مجلة الموقف الأدبي - مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - العدد 351
Updated: Tuesday, September 23, 2003 03:52 AM
فهرس العدد فهرس الدوريات
 

ـــ إلى الجحيم

قصة: سمير الشحُف‏

أي ضجيج هذا الذي يجتاحني؟ أهو ضجيج غيابكَ، أم ضجيج الأحلام والذكريات؟‏

كم أحببت جنونك، وكم كرهته، لقد أوصلكَ إلى قفص الاتهام. كم سمعتهم يقولون: إنّه طيش وتهوّر، وما إلى ذلك من نعوتٍ، وأجيب سراً: "أحببته لأنه هكذا مشدودُ وفاترٌ، أليس هكذا الرجال؟".‏

لا أستطيع أن أتخيلك إلا متفائلاً تصنع الحياة.. طيفكَ يرافقني، يتراقص، كما لو أنك أمامي وأنت تتحدّث أو بالأحرى وأنت تعزف بتلك النشوة، خصوصاً حين كانت تلفت انتباهك امرأة- كانت تتحرك غيرتي لتذكرك بوجودي، وحين تصلك رسالتي، تلتفت نحوي منذراً، وتواصل غزل الشباك لكي تنال إعجاب الحضور. لا أخفي عليك، كنت ترضي غروري بمواهبك المتعددة التي تجعلك محط الأنظار لكنك كنت تقتلني بتجاهلك- عندها كنت أفقد اتزاني وأرتكب الحماقات لأثبت حضوري حتى لو أفسدت الجلسة كلها، تضربني وأضربك، وقد يسيل دمي حين يستبدُّ بك الجنون، فأبكي مثل طفلة- بينما في أعماقي فرحة نائمة، تنتظر الجولة التالية- سوف تأتي أصابعك الدافئة تمسح دموعي، تتخلل شعري.. ثم تضمني إليك بقوة وحب، تدفن وجهك بين أضلاعي، تستنشق عطري- فأشعر بالسعادة تغمرني وكأن العالم يحضر كاملاً إليّ.‏

أما الآن فلا أعرف ماذا أفعل بغيابك المربك هذا، لقد حذْرتك كثيراً، وكنت تجيب دائماً: "إلى الجحيم" وها أنا أراك تدخله وتتركني وحيدة قرب فوهة الحمم عاجزة مشلولة لا أستطيع أن أساعدك بشيء.‏

هل أتوسل للمحكمة مثل محاميك المخنّث هذا؟‏

اللعنة.. لماذا اخترتموه بالذات..؟‏

لقد كرهته لبرودته، ولمنطقه المحكم السقيم، كرهت أناقته النموذجية، وذقنه الحليقة الملساء، ووجهه الخالي من التعبير.. توقعت أن تبصق في وجهه وهو يناشد المحكمة بالعطف والشفقة عليكم. - فكرت بتوكيل محام غيره، لكنها كانت رغبتك ورغبة رفاقك، ولا أعرف لماذا.. وأنت الذي تكره هذا النموذج من البشر الذي يجيدون الكلام وراء الستائر وبين الجدران المغلقة.. لماذا لم يكن هو مكانك؟ أليس هو الأعرف بحقوق الإنسان.. لكنه ليس جديراً بهذا الوسام..‏

تغيّبت سلمى لأول مرة عن الزيارة.. شعرت كأنني تحت الطّمي. فوقي رسوبيات يصعب النهوض من تحتها، وقد انتبه زملائي إلى عزلتي وعزوفي عن المشاركة في النشاطات، حتى الندوات التي كنت مسؤولاً عن تنظيمها وإدارتها، فقدت الحماس لمتابعتها.‏

"أكلُّ هذا لأن سلمى تأخرت؟‏

كلما انتبهتُ إلى شرودي، أجد نفسي أعاتبها، أسخط عليها ثم أشعر بالكراهية لكل شيء، وحين جاءت في المرة التالية أدركت أنها تغيّرت.. عرفتُ ذلك من لمعان شعرها، من بريق عينيها، انتصاب قامتها، وقع خطواتها وهي تبتعد ملوّحة باحتفالية. /كانت تغادرني نحو حياة تنتظرها/.‏

قابلتني وهي قلقة، مشتتة، مجرّد واجب خال من الشوق والمحبة، ولأن صبري قليل، أفصحت لها عن إحساسي، فلم تكترث واعتبرته مجرد هواجس سجين..‏

