مجلة الموقف الأدبي - مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - العدد 351
Updated: Tuesday, September 23, 2003 05:08 AM
فهرس العدد فهرس الدوريات
 

سـينو قاضياً ـــ قصة: أحمد سويدان

-1-‏

نلاحق "سينو" -نحن الصغار -كما نلاحق بائع الحلوى، وهذا السينو لم يكن مجنوناً على الإطلاق بل كان مولعاً بتربية الحمام.‏

مرة من المرات، وكان على سطح كوخه الطيني وبيده مذبَّة كبيرة أشبه بالشراع (كشة) يلوح بها إلى سرب الحمام الذي يخصه والذي كان يحلق عالياً. سينو كان مأخوذاً بهذا الطيران وهو يصيح، ويردد كلمات مضحكة لا نعرف معناها، ولكننا كنا ندرك أنها تعني التشجيع لحماماته ودب روح المروءة فيها كي تزداد تألقاً في طيرانها، وفجأة، وهو في عز فرحه وصراخه وقع من على ظهر الكوخ وهو يصيح متألماً، لاعناً. ضجراً، فضحكنا جميعاً، وضحك بعض الرجال الذين يقفون ويتفرجون على صاحبنا وطيران حماماته الفريد ورغم أنه نهض، وهو يعرج، إلا أن عينيه لم تفارقا السماء، لكن صوته انخفض وتغير وتحول من تشجيع لنفر الحمام إلى توبيخ وشتم للأولاد وللمحيطين بالكوخ، والذين تسببوا -حسب اعتقاده- في عملية سقوطه.‏

عندما يشتم سينو تخرج الشتائم متدفقة على لسانه ومتجمعة، ومن كثرة تراصها تصبح غير مفهومة.. الشيء الوحيد الذي يستفزه ويقوده للشتم هو معاكسته أثناء إطعام الحمائم أو طيرانها، وهذه الهواية كانت منتشرة على نطاق واسع في بلدتنا "س" المجاورة للصحراء وكان كشاشو الحمام من صنف العاطلين عن العمل، أو يعملون أعمالاً بسيطة وسريعة كالتحميل أو التطيين، أو تحوير الحيطان بالحوارة المذابة بالماء.. وهم ينعتون عادة ويوصمون بالكذب، ولذا حرمت محكمة البلدة شهادتهم لديها.‏

قبل وصول الكهرباء إلى البلدة في أواخر الأربعينيات كان لكل حارة مجلس لـ (لحميماتية) يعقد في مكان معلوم، ومجلس حميماتية الحارة الشرقية يعقد جوار كوخ سينو الملقب كذلك "بروث الدجاج"، هذا في كل فصول الصحو. أما في الشتاء والأيام العاصفة فيعقد المجلس داخل الكوخ، فمنذ العصر ينبثق هذا النوع من الناس من أزقة الحارة فرادى وجماعات، يسيرون الهوينا متجهين نحو البيدر الشاسع المتطرف عن دروب الدواب والأغنام.. اجتماعهم كيفي.. وهو بمن حضر.. يتحدثون بدون ترتيب.. بدون تنصت. حيناً الكل يتحدث دفعة واحدة، وحيناً كل جماعة تختص بحديث:‏

-هذا "الأبلق" الذي سرقه فلان نفى وجوده لديه.‏

-أرأيتم "الورداني" الذي اشتراه فلان؟‏

-لم يشتره.. أحلف بالقرآن إنه سطا عليه.‏

-البارحة فلان وفلان تضاربا في دكان عيوش.‏

-"الطنبر" من جديد يبيع الحمام.. البارحة باع لـ "لأطوز" زوجاً من الدلم.‏

-الدَّلَمْ طائر يحلق ولا يسبقه أحد.‏

-"القرباطي" سيد التحليق وخاصة عندما يكون برياً.. هذا الطائر يباع وبعد البيع يترك المكان الجديد هارباً إلى مكانه القديم.‏

-جميع الذين يشترون القرباطي يخسرونه.‏

نادراً نحن الأطفال رأينا سينو يرتدي حذاء مقبولاً أو لباساً نظيفاً. كان طويلاً، وكان يبدو من خلال طوله مترنحاً دوماً، ويمشي جاراً رجليه.. رخو الكلام، ولأقل منظر أو إثارة يضرب كفاً بكف ويضحك، ويميل وربما يقع على الأرض، وينهض وهو مستمر في الضحك، وعدم التماسك هذا في حالة الانشراح والضحك، أما في حالة الغضب، فإن الزبد يؤطر فمه، ويصل إلى ذقنه.. هو دوماً أشعث الشعر طويل اللحية، أما ثيابه فممزقة دوماً ومدلاة ومهلهلة.. فإذا نظرت إلى قدميه كأنك تنظر إلى خف جمل، باطنهما قاسٍ ومشقق.. عندما يقطع الأزقة لايلتفت ولا يحيي ماراً ولايسلم، فإذا مر أحد من المهنة أو هواتها أي من الكشاشين فإنه يقف معه إذا كان يسير كعكس الاتجاه، وإذا كان يسير بنفس الاتجاه ترافقا، ومالا على بعضهما وتابعا بود وانسجام وحديث متواصل. عالم سينو هو عالم الحمام، وكشه، من رفة الجناح في الأفق لحمامة ما، يعرف نوعها، ومصدرها وأحياناً يعرف لمن تعود.. إنه سجل تاريخي لحمائم حارته، وكذلك لحمائم البلدة برمتها.‏

لم نكن في البداية نعرف أن سينو له أب أو أم أو أهل. كنا نعتقد أن أمثاله يأتي من المجهول لوحدهم يعيشون، وكذلك لوحدهم يموتون، ولكننا يوماً وراء يوم عرفنا والده، وهو ذلك العجوز الذي كان ينام في دكان مهجور تابع لسكناه.. وقد كان مستودعاً للتبن وللكلاب الضالة لها باب على شارع ضيق وعلى دور خربة. منذ طوفان المياه قبل عشر سنوات يصل صوت العجوز ليلاً إلى البعيد وهو يردد عن ظهر قلب أشعاراً من قصة عنترة وأخرى من حرب البسوس، وأخرى على لسان شيحا جمال الدين في سيرة الظاهر بيبرس وقد عرفنا أنه كان في الجيش العثماني خدم جندياً وشهد له شيوخ الحارة ممن خدموا ووصلوا إلى رتبة رقيب أو رقيب أول بالشهامة والبطولة، وقد خدموا جميعاً في أصقاع عديدة من أوربا.‏

أما أمه فكانت امرأة نصف عمياء تمشي بشكل موارب وتصطدم بالحيطان لكثرة ماتقترب منها خوفاً من دابة أو طنبر أو كديش فالت.. على ما أذكر كانت تلقب بالهدّول.. تتكلم بصوت‏

ضائع وملتو.. كأنها وضعت بعض الدحل في حنجرتها، إنها رثة في كل شيء، عكس زوجها الذي يحاول أن يبدو نظيفاً، معتدل القامة والمخاطبة..‏

عندما يتكلم عن أيام جنديته يقول بتؤدة:‏

-بلاد البرغل (بلغاريا) بلاد حلوة وبناتها أحلى، يخافون من العصملي، وأما بلاد الرومل (رومانيا) فأحلى وأحلى.. الألبان عنيدون.. سافرت كثيراً، ورأيت مايشيب الرأس.‏

-لماذا تسكن لوحدك في غرفتك المقابلة للخراب..؟‏

-أرتاح هنا.. عاقبني الله بولدي الملعون سينو وبأمه الهتراء.‏

ولذا كان الصغار من أمثالنا لا يدركون بسهولة أن هذا الرجل الهادئ ذا الشارب الأشيب والرزين في حديثه، وجميل الصوت، وحافظ أشعار السابقين هو والد سينو.‏

