|
||||||
| Updated: Tuesday, September 23, 2003 04:39 AM | ||||||
| فهرس العدد | فهرس الدوريات |
|
الحيِّز الروائي في " صخرة الجولان " ـــ د. يوسف الصميلي. مُقدمة: ـ تملك البنيوية منهجاً متماسكاً لدراسة الرواية الحديثة، إذا ما أُحْسِن تطبيقه تمكن الدارس من الوصول إلى نتائج مطمئنة، تسمح باستنطاق دلالة النص الروائي، ويعتمد هذا المنهج على عدة قضايا هي: البناء السردي، بناء الشخصيات، المنظور الروائي، الحيز أو الفضاء الروائي، ويتفرع عن هذه القضايا مسائل تخص كل واحدة منها على حدة. ـ سنقتصر في دراستنا لرواية "صخرة الجولان"، على الحيز ببعديه الزماني والمكاني، بعد أن نعرِّف بالحدث المحوري، وما يتفرع عنه من وقائع تخدم الهدف أو تعترض سبيل تحقيقه، وتبلور آلية الصراع، وصولاً إلى النهاية التي تعني النجاح أو الفشل، أو السماح باستمرار السعي نحو الغاية المرجوة أي باستمرار الصراع. وقد آثرنا مصطلح "الحيز"، على مصطلح "الفضاء"، استنساباً واستئناساً بالمعنى اللغوي لكل منهما فقد جاء في لسان العرب (الفضاء: المكان الواسع من الأرض، والفعل: فضا يفضو فضواً، فهو فاضٍ قال رؤبة: عنكم كراماً بالمكان الفاضي أفرخ قيض بيضها المنقاض وقد ((فضا المكان وأفضى إذا اتسع)1-. وعلى هذا التفسير يمكن أن يكون معنى الفضاء (جارياً في الخواء والفراغ)2-، في حين أن (الحيِّز، وهو السير الشديد والرويد، وكل ناحية على حدة حيِّز)3-، فالسير حدث يحمل معنى الزمن، والناحية تحمل معنى المكان، فكأن الحيِّز يتضمن بعدي الزمان والمكان معاً، وحينئذٍ لا يمكن تصور هذا الحيِّز (دون تصور الحركة التي تجري فيه"4-، باعتباره (العالم الواسع الذي يشمل مجموع الأحداث الروائية)5-. دون أن يعني أنه (مكون من الأحداث، ولكنه فقط يؤطرها، إنه موجود بالضرورة في أثناء جريان الوقائع)6-، ولهذا يمكن أن يكون معنى الحيِّز الروائي هو (الفسح للشخصيات لكي تتحرك في مساحة معينة)7-، بكل (ما يتولد عن ذلك من اللغة التي تنسج والحدث الذي تنجز والحوار الذي تدير والزمن الذي فيه نعيش)8-. ـ درس الحيِّز إذاً يعني درس مكونيه: الزمان كآلية للسرد، والمكان كآلية للوصف، فهما متلازمان ومترابطان، أما الفصل بينهما، فعلى سبيل التيسير الإجرائي، علماً بأن نتيجة هذا الدرس، ستؤدي إلى استنطاق دلالة النص، التي هي تأويلية ومرتبطة (بأمرين أو لهما مستواه الإبداعي، وثانيهما: شروط التلقي).9-. نظام ترتيب الأحداث وإقامة الحبكة: تبدأ الرواية بوقوف محمد المسعود على سطح الجبل والقرى والمزارع على مد النظر ويفيد تيار التداعي، إنه ترك أسرته وحيدة بلا معيل، في بيت واهن السقف والجدران، وفي مجتمع يفتقر فيه الإنسان إلى عمل يستر الحال، وإنه كان قد اضطر للسفر إلى الكويت عدة مرات للتغلب على وضعه المادي الصعب، وهذا مكنه من وقاية عائلته غائلة الحاجة وجشع التاجر أحمد الحسن. يبدو أن التوازن كان قائماً على هذا النحو، فالأسرة تستعين على الحياة بعمل الزوج وهو راضٍ عن وضعه الذي سمح له بأن يتمنى أن يبني (بيتاً صغيراً نجعل حوله حديقة ويكون لنا "ثلم" أرض نزرعه ونأكل رغيفنا من تعبنا في أرضنا)10-، لكن هذا التوازن القائم يصطدم بمسار الصراع العربي الإسرائيلي، فتحاول زينب أن تكمل سعي زوجها، بالعمل حصادة في حقل العم جابر، ويلتحق محمد المسعود بموقعه العسكري في الجولان، فرتب هذا التحول إلى الوضع الجديد سعياً آخر هو الدفاع عن الوطن والقتال لتحقيق هذا الهدف، الأمر الذي أدى إلى تشكيل مسار آخر ونقطة بداية للصراع، زينب في القرية ومحمد المسعود في الجبهة، فتحبك الأحداث وينمو المسار الروائي، القائم على التناوب بين أسلوبين من السرد أحدهما خارجي، يستدعي سرداً آخر داخلياً. تبلغ الأزمة ذروتها، حين تتلقى زينب نبأ اعتبار زوجها في عداد المفقودين فيتحرك التاجر أحمد الحسن للفوز بها أرملة بعد أن فاته قطار الاقتران بها فتاة، فيهدي الأسرة بعض القهوة والسكر، ويبدي استعداده لقضاء جميع حوائجها ويتلقى مساعدة تخدم سعيه حين يداوي جراح زيد جراء اصطدام وجهه بحجارة الدار المسننة، ويحمله بين يديه ويناوله لأمه متعمداً أن تلامس يده يدها، فيزداد إصراراً على الإيقاع بها، ويوسط لذلك العجوز أم سليمان، موظفاً تجارته الرابحة في سبيل ذلك، أما زينب التي تهجس بنوايا التاجر وغيره من الطامعين كصالح الأحمد، فتقاوم وضعها الجديد، وتتلقى أكثر من مساعدة، فالعم جابر ساعدها مادياً حين نقدها أجر يومين مسبقاً، وطلب منها البقاء مع أولادها، ومعنوياً حين عرَّض ذماً بموقف التاجر أحمد الحسن منها في بيت المختار. واستمدت من أنثى السنونو التي تحضن فراخها في سقف البيت، وتنقدهم طعامهم مساعدة معنوية أخرى، ثم يأتي تيار التداعي بالمساعدة هو الآخر، فتتذكر وصايا أمها عن شرف الفتاة وعفاف المرأة وترى في زيد ابنها صورة والده، ويراودها شعور بأن زوجها حي وتتخيل قدومه إليها، وكل هذا يحفزها على استمرار السعي وتجديد القرار بأن لا يجوع أبناؤها وأن لا يحتاجوا إلى أحد مادامت حية، إلى أن تتلقى نبأ عداد الزوج بين