|
||||||
| Updated: Tuesday, September 23, 2003 03:40 AM | ||||||
| فهرس العدد | فهرس الدوريات |
|
الرئة التي تتنفس منها قصص محاكمة أجير الفرّان ـــ -باسم عبده يتنفّس نصر الدين البحرة من هواء الماضي الذي يعبر الممرات الضيّقة رطباً، ويتدفّق من كوى الذاكرة، ويرسم منمنماته فوق رمال شواطئ الروح. يتنفّس البحرة حُبَّاً وشوقاً بالعودة إلى الماضي الذي يحوِّل ركاماته إلى جسد يمشي ويحكي وينام ويأكل، ويصرخ في وجه العاصفة. يتنفّس الأديب نصر الدين البحرة من هواء دمشق المخزَّن في فضاءات بيوتها العتيقة، الذي يمرّ عبر "مصفاة" الروح، ويخرج من بوّابات الحارات نقيّاً صافياً حاملاً روائح الياسمين الشَّامي.. ومن خمسينيات هذا القرن والقلم لم يحنِ رأسه، والرجل يعطي بسخاء ويكتب المقالات الصحفية اليومية والذكريات والقصص. وآخر الكتب التي صدرت للأديب نصر الدين هي "محاكمة أجير الفرَّان"، وهو مجموعة قصصيّة ضمَّت أربع عشرة قصّة قصيرة.. وبقدر ما كان الحُبّ يسلك دروباً صعبة، كانت الحياة تزدحم بالفقر والعثرات. فالأم قعيدة، والأب رجل فقير "على قدِّ حاله" تزفر الصعاب في وجهه دماً وألماً، ونزف الصباحات يغطي وجه الشمس. ويختبئ الحزن حاملاً المرارة واللوعة في المساءات العمياء. وهذه شهادة الابن عن أبيه الذي يقول: (يصعب عليه تدبير زيت الكاز لتغذية المصباح الوحيد في المنزل). ص15. كما جاء في قصّة "محاكمة أجير الفرَّان". إنَّ الأديب يدوّن مذكّراته وقصصه. وهي خلاصة تجربة طويلة وعميقة الجذور في المجتمع الدمشقي.. ويقول لنا: حدّقوا جيّداً بكفتي الميزان، فأنتم القضاة الذين تميّزون القمح من الزؤان والظلم من العدل. ورجل مُطارد تلاحقه الصفعات في سجن المزّة من قبل السجّانين لأنَّ الأفكار تتحرك في رأسه بحرية.. وطفل صغير يعمل أجيراً عند صاحب الفرن، أكل الصفعات والبصقات والإهانات والشتائم، لأنّه خبَّأ ثلاثة أرغفة تحت ثيابه، ولكنَّ القاضي العادل حوَّل القضيّة. 180 درجة، لصالح الأجير ضد صاحب الفرن. من خلال توجيه سلسلة من الأسئلة، طلب فيها القاضي معرفة عدد الأيام التي اشتغلها الطفل، وطالب صاحب الفرن بكل مستحقاته من الأرغفة التي ينبغي أن يحصل عليها الأجير بمعدَّل كيلو غرام واحد يومياً، عدا أجرته، هذا من جهة، وطالبته المحكمة بدفع غرامة لأنَّه يشغّل الأطفال، ويخرق القانون من جهة أخرى. وفي قصص نصر الدين البحرة عندما تتقابل وجوه الشخصيات، يعود الماضي بأحماله وأثقاله وأوهامه وأوجاعه، ويقف بين رجلين ووجهين وأربعة عيون. ويسحب السجين السياسي يده من يد السجَّان المتقاعد الذي تحوَّل إلى بائع خضار. وتهجم سحابة رمادية من التداعيات التي تذكّرنا بمحاولة السجين العسكري قضم إصبع السجَّان عبد الجبَّار البيطار، لولا أنَّ هذا الأخير أنقذ نفسه، في قصّة "الأعداء". ولم تجرف السنون خلال العقود الماضية، صور الظالمين، فهي تعود كأشباح ترفع أمواج بحر الذاكرة، فيقدَّم المدّ في الزمن الحاضر، ويتراجع الموج بعملية الجزر، حاملاً أطياف التسامح وألوان الإنسانية، بعيداً عن تراكمات الحقد والأخذ بالثأر في قصّة "الغضب القديم"، عندما سدَّ الطريق أثناء الانصراف من المدرسة الإعدادية طالب جثَّته ضخمة وأكتافه عريضة، في وجه طالب في الصف السابع، محاولاً ضربه واتّهامه بسرقة كتاب الجغرافية. يتقابل هذان الوجهان بعد سنين، لكن في هذه المرّة كانت ثلاث نجوم تلمع فوق كتف الضابط "صاحب الجثَّة الضخمة". ويتذكّر "المتّهم بسرقة الكتاب". وهو يلقي سمَّاعة الهاتف، الوجه الذي يقف قبالته... عادت الذاكرة مشحونة من الماضي تُعيد رسم صورته وهو يقف أمام باب الصف، وكيف كان يجذبه نحوه بقوّة!. ويظهر الوجه الجميل في قصّة "رؤيا" الذي يطفح منه النور والرقّة للمرأة الروسية، حينما كانت التداعيات تنساب في سواقي القلب كنهر موسكو، بعد إغفاءة واسترخاء على سرير في أحد الفنادق.. تذكرّها الرجل، وهي تقف وراء طاولة مستديرة. وخلفها رفوف من الكتب والمجلات. وهناك خيوط مشتركة بين الكاتبين "شوقي بغدادي" و"نصر الدين البحرة" تظهر من خلال النسيج القصصي في مجموعتيهما "فتاة عادية" و"محاكمة أجير الفرَّان". الخيوط المشتركة تصل بين الحارات والبيوت الدمشقية، وتلفّ أطواقها حول الورود والأزهار. وإذا كان شوقي بغدادي يعرّفنا كما ذكرت في مقالة سابقة عن مجموعته القصصيّة، على البيت الدمشقي "البرَّاني والجواني"، ويتنقًّل بنا عبر شوارع وحارات دمشق، ويعرّفنا على أبوابها وزخارف جدران بيوتها وسقوفها، وعلى الأكلات الشاميّة، فنصر الدين البحرة، يتحدَّث في قصة "الحنش" عن البيت الدمشقي، الذي يضمّ خمس عشرة غرفة عمرها ينوف على مئة وخمسين سنة، ويعرّفنا على الفولكلور الشامي والثياب التي يرتديها "أبو أحمد": (حين أرى الباب يفتح ويطلّ منه أبو أحمد بقامته الربعة وقنبازه الحريري المقلَّم، وقد لفَّ وسطه بشاله الكشمير، واعتمر ذلك الطربوش الخمري). ص101. ويدفعنا البحرة بشوق إلى زيارة الحارات القديمة في دمشق العريقة، ويفتح خزَّان الذاكرة الدمشقية، حيث لم يَعُد بمستطاعه إغلاقه. فـ (هنا كان موضع طالع الماء). ص75. ويوضّح لنا مغامرة رأسمال البورجوازية الطفيلية في إلغاء جمالية القديم المخلّد في الأوابد الحضارية، وبناء الحديث "الاستهلاكي". وهذا التبديل العشوائي هو قتل للحضارة، حيث لم يَعُد بالمستطاع رؤية جامع السنانية وقُبّة النسر في الأموي، وأطراف حيّ الصالحية وبساتين الغوطة، كما في قصة "فندق.. بلا نجوم". في قصص البحرة مفاجآت في مواقف الشخصيات، وربط وثيق بين المواقف الوطنية والإنسانية والعملية والحياتية، بين الرجل المتقاعد صاحب الرتبة العسكرية العالية في الجيش الذي أبلى بلاءً حسناً في حرب 1947 بفلسطين، وتواضعه ورغبته العمل في مكتب المحامي الشاب "غسان". وكانت العلاقة بين الاثنين ودّية، يشوبها الحُبّ والاحترام. فالمحامي يقول للضابط "أحمد بك"، وهذا بدوره يقول للمحامي "ولدي يا غسان". وتُثير التساؤل عند المتلقي، شخصية أخرى في قصّة "غالب والملائكة". فهذا الرجل إنسان غير عادي. مظهره الخارجي يدعو للاستغراب: هل هو شحاذ؟ هل هو متصوّف؟ هل هو رجل أمن مكلَّف بأن يتنكّر؟. يتبيّن أنَّ هذا الرجل كان يعتلي (الأكتاف ويهتف في المظاهرة التي تجمَّعت من المدارس المتجاورة في القيمرية، وسارت باتجاه باب السلام ثمَّ الجسر العريض قرب الباب التاريخي، وصعدت باتجاه سكّة الترام. وظلَّ عادل طوال هذه المسافة يهتف ضد الاستعمار الفرنسي.. وميزة أخرى لهذا الرجل أنَّه كان يجمع الليرات من المقاهي والمحال التجارية ويشتري بها الحلوى والفواكه، ويوزّعها على الأولاد في حارته. ركّز الكاتب في قصصه على الشخصيات الشعبية المنحدرة من الطبقات الفقيرة. وتقوم هذه الشخوص بأدوار وطنية واجتماعية وإنسانية كبيرة، كما في قصّة "محاكمة أجير الفرَّان". وشخصية عبد الودود البسيطة الخجولة. هذا الشاعر الذي يتأبّط دفتره، ويكتب قصائد الحُبّ، ويسكن في غرفة صغيرة، لا يوجد فيها كرسي. وسرير حديد مخلَّع قديم وفراش مُتَّسخ، ومدفأة مُنطفئة. ورغم هذه المعاناة، يحكي عبد الودود قصّته مع تلك الفتاة التي تظهر كلّ صباح وهي تنفض الغبار. ويقول: (وهي في الواقع لا تنفض شيئاً إلاَّ قلبي). ص61. ورغم الفقر والجوع والكدح المزمن، يظلّ الحُبّ حُلُماً جميلاً مقدَّساً يدغدغ قلب ومشاعر عبد الودود، ويهزّ عواطفه.. يظلّ يردد: (فإنَّ أفراح الدنيا كلّها كانت تغمر روحي). ص61. يميل الكاتب إلى الحكائية الخالصة في قصصه، وأحياناً يستغرق فيها تماماً، ويمدّ أصابع السرد، ويضخّم الحدث. ويصل المتلقي إلى درجة يشعر أنَّه في حالة من التيه والضياع، لكن سرعان ما يعود بنا ويلفّ دورة كاملة، ويدخل في أعماق الحدث. إنَّ القاص نصر الدين البحرة يتجنّب البهرجة في قصصه الراقدة في مغائر الروح، التي تنتظر مَنْ يوقظها، ويفتح لشخوصها الأبواب والمنافذ ويطلق حريتها، ويعمل على إحيائها من جديد وتفعيلها وتسجيلها في ذاكرات الأجيال الشابة، مُحتفظة بجوهرها وقدسيتها وأهدافها. إنّ القصص كانت جذابة للقلب وآسرة للنفس، ولم تكن وليدة الوهم والخيال الصرف. وركّز الكاتب على الجوانب الإنسانية وأعطاها مساحة واسعة، ومتّن خيوط التواصل بين الناس، مما زاد في إمتاع وتشويق القرّاء، لأنّ الكاتب استطاع أن يدخل إلى الأعماق باحثاً عن الحالات النفسية، والعوامل الخارجية والداخلية التي تتلاقى لمعرفة السيكيولوجيا الباطنية العميقة التي تظل حبيسة السطور والأفكار.. إنّها قصص تستحق القراءة!!.. |
|
| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |