مجلة الموقف الأدبي - مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - العدد 351
Updated: Tuesday, September 23, 2003 03:15 AM
فهرس العدد فهرس الدوريات

E - mail: aru@net.sy

   

الحرائق.... في قصص غزالة درويش ـــ عبد الحليم أبو عليا.‏

الكتاب/ زمن يحترق مجموعة قصصية‏

الناشر: دار كنعان للدراسات والنشر‏

السنة، 1999، 143 صفحة من القطع الوسط‏

شهدت العقود الثلاثة الأخيرة من الألفية الغاربة، حركة ناشطة على صعيد الاقتحام الأنثوي الواسع لمجالات الأدب كافة، شعرا، رواية، قصة قصيرة، بعد أن كانت محدودة في مضمار الشعر والخواطر، عدا استثناءات قليلة صوت من هنا وآخر من هناك. وهذه الظاهرة شهادة إيجابية إضافية للمرأة العربية وتعبير صارخ عن جدارة وحيوية، تنفي عنها ما تتهم به من تكلس وجدارة مطبخية وتفريخية وحسب. وفي هذه المجموعة القصصية للأديبة غزالة درويش، نرى أنها، ضمت بين ظهرانيها ثماني قصص قصيرة تراوحت في مضمونها الفكري بين قراءة تجارب بعض القوى السياسية في الوطن العربي، مروراً ببعض الهموم الاجتماعية كالفقر والحرمان والكبت، والكاتبة تبدأ مجموعتها بإثارة عاصفة من الوجد والحرق التي تلامس الشغاف، حيث تقول في إهدائها "لم تدع العيد يحتفل بالورد هذا العام، يافا دمعة‏

تضيء العين ليحترق دونها كل عود، كم دمعة في عينيك لهذا العام". وهكذا ومنذ فاتحة المجموعة، يتوقع القارئ أن يتلمس الأمل الجريح والأحلام الطعينة والروح المرهقة والنفوس المتعبة والأجساد التي هرمت قبل أوانها، كوابيس تستبد بالروح فلا تترك لها متنفساً أو ممراً نحو الهواء الطلق وإن كان ضيقاً حد الفجيعة. وفي هذه القراءة وفي إطلالة على أهم ما في المجموعة، حسب زعمنا. نرى في قصتها بنفسج لا يموت تعالج الكاتبة المعاناة الاجتماعية والنفسية التي تمر بها المطلّقة في مجتمعنا، حيث النظرة المتهمة والارتياب في كل تصرف لها، حتى معطفها يستكثره عليها الطبيب النفسي الذي يعالجها، يسألها بنظراته "من اشتراه لك أيتها المطلقة "فتجيبه" حين كنت زوجة، اشتراه لي زوجي".‏

وكم يبعث جوابها من أسى في النفس...؟! قضية الطلاق في مجتمعنا، قضية حساسة، كثيراً ما جرّت دماراً مادياً ومعنوياً على الأسرة والمرأة بشكل خاص، فبالإضافة لحرمانها من الأولاد، هناك متاعبها النفسية والمادية، وبطلة القصة، تنتهي بها الأمور إلى الانتحار وفي سكرات الموت تسترجع شريط الماضي، وصول ورقة الطلاق ومكابرتها على غصتها وذلها القادم" أنا في الشهر السابع، هل يحق لي الزواج"، سؤال يثير العطف والسخرية أكثر مما يستوجب الإجابة، ثم تتخيل طفلتها وتلك الصرخة الرهيبة "لم جئت بي ولم تتركينني...؟" وتغرق في سكرات الموت بين الأمس المرير، والحلم ينثره رجل البنفسج، تنهشها ديدان الحزن والخوف، وأما ديدان الأمل والحب فلا تعيشا في القبور... ورغم أن الكاتبة لا تشير إلى سبب الطلاق، وتمرد الزوجة على زوجها، لكنها تغرق في المرارة حدَ الثمالة.‏