الأسرى الأحياء، فيتحقق سعيها مجتازة اختبار الحاجة والاستهداف في آن معاً. أما الزوج المفقود، فيعيش اختباره، ويجدد سعيه بالصمود أمام وسائل الترهيب والترغيب، أثناء تحقيق العدو معه، ويجتاز اختبار لحظة الضعف تحت عبء التعذيب، بطرد فكرة البوح بمعلومات كاذبة، أو بمعلومات صحيحة غير مهمة ويتلقى أكثر من مساعدة عن طريق تيار التداعي الذي يفيد بمثول صورة الوطن أمامه، أسرة وقرية وموقعاً عسكرياً ورفاق سلاح وتجربة قتال، والتحاماً بالعدو والانتصار عليه، كما يتلقى مساعدة من زملاء الأسر، كاختبار جماعي، عضد الاختبار الإفرادي، وحقق إنجازه في حرب الإرادات كما في حرب المواقع، إلى أن نزف حتى الموت. ـ يستفاد من المسار الروائي أن زمن الأحداث وقع بين (1967 و1973)، فأم سليمان في معرض التمهيد لحديثها مع زينب عن المهمة التي أوكلها إليها التاجر أحمد الحسن بضرورة اعتبار المفقود ميتاً، ذكرتها بقصة المجند المفقود شاهر بن شمخة الصبح ومضي (ست سنين وها هي السنة السابعة من الحرب الماضية إلى ذا اليوم، وأهله لا علم ولا خبر)11-. وأحمد الحسن في حثه العجوز على مفاتحة زينب برغبته قال لها: (المفقود ميت ياعمي، هذا أمر معروف، ألا تذكرين ابن محمد السلامة سنة الـ67، قالوا إنه مفقود، وانتظر أهله أن يعود، وحتى هذا اليوم ما عاد)12-. ومحمد المسعود نفسه حين اكتشف أنه أسير (ظهرت في أفق ذاكرتي غيوم حزيران النكبة)13-. لكن هذا الزمن يرتد إلى ماض أبعد من سنة 1967، حين أحبت زينب محمداً (منذ الصغر وترافقا على طريق القرية، والتقيا في أفراحهما، وطالما تبادلا نظرات لها معان مختلفة عن تلك التي كانت لهما في الصبا، عندما كبرا وشعرا بخفق قلبيهما المتوافق)14-، ثم (انتظرته سنوات وهي في سن الزواج، كاتمة حبها، متحملة ضغط أبيها وأمها إلى أن تمكن من جمع المهر وفتح البيت)15-. ويفترض أن يكون حدث هذا سنة 1967، إذ في حديث محمد المسعود إلى نفسه في الموقع العسكري ذكر أن ابنه (سيدخل المدرسة هذا العام)16-. أي أنه قد أتم الخامسة من عمره، وأن ولادته ربما كانت سنة 1968، وأن الحرب التي أوقعت المجند في الأسر هي حرب 1973، حيث ينطق النص بوقف القتال، فزينب (مرت بظروف قاسية طيلة غياب زوجها في الكويت وفي الجندية وبعد الحرب ولم تضعف).17-. تتحرك الأحداث وتنمو في مسار زمني منكسر، وتتفاعل ضمن منطق خاص، تمليه آلية الصراع، ويبدو التطابق واضحاً بين زمن الوقائع وزمن القص /السرد/ حيث للمرجع التاريخي الواقعي حضور فاعل، وإن كان الراوي لم يلتزم بدقة بالزمن التاريخي، إذ يفيد القص أن الحرب وقعت في شهر حزيران من سنة 1973، حين علمت زينب بفقد زوجها في (يوم قائظ من أيام حزيران)18-، علماً بأن الحقيقة التاريخية هي وقوع هذه الحرب في شهر تشرين الأول من ذلك العام، وربما كان الراوي يريد أن يحقق من هذه المغايرة التاريخية، الاستبدال بذكرى هزيمة حزيران سنة 1967، ذكرى انتصار في الشهر نفسه أو ربما كان الأمر متعلقاً بالرأي القائل بأن (السرد لا ينتج زمنية حقيقية من أي نوع، على اعتبار أن التحديد الزمني لا يعطي أي صفة واقعية للقصة، وإنما يساعد فقط على "إخفاء روائية الرواية"، عبر الإشارات الزمنية المحتملة)19-. حركة السرد الروائي: ـ يتمتع السرد الروائي بانتظام حركتين داخل النص، إحداهما تتعلق بالمسار الروائي، حين يفارق "زمن القص زمن الوقائع"، فيوجد نظاماً لظهور الأحداث يقوم على انزياح السرد، إذ الأصل في هذه الوقائع أن تكون قد حصلت في سياق زمني متتابع، لكن هذا السياق الطبيعي لا يتحقق روائياً، لأن الراوي يستخدم تقنيات سردية حين يتشعب الحدث كتقنية التناوب، وكتقنية التضمين حين يريد أن يضفي الصدق على روايته أو أي وظيفة أخرى، وكتقنية التداعي التي ينتقل أثناءها السرد من الزمن الحسي الخارجي، إلى الزمن النفسي الداخلي، مناجاة أو استذكاراً أو استباقاً واستشراقاً. أما الحركة الثانية فتتعلق بكيفية سرد الوقائع ووتيرتها، فأحياناً يستخدم الراوي تقنية التلخيص، مستعرضاً بسرعة وقائع جرت في زمن طويل، وأحياناً يستخدم تقنية الحذف، فيقفز فوق الزمن، أو يسقط منه فترة طويلة وهذا يؤدي إلى تسريع السرد، في حين يلجأ إلى استخدام الوصف كمحطة تأملية مستعيناً بتقنية الوقف أو يستخدم السرد القائم على الحوار، وهذا يؤدي إلى تبطيء السرد. التناوب: قد يتشعب الحدث ويأخذ أكثر من اتجاه في وقت واحد، لكن الراوي لا يستطيع أن يقدم الاتجاهات المتعددة للحدث دفعة واحدة، فيستخدم تقنية التناوب التي تعني الانتقال بالسرد من حادث إلى آخر، وقد يكون هناك تزامن بين أكثر من حدث، فيسرد الراوي أحدهما ثم يعود إلى سرد الآخر، مستخدماً تقنية التناوب المتزامن، ومن أمثلة ذلك في "صخرة الجولان"، الفصل الحادي عشر، حين اجتمع الناس في بيت المختار وعرفوا أن محمد المسعود بين الأسرى والأحياء، سرد الراوي ماحدث، ثم انتقل إلى بيت الأسير وسرد ماحدث لزوجته زينب (في مساء اليوم نفسه كان الأمل واليأس يتنازعان قلب زينب)20-. التضمين: يستخدم الراوي تقنية التضمين لإضفاء الصدق على ما يروي، أو