"ماذا يمكن أن يشغلني عنك، ولا همّ عندي سواك".‏

كدت أصدقها وأنسى، وعدتُ إلى أحلامي أتسلّى بها، فأنا في عين نفسي البطل الذي تنتظره الجماهير، سوف تستقبله عند باب السجن، سترفعني الأيادي، تنطلق خلفي مسيرة حاشدة تهزّ العاصمة. لكنني تراجعت بعد حين، وقد تيقنت أن الجياع يفكرون بالخبز، أكثر من الحرية.‏

كل الأحلام تبخرت.. لم يبق لي سوى حلم اليقظة الذي أعيد صياغته كل يوم، أُعدّل التفاصيل الصغيرة حتى أشعر بالرضا فأنام.‏

"سوف تتلقّفني سلمى، لن تتركني أضيع ثانية، هكذا كانت تقول لي في البداية: "عندما تعود إلينا سوف أقيّدك إلى معصمي".‏

كم كان ذلك جميلاً منها، وكم خفّف عني، ظلّت بجواري تغذيني من حبها، والآن أكاد لا أصدق أنها تحولت عني!‏

"لعل مخاوفي مجرد أوهام".‏

زيارة واحدة في الشهر، ومن خلال زياراتي له.. بدا لي السجن من الداخل أرحم، شعرت أن الحياة مستمرة وتكاد تشبه حياتنا العادية، فهذه طاولة، وهذا سرير، وذاك السجّان قد صحا لتوه، يغسل يديه ووجهه، على كتفيه منشفة.. بينما من الخارج بدا مرعباً، جدران ملساء، ميتة، محشوة بصمت أزلي، كأنك تنظر إلى قنبلة موقوتة ستنفجر إن حدقّت بها طويلاً.. قلت لنفسي: /لعل في هذا التصميم حكمة ما.. ليتعظ الطلقاء مثلاً، كنت أحسُب.. خمس سنوات، ستون زيارة، سأصبح على عتبة الأربعين، زوجي في الخمسين.‏

لعمري إنها حماقة..!! أحاسيس جديدة تنمو في داخلي فلم أعد أعتبر نفسي زوجة المناضل المدافع عن الحرّيات. "إنه ليس أكثر من أحمق آثر السجن على الحرية..".‏

هزّتني الفكرة وشوّشتّني، كأن الشيطان يدفع بي نحو الهاوية، ولن أستطيع تلافي سقوط محتّم.‏

كانت السيارات والمارّة تترنّح تحت شمس الظهيرة، بينما الكلاب والقطط تهرع نحو ظلال الأشجار والأبنية. غدت ثيابي مرهقة، تحف بجلدي بلزوجة منفرة. فكرت بشراء مظلة، واشتريتها فعلاً، لكنني لم أستخدمها ذلك الصيف لأنني تغيبت عن الزيارة التالية وقد انقضى معها أشدّ الأشهر حرارةً.‏

ثلاثة رجال انتهت أحكامنا معاً، خرجنا دون ضجيج، انسحبنا مثل القطط، مغلفين بالصمت كأننا نسبح في الفضاء، وقد بهرت أعيننا أضواء المدينة الساطعة، فوجئنا بالسيارات والحركة النشطة، رغم تأخر الوقت. لم يكلم أحد منا الآخر. وعند نهاية الشارع تعانقنا بحرارة أقل مما كنت أتصور.‏

استوقفت سيارة لتقلني إلى قريتي التي تبعد مسافة ساعة ونصف جنوب العاصمة.. وقد اشترطّت على السائق عدة شروط ألا يكلمني أبداً طوال الطريق، وأن يسير بسرعة بطيئة طلباً للسلامة، والشرط الأخير أن يضع في آلة التسجيل أغاني لفيروز فقط.‏

كنت أتحدث إليه باللغة الفصحى رغم أنني لا أتقنها.‏

تردّد السائق قليلاً- ثم أشار إلي بحركة من رأسه علامة الموافقة وربما طلب الأجر سلفاً، لأنه خالني مجنوناً.‏

-أريد أن أشتري مشروبات روحية، هل لك أن تعرج على حانوت أجد فيه غايتي؟‏

-بكل سرور.‏

كانت السماء صافية والنجوم تتراءى لي جميلة وكبيرة، وكلما شربت جرعة إضافية من النبيذ أشعر أكثر بجمال السكون المظلم المحيط بنا، كأن الكون كله ساحة كبيرة تدور أمامنا، عرضت على السائق نبيذاً فاستعاذ بالله وحمده وظل يقود سيارته بثقة، يسترق النظر إلي بين حين وآخر عبر المرآة.. ثم فجأة انبثقت على جانب الطريق تلك اللوحة.‏

(أهلاً وسهلاً بكم في محافظة..)‏

قرأتها، فانزلقت الدموع من عينيّ، طلبت التوقف عندها.‏

حملت زجاجة النبيذ، سكبت ما فيها على قاعدة اللوحة، جففّت دموعي، وتابعنا المسير.‏

أشار إليّ السائق عبر المرآة طالباً الكلام.‏

-أثارني سلوكك، فهل..؟‏

-القصة باختصار أنني كنت سجيناً .. وها أنا عائدٌ إلى أسرتي.‏

-...؟‏

-ما يمكنني قوله إنني لست لصاً ولا مهرباً ولا مجرماً ولا جاسوساً، ولا أتعاطى المخدرات، .. ولا أي شيء من هذا القبيل.‏

هكذا أجبته وعدت إلى سكينتي، رأسي محشو بالخمرة، وما ظلّ سوى الشوق إلى سلمى، طلبت زيادة السرعة، وأرخيت جسدي حتى سمعت نبضي يهزُّ المسند..‏

شربت جرعةً كبيرة من النبيذ طلباً للثبات..‏

"ستزغرد سلمى، سأضمها، سوف نضيء الأنوار الخافتة كي يؤجل الجيران مجيئهم، احتفال عائلي"‏

سوف نرقص، ونأكل، ونشرب، ونغني.‏

زيادة أخرى لنبض القلب، حبست أنفاسي، وأغمضت عيني كي لا أصرخ حين انبثق البيت أمامي تمالكت نفسي، تجاملت مع السائق، وما زلت أتحدث باللغة الفصحى، إنما بشكل أسوأ.‏

نهض الجميع من النوم على صوت الجرس، هرع الأولاد أولاً، ثم أطلّت سلمى تمسّد شعرها، تفرك عينيها بتكاسل، مرحبةً دون حماس، متجنبة النظر إلى عينيه مباشرةً.... هو يريدها أن تصرخ، تزغرد، لكنها خذلته.. حاولَ أن يضمّها فتخلصت منه وتهالكت على الكرسي.‏

-هل أنت مريضة؟‏

-لا عليك، صداع خفيف.‏

اجتاحته موجة غضب.. لكنه فضّل السكوت كي ينتشل الفرحة من الضياع...‏

-لا بأس سنبدأ الاحتفال.‏

قدّم النبيذ لسلمى أولاً، ثم للأولاد، لم يستجب أحد لرغبته، فارتد خائباً، انكفأ على الكرسي، أمعن أكثر في الشراب، حتى فقد رشده، فراح يردد أبياتاً من الشعر.. يعلو صوته ثم يغيب، يضحك، يبكي، يصرخ، يدور على قدم واحدة مثل راقص بارع، يرفع يده بحماس وكأنه على منبر للخطابة، ثم يخلد إلى صمت مريب.‏

"لقد دخل اسمي التاريخ يا سلمى"‏

خيال ملتهب بالنبيذ وظلام السجن.‏

"خمس سنوات تضيع من العمر، خسارة كبيرة، إنما يمكن تعويضها"‏

"أما أن تضيع سلمى، فلا شيء يعوّضني عنها.‏

"فما قيمة جمال الهواء الطلق دونها، وما التضحية والبطولة، أو الوطن بعدها"؟!‏

"إلى الجحيم بكل هذا"‏

كأنني كنت في غيبوبة بعيدة.. أصحو منها ببطء وصعوبة، شجيرات الزيتون نضجت في‏

فناء الدار، تلاميذ المدرسة شباباً وصبايا.. أحاول تحصين نفسي، أستيعين بما قرأت وما سمعت كي لا أسقط عارياً حتىمن ورقة التوت، وها أنا ذا مثل ورقة خريفية، لا أسمع سوى لهاث المارة دون اكتراث، يزجرني بعضهم بنظرات شفقة، أو شماتة، حتى أولادي وسلمى، ليسوا بمنأى عن هذا..‏

لقد اقتحمتني سلمى مثل عاصفة، اقتلعتني من جذوري، بدّدت نشوة الانتصار.‏

-لماذا لا تشعرين بالسعادة يا سلمى؟‏

أسئلة ما حقة انهالت عليها.‏

-طلّقني!!‏

دوت الكلمة مثل قذيفة مدفع..‏

-ولماذا لا نتصالح؟‏

-لا أستطيع.‏

-ما زلت أحبكِ، يمكنني أن أغفر.‏

-لم يعد لهذا معنى..‏

-والأولاد..‏

-إلى الجحيم!‏

-الذكريات الجميلة؟‏

-إلى الجحيم!‏

ثم دوت طلقة في فضاء الغرفة‏

وقال أحدهما:‏

(إلى الجحيم).‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244