مجلة الموقف الأدبي - مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - العدد 351
Updated: Tuesday, September 23, 2003 04:05 AM
فهرس العدد فهرس الدوريات
 

أرض العشر ـــ قصة: نزار نجار

هذه أرض "العشر"...‏

خفِّف الوطأ فوق أديمها.. أو لا تخفِّف..‏

صار "المعرِّي" يخرِّف بمالا يعرف..‏

حكمته بالية، وكلماته سخيفة...‏

أنظر أمامك.. أنظر إلى الأرض من حولك..العمارات تنهض.. حجارتها تشهق بالبياض وتنهض.. حجارة منحوتة مصقولة وناعمة، وأسطحة من قرميد.. وأبواب عريضة، تفتح ذراعيها بصمت.. أحلام الفقراء تتكسّر على أعتابها... أشجار خجولة فوق الأرصفة تمدّ أغصانها، والسماء من فوقها تنظر وتنظر ولا تقول شيئاً...‏

هناملعب للهواة، هنا صالة للرياضيين ... هنا حدائق مصطنعة تهب الناظرين دموعاً غير منتظرة.. هنا مقصف.. وملهى.. وقاعات للأعراس والرقص.. وصوت ينداح ويترنّم بالقدود الحلبية..‏

هذه أرض العشر..‏

برّية كانت.. يسرح فيها الخيّال..‏

البطيخ الأصفر بحزوزه العريضة، يمدّ حباله الخضراء فوق الأرض المباركة، بطيخ شمعي اللون، حلو المذاق، يقطر شهداً، ويقرش تحت الأسنان.. البطيخ المحزّز يتكوّم في ساحة الموقف، والباعة يرفعون أصواتهم:‏

ـ بطيخ العشر يا ناس.‏

طعمه أطيب من الأناناس..‏

ولا أحد يعرف الأناناس!!‏

الأرض هنا مشرعة للريح والشمس والعصافير، ومن قلب المدينة إليها يلوّحون، في أيام الجمع والأعياد يتدفّقون من طلعة السبسبي، يجتازونها صعوداً، من وراء مئذنة جامع الدلوك العتيقة، يتزوّدون الماء من سبيل في آخر الطلعة أو من خان "حكّوم"!..‏

هذه أرض الحلم المباركة.. لم تطأها إلاَّ أقدام الصالحين، وأولياء الله، والداعين بالأذكار، والمرتلين و المنشدين والمسبحّين بالأسحار.‏

يشتعل الوجد في العابرين، وهم يطوفون في دروبها والسالكون إليها صاروا غيوماً خفيفة، غيوماً من الندى النشوان صاروا برداً وسلاماً، يرفعون أناشيدهم في محبّة الرسول وأهل بيته، وعلى أنغام النّاي ودقَّ الدفوف وتحت البيارق يزحفون، من باب البلد، من السوق، من الحارات، يزحفون.. موجات إثر موجات.. يزدحمون في أرض العشر، يقلبون أردانهم، ويلبسون ثيابهم بالمقلوب، يرفعون رؤوسهم وأيديهم مفتوحة نحو السماء، يستغيثون ويطلبون الرحمة ما الذي يتسرّب إلى أفئدتهم وأرواحهم تلك اللحظة؟‏

إنهم يدعون للمطر، وقد كانت رحمة الله قريبة... إلاّ من القانطين..‏

الأرض هنا، تفتح أمام الروح فضاءً رحباً، الطبيعة عذراء، تسرق الألباب، الدّروب تصل بسهولة ويسر إلى برية العشر، شيء يلامس شغاف القلب، راحة وهدوء، وخزانة الذكريات تفيض بالوجوه الطيبة الوديعة، والأرض الواسعة تحنو على الأحياء.‏

في أحضانها تهدهد الموتى، والتراب يعود إلى التراب.......‏

هتف المنادي "عفشة" في نغمة بدائية من أول السوق:‏

ـ ياسيّدي.. نحن على بابك.. ياكريم..‏

انداحت من حوله رهبة خاصّة.‏

رائحة الموت تسمّرت في أنفاسنا،‏

وعفشة يردّد:‏

ـ ياكريم..‏

ردّد أصحاب الدكاكين في سوق الكندرجية:‏

ـ الله.. الله..‏

وجه أسمر مستطيل، وعينان غائرتان منطفئتا البريق.‏

لكنَّ نظراته خاشعة. مسح بها المارين، وأزاح طاقية اللبّاد كاشفاً عن مقدّمة رأسه الحليق، استند إلى حائط الجامع، ربّما يودّ أن يهزَّ النعش الخشبي قرب الباب. ربّما يودّ أن يهزَّ أرواحنا إذ كان يصيح:‏

ـ تحرّك.. الرزق خفيف!..‏

نبضات قلوبنا لم تعد تغرّد.‏

رجفة حقيقية سرت إلينا، تسلّلت دافئة مترعة بأخلاط من رائحة الحنّاء والتمر هندي وعرق السوس والبهار يرتفع صوت عفشة راعداً، يكتسح آخر الضجيج.في السوق مطالباً بالسكوت.‏

ـ يامن اشترى ولم يبع..‏

يامن عمّر ولم يسكن..‏

يامن طبخ ولم يأكل‏

يامن نام ولم يستيقظ..‏

يامن سافر ولم يرجع..‏

ركض أبو الريحان خلفه، شدَّه من كتفه المائلة ثم همس له بشيء، أصلح من وضع الحبل فوق كتفه الأخرى، ومضت عيناه المطفأتان، انفرجت أساريره الشاحبة كأوراق الكتب القديمة، رفع كفه المعروقة إلى أذنه معلناً عن بيع بستان على طرف العاصي من الجهة القبلية، ستة دونمات مابين قبور النصارى والبشريات.‏

فتح المنظر بوابة للرجاء.‏

عادت الأحلام إلى قدسيتها.‏

صار من حقِّ أصحاب الدكاكين في السوق أن يفكروا ويحلموا كما يريدون ربما يفكّرون بالحب والحياة والهدوء والأهل والأحباب والمواويل، ويحلمون بالنساء الجميلات والأطفال والبساتين والعصافير.‏

لكن الصمت يجرف أفكارهم. كلَّ واحد يطلق العنان لرأسه وخياله، وتتوزّع الأحلام، يرصدون في دواخلهم وقلوبهم النهار الآتي، الأسبوع الآتي، العام الآتي، وبقي عفشة صامتاً، تلفّه غيمة، وعزرائيل آب بلا حصاد، ولا راحلين جُدد.‏

أسئلة للموت هي، أسئلة للحياة، انداحت، أفكار ليس لها بداية، وليس لها نهاية.‏

نبضات قلوبنا عادت تغرِّد للصباح، تغرِّد للمساء، نبضات قلوبنا تغنّي، غناؤنا يخرج من القلوب، لا من مكبّرات الصوت.‏

ساحة أشواقنا تتسّع، تمتدّ، ساحة شاسعة لا حدود لها، ولا فواصل.‏

وعفشة قبل أن يصمت أعلن عن بيع أراضٍ من العشر من يشتري بفرنك؟ من يشتري أرض العصفر هناك؟؟ من يشتري أرض البطيخ؟...‏

والشمس ترتفع..‏

والسماء مازالت صافية، خالية من الغيوم،‏

والدنيا بخير..‏

وأهل السوق مسكونون بالحبّ، مسكونون بزهر الرمان، والعراتلية، والياسمين، مسكونون بحب أرض العشر، تشتعل أنفسهم بالوجد، وهم يهرعون على الدروب إليها، فراشاتٍ تطير، غيوم تطير، عيونهم تركض، دماؤهم تركض،كلّهم لها لا منها وإليها، يا ما طوتهم يا ما عانقوها.‏

والموت كالهواء، الموت عندهم لا لون له ولا طعم.‏

البرية تستقبل موتاهم. تستقبل أحياءهم.‏

ـ أنا بيّاع الورد.‏

طيّر يا زغيّر.. طيّر..‏

يمدون بُسُطهم، لقد بدأ السيران، والأرض المزار.‏

هي ملتقى الأحباب، ملتقى السامرين والعشاق، عيون مكتحلة من وراء المناديل، تومض بالحبّ، وأفانين الأحاديث تشعل نيران القلوب.‏

هل هذه الأرض نفسها كانت مزاراً؟‏

هل هذه البقعة ذاتها القريبة من السور سور العجزة، كانت قبراً لذلك الرجل الذي كان في مدخل السوق؟‏