لأداء وظيفة أخرى، ولوحظ أن الراوي لجأ إلى هذه الوسيلة مرتين الأولى حين تم إخبار مختار قرية "كحيل" بفقد المجند محمد المسعود، برسالة من زميله نزار الشاوي، 21- والثانية حين استرجع محمد المسعود كلمات ضابطه قبل بدء المعارك ضد العدو في الجولان22-. هاتان الوثيقتان أديتا وظيفتين، فالرسالة، بما اشتملت عليه من تفاصيل تتعلق بالأسرة، أضفت صدقية على الواقعة، وربطت بين الهم الشخصي الذي كان يعيشه المجند في الاحتياط بحرصه على توفير مبلغ زهيد من المال وإرساله لابنه، وبين الهم الوطني الذي جعل منه بطلاً شجاعاً، وكأن السعي لحياة كريمة والدفاع عن الوطن أمران متلازمان، أما كلمات الضابط إلى جنوده أو خطبته فيهم، فكانت (أول ماقفز من ذاكرتي واستعاد حضوره وتأثيره عليَّ)23-. كان ذلك في موقف التعذيب حين سمع محمد المسعود المحقق يقول: (هيَّا احضروا جهاز الكهرباء واتبعاني)24-. فاستحضر تلك الخطبة الجياشة، التي أمدته بقوة الصبر والاحتمال (كنت أحس بالحماسة والثقة والشجاعة نفسها التي ملأتني بعد انتهاء خطاب الضابط فينا)25-، وبذلك أدت هذه الوثيقة وظيفة الصمود والمقاومة، وتعزيز وضع الأسير في حرب الإرادات. انزياح السرد: تيار التداعي: ـ يفارق زمن القص زمن الوقائع، وينتقل السرد من الزمن الحسي الخارجي إلى الزمن النفسي الداخلي، فينشأ تيار التداعي، الذي يتمظهر في أكثر من تقنية سردية، ويقدمه السرد بأكثر من أسلوب، فأحياناً يقدمه الراوي مستخدماً ضمير الغائب (كانت تنسى أرغفة الخبز في الفرن وهي ساهمة تفكر... وتتساءل.. أحقاً غاب محمد المسعود إلى الأبد؟... أين جثته الآن يا ترى؟)26-، وأحياناً يقدمه بضمير المتكلم (تنبهت عندها من شرودي.. كنت أتخيلها تذهب إلى الحصاد)27-، ويتيح تيار التداعي للأزمنة أن تتداخل، وللاستغراق الزمني أن يتحقق، ويتمثل في المناجاة والاسترجاع والاستباق. المناجاة: يسرد الراوي الحدث الخارجي (في المساء قدم إلينا العشاء.. يصف: كان دسماً.. يمهد للسرد الداخلي: غصت اللقيمات في حلقي وأنا أتذكر زينب والأولاد.. تبدأ المناجاة: ماذا يأكلون يا ترى؟ هل تعشوا هذه الليلة؟ هل أعطاهم أحمد الحسن ما يحتاجونه على الحساب؟ تقطع المناجاة بالسرد الخبري: عندما لفني الخندق آخر الليل أنا والبطانية الوحيدة التي أتدثر بها... يسترجع: كنت أستعيد صورة زينب والأولاد مرة أخرى، وصورة أحمد الحسن.. يصف ويصور: ووجدتني أشعر بالخندق يضيق ويضيق ويضيق حتى يصبح أكثر كآبة من اللحد، ... يستحضر: ووجه أحمد الحسن فوقه بمواجهتي يحاصرني...يفكر بصوت مرتفع غير ملفوظ: وأنا أصرخ به، تعود المناجاة: أنا يا أحمد الحسن أموت كل ساعة من أجلك ومن أجل غيرك)28-. الاسترجاع: يتنوع السرد في الماضي، فيستعيد الراوي ماحدث قبل بدء زمن الرواية أو بعده، فإذا كان زمن "صخرة الجولان" يبدأ في شهر نيسان من سنة 1973، (عندما ودعتني زينب في صباح ذلك اليوم من أيام نيسان)29-، فإن السرد يستعيد ذكريات بعيدة (تعيدني إلى الارتباط الصميمي بالتراب إلى أيامي القاسية معه، يوم كنت صغيراً أدرج عليه حافي القدمين)30-، كما يستعيد ذكريات قريبة (يوم كنت أعمل عند عمي في زراعة الأرض خلال الشتاء والربيع)31-، وذكريات أكثر اقتراباً من زمن الوقائع (ويمر على اجتماع الشمل شهر أو أكثر تحمل زينب.... وأجدني مضطراً إلى العودة للكويت في أول سيارة)، وذكريات بعد بدء زمن الرواية (لا أذكر إلا أنني قاتلت ثم تراخيت إلى جانب الصخرة بارتياح)32-، (سمعت فعلاً وأنا أتراخى إلى جانب الصخرة أن سهل الجولان ينكشف أمامنا والعدو يتراجع)33-. ويفيد هذا الاسترجاع تحفيز السعي، وتقوية الإرادة لتحقيقه، والمضي في الاختبار لإنجاز الهدف المراد. الاستباق: السرد الاستباقي هو الذي يستشرف المستقبل، لحدث متوقع، أو لحدث مرغوب فيه على سبيل التمني، أو مرغوب عنه من قبيل الخوف، وهو في السياق الروائي، يحدث قلباً في نظام الأحداث، عن طريق تيار التداعي. فالراوي يستحضر الأسرة (كنت أعيش لحظات مع صورهم تراودني وهم نيام، زيد... سيدخل المدرسة هذا العام... سيتعلم، سيكون معلماً أو موظفاً، أو ربما ربما شيئاً ما أكبر من ذلك.. وسيرفع رأسه بين زملائه بأبيه الذي خاض معارك الجبل، وسأفخر به أنا أكثر مما يفخر بي هو)34-، وهذا نوع من الاستباق القائم على التمني، ثم يتوقع (مواقف وهيئات لأقاربي وأهل قريتي وبعض معارفي، وهم يستقبلونني بعطف وأنا على هذه الحال كسيح يا حسرة عليه")35-، ويخشى وقع وضعه على ابنه زيد الذي (تراءى لي... كانت عيناه في عيني تماماً... لا أدري كيف قرأت فيهما صفحة عتاب رقيق أكبر من سنه بكثير: لقد تركتنا يا أبي دون أن تهيأنا بشكل ملائم للحياة، لم نشبع، ولم نكبر ولم نتعلم ولم تترك لنا شيئاً، وفوق ذلك ورَّثت لنا العار؟... سيقول لي الأولاد بعد اليوم يا ابن "المكرسح"36-. وفي السياق نفسه اختلف الاستباق لدى زينب عنه لدى زوجها، (كل شيء يهون عندما يعود... الجسد يمكن أن يبرأ من أسقامه.. المهم الآن أن لا تتأذى روح الإنسان، وأن لا يفقد ما يعوض شرفه وقيمه، فليعد زوجها وستعوضه عن كل آلامه وعن اللحظات القاسية التي عاشها في رعب وشقاء، ليعد إليها ولو كان أكثر عجزاً وتشوهاً من كسيح مكوم في فراش، فإنها ستضعه في بؤبؤ العين، وترفعه تاجاً وحمى لها ولبيتها الصغير)37-. الإيقاع الزمني: ـ إن الإيقاع الزمني يتعلق بوتيرة السيرورة الزمنية، سرعة وبطئاً، سواء على مستوى الفصل الواحد، أو على مستوى العلاقات بين الفصول وبعضها بعضاً، فربما كان لكل فصل إيقاعه الخاص به، فالفصل الأول، مثلاً، كان الإيقاع فيه سريعاً، وعرف بأحداث كثيرة سبقت بدء زمن الرواية، وبأحداث تلت هذا الزمن. ـ أما الفصول الأخرى، فتباطأ فيها السرد، واشتملت مجتمعة على فترة زمنية قصيرة بالقياس إلى زمن الفصل الأول، مع المحافظة على انتظام التناوب بين سرد خارجي وآخر داخلي، واستخدام تقنيات التلخيص والثغرة والوقفة والمشهد. التلخيص: يستخدم الراوي هذه التقنية السردية، حينما يريد أن يؤدي فترة زمنية طويلة بكلمات أو سطور قليلة، فكأنه يختزل اليوم والسنة بعبارة ونموذج ذلك (لم أعرف أنني أسير إلا بعد مرور عدة أيام كنت أتعرض خلالها لضغط نفسي كبير)38-، (لم يعرف النوم سبيلاً إلى عيني زينب في تلك الليلة)39-، (لم تكن أم سليمان قد زارت زينب منذ ثلاثة أيام)40-. - وكذلك يؤدي الاسترجاع تلخيصاً (كان محمد يقضي أشهراً متوالية في الكويت وقضى أشهراً متوالية أيضاً، في الجندية، كانت هي خلالها تعيش وحيدة في البيت)41-، (ويمر على اجتماع الشمل شهر أو أكثر تحمل زينب وأجدني مضطراً إلى العودة للكويت، في أول سيارة تجوب الصحارى إليها، فالنقود التي معي نفدت، والإقامة التي أحملها سينتهي أجلها)42-. الثغرة: من التقنيات التي تتيح تسريع السرد، حيث يعمد الراوي إلى إسقاط مدة طويلة أو قصيرة من زمن الرواية، دون أن يذكر ماجرى فيها من وقائع، وكأن هذه المدة زمن ميت، وليس فيها حدث يستحق الإضاءة، وقد تكون الثغرة صريحة غير محددة المدة ونموذج ذلك (شعرت بنفسي أعود إلى الوجود، أو بالوجود ينفتح عليَّ مرة أخرى بعد احتجاب لا أدري كم طال)43-، وقد تكون صريحة محددة المدة (هاقد مضت ست سنين وهاهي السنة السابعة من الحرب الماضية إلى هذا اليوم)44-، وأحياناً تكون الثغرة ضمنية، وليس من دليل واضح عليها في النص الروائي، لكن تتبع التسلسل الزمني في السياق العام للرواية يساعد على اكتشافها، فنحن مثلاً لم نعرف شيئاً عن أسرة محمد المسعود منذ أن ودعها إلى الجبهة إلى تاريخ معرفتها بفقده، فهو قد التحق بموقعه في شهر نيسان، وزينب عرفت بوضعه في شهر حزيران، وقد مرت شهور، لم يتم التعرف خلالها على أي شأن من شؤون الأسرة. الوقفة: من تقنيات تبطيء السرد /الوقفة/ وهي تلك المقاطع الوصفية التي تضفى على الأماكن والأشخاص، فيتوقف الزمن عن الحركة في السياق الروائي العام، فزينب وجهها قمحي45-، ومحمد المسعود عضلاته قوية وقلبه نقي46-، وأحمد الحسن فتل شاربيه بالتناوب وأطل على أم سليمان بعيني صقر47-، والطاولة في بيت محمد المسعود خشبية صغيرة متآكلة48-، يلاحظ أن الراوي يقتصد في وصفه ويركز على الأوصاف الناطقة بدلالة. المشهد: تتخلل السياق الروائي مقاطع حوارية، هي التي يصطلح عليها بالمشهد حيث يتم التطابق بين زمن السرد وزمن الرواية، وقلما يخلو فصل من الحوار الذي يتخذ أكثر من مظهر أو أكثر من أسلوب في الأداء، فأحياناً يؤدي الراوي الحوار متداخلاً بين الحديث إلى النفس في تيار التداعي وبين شخصين يتحادثان، قبل أن ينتظم في حوار ثنائي، وكأن الشخصية تستعاد من عالمها الاسترجاعي إلى وجودها الحاضر، كما في الحوار بين محمد المسعود ورفيق سلاحه نزار: ـ صرخت: آخ. ـ قال نزار: محمد مابك.. (استمر محمد في مناجاته فترة استغرقت صفحتين). ـ قال نزار: محمد.. مالك محمد رد عليَّ.. مابك؟. ـ وكرر السؤال عدة مرات وأنا في دوامة التفكير. ـ ما الذي حدث. قل لي؟ ـ سقطت يدي على الصخرة فآلمتني. ـ سليمة إن شاء الله. ـ سليمة، لا يوجد شيء. هل معك سيجارة؟ ـ سأحضر لك49-. ـ وأحياناً يخدم الحوار الموقف فيعبر عن اللحظة التي يتحرك فيها الحدث، مبيناً مشاعر الشخصيات والقلق الذي ينتابها: قال بهمس: أتسمع شيئاً... لا أسمع.. كأنني سمعت50-...، وقد يقدم الراوي الحوار ممهداً للوصول إلى الحدث نفسه كما حصل بين أم سليمان وزينب، لمعرفة موقف الثانية من رغبة أحمد الحسن51-، وقد يؤدي المقطع الحواري وظيفة تبادل المعرفة، كما حدث بين محمد المسعود والأسرى الذين زُجوا وإياه في نفس الزنزانة52-. ـ يتم أداء الحوار باللغة العربية الصحيحة، وأحياناً يتم تطعيمها بالعامية المستملحة كما في حوار زينب مع رحمة المحمود (رحمة، عالعافية)53-، وينسجم الأداء مع طبيعة الشخصية وموقفها ويضفي صدقية على الحدث ويوهم بواقعيته، وقد يستفز أحياناً أحد طرفي الحوار، ويفقده الوعي للحظات، فيتوتر الموقف، ويتمظهر في مشهد مسرحي مؤثر كما حصل حين أدى الحوار بين أم سليمان وزينب عن شاهر بن شمخة الصبح إلى استلال زينب خنجر زوجها وإشهاره في الهواء، وتوترها إلى حد التشنج وفقدان الوعي54-. والخلاصة أن المفارقة بين زمن السرد وزمن الوقائع تنتظم في سياق روائي قائم على التناوب بين السرد الخارجي والسرد الداخلي الذي كثر في الرواية وشغل المساحة الأكبر منها وأدى إلى نظام ظهور الأحداث وترتيبه وبناء الحبكة، حيث آلية الصراع تنبئ باستمراره وبتكيف المجتمع والحياة معه. مكونات وجود المكان في صخرة الجولان: تجري أحداث الرواية في قرية "كحيل" وفي أماكن أخرى على الحدود السورية مع فلسطين المحتلة. وفي الكويت، وقرية معلولا، وفي الأرض المحتلة نفسها، ويمكن أن تطل على هذه الأمكنة، من تتبع مسار شخصية محمد المسعود، فهو مواطن عادي من قرية "كحيل" لا يملك ما يعينه على العيش الكريم، وليس من فرصة للعمل في قريته أو في وطنه. تزوج زينب بعد قصة حب طويلة، وبنيا بيتاً استظلا بحجارته الواهنة، وقد ترتب على هذا الزواج عبء من الدَّين، سعى إلى سداده بالسفر إلى "الكويت"، وبعد أن أصبح له ثلاثة أولاد، وبعدعدة سفرات، اضطر لأن يلبي واجب الوطن كمجند في الاحتياط، والتحق بالجيش على الجبهة ضد العدو في "الجولان". حيث ارتبط بعلاقة خاصة "بالصخرة"، التي كان يتخذ منها متراساً، و"بالخندق" الذي مثل مخبأ، وتعرف إلى رفاق السلاح، ولبى معهم دعوة أحدهم إلى قرية "معلولا" وانطبعت في ذهنه صورة صخرتها "عين القديسة". ـ يصاب محمد المسعود في إحدى المعارك ويقع في الأسر، حيث تتبادل وجوده أربعة أمكنة، "المستشفى"، و"غرفة التحقيق"، و"غرفة التعذيب"، و"الزنزانة". ـ تمثل الجولان كموقع عسكري مع الأرض المحتلة كجبهة مواجهة، ثنائية التضاد الأساسية التي أطل منها محمد المسعود، على ثنائية تضاد أخرى اجتماعية، حين تذكر وضعه كمجند فقير يدافع عن التاجر الغني أحمد الحسن (أنا يا أحمد الحسن، أموت كل ساعة من أجلك ومن أجل غيرك لكي تطمئن على تجارتك وأرباحك وبيتك)55-، لكن هذه الرؤية الاجتماعية لا تشكل محوراً للصراع، إذ سرعان ما تتوارى، وتتلاشى نهائياً، ويغيب معها (الشعور المرير بأن الوطن نبذني ولم أجد في ربوعه عملاً وبأنني الفقير الذي يستغله الأغنياء، والمواطن الذي لا يملك ويدافع. إنني مقاتل... مقاتل)56-، وبذلك غلب حب الوطن ثنائية التضاد المجتمعية. ـ يمثل بيت المختار المكان الذي يجمع أهل القرية، للتداول بالجديد من الأمور، فمنه تلقت زينب خبر اعتبار زوجها في عداد المفقودين، ومنه أنبئت بأنه مازال على قيد الحياة. ويمثل بيت محمد المسعود، المكان الذي يقدم له (الاطمئنان والراحة والأنس)57-، ويحفزه للاستبسال والقتال (كي تبقى زينب وتستقبلني في بيت مفتوح هو بيتي. بيتي أنا)58-، ويمثل الحقل (الأرض) مصدر الرزق الأساسي، ففي عمل محمد المسعود عند عمه وهو صغير. وفيه تعمل زينب حصادة عند العم جابر، وعلى دروبه جمعت أم سليمان السنابل لتعيش فكأن الأرض بمعناها العام هي المكان الروائي الأساسي في هذه "الرواية"، الذي يستحث السعي للدفاع عنه والمحافظة عليه (يجب أن نغرس الجذور في هذه الأرض لكي يطمئن الأولاد في البيت، ولتذهب زينب إلى العمل بشيء من الثقة والراحة، وليزداد وزننا بنظر الناس ولنكون مصدراً للفخر والسعادة والاطمئنان)59-. تمثل المكان الروائي: ـ تتنوع العلاقة بالمكان وتتعدد، إذ يؤتى على ذكره أحياناً ذكراً عابراً دون أن نستشف له خصوصية معينة، وأحياناً يتقصى الراوي الوصف، ويلقي الضوء على كل جزئيات المكان، فتكون له خصوصية لها دلالتها الروائية، وأحياناً تتبلور صورة المكان من أوصاف متعددة وفقاً للمنظور الذي يُرى به إليه، وأحياناً يذكر المكان بوصفه الدال الغالب. ـ المكان المرجع: ـ يأتي الراوي على ذكر المكان دون أن تكون له أي دلالة خارجة عن سياق السرد، فهو مرجع ضمن السياق، ومثل هذا كثير في الرواية مثل: القرية، والبحيرات، والطريق، ودار المختار والبيت.(لم تر أحداً كأنما حل بالقرية الخراب... خطر لها أن تسأل الجيران وبعد أن قرعت بابهم عادت... وقفت في الطريق... تابعت طريقها نحو دار المختار... مرت بامرأتين كانتا جالستين على قارعة الطريق)60-، ومثل الجبل (وقفت اليوم على سفح الجبل.... كانت مناوشات الرماية مع العدو مستمرة على الجبل........يداي ترتخيان والجبل كله أخذ يدور بي)61-، ومثل الوديان (تاه في الوديان)، والحماد (ذهب مرة إلى الكويت واجتاز الحماد)62-، والسجن (إذاً فأنا في السجن)63-. ـ المكان المتشكل: ـ قرية "كحيل" قرية سورية عادية بائسة يأكل نضارتها ونضارة أهلها الجفاف، ويعمل أهلها بالزراعة، لذلك فإن الحقل أبرز معلم فيها ويشكل مع بيت المختار وبيت محمد المسعود، وبيت أم سليمان ودكان أحمد الحسن، والشوارع غير الممهدة والأزقة الضيقة وخزان المياه، أبرز معالمها، ومن سمات أهلها إمكان التقول على المرأة الشابة التي يغيب عنها زوجها (لقد عانيت كثيراً أثناء غيابك... أنت تعرف امرأة شابة وحدها في البيت والناس تحكي ولا ترحم)64-، ومن العادات السائدة أعباء الزواج (فقد دفعت جني العمر لأتزوج... هكذا العادات عندنا، على الرجل العزب أن يدفع ويدفع وكأنه لن يعيش بعد الزواج لحظة، دفعت كل شيء)65-، وهذا مادفع بمحمد المسعود إلى الهجرة، فهو يريد أن يسدد الدين الذي ترتب على زواجه من جهة، وأن يضمن لأسرته حياة راضية من جهة أخرى، وكان هذا خروجه الأول الذي أوجد لديه الرضى الذي لم يلبث أن اصطدم بوجوب الخروج لسعي آخر هو الدفاع عن الأرض، فلم يعد (ذلك العامل الذي كان "حر الكويت ينخر عظامه")66-، وأصبح المقاتل الذي (ينحصر كل اهتمامه تلك اللحظة في إسكات مصدر النيران المعادي الذي يواجهه)67-. بيت محمد المسعود: أسرة فقيرة الحال مكونة من الأب والأم والأولاد الثلاثة: زيد وفاطمة ومحمد، البيت مبني من الحجر الأسود، وحوله بيوت مثله ليست محكمة البنيان، تتساند حجارته وتتعاضد في تضاد عجيب، وتبدي جميعها وجهاً كالحاً رسمت عليه آيات بؤس الناس حولها68-، وله دار ذات حجارة ناتئة تلطم الأقدام وتدميها، ويملأ القش والتراب جنباتها. ـ الكلب حمران، حارس البيت الأمين، وليس للبيت إلا باب واحد ذو أضلاع خشبية دقيقة تشبه الألياف ونافذة صغيرة مستقرة في مرتفع من الجدار69-، أما السقف فقد كسا الدخان خشباته المنخورة، وعيدان القصب المصفرة، وقد اتخذت السنونو لنفسها عشاً بين إحدى الخشبات وعيدان القصب70-، وأما الفراش فمطوي قطعة قطعة فوق مطوى خشبي حالك اللون)71-، فإذا ما افترش للنوم (تناثر القطن من خروق أعيت الراقع)72-، وأما المخدات (فقماشها بلون الصدأ)73-، يحتوي البيت على فرن لإعداد الخبز74-، وعلى (مصباح الكاز الذي ينشر رائحته في جو الغرفة)75-. وله (برّيم قديم لم يعد صالحاً للاستعمال)76-. ـ هذه التفاصيل تدل على حالة البؤس، وضيق ذات اليد التي تسم أصحاب البيت، ويؤكد هذه الدلالة اشتهاء محمد المسعود (للقمة ـ المجدرة، يأكلها معهم ولو كانت مغمسة بالتراب والدمع، إنها تبقى عنده أفضل من الماء المصبوغ "بدبس البندورة"، مع قطع البطاطا)77-. في هذا البيت أقفلت زينب الباب على نفسها وأولادها وقررت (أن لا يشعروا بالجوع والحاجة مادامت حية)78-. بيت المختار: لم نعرف منه إلا المضافة التي تراصَّ الرجال فيها (الركبة على الركبة، وفوق أبسطة الصوف صارخة الألوان انتشرت صحون السجائر المعدنية وكؤوس الشاي الخمري الدافئ، وانتصب في الوسط إبريق القهوة النحاسي، فوق منقل الفحم كتاج على عروس)79-. بيت أم سليمان: فرشة وحيدة في صدر البيت، بابور "الكاز" وأواني المطبخ والصحون والملاعق الوسخة مبعثرة في الزاوية المجاورة للباب الواطئ الذي لابد من انحناء الرأس للولوج منه، وإبريق الماء البلاستيكي الأخضر والمكنسة الخشبية المنعطفة. إبريق الشاي وثلاثة كؤوس فارغة مطبقة فوق بعضها، صفيحة مقلوبة عليها مصباح كاز ضئيل، صندوق خشبي حالت ألوانه، وبقيت في جنبه آثار مرآة مدورة صغيرة داخل نجمة ثمانية الشكل، يعلوه مشط عريض بحجم الكف ومنديل و"مزوية" خلفه في الجانب الأيسر.. هيكل حذاء يتصدر العتبة، مشرفاً على خليج في الحصير اكتسحه التآكل لصالح التربة المرصوصة التي تشكل أرضية الغرفة)80-، هذا هو البيت الذي فكرت أم سليمان في أن ترتبه، وبدأت عملها بهمة قبل أن تذهب لترى زينب والأولاد81-. ـ الموقع العسكري: مكان على سفح جبل الشيخ، مطل على القرى والأودية، تحيط به صخور ناتئة، منها صخرة خشنة مسننة في بعض جهاتها كالمنشار، نخر الرصاص كل ضلع من ضلوعها82-. يخترق أكثر من خندق كثير التعاريج هذا الموقع المغلف بالبرد الشديد ووعورة المكان83- ويأوي إليه محمد المسعود ليلاً هو والبطانية الوحيدة التي يتدثر بها84- يشعر برطوبة التراب تحت ظهره تتسلل لتخترق الضلوع وتصل إلى صلب القلب والعظم)85- قدمي في تراب الخندق الرطب... والبرد يعارك بضراوة نادرة كي يحتل منابع الدفء في أعماق قلوبنا، وطار كل أثر للرحمة من هذه البقاع)86-، في هذا الموقع سمع محمد المسعود نداءات فرح بعد أن أصيب وقبل الغيبوبة: العدو يتراجع، سهل الجولان ينكشف لنا..... تقدموا)87-. ـ غرفة المستشفى في الأسر: ـ أغطية بيضاء، وبطانية فوق السرير ذات لون وحيد غامق غير مريح88-، مصباح يتدلى من سقف الغرفة.. طبق ترابي اللون إلى جانب السرير فيه بعض الطعام89-. ـ غرفة التعذيب: علبة صفيح موضوعة على لهب الصيف90-، كنت على الأرض وتحتي بطانية قذرة، على الجدران سياط وعصي من أنواع وأحجام مختلفة، قطرات ماء تتساقط بانتظام على وجهي91-. غرفة التحقيق: مكتب، طاولة فوقها علبة سجائر، محقق يداعب ولاعته، تلفون، شخص يقدم فنجاني قهوة92-. ـ الزنزانة: قاعة مستطيلة كقن الدجاج حرارة وكثافة رائحة 93- أرضها مفروشة بالبطانيات الرمادية، مجرى محفور في الأرض، تظهر على حواف اتصاله بالأرض والجدار أوساخ تشكل مع المحيط الذي يلفها بيئة قذرة94-. في هذه الزنزانة، عرف محمد المسعود رياضاً وسعيداً واستلذ بنصف سيجارة. السيارة: شاحنة تنقل المساجين عادة. سلكت طريقاً متعرجة نسبياً، والمنحنيات تسبب إزعاجاً.. الطريق طويلة. ولا تمر بأماكن مأهولة إلا نادراً.. حركة المرور لم تكن كثيفة.. تكثر الحفر في الطريق.. في هذه السيارة انتقل محمد المسعود من المستشفى إلى السجن. المكان المستحضر: ـ يستعيد محمد المسعود آخر الصور التي رآها في المستشفى: (ممرضة مزمومة الوجه، ونقالة يجرها تمثالان من كراهية)95-...... ويستعيد صورة للبيت يحمي صغاره96-، وتقفز من مكانها صورة صخرة معلولا 97-، فيرى فيها وجه زينب، يستحضر مصلَّى والده حين سرق بيضة98-. يلاحظ أن جميع الأماكن المستحضرة، كانت نوعاً من المساعدة التي تتيح لمحمد المسعود التآلف مع الألم، وتحمل التعذيب النفسي والجسدي، لتحقيق هدفه الجديد، بأن لا يضع مالديه من معلومات عن موقعه العسكري بين أيدي العدو، (أعادتني ذكرى أمي إلى حضن الاطمئنان... صرت كتلة من تحد.... لن أضعف، لن أهين شرف الجندي وسوف أموت بكبرياء). ـ وظائف المكان: رأينا غنى المكان بالأمكنة، وتعددها، بين المكان المرجع، والمكان المنتقى، والمكان المستحضر، ولهذه الأمكنة وظائفها التي أشرنا إلى بعضها لدى تعدادها، ونضيف هنا إليها بعض التفاصيل والتأطير. 1 ـ الإيهام بالواقع: إن تتبع أجزاء المكان، أو تتبع الحركة داخله، يوهم بواقعيته، فيحدث هذا الأثر، ويؤدي هذه الوظيفة، ليكون أكثر إقناعاً وقابلية للتصديق، فمن الأوصاف الدقيقة للمكان نقرأ قول الراوي عن بيت أم سليمان (دعته إلى الجلوس على الفرشة الوحيدة في صدر بيتها... بابور الكاز وأواني المطبخ والصحون والملاعق الوسخة مبعثرة في الزاوية المجاورة للباب وإبريق الماء البلاستيكي الأخضر، والمكنسة الخشبية المنعطفة عليه... إبريق الشاي وثلاثة كؤوس فارغة مطبقة فوق بعضها... صفيحة مقلوبة عليها مصباح كاز ضئيل... صندوق كاز ضئيل.. صندوق خشبي حالت ألوانه، في جنبه آثار مرآة مدورة صغيرة داخل نجمة ثمانية الشكل، يعلوه مشط عريض بحجم الكف، ومنديل و"مزويه"، خلفه في الجانب الأيسر)99-، يجمع هذا الشيء بين الإيهام بالواقع وبين الإيحاء، فهذه التفاصيل الدقيقة لمحتوى المكان، وتعداد موجوداته، هي التي تحدث الأثر الواقعي، إنه الواقع نفسه الذي يوحي بحالة البيت، فهو غرفة واحدة تشكل المضافة والمنامة والمطبخ ولا يجمع بين هذه الأشياء أي ترتيب أو تنسيق، وكلها في مواضعها محشورة بين زاويتي (البيت، ويبدو الصندوق الخشبي من بينها وكأنه الترف الوحيد، فالمكان ضيق ومهمل، وينبئ بوضع صاحبته أم سليمان، فهي الأخرى مهملة، إذ ليس لها زوج ولا أولاد ولا أقرباء، فالمكان غني بدلالته، وبواقعيته وبأثر هذا الواقع في السياق القصصي، فهو مقنع وغير مصطنع، ويتيح انتقال الدلالة من المكان المحدد إلى الإطار العام، فبابور الكاز ومصباح الكاز، يدلان على أن القرية كما البيت تفتقر إلى المرافق العامة، فليس فيها كهرباء، ولم تصل قوارير الغاز ولا أنابيبه إليها. 2 ـ عدم الإفلات من الزمن: ـ ومن تتبع محتويات المكان إلى تتبع الحركة داخله، تتعدد الدلالة، وتغنى الوظائف، (تهيأ لها أنها تسمع وقع خطا تمر من خلف البيت.. دقات قلبها تزداد سرعة وعنفاً.. امتدت يدها إلى اللحاف ترفعه.. نهضت متجهة إلى باب الغرفة.. حركت بريم مصباح الكاز... امتدت يدها إلى ثوبها ترتديه.. ارتفع نباح كلب من بعيد.. جاوبه حمران على الفور من خارج الباب.. عر فت من ابتعاد صوت حمران أنه يركض نحو باب الدار)100-. ويلاحظ أن المكان مستغرق في الزمن، وغير قادر على الإفلات منه، فالزمن في الليل، وللخطا وقع آخر، يثير الشغف إلى المعرفة، ويستحث على النهوض، والقيام بعمل، والتفكير بالخارج، والربط بين الصوت وقربه، وكل ذلك ضمن تزمين هذه الحركة وتبطيء السرد، الذي يستدعي الخطاب (ربما كان هناك شخص غريب فعلاً يقترب، الخ)، وما يؤدي كل ذلك من وظيفة القلق والخوف والاضطراب والارتباك، فهي وحيدة إلا من صغارها، وهواجس هذه الوحدة تكثر عليها مساء، وتستحضر فيما تستحضر زوجها، في خطاب التهيؤات والرؤى. 3 ـ تنمية السرد: ـ المكان لم يعد مصدر خطر، كما يجب أن يكون، ولم تعد الصخرة تؤذي بخشونتها المسننة كالمنشار، واستنطقها الراوي حين انزاح السرد من الخارج إلى الداخل ومن الموضوعي إلى الذاتي، فكانت وقفة أو استراحة، تجلى فيها ذلك التفاعل بين الحجر والإنسان، وكانت تلك الثقوب في الصخرة جراء رصاص العدو، شفيعة لها عنده، فاستحضر وجه أمه ـ وجه تغضَّن وقسا من ناب الدهر، فاسترسل في خطاب حميمي من الصخرة إلى المجند، وهذه العلاقة ستتعالق مرة بعد أخرى حتى توجد التوازن بين المجند والسعي الجديد. ـ إن رواية "صخرة الجولان" تنشئ عالمها القائم على المقاومة، وتتجلى فيها مظاهر التجديد الفني التجريبي، حيث يبدأ سعي زينب لاستكمال سعي زوجها في اللحظة نفسها التي يضطر فيها إلى بدء سعي آخر، وقد حدث هذا دون تخطيط من الزوجين واتفاق مسبق عليه، وقد أملته الوقائع نفسها وتطورها، كذلك فإن الاختبار الجماعي، الذي استمد منه محمد المسعود شيئاً من القوة المعنوية في الزنزانة المشتركة مظهر تجريبي آخر. ـ تظهر الغيبوبة كعنصر مساعد، يغيّب الألم استعداداً لوجبة تحقيق وتعذيب جديدة، من ظواهر التجديد الروائي، وتبدو كوسيلة فنية أقوى من الحلم كتقنية سردية، فهي أطلت بنا على الآخر (العدو) وتجاوزه كل الحدود الإنسانية في تعامله مع الأسرى إلى حد القتل، كما أفادتنا بكيفية الإفادة منها في صمود الأسير وإيثاره الموت على الحياة، دفاعاً عن الوطن، ولم تكن خروجاً من الواقع وغياباً عنه، وإنما حققت الخروج عليه، وساعدت على نجاح السعي وتحقيق المراد. n الهوامش: 1 ـ لسان العرب، مادة فضا. 2 ـ د.