|
||||||
| Updated: Tuesday, September 23, 2003 01:55 AM | ||||||
| فهرس العدد | فهرس الدوريات |
|
من حكايات الوالد ـــ قصة: د. زياد علي 1 ما كان ذلك الطفل الصغير (علي) يومها يعرف الطريق الذي سلكته القافلة التي تضم كل ذلك العدد من الجمال، الصدفة وحدها حملته تجربة جديدة على عالمه، فوالده (الشيخ خليفة) طلب منه أن يحرس جمل الأسرة الوحيد. لقد قرر الرجال أن يساهم كل من يملك جملاً بالمشاركة، وأن يتجهوا إلى مدينة زليطن ليحضروا من زاوية الشيخ عبد السلام الأسمر التمر للمجاهدين المتواجدين في منطقة (سوانى بن يادم). في بداية الرحلة كانت تغمره السعادة والفرحة وهو يقود الجمل الذي يصور له تفكيره أنه أقوى جمال القافلة بل جمال الدنيا كلها، وكان يتباهى أحياناً بحركات استعراضية لا ينتبه لها أحد ترضي الجانب الطفولي في داخله والذي لا يعترف به إلى أحد. وبكل اهتمام وثقة بالنفس يستمع إلى (القايد) الذي يشجعه ويلاطفه بعبارات تشعره بأهمية مهمته، وقد وجد في ابن أخت ذلك القايد الرفيق المقارب له في السن فهو لا يكبره كثيراً، ولهما عالمهما الخاص الذي يجمعهما. كان يعيش نشوة دبيب الرجولة، فالوالد المرابط مع المجاهدين أرسل له ليحضر الجمل، أوصاه على نفسه ثم قال له: يا ولدي إن كل أسرة لها جمل طُلب منها أن يحضر رجل ليقوده، وأنا أعرفك سترفع رأسي. أما بقية الكلمات بينهما فقد عبرت عنها العيون. قال الوالد الكثير رغم الصمت.. ومنع الخجل الطفل من أن يقول شيئاً. فهو يعرف أن سنواته العشر تجعل منه الشخص الذي يعتمد عليه وهذا ما يريده الوالد، وهذا ما كان الطفل علي يفكر فيه طوال الطريق، فالقافلة تسير حسب مواعيد يحددها القايد، كان الطريق طويلاً وكانت الأغاني التي يشاركه فيها صاحبه تنتهي بسرعة. وكان النوم يغالبه أحياناً فيتشبث بجمله رأس مال الأسرة من الحيوانات وصديق الوالد في مواسم الحرث. وهكذا سارت الأيام إلى أن أعلن قائد القافلة بأنهم سوف يستريحون لمدة طويلة هذه المرة فقد شارفوا المدينة. 2 كان من عادته عندما تستريح القافلة أن يحرص على تبريك جمله في الوسط حتى يطمئن إلى الأعداد التي تحيط به من الجمال كحلقات تحاصره وكان حرص الطفل يدفعه إلى تقييد رجليه الأماميتين ولا يكتفي بتقييد واحدة كما يفعل غيره. انطلق مع صاحبه يتمشى في المنطقة القريبة بين أشجار الزيتون، اختار غصناً طويلاً وعاد به تغمره السعادة. أخرج سكينه من (الحوية) وجلس ينظف ذلك الغصن ليجعل منه سوطاً. كان يتسلى بعمله. عندما مر به أحد رجال القافلة سأله متعجباً من أين أخذت هذا الغصن؟ فأشار إلى أشجار الزيتون. ضرب الرجل جبهته بكف يده مع تنهيدة عالية قبل أن يقول له: -ليه يا وليدي.. هذا زيتون الشيخ لا أحد يقر به. (لم يفهم منه ما يقصده وما يعنيه بجملته). بعدها أضاف الرجل: إن شاء الله تسلم، تستور يا سيدي عبد السلام الأسمر. 3 مع شمس الصباح استيقظ من كان نائماً. اتجه الصبي إلى مكان جمله. ذهل عندما لم يجده وكأن شخصاً رفعه من وسط الدائرة إلى السماء. الحبل (القياد) ملقى في نفس المكان. لبرهة لم يصدق الأمر، بعدها أسرع إلى قائد القافلة. أخبره بالأمر. كانت الدمعة عزيزة على الرجل الصغير، وكان الحزن والألم. علم الرجال بالموضوع، حاولوا التخفيف على الصبي، توجه البعض والقائد وأخذوا الصبي معهم وساروا يقتفون الأثر..، كان واضحاً في بعض المناطق. استمروا في الطريق إلى أن اقتربوا من مزرعة كان الجمل قد صعد الساتر الترابي المسيجة به والمتشابك بالتين الشوكي، واستغل وجود فتحة فدخل منها. اتجه الرجال إلى المدخل الرئيسي للمزرعة. وجدوا على بابها حارساً أسود أخبروه بقصة الجمل رد عليهم: صاحب (السانية) قال: لن يأخذه أحد فقد أكل بعض المزروعات حاولوا مناقشته، ارتفع صوتهم. خرج لهم السيد كان أكثر شراسة من العبد، وكان برفقته عدد من الخدم مستعدين للضرب لم يأخذوا منه حقاً ولا باطلاً. 4 عندما لم يستجب لهم، طلب قايد القافلة منهم الرجوع واتجه بهم إلى المدينة. وسأل عن (رمضان بي) وعندما وصلوا إليه حكى له القصة. أمر رمضان السويلحي بأن يتم إحضار صاحب السانية، كان الصبي يحدق في هذا الرجل الذي سوف يعيد له الراحة، وينظر إلى رؤوس بعض الرجال التي دفنت أجساد أصحابها في الرمال! كان الشيخ رمضان يمسح على لحيته ويتأسف ويعتذر لقائد القافلة الذي انخرط معه في حديث طويل. تحدثوا عن الطليان، عن مشاكل التموين، عن أمور عديدة. 5 عندما أحضر الجنود صاحب السانية، كان الرجل يرتعش من الخوف، حاول أن يوضح الأمر من خلال وجهة نظره. صرخ فيه السويلحي قائلاً: -اسكت يا كلب، مجاهدين يعلم الله بحالهم، بدل ما تساعدهم تسرق جملهم، كانت عيناه تقدحان الشرر. وكان الرجل يرتعش، لم ينطق بأكثر من: حاضر يا سيدي: حاضر يا بي، اللي تؤمر به. أصدر السويحلي حكمه. بأن يعيد الجمل لأصحابه، ويغرم جملاً آخر بذبحه لهم، عرف الصبي بعدها سبب دفن الرجال في الرمل، وسمع عن البيّ كيف ينفذ عقابه الصارم.. ولمن يضع أعواد الخشب في النار. 6 رجعت القافلة بعد أن حملوا على كل جمل برسيلين من التمر. وصلوا إلى (سواني بن يادم) في غاية التعب علموا بأن الأوامر صدرت بأن تعود القافلة مرة ثانية إلى زاوية الشيخ. في منتصف الليل أيقظه قايد القافلة كان معه ابن أخته قال لهما: أنتما صغار لا داعي للعودة معنا مرة ثانية، سألهما هل تعرفان الطريق إلى "إثْنية بوغيلان" أجابا بفرح: نعم. أعطى كلاً منهما كيساً من التمر. وودعهما قبيل الفجر. 7 في طريق العودة كانت تغمرهما السعادة وكل منهما يقود جملة بفرح ويمد يده للتمر. ما كان يجول بخاطرهما أبعدَ من ذلك؟ كان الصبي يعيد على رفيقه شعر والده (التايب خليفه) وهو يحرض المجاهدين على الهجوم على الطليان. من كاف عالي لعالي تمنيت عيني تلوج واللي يوخّر التالي باش نشبح اللي يزود كانت عيناه تمسحان رؤوس الجبال العالية وتكشف له كل زاوية في ميدان المعركة. في الوقت الذي يقول فيه لنفسه: -اللي يخاف مش راجل. -ليبيا- |
|
| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |