مجلة الموقف الأدبي - مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - العدد 351
Updated: Tuesday, September 23, 2003 02:06 AM
فهرس العدد فهرس الدوريات
 

رغبة حائرة ـــ قصة: ممدوح القديري

نظرت إليه بإشفاق- كانت تحاول إعادة الدفء إلى عواطفه، بعد أن خبت الرغبة في داخله منذ وقت ليس ببعيد وهو يمخر عباب الخريف- خلف أحاسيس وجلة تتوق إلى عشقها القديم- تنهدت واستسلمت لرغبة فاترة من نعاس مفاجئ- جذبها بعيداً عن اللحظة الممقوتة بجانبه.. أسرَّ إليها في إحدى الليالي. أن تشق طريقها بعيداً عنه- لكنها أصرت على البقاء بقربه- وفاءً للعشرة ومنعاً للقيل والقال في الحي الشعبي الذي تقطن فيه.. خشيت في غمرة نشوتها السابقة أن تسأله عن السبب- وخيالها يحملها إلى رغبتها القديمة في أن يكون لها وليد منه- بدأت تظهر في عينيها نظرة لوم وعتاب تختلط بشيء من الندم وذلك أثناء زيارتها لجارتها.. تتابعها وهي تنهر أطفالها وتشتمهم أحياناً وتتوجه إليها بالكلام وتقول لها : يا بختك، يا نعيمة- ربنا ريّحك منهم- "بلا خلف بلا هَم". كانت تسمع ذلك وتلوذ بصمت مرير. كانت تتمنى أن تفصح لها عن حقيقة مشاعرها. لولا أن سنها الآن لا يسمح بذلك.. فقد اقترب من مواسم اليأس- رغم إحساس بالأمومة يلح عليها.. لم تحاول أن تقتل اشتياقها إلى انتفاخ محبب أسفل صدرها- لم تقو على إخفاء نظراتها الجائعة إلى أطفال جارتها- أو غيرهم ممن تراهم في الطريق والأماكن العامة.‏

أما هو فقد ترك لها نصيباً من حرية التفكير -بما أنه السبب- وحاول أن يتفهم ما يعتمل بداخلها- حين يلمح تلك الغمامة على محياها وهي بجانبه- فيشعر أن وجوده- يضغط عليها فيتركها لبعض الوقت وينأى بنفسه في مكان آخر من الشقة- يحتويه فراغ فاتر من شعور غامض بالرفض وابتسامة شاحبة تضغط على شفتيه- لم يستوعب تلك الصراعات النفسية التي تمور في أعماقها وهي تبثه بعضاً من شجونها التي يؤججها ذلك الشرخ الرمادي الساخن في قلبها- كانت تشعر حين يحتويها الفراش معه أنها تُزف من جديد إلى جحيمه، بعد أن هرب منها حب المشاركة وهي تحاول أن تمسك تلك اللحظة الشاردة من ذهنها وهي تشتاق إلى فم صغير ترضعه- وكان يكتفي بأن يرنو إليها ونظرة قهر تطل من عينيه وهو يصارع همومه فيقترب منها ويربت على ظهرها -يقبلها- تستسلم له بلا شوق- تسرقه اللحظة الحميمية من خجله الشديد وهو يحاول أن يلملم نفسه المتشظية أمامها- فينسحب من جديد إلى ركنه المعهود فوق ذلك الكرسي خلف مكتبه ليكمل رواية بدأها منذ أيام قليلة- لكنه يستشعر أنها لن تنتهي بسبب إحساس مُلِح أنه سيموت قبل ذلك.. ..‏

خرجت إلى الشرفة بعد انسحابه -تستنشق عبير أزاهير الحديقة القريبة من البناية التي تسكنها- اصطدمت عيناها بمجموعة من القطط تموء بصوت قريب من النواح- يشتد حين يقوم أحدها بلعبة التكاثر- بشكل أفزعها. لكنها بقيت تتابع وقشعريرة ألم خفيف تعتري جسدها الصادي إلى لعبة مماثلة- شعرت بعدها بالأسى واليأس وهي تبعد كأس الشاي التي كانت ترشف منها- امتعاضة تبرم تناوش وجهها- تترك الشرفة وتدخل- تراه جالساً إلى مكتبه بين كتبه.. آثرت أن تجلس أمام التلفاز وتتركه في سياحته المحببة بين الصفحات والسطور- أدارت جهاز التلفاز- "بالريموت كنترول" تنقلت بين القنوات الفضائية- تتوقف عند إحداها تبث برنامجاً عن الزواج العرفي- فتاة في مقتبل العمر- تدافع عن حقها في أن يكون لها زوج بهذه الطريقة الخفية- يقاطعها أستاذ جامعي معروف- قائلاً: من الأفضل أن يكون الزواج معلناً حسب الشريعة، تصر الفتاة على موقفها وتقول: الشباب عازف عن الزواج لتكاليفه الباهظة مع تعقد الحياة وقلة الدخول- فانجرفوا يبحثون عن طرق أخرى. حتى لو كانت تخالف العرف المعروف- وأن الزواج العرفي أفضل الشرور- وأنها ستكون بعيدة عن دائرة تأنيب الضمير بفعلتها تلك وتابعت البرنامج ولم تستوعب موقف الفتاة- مطت شفتيها وتحولت إلى محطة أخرى- كانت تبث فيلماً إباحياً- تتوقف قليلاً ثم تقفل الجهاز- تنهض وتتجه إلى غرفتها- تشعل سيجارة- تنظر إلى جهاز الهاتف- تمد يدها إلى السماعة- ترفعها- تشعر بارتكاس في داخلها وهي تضغط على بعض الأرقام- تتسارع دقات قلبها- يأتيها رنين عبر الأسلاك- تسمع ألو.. ألو.. تضع السماعة دون أن تجيب.. .. تشعر أن شيئاً تحرك في أحشائها- تضع رأسها على وسادة جذبتها من فوق السرير بعد أن جلست عليه.. . تضع يدها على أعلى معدتها- تتساءل هل حدثت المعجزة؟ تبتسم ويدها مازالت في مكانها- أحست كأنها في حلم- ترددت حين خطر ببالها أن تخبره بما شعرت به قبل قليل- أرجأت ذلك إلى يوم آخر ريثما تتأكد ... النعاس يغالبها وهي تنتظر قدومه- حاولت أن تفلت من النوم لتعيش بعضاً من أحلامها الضائعة والأمل يقترب- احتضنت أفكارها وجفونها تضغط على عينيها- استسلمت للنوم- وهو مازال يتابع رحلته بهدوء داخل مكانه المفضل بين الكتب التي تحمل تجارب الآخرين تؤنسه في وحدته بعيداً عن غرفة النوم.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244