مرتاض، عبد الملك، في نظرية الرواية. ص 141. عالم المعرفة/240/ المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب الكويت، كانون الأول 1998. 3 ـ لسان العرب، مادة حوز وحيز. 4 ـ د.لحميداني حميد. بنية النص السردي: ص 63. المركز الثقافي العربي ـ بيروت / الدار البيضاء / ط2، 1993. 5 ـ المصدر نفسه. 6 ـ د.زراقط عبد المجيد. في بناء الرواية اللبنانية ص 528، 1997/ أطروحة مخطوطة. 7ـ مرتاض عبد الملك، في نظرية الرواية ص 148. 8 ـ المصدر نفسه ص 155. 9 ـ د.زراقط عبد المجيد، في بناء الرواية اللبنانية، ص 529. 10 ـ صخرة الجولان، ص 48. 11ـ صخرة الجولان، ص122 12ـ صخرة الجولان، ص115 13ـ صخرة الجولان، ص68 14ـ صخرة الجولان، ص80 15ـ صخرة الجولان، ص97 16ـ صخرة الجولان، ص11 17ـ صخرة الجولان، ص159 18ـ صخرة الجولان، ص39 19ـ بحراوي حسن أبنية (الشكل الروائي: 118، والرأي لشار غريفل). 20ـ عرسان علي عقلة. صخرة الجولان: ص 161. 21ـ عرسان علي عقلة. صخرة الجولان: ص47-48 22ـ عرسان علي عقلة. صخرة الجولان: ص107 23ـ عرسان علي عقلة. صخرة الجولان: ص106 24ـ عرسان علي عقلة. صخرة الجولان: ص106 25ـ عرسان علي عقلة. صخرة الجولان: ص107 26ـ عرسان علي عقلة. صخرة الجولان: ص53 27ـ عرسان علي عقلة. صخرة الجولان: ص10 28ـ عرسان علي عقلة. صخرة الجولان: ص23 29ـ عرسان علي عقلة. صخرة الجولان: ص23 30ـ عرسان علي عقلة. صخرة الجولان: ص8 31ـ عرسان علي عقلة. صخرة الجولان: ص25 32ـ عرسان علي عقلة. صخرة الجولان: ص25 33ـ عرسان علي عقلة. صخرة الجولان: ص57 34ـ عرسان علي عقلة. صخرة الجولان: ص68 35ـ عرسان علي عقلة. صخرة الجولان: ص11 36ـ عرسان علي عقلة. صخرة الجولان: ص58 37ـ عرسان علي عقلة. صخرة الجولان: ص59 38ـ عرسان علي عقلة. صخرة الجولان: ص164 39ـ عرسان علي عقلة. صخرة الجولان: ص65 40ـ عرسان علي عقلة. صخرة الجولان: ص75 41ـ عرسان علي عقلة. صخرة الجولان: ص85 42ـ عرسان علي عقلة. صخرة الجولان: ص50 43ـ عرسان علي عقلة. صخرة الجولان: ص17 44ـ عرسان علي عقلة. صخرة الجولان: ص 57 45ـ عرسان علي عقلة. صخرة الجولان: ص 122 46ـ عرسان علي عقلة. صخرة الجولان: ص 39 47ـ عرسان علي عقلة. صخرة الجولان: ص50 48 ـ عرسان علي عقلة. صخرة الجولان: ص116 49ـ عرسان علي عقلة. صخرة الجولان: ص111 50ـ عرسان علي عقلة. صخرة الجولان: ص7 51ـ عرسان علي عقلة. صخرة الجولان: ص21 52ـ عرسان علي عقلة. صخرة الجولان: ص29 53ـ عرسان علي عقلة. صخرة الجولان: ص87 54ـ عرسان علي عقلة. صخرة الجولان: ص129-130 55ـ عرسان علي عقلة. صخرة الجولان: ص42 56ـ عرسان علي عقلة. صخرة الجولان: ص 122 57ـ عرسان علي عقلة. صخرة الجولان: ص23 58ـ عرسان علي عقلة. صخرة الجولان: ص32 59ـ عرسان علي عقلة. صخرة الجولان: ص8 60ـ عرسان علي عقلة. صخرة الجولان: ص22 61ـ عرسان علي عقلة. صخرة الجولان: ص32 62ـ عرسان علي عقلة. صخرة الجولان: ص42-43 63ـ عرسان علي عقلة. صخرة الجولان: ص 7-10-38. 64ـ عرسان علي عقلة. صخرة الجولان: ص76 65ـ عرسان علي عقلة. صخرة الجولان: ص94 66ـ عرسان علي عقلة. صخرة الجولان: ص16 67ـ عرسان علي عقلة. صخرة الجولان: ص15 68ـ عرسان علي عقلة. صخرة الجولان: ص26 69ـعرسان علي عقلة. صخرة الجولان: ص 32 70ـ عرسان علي عقلة. صخرة الجولان: ص8 71ـ عرسان علي عقلة. صخرة الجولان: ص49 72ـ عرسان علي عقلة. صخرة الجولان: ص51 73ـ عرسان علي عقلة. صخرة الجولان: ص122 74ـ عرسان علي عقلة. صخرة الجولان: ص52 75ـ عرسان علي عقلة. صخرة الجولان: ص52 76ـ عرسان علي عقلة. صخرة الجولان: ص54 77ـ عرسان علي عقلة. صخرة الجولان: ص75 78ـ عرسان علي عقلة. صخرة الجولان: ص81 79ـ عرسان علي عقلة. صخرة الجولان: ص77 80ـ عرسان علي عقلة. صخرة الجولان: ص84 81ـ عرسان علي عقلة. صخرة الجولان: ص155 82ـ عرسان علي عقلة. صخرة الجولان: ص 113 83ـ عرسان علي عقلة. صخرة الجولان: ص 113 84ـ عرسان علي عقلة. صخرة الجولان: ص117 85ـ عرسان علي عقلة. صخرة الجولان: ص19 86ـ عرسان علي عقلة. صخرة الجولان: ص10 87ـ عرسان علي عقلة. صخرة الجولان: ص22 88ـ عرسان علي عقلة. صخرة الجولان: ص25 89ـ عرسان علي عقلة. صخرة الجولان: ص31 90 ـ عرسان علي عقلة. صخرة الجولان: ص38 91 ـ عرسان علي عقلة. صخرة الجولان: ص57 92ـ عرسان علي عقلة. صخرة الجولان: ص67 93ـ عرسان علي عقلة. صخرة الجولان: ص98 94ـ عرسان علي عقلة. صخرة الجولان: ص94 95ـ عرسان علي عقلة. صخرة الجولان: ص102 96ـ عرسان علي عقلة. صخرة الجولان: ص 125 97ـ عرسان علي عقلة. صخرة الجولان: ص131 98ـ عرسان علي عقلة. صخرة الجولان: ص95 99ـ عرسان علي عقلة. صخرة الجولان: ص96 100ـ عرسان علي عقلة. صخرة الجولان: ص98 130 - الموقف الأدبي الموقف الأدبي - 132 |
|
| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |