|
||||||
| Updated: Tuesday, September 23, 2003 01:41 AM | ||||||
| فهرس العدد | فهرس الدوريات |
|
حصاد الدفلى ـــ قصة: جميل سلوم شقير كانت الغجرية تكره في زوجها مظهرين، عباءته المقصّبة، وشاربيه، كان مجرد ارتدائه العباءة يجعلها تتصوره سحيقاً في القدم، لم يكن ذلك مجرد تصورات وأوهام، بل إن تجاربها معه جعلتها تتوجس شراً عندما كان يتدثر بتلك الخرقة السوداء، حيث كانت تلمس تغيراً حقيقياً في طباعه، تحل فيه الشراسة، وتفوح منه رائحة التسلط، تختفي دماثته، وينقلب إلى نمرود هائج أحياناً، وربما عزت عنّتهُ الطارئة أحياناً لارتدائها، وصارت طباعهُ تذكرها بما قرأت عن تطيّر النعمان، واعتماده مزاجية دنيئة بتصنيف أيامه بين السعد والنحس، وربما كان من سوء طالع "سليمان"، أكثر شباب البلدة وسامة، أن تقدم لخطبة "الدفلى" ابنة "واكد" في يوم نحسه، وعلى الرغم من تواطؤ الغجريّة مع سليمان والدفلى، فلم تفلح جهودها، لأن أكثر ما كان يزيد من إعجاب الدفلى بأبيها، هو عباءته، وسلوكه عند ارتدائها، لذا فإنها لم تستهجن قبول الدفلى لإرادة واكد مؤقتاً، لكنها استهجنت إصرارها على رفض الحبيب سليمان وبشدّة فيما بعد، واستطابتها الرضوخ لإرادة عباءته، وعلى الرغم من قدرة الغجرية على ترويض بعض طباع واكد، فلم تفلح هذه المرة بليّ ساعده، رغم أنها فازت بذلك في كثير من الأمور، فهي الزوجة الرابعة والوحيدة التي استطاعت منع واكد من ضربها، واستطاعت أن تفرض عليه احترام النساء، السلوك الذي كان مستهجناً آنذاك، حيث أجبرته على اصطحابها، والسير بجانبها في الشارع العام، أمام عيون الناس ونظراتهم، التي كانت تفترس لحم كتفيها العاريتين، وتنهش سفحي وادي صدرها، وتتركز فوق فخذيها المسكوبين من عاج. أما الآن وقد أسندت الغجرية ذقنها إلى كفها، وطفقت تراقب مرور سليمان تحت مصطبتها، فقد عبأتها مشاعرٌ تمازج فيها الحزن بالكراهية، لقد كانت تراقب رجلاً وسيماً طويلاً، يرتدي قمبازاً من الحرير الدمشقي، يغطي رأسه بحرام أرقط السواد، يتربع فوقه عقال مثل حنيش مجدول، وتتوسد العباءة المقصبة ذراعه اليمنى، يتدلى منها هدب ذهبي ينوس بشكل هادئ. شدهتها نظراته الشامخة، وخطواته الهادئة الرتيبة، ذكرتها بمشية جنرال بين بيادقه، هكذا كان يسير سليمان، لا تلفت نظره حادثة، ولا يثير اهتمامه نهود بارزة، لا تهمه، فحش امرأة بعطر نفاذ، لا يسلّم على أحد، ولا يرد السلام على أحد، دمعت عينا الغجرية عندما شاهدت حشداً من الصبية يلحق بسليمان، الصبية تطقطق خلفه بحجارة بازلتية وتنشد: "يا سليمان، ليش زعلان.. روح تجوز يا سليمان"، لكن سليمان يتابع السير وهو يحدث نفسه بصوت مسموع، وكأنه لا يسمع الصبية ولا يراهم، هذا الهدوء، هذه الجلادة اللامبالية بالصخب، كانت كافية لترميد حماس الصبية فيتفرقون بحصيد الخيبة، وتُردّدُ الغجرية: "يا حيف على شبابك يا سليمان، ضيعتك "نبشة" القبر، خمسون عاماً مرت وأنت تنقّل العباءة/ النكبه من ذراع