مجلة الموقف الأدبي - مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - العدد 351
Updated: Tuesday, September 23, 2003 04:54 AM
فهرس العدد فهرس الدوريات
 

كن صديقي ـــ قصة: فهد بهجت الحوش

بعد قليل سيأتي منذر لزيارتي. سيلقي عليّ نفس الابتسامة، وسيمسح شعري بيده الخشنة، وسيجلس بقربي متظاهراً بإنسانية مفرطة يحاول أن يغمرني بها ليعوضني عن حب المجتمع كله. آه كم أتألم منه ومن سواه ومن السخريات التي ألحظها في عيونهم. أحس أنني أقضي عمري وأنا أتنقل من مرافق إلى آخر، وحيداً ومجروحاً، وما أكاد أعتقد أنه المرافق المناسب حتى أكتشف مدى تملقه وخوفه من مواجهة الآخرين عندما يكون برفقتي.. إنني مكسور القلب والروح.. لا أحد يحس بغربتي وآلامي.‏

(كان يمشي إلى جانبي في تعاطف سلبي لا لغة له ولا صوت وكنت أسمع صوته الآخر يقول: إني ضجر بصحبتك ولا أدري ما أفعله لك.. وكنت أبتسم له لأريحه وأطمئنه بأنني لم أفهمه، وحتى أغذي فيه روح العطاء كنت في آخر كل لقاء لنا أطلب منه أن يزورني ثانية وألح بطلبي مرات ومرات إلى أن يجيبني بقساوته التي عهدتها: سأزورك في الأسبوع القادم، وكنت أبتسم ولا أدري لماذا كنت أشفق عليه وأتمنى أن ألتقي به، ربما لأنني أحببته، بل أحببت فيه الإنسان الذي يحاول أن يقدم نفسه للآخر).‏

بعد قليل سيأتي منذر ليتابع عطاءه وأتابع عجزي المستمر. تدخل أمي مقطبة الوجه، تحاول أن تتصنع ابتسامة تعبر فيها عن ارتياح غامض لا أرضى له. يبدو أنها متضايقة من أمر ما! أقترح عليها أن نخرج معاً ، تبدي دهشتها من استغنائي عن موعدي مع منذر، لن أقول لها إنني أفضّل صحبتها، وإنني أحس بصدقها في كل حركة تقوم بها.. أتمنى لو أعرف إنساناً مثل أمي، يفهمني كما تفهمني! يحس بي كما تحس بي! يحبني كما أنا، رغم إعاقتي.. رغم تخلفي العقلي.. مع الزمن نرضى بإعاقاتنا المصلوبة على جدران المجتمع، نقبلها، ونحلم باليوم الذي يأتي فيه من ينزلنا عن خشبتنا المملوءة بنظرات فولاذية ثبتتنا حتى النهاية.‏

أحلم بأن منذر يطرقُ الباب ويدخل لاهثاً وكأنه اقترف جرماً ما، ويقترب من أمي باكياً وهي تقول له: ماذا بك. ولكن منذر استلقى أرضاً وراح يتحدث بلغته التي لا أفهمها، ويتخبط فوق الأرض، ومن فمه رأيت سائلاً أسود يخرج ببطء يشكل بحيرة سوداء تتسع وتتسع لتغمرنا أنا وأمي والبيت بأكمله أنظر إليه وهو يعوم بمجاديف خفيّة رخوة وأسمع صوته المخنوق يتكرر دون أن يضجره التكرار: اقترب مني.. اقترب مني..‏

بدا لي المنظر هزلياً ومحزناً ومشوقاً في آن.. هل حقاً يدعوني؟ أم أنه يوقظ في إنسانيتي شخصاً آخر دفنته منذ طفولتي؟ هل أستطيع أن ألبي دعوته؟ لماذا يذكرني بضعفي دائماً؟ أحضن أمي بخوف.. أصرخ بها: لماذا؟ تجيبني بنفس الخوف: ماذا جرى لك؟‏

