مجلة الموقف الأدبي - مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - العدد 351
Updated: Tuesday, September 23, 2003 02:55 AM
فهرس العدد فهرس الدوريات
 

حوار مع الأديب الإنسان الدكتور بديع حقي ـــ حاوره: مصطفى النجار

بديع حقي رائد يشار له بالبنان في كل عطاءاته الأدبية يتصف بأسلوبه المتفرّد حيث يُعنى بموسقة الكلمة وشحنها بالطاقة الشعورية والجمالية، ورصد أدق المشاعر، وأنسنة الأشياء.‏

بديع حقي اسم أدبي كبير يستحق من النقاد وطلبة الدراسات العليا وقفات إنصاف، فهو بدماثة خلقه وتواضعه الجم مثل يُحتذى.‏

ففي هذا الحوار يتحدث عن الرواية بشغف، وعن صديقه عمر أبو ريشة بحب ووفاء، كما يتحدث عن عمله الدبلوماسي وغير ذلك.. فإلى التفاصيل..‏

موسقة الرواية‏

* بداية نرحب بك أجمل ترحيب.. ونأمل أن تحدثنا عن الرواية حيث شغلت حيزاً كبيراً من تجربتكم الأدبية المديدة.‏

** شكراً.. أحب أن أشير أن تجربتي في الرواية تتميز بمحاولتي موسقة الرواية. وتتم هذه الموسقة بالصور الشعرية التي يتّسم بها شعري. ومازلت أملك حتى الآن اللغة الشعرية التي يتلون بها نثري. هذه الموسقة أحب جلوها في الرواية فكأنها سمفونية تتردد فيها الجملة الموسيقية كما تتردد في ثنايا السمفونية.. هكذا أجد أن محاولتي في موسقة الرواية تتجلّى على نحو واضح في روايتي (همسات العكازة المسكينة) حين تترافق نظرات هذه العكازة هامسة متجاوبة في ثنايا الرواية طامحاً إلى ما طمح إليه (هكسلي) الروائي البريطاني في روايته (طباق) إذ كان رائداً في هذا المجال كما أنني حاولت هذه المحاولة أيضاً في بعض قصصي مثل قصة (حكاية النهر والجسد) حيث تتردد الحكاية بلسان النهر يحدث نفسه وبلسان الفتى والفتاة كأنها (سوناتا) موسيقية متكاملة. كما أنني أجد أن الحوار الداخلي في بعض رواياتي والذي أخذت فيه بمدرجة (جيمس جويس) الذي ابتدع الحوار الداخلي في رواية (أوليس) مجالاً آخر لموسقة الرواية، وليس من شك أن تجربتي الشعرية قد أعانتني على هذا المنحى، علماً بأن المنحى الذي كنت أضرب فيه قديماً هو المنحى الرمزي الذي يأتلف تمام الائتلاف مع الموسيقى لأن الشعر الرمزي قوامه الموسيقى على نحو ما ذكره (فرلين) الشاعر الفرنسي بقوله: الموسيقى قبل كل شيء!.‏

قبلهما..‏

* دكتور بديع.. حبذا لو تحدث القارئ عن تجربتك في الشعر وأنت من بشّر من خلال قصائده المبكرة بالتيار الجديد في الشعر المعاصر في سوريا؟‏

** كانت تجربتي رائدة في الشعر وأعتز بذلك كثيراً، فالشاعرة نازك الملائكة قالت: إن قصائد حقي الأولى في الشعر كانت الإرهاصات الأولى في الشعر الحر.‏

وتابع الدكتور حقي قائلاً: تجلّت هذه في ديوان (سحر) الصادر عام 1953 وفيه قصائد نظمتها بمنحى الشعر الحر (التفعيلة) سابقاً بها إسهامات بدر شاكر السياب ونازك الملائكة اللذين أول ما ظهر لهما في هذا المجال كان عام 1946 إذ نشرت قصيدتي (الأرق) عام 1943 في مجلة الصباح الدمشقية وقصيدتي (ليالي بغداد) في مجلة الدنيا الدمشقية عام 1945 وقصيدة (خريف غابة بولونيا) عام 1946 في مجلة الأديب البيروتية ونوّهت نازك بهذه دون أن تعلم أن لي قصائد سابقة لها وكان لي شرف الالتقاء معها بعدئذ.‏

* هل فاتحتها بالموضوع؟‏

**لا.. لم أفاتحها.‏

التراب الحزين‏

* قال الناقد السوري سمر روحي الفيصل: نقد القصة القصيرة لا يؤرخ تاريخاً سليماً إذا لم تحلل مجموعة (التراب الحزين) الصادرة عام 1961 التي أثرت في وجدانات الطلبة السوريين سنوات طويلة وكانت في الوقت نفسه ذخراً للأدب العربي الفلسطيني. د. بديع لو تحدثنا عن التراب الحزين والدافع لكتابتها؟‏

** الشرارة التي حملتني على كتابة (التراب الحزين) أنني مضيت عضواً في الوفد السوري إلى عمان للمشاركة باجتماع مجلس الجامعة العربية بمناسبة مذبحة قبية عام 1953 مضينا بعد الاجتماع إلى (قبية) هناك شاهدت منظراً لن أنساه عمري كله: امرأة ترقص حاملة منديلها المخضّب بدم زوجها وأولادها فجعلت أبكي.. ثم مضينا بعد هذا إلى القدس وصليت في المسجد الأقصى وحين مسّت جبهتي سجادة الصلاة بكيت كما لم أبك عمري كله. وآليت على نفسي أن أكتب عن قضية فلسطين التي جعلتها جذع آمالي وحياتي الأدبية. كذلك كتبت أول قصة (التراب الحزين) التي تتصدر المجموعة ومن هنا انطلقت بقية الشرارة. هذه المجموعة التي أعتز بها نالت جائزة الدولة عام 1961 ثم قُررت في المدارس الثانوية، منذ ئذ ترادفت قصص أخرى عن الانتفاضة ضمنتها مجموعة (قوس قزح في بيت ساحور) ومقالات كثيرة ظهرت في كتاب تحت عنوان (وحين يورق الحجر) وثمة رواية لي بعنوان: (أحلام على الرصيف المجروح) عن فلسطين الشتات وهي أعز ما كتبت.‏

نزهة.. رحلة‏

* دكتور بديع... ما مفهومك الخاص للقصة؟‏

** إن القصة تتراءى لي أشبه بنزهة في حين أن الرواية تتراءى أشبه برحلة عبر المجهول يكتشف الذي يمضي فيها قارات جديدة مثل كولومبس حين اكتشف أمريكا ودستويفسكي حين اكتشف قارات جديدة في النفس الإنسانية.‏

غرستها أمي‏

* وماذا عن مسحة الأسى التي تغلّف جملة نتاجك الأدبي فهل للطفولة دخل في ذلك؟‏

** إن تجربتي الخاصة لها أثر كبير في أدبي. لقد كانت طفولتي سعيدة وشقية في آن. كانت لي والحمد لله أم رؤوم رعتني ورعت قلمي وقد خلدت فضلها في سيرتي الذاتية (الشجرة التي غرستها أمي) كما أن حباً صادقاً، كان يربطني بملهمة بعد زواجها ترك شرخاً كبيراً في نفسي، فهجرت الشعر وهجرني. في الفترة نفسها التي انكببت على القصة ورأيت في القصة والرواية منفسحاً حراً لأعبر عنها أكثر من الشعر ولعلّي مخطئ في هذا. كان في ميسوري بالشعر أيضاً أن أجلو حرقتي وألمي. توقفت عن كتابة الشعر عام 1952- 1973 وهكذا حتى عدت عام 1973 إلى كتابة (السمفونية الإفريقية) يوم كنت في (كوناكري) ولم تكن بالمستوى الذي أريد أو أحلم به وكذلك هجرت الشعر.‏

الإغراق في الغموض‏

* ماذا تقول في الشعر الحديث؟‏

** ما ألحظه هو الإغراق في الغموض- ولا أسمّي أحداً- وإن كنت بدأت شاعراً بالنسبة لعصري غامضاً إذ كنت رمزياً حتى إن (سعيد الجزائري) الصحفي المعروف رحمه الله نظم بيتين على سبيل السخرية قال فيهما:‏

صار للرمز أصول‏

جاء حقي يقول‏

تفهم الرمز العقول!‏

إن شرط الرمز ألا‏

لا أُخفي عليك.. هناك شعراء أعجب بهم في الوقت الحاضر.‏

في مقهى البرازيل‏

* وماذا عن إعجابك الشديد بالشاعر عمر أبو ريشة الذي تترجمه ألقاً جديداً قولاً وكتابة؟ لو تحدثنا عن علاقتك معه ومع شعره؟‏

** كنت أشارف العشرين من عمري حين التقيته في أوائل الأربعينيات في مقهى البرازيل بدمشق وكان يرتاده بعض الكتاب والشعراء، عرفته بنفسي حين اتّخذ مجلسه قريباً من طاولتي قال لي:‏

قرأت بعض ما نشرت في صحيفة (الصباح) فأعجبني.. هات ما عندك مما نظمت مؤخراً. أجبت: لا أجرؤ على أن أبسط بضاعتي المتواضعة أمام سيد الكلمة الشاعرة. واتّسعت على شفتيه ابتسامته المرحة الودود وقال: لا عليك هات ما عندك. وخيّل إليّ أنني أجوز امتحاناً عسيراً وأنشدته بعض ما قرزمت آنذاك وقال لي رحمه الله: تعجبني صورك وحسن انتقائك للكلمة. أنت بلا ريب شاعر وسيكون لك شأن ذات يوم.‏

من بين الذكريات الحلوة الموصولة بعمر رحمه الله: أذكر أنني دعيت في منتصف الستينيات من قبل جمعية أدبية لإلقاء كلمة بمناسبة عيد الأم فطاب لي أن أتحدث عن شجرة نارنج كانت أمي رحمها الله قد غرستها في ميعة صباها في حديقة دارنا بسوق ساروجة، وتفيأت طفولتي ظلال الشجرة الغالية، ولما دعيت لإلقاء كلمتي أجلت طرفي في جمهور المستمعين إلي فاقتنصت نظرتي فجأة طيف عمر يرامقني بابتسامة ماكرة مستظرفة كأنها تفضي إلي: ها أنذا جئت للاستماع إليك من دون أن تدعوني وشعرت بهناءة غامرة تلفع قلبي ومضيت في قراءتي حتى شارفت المشهد الذي جلوت فيه كيف اتفق لي أن أمضي إلى بيتي القديم لأرافق الشجرة الغالية فإذا أنا أرى إلى جانبها مدحلة معدنية تهم أن تجتث جذورها من التراب ممهدة الطريق لشق شارع جديد، خاطبت تلك المدحلة التي توشك أن تغتال الشجرة التي غرستها أمي بقولي: رحماك أيها الوحش المعدني فإن جذور هذه الشجرة ماتزال موصولة بقلبي! وغصت عيوني بالدموع فلم أزجرها وتركتها تنساب فوق وجنتي.. وحانت مني التفاتة إلى عمر فإذا الشهد المتنضح من عينيه يسيل دمعاً متحدّراً على خديه لقد أبكيت إذن عمر!، وجاذبتني آنئذ مشاعر غريبة يناقض بعضها بعضاً.‏

لقد سمعت عمر ذات مرة يردد قصيدة (هكذا) لا على منبر بل على سطيحة منزل في مزرعة صديقي د. أمين شريف رحمه الله الذي دعاني وعمر مع نخبة من الأصدقاء في الأشرفية وهي ضاحية من ضواحي دمشق. وانساب صوت عمر خفيضاً دافئاً كما لو كان يغازل ضوء القمر الشفاف السابح في ليلة ساجية من أحلى ليالي العمر كان هذا منذ قرابة سبعة وثلاثين عاماً ومايزال صوت عمر رحمه الله يناسم سمعي وكأن صداه ما يزال يسكن في ذاكرتي حتى الآن. وأذكر أن عمراً قال لنا بعد أن أنشدنا قصيدته: إنني أسعى في كل ما أنظم من شعر إلى أن أعتصر حروف كلماتي واهتصرها حرفاً حرفاً كما يستصفي صانع العطر كل ما يمكن في أفواف الوردة من شذا لأريقه في رئة قصيدتي.‏

مع الدبلوماسية‏

* بعد تجربتك المديدة في العمل الدبلوماسي.. هل أفدت من هذه التجربة أدبياً؟‏

ماذا تقول في هذا المجال؟‏

** تشيخوف يقول: إن الطب هو زوجتي الشرعية وأما القصة فهي عشيقتي. أقول: إن الدبلوماسية زوجتي الشرعية والأدب هو عشيقتي وإن زوجتي وعشيقتي تفاهمتا معاً لمصلحتي لأن الدبلوماسية بسفري إلى الخارج رفدت أدبي بتجربة خلابة كما تسنّى لي أن أتقن اللغة الإنجليزية واللغة الفرنسية فضلاً عن الروسية وأن أترجم وأن أتأثر بما كتبه عباقرة الرواية والقصة. وقد ترجمت طاغور وغوغول وهمنجواي إلى اللغة العربية وتأثرت كثيراً بالنفحة الإنسانية التي يتحلّى بها أدب تولستوي وكتبت عنه في كتابي (قمم في الأدب العالمي). الدبلوماسية نفعتني ولم تضرني إنما الأعمال القنصلية التي كنت أعكف عليها قد شغلتني عن الانصراف إلى الأدب على النحو الذي أريد وقد امتد عملي زهاء أربعين عاماً منها ثلاثون عاماً خارج سورية تجولت خلالها في أفريقيا وآسيا وأوروبا وتعرّفت على طباع الشعوب الذين تعاملت معها.‏

* دكتور بديع.. بماذا تنصح الشباب؟‏

** المزيد من القراءة وتعلّم اللغات والتردد كثيراً في نشر نتاجهم حتى تستوي تجربتهم.‏

ولد د. بديع حقي في دمشق عام 1922‏

درس الحقوق في باريس وحصل على الدكتوراه في الحقوق الدولية عام 1950‏

انتسب إلى السلك الدبلوماسي فعمل سفيراً ووزيراً مفوضاً ابتداء من عام 1945‏

من رواد الشعر الحر والرمزي العربي متفرد بأسلوبه المعروف به في مجمل نتاجه‏

من مؤلفاته:‏

- سحر - ديوان شعر صدر عام 1954 عن مجلة الأديب‏

- التراب الحزين- قصص قصيرة نالت جائزة الدولة عام 1961 وقرر تدريسها في ثانويات سورية.‏

* وله عدة روايات:‏

- جفون تسحق الصور- دار العلم للملايين 1968‏

- أحلام على الرصيف المجروح- دار الآداب 1973‏

- حين تتمزق الظلال- اتحاد الكتاب بدمشق 1980‏

- همسات العكازة المسكينة- دار العلم للملايين 1987‏

* وله في السيرة:‏

- الشجرة التي غرستها أمي- صدر عن اتحاد الكتاب العرب 1986‏

* وفي الترجمة:‏

- روائع طاغور (6 مؤلفات)، وغير ذلك من الكتب.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244