كان رجلاً عادياً، لكنّه رائع لأنه طيّب ومتسامح، يأكل من عرق جبينه، وكدّ يمينه، من يعيد لنا وجهه الغائب؟ من يعيد لنا طربوشه الأحمر، وقنبازه المقلّم؟ من يعيد أحاديثه القليلة، وصمته؟‏

لقد سحقنا جميعاً، وأودع في كل قلب خنجراً عند موته.‏

في الدار، على سريره القديم، جوار الشبّاك المشرع علىتنكات الفل والياسمين، بين ذراعي أمّنا، فتح فمه كعصفور، ونفخ، قالت أمنا:‏

ـ اخرجوا!‏

ـ ولكن..‏

قالت بحزم وهي تضمُّ رأسه إليها بحنو عجيب:‏

ـ اخرجوا. أبوكم مات!!‏

وتحيّرنا ماذا نفعل.‏

صرنا وحدنا‏

من سيعلن موته الهادئ؟‏

لا عفشة موجود، ولا من ينادي محلّه.‏

الجامع قريب، والمؤذّن هناك.‏

ومكبّر الصوت يلعلع..‏

أوراق صغيرة تطايرت.؟‏

منها ما ألصقناه على الجدران، ومنها ما تطاير بين أيدي الناس.‏

الشمس كان ناعمة، والسماء صافية، وبرّية العشر صامتة.‏

في هذه البقعة، في هذه الأرض المجاورة للسور، وسّدناه مع آلاف الموتى، إلى جانب أمّه، بكينا، بكينا، ثم ضحكنا، هل يصدّق أحد ذلك؟ البرّية قالت لنا: كفى بكاء، فكففنا عن البكاء.‏

البرّية قالت لنا: اضحكوا، فضحكنا.‏

ضحكنا لموت أبينا الذي كان في الصباح يتشاجر مع واحد منا ويلحف عليه بالسؤال:‏

ـ كيف صرفت الريالات من دكان راشد آغا؟‏

صار يؤنّبه ولا يملّ، ويردّد مقولته الأزلية.‏

ـ يلعن سلطانك، وسلطان سلطانك...‏

خفف الوطأ أولا تخففْ..‏

السور هدم، والمقبرة أعلنت عصيانها.‏

عفشة يركض في السوق، دمه يركض، غيمة تلفّه وهو يركض، ونحن نردّد: الدينا بخير.‏

أرض العشر صارت متنزهاً لنا.‏

روضة للرياحين هي، ملعب للهواة، صالة للرياضيين، والمقصف، الملهى هناك بأنواره المتدلية من الأركان، حبال من مصابيح ملوّنة، وأغصان الياسمين تكتنفه، ولحم الفقراء يشوى، ومغنية جديدة بُحَّت حنجرتها بأحدث الأغاني.‏

موسيقى ورقص حتى آخر الدنيا.‏

والراقدون نفضوا عنهم أكفانهم وركضوا...‏

المقصف وجهتهم، ولا أحد يفكر بعد هذه اللحظة كيف صارت القبور بلا موتى؟‏

كلهم تجمعوا هناك.‏

كانوا يصفّقون ويتمايلون.‏

ـ وصلة جديدة.. الله.. وصلة جديدة..‏

على الكراسي البيضاء.‏

وسط الأرض المعشوشبة، توزّع الأحباب.‏

استندوا إلى طاولاتهم الحافلة بأطايب الطعام والشراب.‏

وبدؤوا يهتفون لمغنية قطعت وصلتها..‏

شيء ما طغى على أرواحنا...‏

ولا الموسيقى.. هي الموسيقى،‏

ولا الطرب هو الطرب،‏

شيء ما شدَّ على رقابنا.‏

ونحن بلا ربطات عنق..‏

الأشجار نفسها ألقت بأغصانها وأوراقها.‏

هربت منّا.‏

صارت حزينة أمام الناس، وأمام الله.‏

شيء، ما جعلنا مسمّرين منوّمين‏

العصافير نفسها هجرتنا.‏

فقدت ريشها، وتقوست أجنحتها.‏

إيقاع الموسيقى يستمرّ‏

ونحن لم نصغِ لشيء..‏

خفف الوطأ، أو لا تخفف.‏

وعلى الرغم من أنَّ وصلة جديدة ستبدأ..‏

لكن أحداً لا يبالي..‏

والسماء من فوق تنظر..‏

ولا تقول شيئاً..‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244