعوه النسوة، بختاً. وفي الأفلام المصرية تقول الممثلة لنظيرتها: يابختك! وبائع اليانصيب عنده مخزن كبير في شارع مار الياس، وهو يعلن هذه الأيام أنه برسم البيع، مع أنه يدير فيه ثلاث مِهَنٍ: الصرافة، اليانصيب، واللوتو، وبيع الأدوات المنزلية، من نوع الميلامين، فلديه صحون وجاطات وصوانٍ من أحجام شتّى، وأخبرني أبو عصام أن هذه الأدوات البلاستيكية يروج بيعها، بشكل خاص، خلال شهر رمضان، ولكن رمضان يأتي مرة في السنة، فماذا يفعل في الأحد عشر شهراً الباقية، والكساد يكاد يهدّ حيله؟ وعندما أجلس إلى‏

المقعد الوثير عنده يأتيني دائماً بقائمة مستطيلة زرقاء تحوي نتائج السحب الأخير؛ وربما أني صرت خبيراً بالمقارنة بين ورقة اليانصيب التي أمتلكها وقائمة النتائج، فإني ألقي نظرة عجلى أقول له في خاتمتها: مثل العاده، وقد يشنّص الحال معي في مرات نادرة (وكلمة "يشنّص" ينبغي أن تكون مشتّقة من الكلمة الفرنسية والإنكليزية، مع اختلاف في اللفظ بينهما، وهي شنص Chance، أي حظ)، فتردّ ورقة اليانصيب سعرها، وهو خمسة آلاف ليرة لبنانية. وعندما أطلّع على نتائج اليانصيب أخلع نظارتي، وأضعها جانباً على المقعد؛ ولكنّ أبا عصام أخبرني أني لم أكن أحمل نظارات كمألوف عادتي، أو أني لم أخلعها هذه المرة، ولو أني فعلت لكان رآها بعد مغادرتي وحفظها لي!‏

أبو طارق:‏

وجاء في بالي أني قصدت بائع الفواكه الذي يتميّز ببضاعته المختارة، فأذهب إليه طوعاً، برغم أنه ليس قريباً من منزلي، ولكنها الجودة تدعونا إليها فنلبيّ النداء؛ وأني، بعدئذٍ، ذهبت إلى مكتبة أبي طارق الذي يضع لي جانباً، كل شهر، بعض المجلات التي أحرص على قراءتها. فقد أنزلت ما أحمل من فواكه ابتعتها فوق الطاولة عند أبي طارق، ثم سحبت من جيبي المال لأنقده فلربما نزعتُ نظاراتي، والمكتبة صغيرة الحجم وضعيفة الإضاءة، وذلك لأميّز قطع المال التي في حوزتي. وأبو طارق كان خطّاطاً، اشتغل بمهنته هذه سنوات في الكويت، ثم ودّع الخط وافتتح مكتبة، ولديه زبائن مداومون يزوّدهم بما يحتاجون إليه من مجلات وجرائد.‏

وأتحسّر، لأيامنا هذه، كثيراً على الخطاطّين، ولي بينهم أصدقاءُ ومعارفُ. فإن التطور أزاحهم من الطريق، وبات الكمبيوتر يقوم بمهمّتهم خير قيام، وهو على استعداد لمنحك أيّ نوع تريد من الخطوط: كوفي، أندلسي، ديواني، ثُلث.... ضاعت الجرائد وأغلفة الكتب على الخطّاطين، وكانوا سابقاً يكتبون العناوين على الصفحة الأولى من الجريدة، وخصوصاً المانشيت الكبرى. وأعرف خطّاطاً أمضى السنوات الطويلة في إحدى الجرائد اللامعة في بيروت، ولم يكن له من مهمّة سوى السهر والمزمزة. لتأدية المانشيت الكبرى، وذلك بخط صافٍ جميل. أما العناوين الفرعية وخطوط الإعلانات فكان يقوم بها خطّاط آخرَ. لم يبقَ ربما للخطّاطين سوى كتابة بطاقات الزِّفاف التي يمتهن تهيئتها بعض المشتغلين المتخصصين، ويؤدّونها على نحو جذّاب ومكلف.‏

إن التقدم لا يبالي بضحاياه. ومع ذلك فنحن بحاجة ماسّة إلى تعليم أطفالنا الخط في المدارس، كما كان الحال جارياً في الزمن الماضي؛ ومازلت ذاكراً أستاذي في الخط، في‏