-2-‏

نلاحق سينو -نحن الصغار- كما نلاحق بائع الحلوى، وهذا السينو لم يكن مجنوناً على الإطلاق، ولكنه كان مغرماً، ومولعاً بالحمام وكشه وتربيته، ونحن بالفطرة ومما نسمعه من الآباء نعرف أن (الحميماتي) ليس سوياً.. كذلك هو ليس مضراً. إنه نموذج وسط بين الأهبل والسوي.‏

هكذا اعتدنا في حارتنا إذا مر سينو أن نناديه بهذا الاسم. هو لم يكن اسمه الحقيقي.. كان لا يلتفت.. أما إذا كان قريباً من الولد الذي يناديه، يكشر في وجهه ضاحكاً وهو يقول:‏

-ابن كذا وكذا.. أمك كذا.. أختك كذا.‏

وكلما شتم ازددنا حماسة، وكأننا وصلنا إلى الهدف.. نلاحقه إلى قرب كوخه بعض الأحيان والذي يشغله عنا الحمامة التي يلاعبها في كفيه، أو الفراخ التي يضعها في عبه، ولا يفتأ يكلم الحمامة، أو يطل على الفراخ ضاحكاً. صافراً. مبسبساً.‏

طبعاً. لم يكن سينو متزوجاً، وعندما يسألونه عن موعد زواجه يضحك، ويلعن المزاح يقول: -لاتميلوا عن الحديث "القوال" أفضل أنواع الحمام تحليقاً، عندما أراه أثناء الغروب، وقد انعكست أشعة الشمس على جناحيه الأشهبين.. أنسى وجودي، ووجود من حولي.. منظره وقد رنق يصرفك عن: (فطمو المغربية).‏

وفي مساء يوم من أيام الربيع، وبيدر الحارة الشرقي مغطى بالحشيش المتفاوت العلو -لقد كان الشتاء ماطراً- وكنا نلعب حول ساقية الماء الجارية من الطاحونة والذاهبة بعيداً بين الحشيش، عابثين بأعواد العيصلان، وقرون العيرون التي ترتفع على جانبيها، متمايلة مع طبطبات محرك الطاحونة.. اندفعنا شرقاً نحو كوخ سينو الذي كان مستغرقاً في كش الحمام مردداً بصوت مرتفع: شح. داح وما إلى ذلك من مصطلحات التفاهم والتحبب مع طيوره المحلقة ملوحاً بالرقعة القماشية الواسعة.‏

رأينا لوحة مثبتة بساعد حديدي فوق باب الكوخ -كتب عليها:‏

-هنا قاضي كشاشي الحمام.. أبو علي محمد الإبراهيمي.‏

سألنا زميلنا حسن، وكان المرجع لنا في كل مايتعلق بالحمام، وبالكشاشين، فوالده من العقلاء المحترمين، والميسورين في الحارة، ولكنه من هواة تربية الحمام، عرف حسن من والده كافة أنواع هذا الطائر اللطيف، وخواص كل نوع، كما كان يتتبع أخبار الهواة والمحترفين.. العقلاء والمجانين.. أنصاف أولئك وهؤلاء، أشهرهم في الكذب. وأظرفهم في الصدق فأجابنا أنه في ليلة البارحة حضر اجتماعاً كبيراً ضم أكثر من خمسين إنساناً من الفتيان والكهول ومتوسطي الأعمار في كوخ سينو.. عرضوا مشاكلهم وخلافاتهم، والفوضى التي هم يعيشونها وعدم وجود نظام يعملون به، وأنهم ككشاشين يعتبرون من صنف دونيٍّ، وساقط وبلا قيمة، وبعد التداول والأخذ والرد قرروا أن يكون لهم مرجع من بينهم ومجلس لهذا المرجع يختارونه من الأكبر سناً، فانتخب سينو قاضياً ومرجعاً لحسم كل خلاف.‏

صرخنا جميعاً: -سينو!!‏

-نعم سينو. قال حسناً‏

وسألته: -أهذا الذي كتب على اللوحة اسمه؟‏

أجابني: -كنيته الإبراهيمي، واسمه محمد، وبما أنه عازب فمحمد يكنى بأبي علي أو عبد الله.‏

تلك كانت المرة الأولى التي نتعرف بها على اسمه وكنيته، وكان عجباً عظيماً ومفاجأة حين علمنا أنه قد أصبح قاضياً، والواقع أن ذهننا لم يعرف الكثير عن حقيقة هؤلاء المأخوذين بتربية الحمام إلا أن ملاحقة أخبارهم كانت في فترة مغادرة الطفولة شاغلنا، وقد اعتبرنا أن اجتماعهم ومناقشة أوضاعهم، ثم انتخابهم لمثل سينو يكاد يكون قريباً من تشكيل مملكة خاصة بهم، وبدأنا نقدر، ونحترم، ونكبرُ هذا السينو. كما صرنا ندقق أكثر في سحنته ومشيته، ولم نعد نجرؤ على مناداته بلقبه الشعبي، بل نهمس به همساً بين أنفسنا عندما نلمحه ماراً.‏

جلسنا على الحشائش وأعواد العيصلان تلامس رؤوسنا، بينما نقيق الضفادع يحيطنا وصوت محرك الطاحونة، ونداءات سينو.. كل ذلك دفعنا إلى الاقتراب من حسن لسماع تفاصيل حديثه وآراء أبيه، وكان المساء يلقي بردائه على البيادر، فتشتد العتمة شرقاً بينما لايزال الأفق الغربي يختزن ملامح متداخلة من الضوء الذي كان يذوب في حمأة الليل القادم شيئاً وراء شيء. وأكمل حسن حديثه:‏

-وبعد انتخاب سينو نهض إلى كوخه وأشعل بابور الكاز وغلى لجميع الحضور شاياً.‏

قال له رجل مسن بعد الشاي:‏

-يجب أن تحكم بالعدل.‏

وقال آخر في ريعان الشباب:‏

-يجب أن تحكم بيننا بالإنصاف ودون مراعاة يا أبا علي.‏

قال سينو في معرض رده:‏

-لن أدع أحداً يعتدي على أحد.‏

قال أبو طراد -وهو من عقداء الكشاشين-:‏

-هذا هو الكلام الحق.‏

-عاد سينو إلى الكلام:‏

-البارحة ياجماعة رأيت أحلاماً متواصلة عن مهنتنا‏

استفسر أبو طراد:‏

-حدثنا أيها القاضي ماذا رأيت؟‏

"-رأيت نفسي جالساً في أحد الأمكنة العالية، وحولي جموع من الحمام وبألوان لاتعد ولا تحصى، ومع أنني لا أحب سوى الحمام المحلق، وحمام الجوامع والأضرحة من النوع الكسول الذي لايثير انتباهي إلا أنني وجدت نفسي أدربه على الطيران، وأؤدي بعض الحركات، وأطلق أنواعاً من الصفير كما أمسكت بمنديلي، ورحت من الأعلى ألوّح، أخفض المنديل حيناً، وحيناً أفرقع بطرفه حتى استطعت بعد أكثر من ساعة على إجبار كافة الحمام من حولي على الطيران، وعلى التنافس فيما بينها في التحليق. فجأة وجدت نفسي في حارة من حارات البلدة، وأثناء سيري رأيت على جدار منخفض حمامة من نوع "البربريس" فأحنيت ظهري، وخففت من سيري، وأخذت أقترب منها بهدوء واتزان، كما صرت أصفّر صفْرات متقطعة وضعيفة، وراقبت الدرب لم يكن أحد أمامي أو خلفي.. آنسها هذا الصفير الذي أعطاها الطمأنينة، وعندما وصلت قربها لم تهرب.. بل إنها أحنت رأسها وأنا أمسكها بجماع كفي.. وضعتها في عبي واستأنفت السير.. ومن فرحي هرولت، فهذا النوع محبب إلى قلبي.. إن البربريس تلتصق بالإنسان عندما يحملها كالرضيع تماماً، والشيء الآسر نظراتها.‏

إن في عيون الحمام عامة، والبربريس خاصة بريقاً حنوناً يصل إلى درجة عالية من السيطرة على الإنسان".‏

كان سينو ياجماعة يتكلم ويسلسل أحلامه، وهو ينظر أعلى، والجميع يسمع مشدوهاً ومعجباً حديثه عن الحمام. فيه مناجاة، وفيه توزع روحي يطال السهوب والسفوح وينابيع الوديان.. كانت لحيته السوداء تبدو كأنها عباءة لكل الحمام.‏

قال أحدهم:‏

-أنت الأجدر بقيادة القضاء وفض الخلافات لأنك أبو الكش، وأبو الحمام.‏

وقال آخر:‏

-إن محمداً لم يدخل في خلاف مع أحد حتى الآن.‏

وغمز ثالث:‏

-لأنه بعيد عن البلدة، وهو فقير وقنوع، رغم ذلك يسطو، لكنه يتحاشى الإحتراب.‏

-قال سينو:‏

-سرقة الحمام لها أصول، وهي مشروعة أثناء التحليق.‏

كان يتكلم كأحسن الناس، وكان الجميع من شباب وكهول، ومتوسطي الأعمار يستمعون ويشربون الشاي ويدخنون، وكأنهم أمام شيخ من بني صخر أو بني خالد.‏

وحكى صديق طفولتنا حسن أشياء عن تلك السهرة التي أعقبت الانتخاب، وقد امتدت بنا الأحاديث إلى أذان العشاء فطوانا الظلام، وكذلك طوى البيدر، وكوخ سينو وعيدان العيصلان، فأحسسنا بالخوف والوحشة في نفوسنا، فاتكأنا بمرافق أيدينا على أكتاف بعضنا ونحن نعود إلى بيوتنا مملوئين بحكايا الحمام وكشه والحميماتية ومجلس قضائهم الجديد، والقاضي سينو.. عندما افترقنا تواعدنا على متابعة الأحداث، وأن نخبر بعضنا كي نحضر موعد انعقاده.‏

-3-‏

نلاحق سينو -نحن الصغار- كما نلاحق بائع الحلوى، وهذا السينو لم يكن مجنوناً على الإطلاق، بل كان مولعاً بتربية الحمام.‏

كنت في البستان، وكان الصيف حاراً، وحدها نسمات المساء تخفف من لهيبه، أقطف مع أمي البامياء من أعوادها الطويلة، وكان والدي هناك في مساكب الباذنجان، وحوامل البندورة مع أخواتي يملؤون الصناديق الخشبية لإنزالها في الغد إلى بازار الخضار، وكان يحلو لي، وأنا أعمل بين أعواد البامياء أن أتسلل إلى نهايتها حيث أشرف على إخوتي، فأقذفهم ببعض الحصباء أو كتل التراب، وأهرب راجعاً وأتشاغل بقطف قرون البامياء والحديث مع أمي، بينما أسمع نداء أخت وتهديد أخ. وأنا في هذا سمعت صوتاً ينادي.. رفعت أمي ظهرها وكانت ترى فوق الأعواد وقالت:‏

-إنه حسن ينادي يامحمد.. إنه إلى جانب الساقية، وتحت شجرة المشمش عدوت مسرعاً تاركاً البامياء قائلاً بيني وبين نفسي: جاء المنقذ.‏

وبادرته: -أهلاً حسن جئت في الوقت المناسب.‏

-ماذا تعملون؟‏

-نقطف البامياء، كذلك البندورة والباذنجان لإنزالها إلى البازار.‏

-هيا. أسرع.‏

-إلى أين.‏

-إلى مجلس قضاء سينو.. مساء اليوم تعقد الجلسة الأولى.‏

وأمسك كل منا بطرف جلبابه، وأطلق ساقيه للريح مجتازين أنساق أشجار المشمش، ومساكب الخضار، ومرتطمين بميّال الشمس. هدفنا البيادر.. نجري جرياً حافياً حيث الأقدام تتصلب وحيث الساق تتعضّل، وحيث الأحلام كانت واسعة مثل جرينا، ومن خلف أكوام الحصيد التي كانت تنتظر من ينقلها، كنا نرى سطوح المنازل والحشد على البيادر، وعندما وصلنا كان الأولاد الذين يلعبون بالدحل يغادرون مواقع الدفاع والهجوم في لعبتهم، أما الكبار الذين يلعبون "الزنكو خَلَف" وهي لعبة القفز عن الظهر، فقد اتجهوا نحو كوخ سينو الذي كان يحاط بالمزيد من الناس.‏

ثمة ولد يقول:‏

-وقع قتال اليوم في أحد الأزقة بين الزرزوري وأبي زردوم من أجل "الأبلق".‏

ويقول رجل لجاره:‏

-ماكان يحق لعزاره أن يضرب بعصاه الغليظة حسين الأفكح.‏

أجابه جاره:‏

-هذا الأفكح خبيث ولعين وابن كلب، هذا إذا لم يكن ابن حرام، لقد تسلل في الصباح الباكر من سطح بيتهم إلى سطح عزاره، وأخذ من خم الحمام ذكر "السباهية" وأخفاه رآه أحد الأولاد عندما كان يبول تحت السطح.‏

وقال رجل دخل بين المتخاطبين:‏

-فتّشوا بيت الأفكح، ودخلوا خُمَّ حمامه، وبحثوا هنا وهناك، ولكن أثراً لم يظهر لهذا السباهي، ربما هو مظلوم، ومفترى عليه.‏

رد عليه الرجل الأول:‏

-يحتفظ الأفكح بمكان أمين ومجهول يخبئ فيه الطيور التي يسطو عليها، ومن هناك يأخذه ليلاً، أو في الصباح الباكر ليبيعها في القرى المجاورة، وإذا كان الطائر متدرّباً ومتميزاً ويعادل سعراً عالياً ينزل به إلى المدينة. ويبيعه هناك.‏

قال حسن:‏

-سيحضر والدي. قال ذلك منذ الصباح.‏

قلت: -إن المجلس المعقود هو مجلس هام وله اعتبار‍!‏

قال: -الأمر حقيقي، وليس مسخرة.‏

قلت: -حتى الآن، لا آخذ الموضوع بجد.. إن الحميماتية.. الكشاشين أناس ينتسبون إلى آخر السلم الاجتماعي قيمة وعقلاً وسلوكاً يكون لهم مجلس قضاء، ونظام، وقاضٍ يفصل في الدعاوى؟! كل ذلك لايدخل في عقلي، ولا أقدر على استيعابه.‏

-سترى الآن؟.‏

-نعم سنرى جميعاً.‏

وصلنا الكوخ. كان الناس يجلسون على الحشيش وراء بعضهم البعض، وعندما اكتمل الجلوس وانقطع سيل القادمين تقدم سينو نحو الوسط وقال:‏

-الآن تبدأ الجلسة الأولى‏

قال أبو طراد -نريد الحكم بقضية الأفكح.‏

رد سينو: -أين الأفكح؟‏

-ها أنا ذا.‏

-هل أخذت ذكَرَ السباهية سطواً من عند عمنا عزاره؟‏

-لا. لم آخذه.‏

نادى سينو: -ياسطام‏

-نعم‏

-أنت كاتم أسرار القضاء.. ادخل إلى الكوخ وهات الذكر‏

وغاب سطام داخل الكوخ ثم عاد وهو يحمل بيده الطائر المختلَف عليه‏

-أين وجدته ياسطام؟‏

-خلف تل الغزالة، في عرزال مهجور هو المخبأ المأمون لسرقات الأفكح‏

وضجّ الجميع بالثناء، وصفقوا مستحسنين المفاجأة‏

صرخ سينو: -ياعزاره‏

-نعم ياسينو‏

-خذ طائرك‏

أمسك سينو بالأفكح الذي كان يقف بينه وبين سطام فصفعه، ولبطه وأعلن:‏

-الأفكح منذ الآن ليس من جماعتنا، وقد استولينا على جميع طيوره لصالح مجلس القضاء.‏

نادى سينو ثانية: -أين أبو زردوم؟‏

-ها أنا ذا‏

-ماذا بينك وبين الزرزوري؟‏

-أخذ طائري الأبلق.‏

-كيف أخذه؟‏

-اختلطت طيوري بطيوره مساء البارحة.‏

-أثناء الكش والتحليق.‏

-نعم، وعندما عادت طيوري كانت بدون الأبلق.‏

قال سينو: -هذا ليس سطواً. هذا ليس سرقة.‏

-طالبته أن يرجعه.. لقد نزل مع كشته‏

-لايجوز إرجاعه.. ربحه أثناء التحليق.. الطائر التحق باختياره.‏

-أأصبح الطائر له؟‏

-ليسمع الجميع. الحاضر يعلم الغائب.. إن الأجواء هي المجال الرحب لكش الحمام. هذا معروف وعندما تتداخل الكشات وتلتحق ببعضها، فكل كشة تعود لصاحبها وله من نزَلَ معها.. هذا مشروع، ويدل على القدرة في التدريب، وعلى المناورة، على حسن ومهارة وكياسة الطيور.. العراك عبر الأجواء بين الكشاشين.. هو مجال المهنة.. غير ذلك يعتبر سطواً واحتيالاً.. هذه الأصول يجب إحياؤها، والتقيد بها، وعندما تركناها صار الكذب والسطو عنواناً لحياتنا.. من الآن فصاعداً يجب أن نعرف الفرق بين السطو والمبارزة عبر الفضاء، والتمسك بالأصول.. ننبهك يا أبا زردوم لأنك حاولت التصرف وافتعال الشجار قبل التحكيم إلى المجلس هذا من جهة، ومن جهة أخرى نؤكد على شرعية مايحدث في الفضاء أثناء تحليق الكشات وتداخلها، عندما نعرف الحدود، وندرك الفرق بين الأصول والذيول نصبح معتبرين ومقبولين، وتسمع المحاكم أقوالنا، وتثق بشهادتنا، أما خلاف ذلك سنبقى بلا أصل، بلا أب أو أم شرعيين.. سنعتبر من أولاد الزنا.‏

بعد هذا الخطاب وضع سينو إصبعين من أصابعه تحت لسانه، وأطلق صفيراً قوياً يشير بذلك إلى انتهاء الجلسة.‏

-4-‏

نلاحق سينو -نحن الصغار- كما نلاحق بائع الحلوى، وهذا السينو لم يكن مجنوناً على الإطلاق، بل كان مولعاً بتربية الحمام.‏

بعد الجلسة وإطلاق الحكم في مسألتين هامتين لاحقناه بنظراتنا، ولم ننصرف مع المنصرفين. كما كان بودنا الاقتراب منه، كذلك لم نجرؤ -بدا لغزاً، بدا شيئاً غامضاً، وغير معلوم، وبدا كذلك أكبر من معارفنا، وأكبر مما نعلم، والشيء الذي سمّرنا في أماكننا أنه صعد إلى سطح كوخه حافياً ممزق الثياب، وأطلق كشته عبر الفضاء حيث كانت الشمس الغاربة تعكس أشعتها الحمراء على أجنحتها منصرفاً إلى التلويح برايته المرقعة وهو ينادي: -شح.. واح.. أو.. آي.‏

وكانت طبطبات محرك الطاحونة تترامى إلى أسماعنا، كما كانت رؤوس الأعشاب تتمايل وتتثنى! وعندما كنا نعود -كل إلى بيته- كنا نحمل إحساساً خفياً بالإعجاب والاحترام لسينو، واتفقنا جميعاً أن نناديه باسمه، وأن نقلع عن التندر معه بعد اليوم.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244