صوتها يعيد إليّ الطمأنينة. يخدرني. يعيدني إلى واحاتها العذبة، وأغط في إغفاءة قصيرة، أتابع حلمي بهدوء نسبي فأرى أن السائل الأسود تحول إلى أحمر وأخضر وأصفر، أبحث عن منذر فلا أجده، أرى قطيعاً من التيوس المغبرة تدلف إلى وادٍ سحيق، أتبعها.. أكاد ألتحم بها لولا أنني سمعت صوتا ًقادماً من الخلف، ألتفت.. أرى قصراً في منتصف صحراء واسعة.. أتقدم ببطء على صف طويل من أقزام مسلحين بدوا متأهبين لاستقبالي بوجوه صفراء تحاكي الرمال استعدوا للانقضاض في أية لحظة يخالونها مناسبة، وكأنهم حراس مهرة منحدرين من دمٍ ملكي صاف. وظللت أتقدم وعقلي يغوص كما يحدث لي في كل مرّة عندما أشعر بأنني أخضع لمنطق لا حيلة لي فيه وأسلّم به بعيداً عن اتخاذ أي موقف وأنتظر من يتخذه عوضاً عني. وبعد لحظات أو أيام أو سنوات لا أدري قدموني إلى ملكهم القزم وكان هذا أقصرهم وأشدهم اصفراراً، ونصحوني بأن أخلع نعلي لأن المكان الذي أطؤه مقدسٌ. خيّل إليّ أنني وطأت هذا المكان من قبل وأنني أعود إليه حاجاً ومشتاقاً ومعترفاً بانتمائي إليه.. وأنني بدون حرج أتابع رحلة تشردي نحو الأصل.‏

نعم، أنا قزم ملكي آت من صحارى الأمس أفتش عن موطني الذي تاه في عقول البشر. أنا الصوت الذي لا صوت له أنتظر من يسمعني قبل أن أنطق. أنهض من غيبوبتي، أكاد لا أصدق أن ذلك يحدث لي. هل بدأت أعي غربتي التي تكبّلني في إطار من الخوف؟ أم أنني أستسلم لتيارات غامضة وأصاب بالجنون؟ لكنني مجنون.. يقول لي الصوت القادم من موطني الأول: أنت إنسان ملكي وسليل أسرتنا الملكيّة، إن قزميتك فقط تحول بينك وبينهم. أرى أمي إلى جانبي كتلة من الضوء المشع بالحب ولأجل ذلك أحبها، أمي التي أسرتني وجعلتني أتحمل نظرات التعذيب بشيء من قيود حبها اللامرئية.‏

أحس بالجوع.. أهرول نحو المطبخ.. أرى على جانبي الباب من الأعلى عنكبوتين عملاقين يتدليان نحو الأرض وكأنهما انتهيا من حراستهما للتو. ألحق بهما.. يختبئان في جحر مظلم خلف الطاولة. تلحقني أمي: ماذا تفعل؟‏

-إنني جائع.‏

تضحك.. تفهمني جيداً.. هل تعلم أنني كلما جعت أرى نفس العنكبوتين يتدليان نحو مضجعهما خلف الطاولة، أخشى من اليوم الذي أتحول فيه إلى عنكبوت قزم يتدلى رعباً، غربة، ولا يقوى على فك وثاقه. أخشى أن أفقد أمي ولا أجد من ينحدر معي في الطرف المقابل.. فأنحدر حتى البحيرة السوداء.‏

مسكين منذر لا بد أنه فقد رفيق انحداره لذا لم يستطيع المقاومة وغطس في بحيرته في أول تجربة له. أخشى أن أنغمس مثله في شر انحداراتي وأتيه مع قطيع التيوس المغبّرة.‏

(لم يكن الطبيب المختص يتوقع قدرة استيعابي فسمعته يقول لزميله عني: إنه مريض بالقصور العقلي وهذا يعني أننا أمام حالة قزميّة لا نستطيع التفاعل معها إلاّ إذا ساعدنا بنفسه). لن أنسى ليلة فهمي للحقيقة، حقيقتي التي لم أعد أميز إذا كانت قد تاهت عني حقاً أم أنا الذي فقد قوّة صبره على احتمالها ففقدتها. أسمع صوت أقزامي شبيهاً بالحشرجة، وهي تدافع عن نفسها: "أنت والحقيقة تشكلان قوّة واحدة".‏

قرع على الباب.. لا مفر من استقبال منذر.. أعرف أن صبره نفد ولا شيء بعد اليوم يرغمه على مصاحبتي، لكنني سأستقبله وسأعرّفه على قبيلة أقزامي، كما أنني سأمد له يدي المتعبة ويكفيني منه شرف قبوله لها!‏