صف الشهادة الابتدائية، في البعثة العلمانية الفرنسية (اللاييك)، فقد كان خطّاطاً شهيراً، هو الشيخ نسيب مكارم، وكان يأتي إلينا في المدرسة الواقعة في محلة الناصرة عهد ذاك، والتي خلفتها في المكان نفسه مباني سوديكو سكوير حالياً. كان يأتي الشيخ نسيب بقيافته المميزة، بالقنباز والبالطو الأسود الطويل، وبعمامته البيضاء الناصعة كثلج صِنين. نحن في حاجة حقيقية إلى تعليم أطفالنا الخط، فلماذا لا نستعين بالخطّاطين، فنُفيد كثيراً ويُفيدون قليلاً. وأخيراً سألتُ، على استحياء، أبا طارق عن النظارات، وحكيت له حكايتها، فأجابني أنه لم يرَ شيئاً من ذلك.‏

أبو فادي:‏

وترامى إلى ذهني أني كنتُ، البارحة، على مقربة من صديقي أبي فادي، بائع السجّاد، فقصدته. وهو بائع سجّاد هاوٍ بعض الشيء، لأنه أمضى جُلّ حياته المهنية في أحد البنوك المرموقة، ثم حصل على تعويضٍ مُجْزٍ؛ ولأن له خبرة بالسجِّاد وأنواعه فقد افتتح محلاً لبيع السجّاد العجمي. هذا السجّاد المنتشر في أنحاء إيران كافّةً، وكل ناحية في تلك البلاد تباهي بإنتاجها من السجّاد الذي يُنزلونه، عند الانتهاء من حبكه وحياكته باليد، فهو صناعة يدوية يعتاش منها الملايين، يُنزلونه مجرى الأنهار لغسله وتنظيفه وتطرية خيطان الصوف فيه، أو أنهم يبعثون به إلى المغاسل الكبرى.‏

وصديقي أبو فادي، كتلة مودّة وطيبة. جسمه كأنه الرُّمح الرُّديني، كما كان يقول أجدادنا العرب، وذلك نسبة إلى ردينة، امرأة باليمامة، كانت وزوجها يصنعان الرماح. أما لماذا استأثرت الزوجة بالنسبة وظلّ الزوج مغموراً، فأمر يدلّ على احترام العرب القدامى للمرأة؛ في حين أن بعض العرب المعاصرين يريدون أن يحرموا المرأة العربية حتى من أن تَنتحِب وتُنتخبِ، وأحد البلدان العربية صرح للمرأة أخيراً بأن تحمل بطاقة هوية باسمها، وكانت قبلاً مشمولة بهوية زوجها أو أبيها! ونعود إلى أبي فادي، فهو يمشي مرفوع الكتفين، إنه رياضي يمارس السباحة كل صباح باكر، ولم يعرف الطبيب في حياته، يمكن أن نقول عن صحته إنها تمام التمام. وكلمة "تمام" هي محطة كلامية في حديث أبي فادي، لا تفتأ تتساقط في مجرى كلامه، بحيث يمكن أن نُحصي حبّاتها خلال سبحة حديثة. وهذه المحطة الكلامية لدى أبي فادي لطيفة، لأنها تتبدّى كنوطة الختام في الموسيقى، وهو يقولها على نحو ممطوط متدرّج يكاد يكون مموسقاً. في حين أن زميلاً لي، يعمل في التعليم الثانوي، عنده محطة كلامية يقولها نبراً، وعلى نحو مخطوف وبشكل فيه استياء، وهي كلمة "فظاعة". وإذا لم يبادر إلى تردادها بسرعة، في المواقف التي تتطلب الفظاعة داعبه زملاؤه بها.‏

جئتُ على ذكر أبي فادي، لأني، عقب مروري على مكتبة أبي طارق، عرّجت عليه لوقوع مخزنه، الحاشد بالسجّاد العجمي، على مقربة من المكتبة، وجلسنا وتبادلنا الأحاديث؛ ولا أدري الآن كم هرهرت في كلامه محطة "تمام"، ولكن ما أدريه أني ربما نسيت نظاراتي الشمسية عنده، مركونة فوق سجّادة بختيار أو أردبيل أو كاشان. وعندما سألتُ أبا فادي عن الأمر، في دورتي الاستخباراتيّة بحثاً عن النظارات، انتظرت منه أن يجيبني حول سؤالي بكلمة تمام، بمعنى أنها موجودة عنده، قد عثر عليها، إثر مغادرتي مخزنه، وهي تعلو سجّادة قم أو تبريز أو مشهد.‏

ولكن طاش سهمي، ولم يحصل التمام المنتظر، لأن أبا فادي رفع حاجبيه وارتسم التعجب في عينيه الملونتين. وعلى هذا خرجتُ من مخزنه خالي الوفاض، لأتابع التذكر والبحث.‏

أبو مازن:‏

تبقّى لي، في مسيرتي وتنقّلي من مكان إلى آخر، مخزن أبي مازن، حيث أشتري الألبسة الداخلية، والشامبو للحمّام، وبيجامات الرياضة، وغيرها من اللوازم. وأبو مازن شخصية غاية في الطرافة، والزبائن عنده معظمهم من النساء الباحثات بدورهنّ عن الألبسة الداخلية ولكن المنمّقة والجوارب الملوّنة، والعطورات على أنواعها، وما أكثرها، والعبايات المطرّزة المستوردة من حلب الشهباء... وهو في حديثه معهنّ يجمّل كلامه بعبارات ظريفة مدروسة، و"قفشات" خفيفة معسولة، المهم أنه يحبّب إليهنّ الشراء، ويُبدي نحوهنّ كل كياسة، وأنا، في ترددي، الحين بعد الآخر، إلى محل أبي مازن، صرت عارفاً بهذه العبارات والمجاملات وحافظاً لها. وقد قصدته البارحة بعد الظهر، طلباً لبيجاما رياضة طويلة الأكمام، والبنطلون فيها طويل الساق أيضاً فقد ولّى الصيف، ودخلنا في الخريف، وهاقد صرنا في أواخر تشرين الأول، وأنا مازلت صامداً في الجبل، فلا أقلّ من أن أحتاط لبرد داهم. والمفاجأة أن الجو جميل جداً، لأيامنا هذه في شانيه حيث أصطاف: شمس ساطعة ضاحكة، وهواء جافّ لطيف، ولكن البلدة فرغت من المصطافين، فالهدوء شامل، والقمر متوّحد، والبيوت أنطفأ الأُنس فيها، كما رحلت أراكيلها (وأفضّل هذه الكلمة العاميّة على الفصيحة: نراجيلها)، وهذه الأراكيل بقرقرتها ورائحة تنباكها هي النشيد الشعبي اليومي لدى البيارتة المصطافين!‏

وفي مخزن أبي مازن جرّبتُ، وراء الستارة، غير بيجاما رياضة، منها ما صُنع في لبنان، ومنها ماجاء من تايلاند والشرق الأقصى، ومنها ما حاكته أيدي الطليان الماهرة الناعمة. ولكني لم أوّفق إلى قياس فضفاض يلائمني. وأريده فضفاضاً بعض الشيء. لأني لا أرغب‏

أن أضع على جسمي لباساً يضايقني، فيغدو سجناً يعذّبني. وليس ههنا بيت القصيد، إنما يبدو أنني، عندما أخذت في تجريب البيجامات، نزعت نظاراتي، كما تبيّن في مابعد، ووضعتها جانباً عن شِمالي، تحت السلّم المفضي إلى سقيفة المخزن، لأنه عن يميني كانت تتكدّس في السلال أنواع لا حصر لها من كيلوتات النساء، من حيث اللون والشكل والضيق والعرض والحجم، فتجنبّتها لئلا تضيع نظاراتي بينها! ثم عثر أبو مازن، بعد أيام، على نظاراتي مركونة فوق كرتونة تحت السلّم، فبعث بها إليّ. ولم أفاجأ بها، لأني كنتُ، طوال مدة غيابها عني، على شيء من الثقة الوطيدة الغامضة بأني عاثر عليها لا محالة. على أني، بعد وصولها إليَّ، قصدتُ محل نظارات، وطلبت منه سلسلة جلدية مناسبة، ترتبط بساعدي النظارات، وتدور حول قبة العنق، بحيث لا أحتاج مرة أخرى إلى دورة استخباراتية بحثاً عن نظاراتي الشمسية المحبوبة، وليس كل مرّة تسلم الجرّة!..‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244