تنتهي حياتها صرخة في وجه بؤس المجتمع واضطهاده، وتنجح الكاتبة إلى حد كبير في استعطاف القارئ، لكن حين يكون الطلاق مردّه عناد وتمرد المرأة دون أسباب وجيهة، يغدو التعاطف عطفاً غير مبرر.‏

وأما قصتها زمن يحترق فإنها تقدم فيها صورة عن القيم الاجتماعية المطعونة، فالشاب الطيب الذي ورث وراثة كبيرة، يستغله صحبه، وبعد فقده ابنته الوحيدة التي سبق أن تركتها أمها لتعود إلى عشيقها القديم، هذا الرجل فقد حنان أمه وحب الزوجة وزينة الحياة الدنيا واستغله الأصدقاء، وليلة رأس السنة يغادر بطل القصة بيته وهو يحترق كزمنه.‏

أما الحقد الأسود فتحكي هذه القصة حكاية شاب أسود "سائد" يرغب بفتاة بيضاء متحررة اسمها غدير، وهي تكره الزنوج، وتلعب صديقته منال زميلة تغريد في الغرفة دوراً مهماً في إقناع غدير بالانفتاح على سائد، وتستسلم غدير لسائد، بكل وحشيته التي تعشقها بل تطلبها منه، ناهيك عن رائحة تعرقه الناشزة التي تثير نسمة خفيفة عند مرورها بأحدهم، وبعد انكسار الحاجز وقضاء أوقات سريرية مفصلة في القصة نجد العلاقة تنتهي عند أول امتحان إذ يعود سائد لماجدة التي لها نفس لونه، وتعود غدير لأحضان حسام. هذه القصة يعتورها الكثير من الخلل، فالأسماء عربية ولنا أن نسأل الكاتبة أي مكان في الوطن العربي نجد به هذا التمييز العرقي..؟! ثم كيف لفتاة متنورة تقرأ لماركيز، وتغرم ببسالة غاندي، وتحليلات أرسطو وأفلاطون، وتحمل كل هذا القدر من الدونية والاستعلائية على أناس كل جريمتهم اختلاف لون بشرتهم. إن الشخصيات التي أوردتها غزالة في هذه القصة تذكرنا بالمسلسلات المدبلجة والتي تنطق بالعربية مجردة من مفاهيم ومعايير واقعنا. والقصة تذكرنا بالكاتب العربي الطيب صالح في "ريح الشمال" وأما العبارات الجنسية التي خاطبت بها غدير فتاها الأسود سائد، فلا شك بتأثرها الكبير برواية العرّاب لماريو بوزو وعبارة "أريد احتكاكاً أسطورياً "التي تقولها غدير لسائد، هي نفس العبارة‏

التي ترددها وصيفة الشرف في "العرّاب".‏

إن في شخصيات هذه المحطة من المجموعة تعبيراً واضحاً عن عدم توازنها ولا انتمائها للفكرة كما للمكان، ولا نظن أنّ وجود عنصر الامتناع والتشويق يكفّر عما عداها من مسوخ في العمل الأدبي.‏

وأما قصة ثلاث نساء ورجل فتعالج الكاتبة في مطلعها طبيعة الحياة الزوجية بعد أن تستنقع الحياة بين الزوجين وتغدو نوعاً من السأم والتكرار المملّ، بطل القصة د. أحمد، أستاذ في كلية الفنون وهو رسام، يتزوج صبا زميلته في المعهد ويتنازعه حنين إلى عشيقة سابقة "لؤى" وأما الزوجة فتصبح امتداداً لعناصر البيت، حيث يمكن أن تجعل من لوحة فنية لزوجها غطاء لمائدة الطعام، ويعود الرسام خلسة إلى بيته أواخر الليل يتسلل إلى مرسمه وذكرياته هرباً من المستنقع الذي يحيا، إلى المرأة التي تحفر آثارها عميقاً في حياته "لؤى" وتترك جحيماً من الأسئلة والمرارات، وهي رمز لهذا المزيج المرير من السحق لروح وجسد الأمة، فالأب الفلسطيني الشريد يتزوج امرأة عارية من ذاتها وتاريخها وجسدها، ملقاة على الشاطئ عرضة للريح ورغبات الآخرين، وبديهي أن يكون نتاج هذا الزواج المشوه، الهزائم المتتالية، وبطلة القصة تحاول جرّ العلاقات الوليدة الداخلية أو الحليفة إلى صدق المخيم، حيث المكان الطبيعي لولادة ونمو الثورة، والمخيم كمفهوم هو بوابة لعبور نحو الحلم، وتعلن صرختها في مواجهة الألوان "حان أوان الفعل" محتجة على تفريط أوسلو بالدم والحقوق الفلسطينية، هذه القصة وهي إحدى أهم محطات المجموعة تشير بإيماءات تارة وتصريحات طوراً إلى عجز القوى التقدمية العربية التي اكتفت بالفرجة على البطولة والتصفيق لها وتضخيمها لتبرير النكوص عن المشاركة فيها فالدكتور يعشق لؤى جسداً وروحاً ويتزوج صبا "السرير الدافئ والشراب الساخن والوجه المضيء".‏

هذا الدكتور الذي يمارس الهروب وقنص طالباته، يفجأ برهف الجيل الجديد العاتب ربما، الغاضب ربما ويظهر الدكتور ضئيلاً، ضئيلاً ليس أكثر من دودة، تكتفي بالكفاف والتطفل، ليس أسهل من سحقها ولا أقل من فعلها، إن هذه القصة تحمل انتقادات ضرورية لمرحلة النضال الماضية بشقيها الفلسطيني الرسمي، والعربي على صعيد القوى التقدمية، بالتفريط الذي لعبته الأولى والشعاراتية والشكلانية اللتين مارستهما الثانية.‏

في هذه المجموعة القصصية للأديبة غزالة درويش نراها تتكئ على أسلوب السرد أحياناً، وتنتقل بلطف إلى تداعيات الأمس وتارة باستدعاء الحلم واستحضاره، ولكن يعتورها بعض التقريرية والمباشرة في محطات منها، ناهيك عن التدخل التعسفي والوصفي والربطي للأحداث، وصياغة الخواتم القسرية بفعل قرار الكاتبة لا النموّ الطبيعي للشخصية، وربما كان التسطيح والتفسيرية مما يسيء إلى رونق الإبداع في هذا اللون من الأدب ويرى المدقق أن شخصيات الزمن المحترق، شخصيات ملتبسة أو مسحوقة أو مطعونة في واقعها وطموحها وبناها النفسية والروحية، شخصيات غير متوازنة، لا منتمية، محطمة في داخلها منال القوّادة لسائد مجاناً، المطلقة التي تمنح جسدها للدكتور وكأنه ليس جسدها، وغدير التي تهب الزنجي جسدها تنشد شبقه، مايا، زوجة الشيخ الماركسية التي تصبح مدينة كاملة يعبر جسدها الجميع، زوجة المعطوب التي تهب جسدها للضابط، وتلك المرأة من ذوات "القبلة بليرة" يا بلاش......! كل تلك الشخصيات المهزوزة، شهادة على تحولها وزمنها إلى رماد، ولكن الغريب إذا ارتضينا ما ذهبنا إليه إطلاق هذا الحكم على إنسان هذا الزمن، والسؤال أما من بصيص من نور...؟ أما من بقية من خير في النفوس على مدار دورة الزمن الراهن...؟‏

كما يلاحظ في المجموعة أن بعض المحطات شهدت الكاتبة وهي تنتقل من السرد المحايد إلى صوت الراوي ولكن بلغة منفعلة، تصدر أحكامها الانفعالية الفجة دون إعمال ريشة المبدع فهي تصف د. في قصة ثلاث نساء ورجل" وكان يكذب، فهو لا يفوت فرصة دون أن يجعلها زوجة خارج حاضره" ونراها أحياناً تقع في تفسيرية تفسد جمال القص كذلك قصة حمام الشيخ المأخوذة برمتها وكما حصلت من الواقع من أرشيف الشرطة الأخلاقية وهذا ينفي عن الكاتبة أحقيتها بنشرها، فالأدب ليس تصويراً للواقع بل إعادة صياغة له وأما ما يثير الحزن حقاً هذه النغمة النشاز التي درج عليها البعض من جلد الذات وتوظيف صورة المناضلة كعاهرة وبطريقة فجة مع تجاهل الصور المشرقة التي حفلت بها مسيرة النضال العربي والعهر كما هو معروف ليس مقصوراً على المناضلات، إن وجد فهو آفة إنسانية عامة لا تقتصر على شريحة معينة كذلك يمكن الإشارة في هذه المجموعة إلى كثرة الأخطاء النحوية التي لا حصر لها على امتداد المجموعة وعلى سبيل المثال لا الحصر (لم يعد يطق ص24، وكانت يداه ناعمتان ص 10، زرقة عيناه ص12 تغمض عيناها ص13، يسقط عيناه ص13، أناسها الممدودي الأيدي ص14، تفتح عيناها ص14، رمق أصدقاؤه ص25، تلتقطه أذنيها ص29، إفاقته ص30، قدميها المرتعشتان ص34، تنفر أغصانها ص32، وأن عيناه ص32، كانت فيها جثة ملقية ص34) وهذا غيض من فيض للأسف، يضيق بنا المجال لو أردنا الحصر والتعداد.‏

والأنكى من ذلك هذا الإغراق في موضوع الجنس، حيث غرقت بعض المشاهد في غرائزية مفرطة تصل حد الإسفاف وإثارة الغرائز، فهذه المجانية التي تقدم المطلّقة نفسها إلى الطبيب النفسي في بنفسج لا يموت، وهذه الصرخات الجنسية التي تطلقها غدير "أريد احتكاكاً أسطورياً" وتلك المرأة التي تمنح جسدها لراكب بالصدفة إلى جوارها في السيارة، وامرأة المدينة الكاملة، زوجة المعطوب مع الضابط،، زوجة ميشال مع المعطوب...الخ.‏

هذا الاستبداد للغريزة - وإن كانت ضرورة حياتيه لا ينكرها أحد- لا يجوز أن يسيطر على مفاصل العمل الأدبي. و لكن تقتضي الأمانة الإشارة إلى أن المجموعة حفلت باللغة الشعرية الجميلة التي تمتلكها غزالة، ونقرأ "طفلتها كبرت، عمرها صار غصناً، يزهر الحزن والأرق "ص13" طفلته... حين تبتسم، وحين تبكي يضيع البرق في عينيها الغريبتين "ص22" والمجموعة حقيقة فواحة بهذه الشاعرية، بالإضافة لتلك القدرة على القص، هذان العنصران اللذان يعبران عن موهبة حقيقية لدى الكاتبة بالإضافة لصدق وعمق الوجع الإنساني يمكن لهما أن يعطيا أكثر فأكثر حين تتريث الكاتبة على نفسها وعملها، وتترك عملها ينضج على نار هادئة، ربما منحته حصانة أكثر ومناعة أكبر إن هذه المساحة والمعاناة التي تجولت فيها غزالة بخفة ورشاقة تارة وتثاقل أملاه تشعب وتنوع الفكر والإشكاليات المعقدة التي ولجتها الكاتبة خلقت شكلاً من أشكال التوتر والنزق في معالجتها أدبياً، مما غلب الفكرة المجردة على رحابة الإبداع وتهويمه ولكن أسلوب الكاتبة ولغتها وموهبتها تشهد لها أنها تستطيع أن تبدع العمل بنضج أكبر في محطات قادمة.‏

 

 

| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244