أفتح الباب.. يدخل.. أجلس إلى جانبه. يتدفق تيار سرّي لا مرئي بيننا فنهتز. تغمرنا فجأة رياح أسطوريّة غامضة نسمع غناءها كسيمفونية رومانيّة قديمة. قال دون أن يتملّق بالكلام كعادته: كن صديقي!‏

لا أصدق ما يقولـه.. أشعر أن كوني ولدت معاقاً وذكياً في آن أمران لا يحتملان. أو أن إدراكي المفاجئ لأقزامي التي تحيا بداخلي جعلني أعي حقيقة من حولي وأنغمس معهم في التيار دون أن يمسني.‏

قلت له: أحبك أنت وأقزامي.‏

-من هم أقزامك؟‏

-إنهم من وقفوا إلى جانبي طيلة فترة انشغالكم عني.‏

-لكنني كنت معك لسنين طويلة.‏

-لم يكن أحد معي.. أمي فقط كانت إلى جانبي، وهي الوحيدة التي هيأت لي الطريق لأدخل إلى عالمهم.‏

-وهل أستطيع أن أدخل معك إلى عالمهم.؟‏

-اخلع نعليك وتخلّ عن كل ما تملكه حينئذٍ يمكنك الانضمام إلينا بسهولة.‏

-كيف؟‏

-تخلّ عن أفكارك فهم لا يأخذون بها.‏

-وكيف أفكر؟‏

-لا تفكر.. هم يفكرون عنك..‏

-وحريتي؟‏

-الحرية لا تكون بالتفكير.. فأنت حر قبل أن تعرف ما هو التفكير.. جميعنا نولد أحراراً لكننا نقيد أنفسنا ونقزمها وننساها في صحارى بعيدة كل البعد عن هذا الزمن، ونخلق لها مدناً‏

متحجرة نزينها بعقولنا الفارغة.‏

لا يفهم.. يقف حزيناً، وقبل أن يتركني قال: جئت لأقول لك إن خطيبتي تخلّت عني لأنني منعتها من الذهاب مع رفاقها إلى البحر. وخرج.‏

ذلك الغبي، لم يكن يعرف أنه كان يتملك خطيبته بدل أن يحبها، بل كان يتملكني أيضاً، وغدونا، خطيبته وأنا، قزمين جريئين يبحثان عن مملكتهما الفاضلة. أخلع ثيابي وأذهب إلى جحري عارياً. أستمتع بالنوم متحرراً من كل ما صنعوه وفكروا به معتقدين أنهم يقدمون شيئاً مفيداً للبشرية. وأنام براحةِ ضمير عجوز ودع كل أولاده وراح يحلم بأول ليلة لزفافه الأبدي.‏

***‏

أستيقظ. أجد نفسي خارج جحري، لابساً ثياب نومي، جالساً فوق سريري الخشبي الذي قدموه لي في عيد ميلادي الخامس والعشرين.‏

كل صباح، اكتشف انهزامي من معركة كنت فيها غريباً وبعيداً عن كل أبطالها لا مفر من العودة إلى جحري عارياً.. عارياً!‏

أخلع ثيابي. أنزلق إلى أقزامي وأنا أتهيأ للاصغاء إلى ما سيقولونه لي.. أية أفكار سيقولون بعد زيارة منذر السريعة؟. أصغي إليهم وأنا أتشوق إلى فهم حقيقتهم حيث لا مفر من اتخاذ قرارات أواجه فيها الآخرين.‏

(ذلك الصباح الحزين، بعد وفاة أبي بأيام، أخذتني أمي إلى الطبيب بعد أن باعت آخر خاتم تملكه. وفي العيادة كانت المفاجأة حين قال لها الطبيب:‏

-ابنك لا يقدر على الإدراك، وبالتالي فهو لا يستطيع اتخاذ أي قرار. لكنني أدركت حينئذٍ أنني وضعتُ خارج إطار مدينتهم. واتخذت قراراً حاسماً بأن لا أدخل تلك المدينة حتى يتراجعوا عن قرارهم).‏

أقزامي تصرخ بعنف.. تنتفض ثائرة، وأنتفض.. أشعر بذعر حقيقي.. هل سأبقى على قراري حتى الموت؟ متى يتراجعون عن قرارهم؟ متى يعترفون بقدرتي على إدراكهم؟ قد يمر وقت طويل قبل أن يعترفوا وقد لا يعترفون.. لكن صلتي بأقزامي تملأ حياتي عاماً بعد آخر وصرت أسمع أصواتهم في داخلي أكثر من أصوات الأحياء الذين حولي، أتمنى أن أنقل إليهم خبرتي الطويلة مع أقزامي لكنني أعلم أنهم سيفضلون المكوث بعيدا ًمتحاشين انحدار أفكارهم وخبراتهم وانقلاب مخططاتهم الروتينية مع أنني أرى أن الفارق ليس كبيراً بين قزمية انحدارهم وارتقاء قزميتنا، ولأنهم لا يعرفون أننا نمسك بزمام الأمور وأن ما من سر من أسرار وجودهم يكتشفونه قبل أن نوافق عليه فهم ينسبون لأنفسهم كل ما هو كامل ويتركون لنا نفاياته وكأننا خلقنا لينتقصونا وخلقوا لنشيد بكمالهم.‏

أقزامي تعود إلى الصراخ.. وأصرخ .. ويصرخ جسدي العاري بينما تلملم أمي ثيابي وتغادرني، وهذا معناه أنها ستغسلها وتأتي لي بثياب نظيفة.‏

سأذهب إلى منذر.. في عقله باعتقادي بصمة من جهل.. سأذهب إلى كل الذين هجروني قبل أن يعرفوني.. في قلبهم باعتقادي نزعة من حقد أعمى..‏

أترك المنزل.. الشمس تشتعل استقبالاً لحواسي اليقظة، وأصوات الشارع مكتومة تماماً.. استسلم لتيار ساخن وأسبح مع ذراته.. لماذا يخشى الناس الغبار وهم مصنوعون منه؟ التيار يقذفني إلى حيث لا أدري.. وأقزامي تتداعى في داخلي كتلاً من نار.. أخلع ثيابي وأطلقها للتيار، وأفرد أطرافي كطير أضناه الترحال في بلاد لم يطأها من قبل. كم هو رائع أن أعوم في بحر أقزامي الناريّة، كم هو رائع هذا التيار الساخن الذي التحم به! كنت أشتاق للالتحام بإنسان صديق.. إنسان يفهمني.. يحس بي.. يتسلل إلى قلبي كما تتسلل الآن جزئيات التيار إلى حلقي وشراييني.‏

أجدني أرقص أول مرّة على أنغامٍ ليست من هذا العالم وكأنني في حفلة بدائية لكوكب اكتشف حديثاً، وكلما ازدادت حرارة التيار المحمّل بأقزامي أحسني أرتقي إلى منارات متوهجة تصدح فيها أصوات ملايين المنبوذين الذين استغنوا عن هذا العالم.‏

أتابع عومي بهدوء، أصل إلى مغارة مظلمة جداً، أتوقف أمامها، أرى عناكب تتدلّى من أعلى المدخل، أسترخي كما لم أسترخ منذ أعوام بعيدة.. يتوقف التيار في داخلي، وتهدأ أقزامي المستنفرة.. أترك أطرافي تتساقط بارتياح.. ألمح غباراً يتصاعد من تحتها باتجاه المغارة.. أزحف خلفه.. أدخل المغارة.. أرى مستنقعاً تحيطه طحالب قديمة، أتقدم زاحفاً، أرى جسداً عارياً لإنسان قادم من عالم مأساته العقل الالكتروني.‏

الغروب.. وأنا أسير خلف سور المدينة أرافق أقزامي التي هدأت لتوها.. أمرُّ بقرب ساقية تهب منها روائح غير مستحبة، أشعر أنني بدأت أنهار وأنني مهيأ لنوم أبدي.. أرفع رأسي إلى السماء وأطلق من صدري صرخة، أرتاح لذلك.. أكرر الصراخ.. وأصرخ كطفل أُخرج من رحم أمه عنوة. أشعر بالإعياء.. أقع أرضاً.. أنهض.. أقزامي تجري في عروقي بدلاً من الدم.. تحيا بداخلي.. أتحسسها.‏

في الشارع المؤدي إلى بيتنا، أسير وفي داخلي مئات العيون الساخرة تنفقيء باستمرار.‏

في البيت، أرى أمي جالسة على سريري ممتلئة غبطة بعودتي وفي يديها ثيابي النظيفة.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244