إلى ذراع، بحذر وعناية شديدين"، وكثيراً ما شاهدته يخاطبها بانفعال اللائم، يداعب هدبها المتدلي ويبتسم أحياناً يحرك يدهُ الحرة، تهتز ذقنه، يلوي برأسه، كأنهُ يحاول إقناع قضاة الأرض بعدالة قضيته، يرفع طرف حرامه كي يغطي العقل فوق رأسه، يرفع راحة كفه لمحاذاة أذنه، فيظهر كمن يسترق السمع لمحدث موهوم، يخاصمه أو يؤنبه، نيفٌ وخمسون عاماً تأكلت ولسان هذا الرجل لم يتأكل، لقد ذرع كل شارع في القرية وكل زقاق، ولم يتوقف ساعة عن الهذر، سلوك يومي ثابت، لا تغيرهُ إلا ساعات الاحتفالات، فقد كان يطربه تجمع الناس لأمر ما، يختار مكاناً بارزاً على شفير الرعاع، يصاب بحمّى الخطابة الهامسة، مما يذكرّ مشاهديه بأنهم أمام خطيب غدر بصوته انقطاع التيار الكهربائي، وخوى المكبر أمامه، وصار صوته مستلباً أبداً، لا تلتقط كلماته إلا الأذن القريبة جداً منه، حيث كان يكرر عبارات محددة: "الذيب.. الذئبيّة.. مجرّية الذيابه.. الواوي.. الواويّة.. واكد مات.. واكد حي.." وتعصف الذاكرة برأس الغجريّة، يوم كانت تسعى لتأمين لقاءاته مع الدفلى بسريّة عجوز شمطاء، سخرت من نفسها الآن، لأنها كانت تهددهُ بوقف هذا التواطؤ إذا جاءها المرة القادمة ولم يحلق شاربيه، لأن حقد الغجرية على شاربي واكد الغليظين، جعلها ترى كل شارب غريماً وعزولاً لها. لأن غلظة شاربي واكد كانت تفسد عليها التمتع بشفتيه، خاصة عندما كان يتعرى حتى من ورقة التوت فقد كانا يحجبان عنها جمال فمه، يغطيانه مثل لثام، متدليان مثل قرني ثور، مُثبتين تحت أنفه بشكل مقلوب، وصل كرهها لهما إلى الأوج عندما كان واكد مرمياً على فراش الموت، ودّت وقتها لو يمهلها انتشار الخبر، حتى تتمكن من حلقهما، فرصة أخيرة كانت مواتية للانتقام منهما، لأن صاحبهما قد همد، وتسرمدت النهاية، لكن عويل بنتيه كان قد جمع نساء الحي حولـه في دقائق، وفاجأن الغجرية تحاول إلباسه العباءة المقصبة الأهداب، ساعدنها في التغلب عليه، فارتداها مكرهاً ولأول مرة، حين كان ارتداؤها مصدر اعتزازه الوحيد فيما مضى، لكن إصرار الغجرية على دفنه مكفناً بعباءته تلك، كان قد أثار رفض وغضب بنتيه، وبخاصة الدفلى، التي رفضت ذلك بشكل قاطع، خرجت إليهن الغجرية من مخدعها، قرأت بشكل علني وجهوري وصية واكد، التي ربما كانت قد كتبتها توّاً، أو أنها قرأت لهن وهماً غير مكتوب: "هكذا أوصى واكد"، عبارة أطفأت بنتيه، وكبتت حرنهما، أو ربما اندلقت فوقهما مثل دلو ماء. ووري واكد التراب، ونهش الحقد عقل الدفلى، بعد أن زارها الشيطان زيارة خاطفة، وقررت التنفيذ، كان سليمان الوسيلة، لأنه لم يكن قد قطع الأمل منها، واستمر ينتظر منها ولو نظرة رضا، وبقي هو الشاعر المتيم المرهف الوقور، وعلى الرغم من أنه عاش سنوات الصدّ دهوراً، فهو لم يفتأ يشبب ببنت واكد كلما قارف العرق. شاهدها تبكي أباها، وظن بكاءها عشقاً: وإن ضحكتِ اهتزِ عرش المملكي "وإن بكيتِ الكون لأجلك بكي وشعرْ أشقر لون دبس بعلبكي سنانْ لولو، شفافْ أرق من الورق أعطى البشر قيراط والباقي لكي" كل شيء ربي خلق حسن وجمال تطوعت إحداهنّ ونقلت لها القصيدة بعد بضع أيام من موت أبيها، فنما بسرعة عجيبة ما زرعهُ الشيطان، بين الحبق والنعناع الذي سيّجت به الدفلى أطراف مصطَبتها، ابتسمت للقصيدة بغطرسةٍ فاضحة، قالت لنديمتها ونظراتها تتطاول وتتطاول، حتى حامت حول القبر، أو ربما اخترقتهُ: -"بعثيلي الشاعر فوراً.. أنا عاوزتهُ.." انتقلت الآن عدوى هذر سليمان إلى الغجرية، سمعت نفسها تتكلم: "ماذا أبقى القبر منك ومن شعرك يا مسكين..؟ قذفت بأُفٍ في الهواء، مسحت عن طرف العين دمعة، هذا بينما كان شبحُ سليمان يتوارى في آخر الزقاق، ثم قالت: -لكنه ابتلع الطعم بتهور سمكةٍ جائعة، على الرغم من رصانتهِ ورجاحة عقلهِ. هذا لأنها علمت فيما بعد، بأن سليمان قد جاء الدفلى، وصدع بالأمر دون أدنى تردد، فما أن وعدته، حتى انتخى أمامها نخوة المعتصم، ورفع عن رأسه حرامهُ الأرقط وعقاله، وضرب بهما الأرض تحت قدميها: -عند عيونك يا الدفلى.. قالها وتوارى، وفي العتمة تمادى وتمادى، تلاحقهُ غمزةٌ فاحشة متغطرسة من عيني الدفلى، طار إلى المقبرة، يمتطي أفكاراً مزركشة، يغازل حلماً معطراً، وتصور نفسهُ يلامسُ بأصابعه الطويلة قباب الدفلى المقدسة، نظر إلى كفّه في العتمة، تلمس خاتماً فضياً مكسوراً، حمد الأقدار التي منعت الدفلى من رؤيته، نازع الخاتم حتى نزعه عن إصبعه، ثمّ رماه، واخترق الليل مثل القدر، ماردّ أسطوري، حوّله الهدف إلى ريشة في مهب الريح، وبات ما طلبت الدفلى تنفيذه بسيطاً وصغيراً، أمام ما وعدتهُ وما وعد نفسه به من نعم، لقد هرب الخوف من المقبرة عندما وطئتها قدماه، رقصت لهُ أشباح المقبرة ولوحت له، واستأنس بها بدلاً من أن ترعبهُ منقار مجرفته يبعثرُ التراب عن القبر، وتهرب أحجار اللحد تاركةً جثّة واكد في العراء، ذعرت الباكتريا فنشرت في وجهه غضباً كريه الرائحة، سليمان يقلب الجثّة، يعمل بنشاط على تخليصها من العباءة، لم تسر الأمور باليسر المطلوب، لأن يباس الحياة وتخشّب الذراعين وخشخشة العشب حول أفعى هاربة، وإحساسه بعددٍ من العناكب تتسلق قوائمه، وعبور الفأر السريع من تحت الجثة، كل ذلك، جعله عصبي التصرف، نزق الحركات، استقدم إلى دماغه تصورات حلوة، ورأى نفسه يسلّم الدفلى العباءة المقصبة، سيقايضها بسعادة الدنيا، حاول كسر السكون الرهيب، بدأ يكلم الجثة بصوت عالٍ: -"يا عمي.. شلاح هالعباية بطيبة خاطر.. أحسن ما تشلحها غصب". وتناهت إلى مسامعه فرقعة عظام ذراع وأكد، كي يجبره على ترك كم العباءة، لوى ذراعه الأخرى، انتابه شعور بالندم لنزقه الذي تسبب بكسر الذراع الأولى، حاول معالجة الثانية بحذر، حريصاً كل الحرص على عدم تهشيمها، أجبر الذراع على التوتر، وما أن تحرر كُم العباءة منها، حتى هوت، ثم شاهد شرراً يطير من عينيه، عندما هوت ذراع واكد على أذنه بصفعةٍ وتلاها سقوط. |
|
| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |