مجلة الموقف الأدبي - مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - العدد 352
Updated: Tuesday, September 23, 2003 02:06 AM
فهرس العدد فهرس الدوريات
 

ســــاحر دمشــقي وجعبة كلمات ـــ سلمان حرفوش

زكريا تامر إبداع سوري، دفعتُه المميزة: "دمشق". أما "سوريته" فبرهانها الساطع ذلك التنوع الكبير، مضافاً إليه قدرته على الابتكار والتجديد. و"دمشقيته"؟! حسناً، ها هي بين يديك على امتداد جميع أعماله القصصية المكان والسكان، مع تلك النكتة الساخرة المتأرجحة دائماً بين ابتسامة الحس السليم المصدوم وبين انقباضة القلب المتوجع. والرجل، لحسن حظ الإبداع، لم يلبس لبوس الأكاديميين، فكانت الحياة المعجونة بالدم والدمع والعرق "جامعته" الأولى والأخيرة، ويالها من جامعة فذّة، أين منها كبريات المعاهد الأكاديمية العليا في العالم قاطبة. لكن الرجل عشق الكلمات، وكانت بوابته العريضة إليها، حسب كل الشواهد النصّية في قصصه العديدة: "ألف ليلة وليلة"، والنصوص الدينية والتراثية، "ونوادر جحا"، و"الفاشوش في حكم قراقوش.‏

من تلك "الخلطة" المتعددة العناصر قرر أن يصوغ نموذجه الخاص، ولم ينس أن يضيف إليها، زيادة في الغنى والتنوع، وزيادة الخير خير!- القاموس الإعلامي العربي الفريد من نوعه في باب المضحك المبكي. وتعال عزيزي القارئ، بادئ ذي بدء، نقرأ سوياً بعض اللقطات الخاطفة، مأخوذة هذه المرة من قصص زكريا تامر الصادرة عن دار الآداب عام 1978 تحت عنوان: "النمور في اليوم العاشر". واللقطة الأولى من قصة "الأعداء" الموزعة في /26/ لقطة. رقم اللقطة التي اخترناها تحية لقاء /20/ وعنوانها: الشموس والأقمار -!!- وهي حشد من الأمثال الشعبية المتداولة والتي تعبر عن واقع الحال:‏

"الجبان الحي خير من الشجاع الميت، فقبّل اليد القوية وادع في السر أن تكسر، وإذا أردت مطلباً من كلب فقل له: مولاي الكلب.‏

كن أول من يطيع وآخر من يعصي، فلا رأي لمن لا يطاع، وإذا كان الكلام من فضة فالسكوت من ذهب، والقناعة كنز لا يفنى، والحسود لا يسود، فاستقم كما أمرت وأطع أولي الأمر، وكل من سار على الدرب وصل."‏

أم يريد القارئ أن يضحك بوضوح أكبر؟! هذه إذن من القصة نفسها اللقطة /15/ وعنوانها: "الحب":‏

"فتش كما تشاء يا سيدي الشرطي، فامرأتي ليست مطبعة تطبع المنشورات السياسية الهدامة، وضحكتها ليست مؤامرة استعمارية، ولا يمكن أن تفسر على أنها نقد مباشر لنظام الحكم خاصة وأني قبل أن أحبها، سألتها عن رأيها بنظام الحكم السائد حالياً في البلاد، فأجابت فوراً بأنها تحبه حباً جماً،‏

وعندئذ فقط سمحت لقلبي بأن يعشق تلك المواطنة الواعية.‏

ولما قبّلتها لأول مرة ارتعشنا معاً مبتهجين وكأننا كنا نصفق ونهتف في مسيرة مؤيدة لكفاح الشعوب.‏

فهل تريد يا سيدي الشرطي إخلاصاً للوطن أكبر من إخلاصنا؟!"‏

لعل القارئ يريد الآن تلمّس آثار المرارة!؟ فهذه لقطة "النهاية" ورقمها /26/:‏

أغمد رجل نصل مديته حتى المقبض في التراب بحركة متشفية ثم ألصق أذنيه بالأرض، وهتف بدهشة:‏

"الأرض تبكي".‏

ثم ألصق أذنه بالأرض ثانية، وصاح بصوت مثقل بالفرح: "لقد ماتت".‏

وحين ألصق أذنه بالأرض مرة ثالثة، لم يسمع سوى أحذية الجنود تصك الأرض برتابة.‏

ولابد لنا في هذه الجولة بين لقطات قصة "الأعداء" التي تفتتح: "النمور في اليوم العاشر"، من وقفة عند اللقطة الثامنة وعنوانها "خطبة":‏

"... والله ما كان سكوتنا على الأعداء عن ضعف إنما كان إباء وشمماً وترفعاً وثقة بالنفس.‏

قالوا: نريد بترولكم. قلنا: خذوا بترولنا، فنحن أحفاد حاتم الطائي. قالوا: أعلنوا حرباً شعواء على الأفكار المستوردة.‏

فقلنا: نحن أهل الكر والفر، ونصبنا المشانق وشيدنا السجون.‏

أرادوا الاستيلاء على مدينة، فأعطيناهم مدناً ومدناً كي نبرهن على أننا لا نبالي بهم، فإذا كانوا يملكون الطائرات والقنابل، فنحن نملك الخلق القويم والمبادئ السماوية، وشتان بين ما يملكون وما نملك، فنحن الأقوياء لأننا مسلحون بالروح والحق لا بالمادة الزائلة والباطل الزهوق..."‏

ونختتم استشهاداتنا باللقطة /19/ وهي بعنوان "أصفاد الموتى":‏

يُروى أن رجلاً عشق امرأة، ولكنها أبت الزواج منه، فقال لها متسائلاً بدهشة: "كيف ترفضين الزواج مني مع أنك تقولين لي دائماً بأنك تحبينني؟"‏

قالت المرأة: "أنا أحبك ولكنك من أسرة لا تدفن الموتى من أجدادها، فكيف تريد مني أن أحيا معك في بيت غرفه مليئة بالجثث؟"‏

ففكر الرجل هنيهات ثم قال: "أنت محقة فالموتى لهم المقابر لا منازل الأحياء".‏

وبادر إلى حفر حفرة عميقة كي يدفن فيها جثث أجداده، غير أن أشباح الأجداد والأعداء أو ثقته بالأصفاد دفنته في الحفرة التي سبق أن حفرها.‏

لم تبك المرأة، إنما شحذت سيف رجلها، وانتظرت عودته دونما يأس كي يحارب الأجداد والأعداء.‏

لقد ظلمنا أنفسنا وظلمنا الكاتب بتقطيع أوصال قصة "الأعدء" الجديدة كل الجدة، مبنى ومعنى، لكن ما العمل، ولا سبيل غير هذا السبيل للوصول إلى البراهين النصّية؟ ففي تلك القصة بناء "تكعيبي"، والمكعبات المتداخلة، المتكاملة، المتجاوبة، وحدة معمارية مكتملة الأداء مبنى ومعنى؛ ولم يشأ الكاتب أن يسمى‏

الأجزاء مكعبات بل وضعها على التسلسل بعناوين متباينة، عن عمد دون شك، لأنه يدرك خصوصية بنائه ذاك، الذي يمكن أن يقرأ فقرات متقطعة مثلما يقرأ كلاً واحداً، لا نشاز ولا تشتت. ونلمح في هذه العينات المختارة ثوابت-أو بعض ثوابت- زكريا تامر التي لابد أن يجدها القارئ في جميع أعماله منذ "الرعد" من مطبوعات اتحاد الكتاب في سوريا عام 1970، حتى "نداء نوح" من مطبوعات دار رياض نجيب الريس عام 1994. وأهم هذه الثوابت:‏

1ً- النكهة "الجحاوية" اللطيفة الصافية؛ فالمعروف عن جحا في نوادره العديدة المتناقلة أنه، عن عمد، يلبس عقله بالمقلوب، ويرتكب كل ما يخرج على الحس السليم. فالنكتة قائمة على المفارقة، وبالخروج الكاريكاتوري على المعقول تتحقق المفارقة، وتكون الغاية التعليمية هذه المرة معكوسة الأداء. فالبطل -جحا أو غيره- عندما يتوصل إلى إضحاك المتلقي من موقفه الكاريكاتوري الأحمق يكون قد أنجز غايته وحرّك وعي ذلك المتلقي، دون أي وعظ ثقيل الظل، ودون أدنى حماسة أو انفعال. لكأني بهذا الأسلوب الرشيق، الخفيف الظل، يحقق مبدأ:‏

وداوني بالتي كانت هي الداء‏

والداء العضال الذي يَسِمُ حياتنا اليومية هو هذا اللامعقول الذي يجبهك حيثما توجهت، وتلتقطه حاستا السمع والنظر، ويضطر لسانك أحياناً كثيرة إلى القبول به وممارسته. إذن، ماذا لو دفع زكريا تامر أبطاله إلى قلب هذا اللامعقول متشبثين به بكل حماقة جحا- وهي حماقة ذكية، تلميحية وفيها سخرية مريرة، لاذعة؟ فما قولك بهذا "الجحا" الثوري، الذي لم يحب إلا بعد أن اكتشف أن محبوبته "مواطنة واعية"، وأنها "محبة للنظام السياسي السائد"؟ ثم إذا ما قبلها لم يرتعش -لا سمح الله- بأي شعور دنيوي دنيء، بل يهتز نشوة ثورية كأنه في "مسيرة مؤيدة لكفاح الشعوب"! ثم ما رأيك بهذا "الجحا" الضائع بين الثورجية والتمشيخ، وها هو ينبري لخطبة عصماء، مستلهماً كل بلاغة وجزالة اللغة العربية، مقسماً بالله بكل قوة وعنف أن "سكوتنا" عن الأعداء ما كان عن ضعف، وإنما كان "إباءً وشمماً وترفعاً وثقةً بالنفس". وفي جميع الأحوال، "فنحن الأقوياء لأننا مسلحون بالروح والحق لا بالمادة الزائلة والباطل الزهوق..."‏

وبطبيعة الحال، فإن "جحا" هو الشعب البسيط المنصرف إلى حياته اليومية، وحتى يكون هذا "الجحا" لا بد له من "قراقوش" يتولاه ويرعاه مسؤولاً لا تغفل عينه لحظة واحدة. نعم، جحا وقراقوش طرفان متكاملان لا غنى لأحدهما عن الآخر، تكامل توم وجيري داخل رؤيا والت ديزني للعالم عموماً في أفلامه الكرتونية المعروفة. وهذا القراقوش تراه حاضراً باستمرار لدى زكريا تامر.‏

فهو ذلك الشرطي الذي يعري- وفق كل الظواهر- زوجة المواطن الثورجي الصالح بحثاً عن.. الممنوعات، فيؤكد جحا القراقوش أن زوجته "ليست مطبعة تطبع المنشورات السياسية الهدّامة"، ويعود جحا مطمئناً قراقوش أن ضحكة تلك الزوجة التعيسة "ليست مؤامرة استعمارية". وقراقوش هو أيضاً ذلك الشيخ الطويل اللحية المندد بفساد الأخلاق، وضلال العباد، والذي يؤكد في اللقطة /22/ تحت عنوان "الرشوة" بلهجة مؤنبة: "لم يهزمنا الأعداء في الحرب إلا لأننا ابتعدنا عن ديننا الحنيف، واعلموا أن تلك الهزيمة عقاب وإنذار، عقاب لما ارتكبتم من ذنوب، وإنذار بمستقبل حافل بالويلات والكوارث". وبعد أخذ ورد مع أهل الحارة لا يجد هؤلاء سبيلاً غير.. بناء مسجد وتختتم اللقطة: "وجاع أهل الحارة زمناً طويلاً، ولكنهم بنوا مسجداً له مئذنة تشبه رمحاً غاضباً يوشك أن يندفع عبر الفضاء ليثقب طائرات الأعداء".‏

ودون أدنى شك، فقد تربع الشيخ ذو اللحية البيضاء في المسجد، ليتابع جلساته يومياً مع أهل الحارة!!‏

وممكن لقراقوش أن يكون أحياناً المحقق يستنطق جحا صغير الحجم، سما في "التحقيق"، اللقطة/23/:‏

["قال المحقق لطفل في المهد: "إياك والكذب. قل كل ما تعرف عن رفاقك".‏

لم يجب الطفل، فاستاء المحقق، وقال للطفل بلهجة حانقة: "أتجرؤ على رفض الكلام؟"‏

بكى الطفل، فاستاء المحقق، وأمر باستدعاء رجاله، فأقبلوا حالاً حاملين السياط والليل الميت النجوم"]‏

ومن بين "تجليات" قراقوش جثث الأجداد الذين يرفضون النزول إلى قبورهم، ويعيشون بإصرار جنباً إلى جنب مع الأحياء، وعندما يحاول العاشق الباحث عن الحب والحياة- عن الحاضر والمستقبل إذن! -طمر تلك الجثث العتيقة تلبية لطلب من أحبها، "يتعاون" الأجداد الميتون و... الأعداء، على طمر العاشق في حفرته نفسها: إنه إذن قراقوش الماضي، يدفن جحا الحاضر والمستقبل، وسنده المتين: العدو! وتبقى تلك المرأة المحبة المنتظرة دون يأس وسيف رجلها في يدها -فلعل انتظارها لا يطول!-‏

وفي نهاية المطاف، لابد أن يكون قراقوش الملك نفسه، وها هو في اللقطة/21/ يشتبه أن ضحك الأطفال لا غاية له إلا الهزء بهيبته الملكية..." فعاد إلى قصره، وأصدر أمراً بمنع أهل مملكته من الضحك"! ويستكمل قراقوش هيبته و"أحذية الجنود تصك الأرض برتابة" في اللقطة /26/، لقطة النهاية. لكنها أرض ميتة، والمصيبة أن من قتلها كان جحا الذي: "أغمد نصل مديته حتى المقبض في التراب بحركة متشفية..."‏

2ً- السمة الثانية الثابتة في عالم زكريا تامر القصصي، ظلال "ألف ليلة وليلة"، المحومة هنا وهناك. لقد حقق كاتبنا مأثرته الأصيلة عندما اشتق نموذجه القصصي مباشرة من هذا التراث الغني:‏

- بالرموز،‏

- بتمازج الممكن والمستحيل،‏

- بتمازج جميع المخلوقات من نبات، وجماد، وحيوان، براً، وبحراً، وجواً، ومن إنس وجان.‏

- وأخيراً، بلغة السرد السلسلة الميسَّرة، والدخول على القصّ من باب الخرافة الخيالية التي تلتحم بالواقع التحاماً وثيقاً من خلال الجانب التعليمي، والترفيهي، والجمالي، بالإضافة إلى أن ذلك العرض الخرافي ما هو إلا "الواقع" مكبّراً تحت عدسةِ الوعي.. وما عدسة الوعي تلك غير... الكلمة الفنية!!‏

إن التراث القصصي لدينا مذهل التنوع والأصالة، فأي عجب إذا ما أبدع زكريا تامر آثاره الفريدة استقاءً من ألف ليلة وليلة"، وغيرها من النوادر التراثية، محققاً مزجاً عجيباً، غريباً، جديداً في نوعه، مزج اللامعقول المعاصر والفرويدية -وهو ما سنراه لاحقاً- مع أسلوب القصّ الموروث؟! وأي عجب إذا ما حقق عبد الكريم ناصيف هو الآخر في عالم الرواية السورية مأثرته المستقلة انطلاقاً هذه المرة من سيرة بني هلال، مبدعاً أبطاله "الهلاليين" المعاصرين، ومعطياً نكهة ملحمية منتصرة للصراع الدرامي الحافل في رواياته؟! التراث ثم التراث إذا ما أحسن توظيف استثماره الحديث، وإذا ما رسمت مساقطه بكل دراية‏

ودقة، هو من أغنى مصادر الإبداع العالمي، إذ لا منفذ إلى البعد الإنساني الشامل إلا المحلية الأصيلة، وتلك إحدى مفارقات الإبداع الأدبي. بهذا الصدد انظر أولاً إلى مطلع اللقطة /19/: يُروى..." ففي هذا الفعل المبني للمجهول يتم الدخول إلى عالم الحكاية، على ذمة الراوي، وهذا الراوي أجيال وأجيال، ويستغني الكابت بهذا "المدخل" التراثي عن كل حذلقات القصة الحديثة لتحقيق الإيحاء بـ"واقعية" و"مصداقية" ما يقدم للقارئ. إنجازاً لعملية "الإيهام أو التخييل". فما أقصر وما أبلغ طريق "يُروى.." أو "كان في قديم الزمان... أو"كان.." بكل اختصار. وها نحن والمرسل والمتلقي متفقان على ألا يلعبا لعبة "الطميمة": "إنهما وجهاً لوجه، وبكل صراحة، متقابلان على أرض الحكاية لكن... داخل الزمن الغابر، وهل الزمن الغابر في اللاشعور الجمعي إلا الحقبة الذهبية للوعي والكمال، والوعي والكمال غاية القصّ الأولى والأخيرة، مضافاً إليهما المتعة الجمالية وتنشيط الخيال وتوفير التشويق والإمتاع.‏

وانظر من بعد ذلك المدخل "الاتفاقي" إلى تمازج المعقول باللامعقول- الموت والحياة هذه المرة، أو الماضي والحاضر -من خلال العرض الرمزي- دون أي قسر أو تكلف- حيث جثث الأجداد المكدسة في غرف البيت تعطل على العاشق أمر حبه النابض بالأمل والمستقبل، وعندما يباشر بحفر الحفرة اللازمة لطمر تلك الجثث العتيقة "المغتصبة" لحقه في الحياة، تنهض تلك الأشباح، يداً بيد مع... العدو، وتطمر الحب حاضراً ومستقبلاً، دون أدنى تردد: أليس الوجود صراع بقاء! فمن يلوم جثة الماضي إذا ما قاومت حتى الرمق الأخير، ومن يلوم العدو إذا ما كانت تلك الجثة المتعفنة خير نصير له على تحقيق بقائه وانتصاره هو الآخر؟! تلك هي دون زيادة أو نقصان بعض أجواء "ألف ليلة وليلة" الحافلة بالأشباح والغرابات، لكنها تظل مقبولة لارتباطها الحميم بالرموز التي تعبر عنها، ولكونها أولاً وأخيراً التصوير المجسّد لوطأة المشاعر والأفكار والعواطف الضاغطة: إنها بكل دقة أجواء الحلم الذي تتمثل فيه جميع الأمور "درامياً"، وهي دراما لاشعورية من أغنى ما عرف الإنسان إذ هي قائمة على ما يسمح لنا القارئ بتسميته "الممكن المطلق". هذا الممكن المطلق المحلّق بأدائه الرمزي هو ما يستثمره زكريا تامر إلى حدوده القصوى دون استعارة من أحد، إلا ما كان من عالم "ألف ليلة وليلة" لكن... بعد تمثل وتصفية تلك "الليالي" داخل الموهبة المبدعة، وإعادة التشكيل ضمن مرتسمات اللحظة الحاضرة. وانظر كيف تتم إعادة التشكيل والتمثيل في اللقطة الأخيرة، والبطل "يغتال" الأرض بإغماد نصل مديته في التراب حتى المقبض! وهل ذلك النصل القاتل إلا التفريط بالأرض والتنكر لها؟ وها هو ذلك الضائع بين غصّة الألم وطفرة الفرح اللامبالي يضع أذنه على صدر الضحية، تماماً كما فعل الطبيب الساعي إلى التأكد من الموت، ولكنه يسمع بدلاً من وجيب قلب الأرض النابض أحذية العسكر "تصك" -أو قل تصفع- وجه التراب الميت!!‏

3ً- ظلال التراث الديني المفرغ من كل مضمون بعد تحنيطه في اللفظية الجوفاء والطقوسية المنافقة. وانظر، بالإضافة إلى كل الأمثلة السابقة، هذه اللقطة الخاطفة التي تحمل رقم /5/ وأما عنوانها -وياله من عنوان فخم!- فهو "رجال"-!!:‏

"... الحمد لله الذي خلقنا رجالاً نركض ساعة الخطر إلى أمام كالريح، فننجو ولا نهلك.‏

والحمد لله الذي لم يخلقنا نساء نقعد في البيوت فتحرقنا قنابل الأعداء وكأننا الجوارب العتيقة.‏

الحمد لله الذي لا يحمد سواه...".‏

ولا تقتصر تلك المؤثرات التراثية على "اللغة" شكلاً مجوفاً، باهتاً رغم "طنطنته" الرنانة، بل يطال‏

كل ما يتصل بذلك الموروث. فما أكثر ما يطل عليك في منعطفات قصص زكريا تامر الشيخ الملتحي المعمم؛ والمصلون المستغرقون في صلاتهم وأدعيتهم؛ والنساء المحجبات ذوات الشرف الرفيع فحيناً يراق على جوانبه الدم، وحيناً يسترها الله وتحقن الدماء، إلى كل ما في حياتنا المعاصرة من مخلفات العصر الوسيط العربي الذي يأبى حتى تاريخه إفساح المجال للعصر الحديث، أو قل، على أقل تقدير، لعصري النهضة والتنوير.‏

4ً- اللغة الإعلامية المجوفة، وعنوانها الذي تنضوي تحته.. باعتزاز وزهو: "أسمع جعجعة ولا أرى طحناً"! وها هي اللقطة /11/ بعنوان "محو الفقراء":‏

جاع المواطن سليمان القاسم، فأكل جرائد زاخرة بمقالات تمتدح نظام الحكم، وتعدد محاسنه المتجلية في محو الفقر.‏

ولما شبع، شكر الله رازق العباد، وآمن إيماناً عميقاً بما قالته الجرائد.‏

وتدهشنا اللفتة الذكية في "شكر الله رازق العباد"، حيث يتم دمج فراغ الإعلام وتجويفه بفراغ وتجويف اللفظية التراثية، فكأنما الإعلام يتسلل إلى الضمائر، تحديداً من ذلك الموروث المأخوذ بالألفاظ الجوفاء. وها هو زكريا تامر يقلّد لغتنا المنقذة أرفع وسام في لقطته التاسعة "وسام للمنقذ":‏

ظفرت اللغة العربية بأرفع وسام في الوطن لمساهمتها في تحويل هزيمة حربية إلى نصر، فهي أسمت الحرب انسحاباً، وأسمت الانسحاب صموداً، وأسمت الصمود بطولة، وأسمت البطولة نصراً.‏

ولقد انتصرنا على الأعداء، وسننتصر أيضاً على طابورهم الخامس الذي يتجاهل وحدة الطاقات القتالية للغة العربية.‏

5ً- أسلوب قصص الأطفال مع التأكيد باستمرار على تزوير وتسميم عالم الطفولة. وانظر اللقطة /10/ بعنوان "لماذا؟":‏

سأل التلميذ معلمه: "ما الفارق بين الحيوان والإنسان؟".‏

فقال المعلم للتلميذ: "الحيوان لا يتكلم والإنسان يتكلم".‏

لم يكذب المعلم، ونحن العاملين في الإذاعة والتلفزيون والصحف خير من تكلم.‏

فإلى خالق السموات والأرض الذي منحنا الألسنة، نقدم الشكر والامتنان، ففوائد الكلام لا تحصى، ويوم حاربنا الأعداء قام كلامنا بدور مشرف، فجابه الأعداء بشجاعة، وأسقط طائراتهم ودمر دباباتهم وأباد جنودهم.‏

فلماذا حدث ماحدث وحلت بنا الهزيمة مع أن كلامنا جاهد جهاد الأبطال؟‏

وقد يطيب لنا أن نتوقف قليلاً لنرى كيف ينسج زكريا تامر خيوطه المتعددة في أداء موحّد متناغم. منها أسلوب القصة الطفولية بالإضافة إلى فن قصّ "النوادر"، وهذا مانجده في المطلع مباشرة "سأل التلميذ معلمه" ثم "فقال المعلم للتلميذ". وها المورورث اللفظي المجوف المثقل بالظلال الدينية المنافقة "فإلى خالق السموات والأرض الذي منحنا الألسنة..." وها أخيراً الإعلام المطنطن، وارث التراث اللفظي المجوف، يتجلى والكلام يقوم "بدور مشرف"، فيسقط الطائرات، ويدمر الدبابات... وتطل علينا النكهة "الجحاوية" من البداية وحتى النهاية حيث تكون القفلة مع جحا وهو يضرب كفاً بكف في حيرة وتعجب:‏

"فلماذا حدث ماحدث وحلت بنا الهزيمة مع أن كلامنا جاهد جهاد الأبطال؟".‏

6ً- سادساً وأخيراً، عالم اللامعقول والإطلالة الفرويدية الأصيلة على أغوار النفس البشرية، المضطربة بالرموز والاندفاعات اللاشعورية المنبثقة بهذا الشكل أو ذاك داخل ساحة الشعور. وهذا مانجده في لقطة النهاية والنصل القاتل يخترق صدر الأرض فيقتلها -!!-، ألا تبدو تلك اللوحة واحدة من أجمل ماكان يمكن لسلفادور دالي أن يرسم! وقد تكون اللقطة /17/، هي أيضاً، مثالاً موفقاً على هذا اللامعقول حيث شرطي حازم ينادي النهر -لاشك أنه بردى- وإذ يسأل النهر ويعلم أن محدثه شرطي ترتجف مياهه خوفاً، وهذا الشرطي يهدده:‏

"-... فعليك أن تتعهد خطياً بعدم التدخل في الشؤون السياسية.‏

-ولكن الوطن وطني.‏

قال الشرطي بلهجة جافة: -هل تريد أن تسجن؟‏

فبادر النهر إلى تنفيذ رغبة الشرطي، معلناً الولاء والطاعة لأولي الأمر".‏

رجوعاً من بعد هذا إلى لقطة "النهاية" لنطل صراحة على التفسير الفرويدي بشكل غير مباشر -بمواربة في هذه اللقطة، ودون مواربة في أماكن عديدة أخرى-. ترى، فما هي هذه "الأرض" التي يتم اغتيالها بـ "نصل" مدية؟ ألا أن هذا "النصل" سوف يستمر في جميع أعمال زكريا تامر تقريباً، وما أسرعه في "الطعن" أو "حزّ الرقاب" أو "تقطيع اللحم الأنثوي" إلى قطع صغيرة! ومن يستطيع إنكار الرمز "الذكوري" في النصل، والرمز الأنثوي -وتحديداً الأمومي -في الأرض؟! الأم هي الميتة إذن، ومن بعد موت الأم موت جميع القيم حيث لا تعود حياة إلا لحذاء القمع الذي هو صيغة معدّلة -استمراراً وتطويراً- لقمع الأب وبطش السلطة الأبوية في المجتمع الزراعي. هذا الأمر يحتاج إلى وقفة متأنية، فنتركه مؤقتاً لنعود إليه لاحقاً بكل تفاصيله "التامرية" كما وردت في عالمه القصصي.‏

خطوة أخرى إلى الأمام:‏

عصا الكلام السحرية‏

نمضي قدماً مع عالم تامر القصصي لنتوقف الآن مطولاً أمام كلمته المبدعة. كلا، ليس تامر استثناءً بالمعنى الإجمالي، وإنما هو في هذا المجال شأنه شأن الجميع، إذ الشعار -أو المبدأ الإلزامي- المنقوش على قوس النصر المؤدي إلى جمهورية الآداب "هو تحديداً:‏

في البدء كانت الكلمة وفي الختام تكون.‏

فالكلام وظائف متعددة، والوظيفة الأدبية الإبداعية واحدة منها. لكننا نلحظ لدى بعض المبدعين اهتماماً خاصاً بهذه الكلمات التي منها سوف يشيدون صرح إبداعهم، وعشقاً متأصلاً، فكأنها كائنات حية لها حضورها الدافئ الموحي في وجدان المبدع، وهذا مايميّز تامر منذ البداية. فعالمه المسحور: كلمات، ورؤياه: كلمات، ولعبته الأثيرة: كلمات، وعذابه، كما فرحه واشواقه: كلمات. فالرجل ولج إلى عالم المعرفة بالقراءة الذاتية المتأنية المشوقة، ويدل تنوع أساليبه على تنوع تلك القراءات الغزيرة. وهو منذ‏

اللحظات الأولى يدرك القدرات اللامتناهية للكلام المكتوب، البديل الذاتي المختزل ذهنياً وعاطفياً للعالم الموضوعي. تكتب: "كلب"، فيحضر الكلب أمامك. وتريده أن يطير فتكتب: "حلّق عالياً"، فيحلّق!! ومن يستطيع نسيان سحرة "ألف ليلة وليلة" التي تبدأ بزوج منكود الحظ يمتطي "بغلة زرزورية"، والبغلة -لحسن أو لسوء حظه- ليست سوى.. زوجته التي سحرت برشّ الماء وبكلمات: كوني بغلة! -بالمناسبة كانت الزوجة تستحق تلك العقوبة، ويمكن لأي كان الرجوع إلى القصة ليتأكد من ذلك وليعلم علم اليقين أن الزوج لم يكن ظلوماً وهو"يخيّل" على ظهر زوجته ضارباً في الفلاة الواسعة!- وإذا كانت شهرزاد قد مهّدت لتمرير هذه اللوحة اللامعقولة بمدخل منطقي عن طريق ممارسة السحر -فالسحر بند من بنود المنطق.. الخيالي والخارق- لتحويل تلك الزوجة المتوحشة إلى مطية للزوج المغدور، فإن قصص زكريا تامر لاتمارس السحر، أو ماسواه: إنها بكل بساطة "تسمّي" بالكلمة ماتريده أن يكون.. فيكون، تماماً كماهو الحال في عالم الأطفال. ومن منا لا يراهم.‏

وهم يتشاتمون أحياناً، فيستمر المتشاتمان دقائق طويلة وهما يتقاذفان من بعد "عوّي" مثلاً: مرددين الواحد بعد الآخر:‏

-أنت!‏

-بل أنت!‏

-لا، أنت وحدك!‏

-بل أنت وحدك!‏

وأحياناً، تكون المبارزة بالأرقام.‏

-مائة مرة!‏

-ألف مرة!‏

-مليون مرة!‏

-ألف مليون!‏

-ألف ألف ألف ألف مليون...‏

وهكذا، إلى مالانهاية، فمن يتعب من هذه المماحكة اللفظية تثبت الشتيمة عليه لأن "الكلمة" لصقت به وحوّلته حسب مضمونها!‏

وانظر مثلاً في قصة "آخر الرايات" من مجموعة "الرعد" الصادرة عن اتحاد الكتاب في سوريا عام 1970:‏

"... فطلب مني المحققون أن أسكت ثم أمروا بإحضار حلاق. وبعد قليل دلف إلى الغرفة رجل يرتدي ثياباً بيضاء، ويحمل حقيبة سوداء.‏

لم يتفوه بكلمة إنما وضع الحقيبة على سطح الطاولة ثم فتحها وأخرج منها منشفة بيضاء وربطها حول عنقي ثم أخرج من الحقيبة موس وشحذها على قطعة من الجلد مدهونة بالزيت ثم دنا مني وطلب إلي عدم التحرك أو التنفس، فامتثلت لرغبته، فذبحني بحركة خاطفة وسقط رأسي على الأرض، فتألمت‏

ونهضت واقفاً، فقال لي الحلاق: "نعيماً".‏

فلم أستطع الرد، وهرولت خارجاً من مخفر الشرطة، واندفعت أركض في الشوارع قاصداً البيت.‏

وعندما بلغت البيت، صاحت أمي: "أين رأسك؟"‏

فلم أجب لأني كنت بلا لسان، فأضافت قائلة: "إذن لن تستطيع الذهاب إلى طبيب الأسنان؟"‏

فاكتأبت للغاية لأني لن أتمكن اليوم من الذهاب إلى طبيب الأسنان لمعالجة سني المنخورة غير أني بعد قليل ابتهجت إذ أدركت أني لم أعد بحاجة للذهاب إلى دكان الحلاق".‏

تلك هي السطور الأخيرة من قصة "آخر الرايات"، وماهي غير مثال من آلاف الأمثلة التامرية على العبث الإيحائي اللاذع بالكلمات. ولو أردنا "الفهم المنطقي" كما هو متعارف عليه اجتماعياً، قسراً وتلقيناً، لما تعذر علينا الوصول إليه. فنحن في مخفر القمع، والمتداول شعبياً أن القمع "حلاقة"، فمن حلقوا له تيسّر و"انقلع"، مثلما أن المتعارف عليه، بشكل راق هذه المرة، أن ذلك المخفر مكان غسيل الأدمغة، ومن غسلت له رأسه صار بلا رأس!! لكن لننظر إلى ماهو أبعد، إلى الصياغة الأدبية. فالوقوف خطأ وظنّياً بعد سلسلة من المواقف اللامعقولة متهم بمحاولة قتل أحد الأغنياء الذي رفض تزويجه ابنته بسبب فقره وتشرده. وهاهو الموقوف يصرخ مندداً بالأغنياء، مؤكداً "قدرته" على الزواج.. حتى دون مال.. فيطلب المحققون منه السكوت، وطبعاً فلن يرضخ بعد أن أخذه الهياج.. إذن، لابد له من "حلاقة" مناسبة على السريع. وهاهو تامر بكلماته الدقيقة المتأنية يرسم لوحة واقعية لحلاق يرتدي الثوب الأبيض ويحمل الحقيبة السوداء. ثم تصور الكلمات على التوالي همّة هذا الحلاق وانضباطه:‏

-الحقيبة السوداء على الطاولة‏

-فتح الحقيبة‏

-إخراج منشفة بيضاء‏

-ربط المنشفة حول عنق المحلوق له‏

-إخراج الموس‏

-شحذ الموس حسب الأصول على قطعة من الجلد الخاص بالشحذ، وهي القطعة التي يعرفها حلاّقو أيام زمان‏

-ولا تنسى كلمات تامر حتى الزيت على قطعة الجلد تلك،‏

-من بعد ذلك لابد للمحلوق له أن يهدأ تماماً.‏

هنا، تنقطع التفاصيل الواقعية انقطاعاً سريالياً مباغتاً: "فذبحني بحركة خاطفة". لكن هذا الظهور السريالي مندمج واقعياً بما سبق من خلال المعنى العميق للذبح في هذا المجال باعتباره اجتثاث رأس المشاغب المقموع، ذلك الرأس الذي هو آفة الآفات باعتباره يضم العين التي توجه نظرة الاتهام والحقد، واللسان الذي يعترض ويحرض، والفم الذي يطالب بأن يأكل.. والأدهى من كل ذلك. ففيه الدماغ الذي يدعي أنه يفكر! هذا، كما يعود الذبح ويندمج في السياق الواقعي من خلال التعاقب المنطقي الدقيق على التوالي:‏

-سقوط الرأس على الأرض‏

-التألم الذي لامهرب منه‏

-النهوض من ثمّ، بعد نهاية العملية الناجحة. وتكون القفلة مقنعة وفق تسلسل التفاصيل، فلابد للمحلوق له من "المباركة" بعد انتهاء الحلاقة، وهاهو الحلاق بكل تهذيب ومراعاة للأصول يقول: "نعيماً!".‏

وتمضي القصة مسرعة نحو خاتمتها وفق الهيكلية نفسها، هيكلية الترابط بـ... "التجاور والتعاقب" وفق تسلسل منطقه داخلي هذه المرة، قائم على تشابك الكلمات فيما بينها، لا بالرجوع إلى نموذج ذهني اصطلاحي أو بدهي، وإنما على تماسك التفاصيل والكلمات المعبرة عنها أولاً بأوّل. فعندما يبارك الحلاق قائلاً: "نعيماً"، من المنطقي انسجاماً مع قطع الرأس وسقوطه على الأرض أن تكون التتمة: "فلم أستطع الرد". وما دامت "الحلاقة" المباركة قد انتهت فما الداعي إلى البقاء في المخفر!؟ إذن: "وهرولت خارجاً من مخفر الشرطة، واندفعت أركض في الشوارع قاصداً البيت". وطبعاً، فهذا المشاغب المقطوع الرأس ضائع أبداً ومحاصر دائماً بين فكي الكماشة: المخفر من جهة، والبيت من جهة أخرى، وليس في البيت من ملجأ سوى الأم، ويالها من أم متواطئة جهدها الأقصى أن تصرخ بتعجب: "أين رأسك". ثم تشعر بالأسف والاضطراب لأن قطع رأس ابنها سوف يعطل عليه معالجة سنّه المنخورة-!!- ترى، فهل كان الأب محقق المخفر أم حلاّقه، أو هو المحقق والحلاق في الوقت نفسه؟ كلّ الاحتمالات واردة، ولكن المهم أن هذا المشاغب قد استقرت أحواله ويمكنه أن ينعم أخيراً بطمأنينة البال، إذ لم يعد هناك أي داع لزيارة الحلاق... لقد حلقوا له، وكان رأسه "آخر الرايات" التي تمّ تمريغها أرضاً!!‏

نضيف هاهنا على الفور إلى ثوابت زكريا تامر في نموذجه الإبداعي النكهة الشعبية ذات النكتة الحلوة.. رغم مرارتها. وهي نكهة تدعم وتقوي النكهة "الجحاوية" التي سبق عرضها.. وهل إلا عامة الناس من المغلوبين على أمرهم، والمضطرين مع ذلك إلى المضي مع لعبة الوجود والعدم إلى مداها الأخير، من يمكنه ابتكار تلك الدعامة الساخرة، دعابة الحلاقة و"التنعيم" في المخفر؟؟ وما أكثر ماتفيض تلك الروح الشعبية في قصص تامر، طيبة ورقة وحنيناً حيناً، وسخرية لاذعة أو مرحاً حلواً أحياناً أخرى، فالكاتب قادم من الحارات الشعبية، من بيوت الطين، وهناك مستودع القهر و.. التحمّل والنكتة الحلوة -المرّة عبر القرون!‏

وننتقل، بعد هذه الإضافة، إلى سمات ومزايا ذلك البيان التامري الساحر:‏

1-فأولها الاختزال والتكثيف إلى أقصى حدود الممكن. فما أقصر جمله، وما أسرع انقضاضها على ماتريد التعبير عنه! وانظر مثلاً: "وبعد قليل دلف إلى الغرفة رجل يرتدي ثياباً بيضاء، ويحمل حقيبة سوداء" إنه الحلاق، بثيابه البيضاء وحقيبته المميزة، وسوى ذلك.. لا يهمّ: طويل أم قصير، سمين أم نحيل، سيّان! ولا يهم سوى أنه سوف "يحلق" للموقوف، إذن "لم يتفوه بكلمة" وهاهي حركاته تتلاحق كرجل آلي مبرمج، والجمل القصيرة المختزلة في هرولة منتظمة دون أي تشتت أو شروح زائدة: إنها سهم موجه بدقة وسرعة خاطفة إلى لبّ الحدث المروي، وهيهات أن يمكن لأحد التلاعب في نظام البناء اللغوي التامري!!‏

2ً- ومن سمات تامر اللغوية، تحقيقاً لسرعة وفعالية الأداء المكثف، الاستغناء في أغلب الحالات عن‏

السرد التمهيدي أو الانتقالي أو الختامي. إنها بين يديه، أوقل طوع قلمه، كلمات تقتحم الفعل على أرض الواقع أو الشعور داخل النفس -على السطح أو في الغور العميق- دون أي تلكؤ ودون فذلكات. وإذا كانت: "افتح ياسمسم" تشق بطن المغارة وتضع الكنوز في متناول علي بابا، فإن كلمة تامر تستحضر أمام القارئ الحركات والعواطف بكل غناها: غموضاً ووضوحاً، ترابطاً وتنافراً، بأسرع مما تفعله "افتح ياسمسم" السحرية... وانظر: فذبحني بحركةٍ خاطفة، وسقط رأسي على الأرض، فتألمت، ونهضت واقفاً..." أربعة أفعال لتصوير متلاحق، ثلاثة منها للواقعة المتدرجة (ذبحني، سقط رأسي، نهضت) وواحد لعرض الإحساس (فتألمت)، وهانحن وقد انتهت الحلاقة، والحلاق يقول: "نعيماً"!‏

3ً-ويستكمل تامر في المقام الثالث سحر بيانه اللغوي عندما يوظف كلماته أحياناً لتكون موكباً في الشعر الحافل بالصور، والعواطف الندية. وانظر مثلاً في قصة "حقل البنفسج" من مجموعة "دمشق الحرائق" الصادرة عن اتحاد الكتاب عام 1973 ذلك العاشق الدمشقي، محمد، الذي يبدأ عشقه من السراب، وينتهي في السراب ومطلع القصة:‏

"عاش محمد أعواماً مديدة في مدينة صغيرة، تقبع بذل عند أقدام جبل شاهق، ترتطم السحب بصخوره الصفراء. وكانت سماء المدينة سوداء لاتملك قمراً وشمساً ونجوماً".‏

إنها مدينة دمشق -قبل توسعها الهائل- وأما الجبل الشاهق فهو قاسيون. وتأمل كيف يصور تامر المشاعر بتكثيفه، الشاعري هذه المرة، "مدينة [صغيرة] تقبع [بذل] عند أقدام [جبل شاهق]، وراقب من بعد ذلك عمق تلك اللوحة الحزينة التي يرسمها للمدينة: "وكانت سماء المدينة سوداء لاتملك قمراً وشمساً ونجوماً"! ما أشقاها من مدينة، تلك التي لاتكون بصباح أو غروب، ولا تعرف سوى الليل الأعمى، و[سواده] الفاحم المتجاوب مع [اصفرار] صخور الجبل!!! لكن هاهو الحلم يفتح ثغرة في ذلك السواد:‏

"واستطاع محمد ذات يوم أن يتخيل امرأة تقف محنية الظهر في حقل بنفسج مبلل بالمطر، وتنتحب بانكسار بينما يلتمع فوقها قمر شاحب". وياله من حلم رقيق، ناعم، حميم، جميل ولكنه مع ذلك يحمل حزن المدينة ويبدو من البداية وكأنه يحمل معه نبوءة الفشل والخيبة. وهكذا فعندما يلتقي محمد على أرض الواقع بتلك المرأة، من الطبيعي أن يفشل في مد أي جسر معها.. بكل بساطة، أصبح يطاردها صامتاً وحلمه الأكبر: أن تبتسم له! هذا على الأقل ماطلبه من إبليس الذي استنجد به بعد أن أعيته الوسائل. وبعد هذا الطلب المتواضع، نرى كيف يتفتق الشعر صافياً مع تامر وهو يصور حالة بطله:‏

"وشعر محمد في تلك اللحظة أنه [ضال في غابات مفعمة بالضباب]. وكان يحس على الدوام أن [في دمه أطفالاً، صرخاتهم مخنوقة]، ولقد انتظر طويلاً أن [تبزغ فوق صحرائه أنثى تهبه الشمس والعطر والنشوة والطمأنينة].. سيتأبط ذراعها ويسيران معاً بخطى متمهلة عبر الشوارع مستنشقين [شذى ليالي الصيف].. وسيتدانى رأساهما [تحت المظلة لحظة ينهمر المطر].. وسيذهبان أحياناً إلى دور السينما ويجلسان في الظلام [متلاصقين كقطتين أليفين]..." ونرى في ذلك الشعر الحنين الجارف إلى "التواصل" مع الآخر بالحب، وإلى "الاتحاد" مع الطبيعة الحميمة كما نرى "الرجوع" إلى الطفل الكامن في الدم وتحرير صرخته المخنوقة لتنطلق على مداها.‏

4ً-ولا ينسى تامر في المقام الرابع الأداء الرمزي للغة فيدمجه مع الأداء الشعري في نسيج واحد، وهاهو ينهي قصة "حقل البنفسج" بعد أن فشل إبليس في حل المشكلة واستسلم هو نفسه لأحزانه وهمومه‏

الشخصية واستغرق في نوم عميق:‏

"وأخذ محمد يتجول في جنبات الغرفة محاذراً أن يحدث أي جلبة. وتخيل فجأة جبل مدينته الشامخ.. محمد سيتسلقه.. سيبلغ [ذروته التي لم تطأها قدم إنسان].. سيستنشق هواء القمة.. وهناك [سيطل من أعلى].. واجتاحت محمد غبطة عارمة، ولكنه تساءل: "ثم ماذا سأفعل؟".‏

وأدرك أنه لابد له من [ترك قمته] و [الانحدار باحثاً عن شيء ما].‏

وتهاوى محمد على المقعد بينما كانت مخيلته تستعيد حقل البنفسج وامرأته الجميلة الباكية المحنية الظهر. وتناهى إلى مسمعه صرير فرامل سيارة في الشارع، أعقبته ضجة. فهرع نحو النافذة، فإذا إحدى السيارات قد دهست رجلاً [وحطمت جمجمته] تحت عجلاتها. وبعد هنيهات جاءت سيارة الإسعاف فحملت الجسد المدمى [تاركة عظام الجمجمة المتفتتة للزبال الذي جمعها بمكنسته وألقاها في صندوقه الحديدي] بحركة متعبة غاضبة.‏

وابتعد محمد عن النافذة وقد ازداد ظهره تقوساً، وظلت [سماء المدينة خارج الغرفة سوداء بلا ضوء]".‏

ما أكثر التفاصيل الرمزية في هذه النهاية! وإنها نموذج من بين مئات النماذج على توظيف تامر للكلمة رمزياً. فهناك "ذروة لم تطأها قدم إنسان" ولكن محمداً -أو قل الكاتب بالأحرى- يصمم على بلوغها لأنه يرفض "ذل" المدينة "القابعة" عند "أقدام" الجبل الشاهق. ويحلف أنه سوف "يطل من أعلى" على المدينة جمعاء. لكن.. ماذا بعد القمة؟ لابد من "الانحدار" سعياً وراء هدف. فأي هدف ذاك؟ إنه.. "شيء ما"، فهل ماهو أبلغ من هذه الـ"شيء ما" للدلالة على تفاهة السعي اليومي!؟ وهانحن من بعد ذلك في السفوح الواطئة، عبر شوارع المدينة الذليلة الخانعة، ورأس جديد، من بعد الرأس المقطوع من "آخر الرايات"، يحطم وتترك عظام جمجمته لـ.. "الزبال"!‏

وكانت بداية القصة مع سماء سوداء، فجاءت النهاية رجع صدى البداية: سماء سوداء بلا ضوء!‏

عندما تتحول اللغة التامرية إلى الرمز عليك ألا تهمل أدنى كلمة: لأن الكلمات جميعاً -والتفاصيل التي تجلوها تلك الكلمات- تكون مشحونة حتى الأقصى بالرموز والإيحائية الرمزية. كما أنك واجد في تلك الرموز أجمل اللوحات وأعمقها أثراً ورسوخاً في الذاكرة والوجدان. ولينظر القارئ تلك اللوحة التي تقشعر لها الأبدان رغم بساطتها البالغة -ربما البساطة سرّ الرهبة فيها-. إنها اللوحة المرسومة في قصة "السجن العربي" والبطل فيها عبد الله الكبير- أحسن الله خاتمته، كما يقول الكاتب- يروي لأهل حارته بالأسلوب "الجحاوي" بقاءه في التوقيف لمدة ثلاثة أيام، قضاها.. ولا في فيينا أو في سويسرا كما يقولون عندنا. فقد استقبل أولاً بالسمفونية التاسعة لبيتهوفن. والمحقق آية من آيات الكياسة والدماثة والنعومة، وكل مافي الأمر أنهم يريدون معرفة سبب عزوف عبد الله الكبير عن الزواج. فالوطن بحاجة لهمته في هذا المجال. وعندما هدّد بالشكوى لمجلس الأمن عن التدخل في حياته الجنسية، تبلبل المحقق الخجول واصفرّ وجهه اضطراباً، ورجاه قبول اعتذاره.. العملي، وماكان ذلك الاعتذار العملي إلا دعوته بإلحاح أن يقبل الإقامة لديهم لمدة ثلاثة أيام كي يقوموا تجاهه.. بالواجب. وعندما جافاه النوم استحضروا له رقاصة شرقية، ثم "خبيرة" فرنسية، وممثلة عربية لتقديم الإفطار من بعد ذلك و.. و.. وبعد الانتهاء من المدخل "الجحاوي"، ننتقل إلى الرمز، وهاهو عبد الله الكبير يودع أهل حارته الذين راحوا يتراكضون أيهم يسبق‏

إلى المخفر للفوز بتلك الضيافة الحافلة، ويدخل إلى بيته:‏

".. وعندما رأتني أمي داخلاً إلى البيت، حملقت إليّ مدهوشة، وقالت لي: لماذا تحمل حذاءك بيدك ولاتلبسه؟‏

فلم أجاوب إنما سرت نحو غرفتي [بينما كان الدم يلطخ الأرض إثر كل خطوة أخطوها]. فتبعتني أمي وسألتني عن قدميَّ المتورمتين النازفتين دماً، فقلت لها: الطريق إلى القمة مملوء بالأشواك، والوطن لن يتطور بغير ضحايا.‏

وقلت لها: إذا أردت أن توقدي ناراً بالحطب الكبار فستخفقين، ولكنك ستنجحين إذا استخدمت صغار الحطب.‏

فهزت أمي رأسها آسفة، وقالت لها: ماهذا الكلام؟‏

هل جننت؟‏

فقلت لها: إن الدنيا نذلة، وهي إلى كل نذل تميل.‏

وقال عبد الله الكبير: فلما غادرت أمي الغرفة، تنهدتُ بارتياح.."‏

فهل من القراء من يستطيع تخيّل رمز أنصع وأبسط وأقسى من آثار الدم التي تخلفها القدمان المتورمتان النازفتان على أرض الدار النظيفة؟ لقد ضُرب عبد الله الكبير -سترنا الله وإياه!- في المخفر حتى تورم ونزف القدمين، وجاء يطبع دليل القمع دماً أحمر النزف على بلاط البيت أمام ناظري الأم. إنه ثنائي القمع الذي سبق أن رأيناه في "آخر الرايات": البيت والمخفر! وهاهي الأم ذاتها، تستفهم بتجاهل بارد عن القدمين الداميتين!! هي إذن لاتعلم السبب الحقيقي؟ ما أوجع تجاهل المتواطئ! وهاهي توبخ المقموع متهمة إياه بالجنون، فأي عجب أن يشعر الابن بالارتياح بعد مغادرتها للغرفة؟‏

5ً-بالرجوع إلى خصائص الأسلوب التامري السابق ذكرها، لايمكن إلا أن يساعدنا القارئ فيضيف إليها، استنتاجاً، التنويع الضروري للانتقال من الظلال الشعرية إلى المفاتيح الرمزية، ولتحقيق التكثيف والفعالية باعتماد التعبير المصوّر تارة، والكلمة الذهنية المجردة تارة أخرى. ناهيك عن التلوين استقاءً من مختلف المصادر التراثية والحداثية. ويتحقق هذا التنويع في ثنائيات متقابلة، غير متعارضة رغم بعد الشقة بين كل طرفين، لأنها في النهاية، رغم التباعد، إنما تهدف إلى إنجاز اللوحة الأدبية الموحدة الأداء، شكلاً ومضموناً. ويمكننا تلخيص هذه الثنائيات؛ وقد لمسها القارئ دون شك عبر جميع "البراهين" النصية المختلفة التي أوردناها، على الصورة التالية، وبشكل مجسم نستسمح القارئ على عفويته وبساطته:‏

أ-مجرد، ذهني -مصوّر، محسوس‏

(واقعي ومباشر) (شاعري ورمزي) ‏

ب-ساخر، عابث اللوحة -عاطفي، مؤثر‏

(تراثي وإعلامي) التامرية (حداثي ودرامي)‏

ج-بسيط، عفوي القصصية -مدروس، مقصود ‏

(السهل الممتنع) (البلاغة الصافية.. دون تكلف)‏

والواضح في جميع تقابلات الأسلوب التامري الساحر أن الكاتب، عن سابق تصور وتصميم، لايكتب إلا في لحظة الصدق القصوى مع النفس، لحظة التأثر وحضور "بنات" الإلهام، فهو من أبعد الكتاب عن الإنشاء الأدبي، وبهلوانيات المهارة البلاغية. وتلك لعمري الذروة العليا حين يتمسك الكاتب أولاً وأخيراً ودائماً بالصدق مع المعاناة والموهبة. فالأفكار والعواطف والخيالات -وموكبها الحافل بالكلمات- تحضر حينذاك طوعاً دون أي قسر أو إكراه، وتتجلى في أسمى آيات الإبداع والجمال. فهل من يعجب إذا كان زكريا تامر قد أراد يوماً أن يصعد إلى "الذروة التي لم تطأها قدم إنسان"؟! وإنه ليأخذ بيد قارئه أيضاً إلى تلك الذروة الشامخة حيث يطلان سوياً على روعة الإبداع الأدبي "من أعلى"، دون أن تكون بها حاجة من بعد ذلك "لترك تلك القمة" بحثاً "عن شيء ما".. فما بعد الإبداع من غاية: إنه حالة النشوة التي يمتزج فيها الوعي الإنساني بالحس الجمالي والشعور الأخلاقي، وصولاً إلى الطمأنينة واليقين، وهذا ماتوفره أعمال تامر القصصية في الزمن العربي الكالح، فهي شعاع رجاء في ليل القمع، واليأس، والشعور المرير بالهزيمة والانسحاق.‏

تفرّد النموذج الجمالي‏

ويتفرّد زكريا تامر بنموذجه الجمالي تحقيقاً لأصالته، وهذا التفرّد هو في أساس الإبداع. لنتصور ألف رسام يقلّدون بروجل مثلاً! إنهم جميعاً نموذج واحد: نسخة مكررة عن بروجل دون نقص ولا زيادة! وحتى لانذهب بعيداً، لدينا من حاضرنا القريب أكثر من مقلّد لبدوي الجبل، ولكنهم جميعاً ماتعدّوا نطاق الظلال الباهتة، وبقي النموذج الجمالي المميز يحمل "دمغة" البدوي الفريدة، سيان أعجبت هذا أو نفرّت ذاك، لكنها في جميع الأحوال أبعد ماتكون عن دمغة عمر أبو ريشة، والاثنان في عالم، ونديم محمد في عالم، فإذا ما انضم إلى هذا الرهط نزار قباني نصب راية فرادته هو الآخر، وهكذا إلى مالا نهاية مع الإبداع والمبدعين. وقد حضر إلى جمهورية الآداب ذات يوم رائد نصب راية أصالته، واستقل بإقليم كامل كرّسه للقصة القصيرة، التي جرّب فيها ماشاءت له موهبته المبدعة. فجاء بالأقصوصة -الومضة-، والقصة، والقصة الطويلة، والحكاية، وحتى.. النادرة والطرفة رفعهما عالياً فهما من آيات الأدب القصصي الرفيع!‏

وقد تأخذنا الدهشة حيال "الابتكار" التامري الحق، ولكننا بعد التأمل المتأني يمكننا تعقب أركان ذلك الابتكار:‏

-فهو أولاً اللامعقول السوري /والعربي/ الكامن في أعماق مثلث القمع -التابو: السياسة والدين والمرأة،‏

-وهو ثانياً هيمنة العصر الوسيط دون هوادة من خلال مثلث القمع ذاك،‏

-وهو ثالثاً، الغوص في أعماق اللاشعور، وتصيّد الخيوط الفرويدية، بالتجربة والمعاناة هذه المرة لا بالتنظير والبحث الأكاديمي،‏

-وهو رابعاً وأخيراً الربط المتين بين ذلك اللامعقول المثلث المحرمات وبين الإطلالة الفرويدية -بل التامرية الخالصة- على عالم اللاشعور والضائع في الأغوار السحيقة: فالنظّام الأسري ومافيه من قمع ومصادرة، ماهو في مجتمعنا الوسيطي إلا الركيزة الأساسية لقمع ومصادرة محرمات السياسة والدين‏

والمرأة. فالأب والشرطي والمحقق والشيخ والشباب "الزكرتاوية" الذين يغلون غيرة على الشرف الرفيع لنساء وبنات الحارة، هم جميعاً "بدائل" متكاملة داخل وخارج البيت: ضمن إطاري الأسرة -الوحدة الصغرى- والمجتمع- الوحدة الكبرى-! أما الأم المغلوبة على أمرها ومايعتمل في النفس تجاهها من مشاعر وعواطف متناقضة محصّلتها النهائية الخيبة والمرارة، فهي رديف كل النساء، وهي رمز الحب المهزوم داخل دائرة القمع الخانقة.‏

إن وقوف زكريا تامر باستمرار عند عمق البعد الحضاري والإنساني للمجتمع السوري المتمزق بين كوابح العصر الوسيط التي تشده إلى الوراء، وبين نوازع النهضة والحداثة التي تدفعه للدخول في الحاضر والتوجه نحو المستقبل، هو الالتزام الأقوى لديه، وهو مايعطي لأعماله تلك النكهة المميزة: إنه في لب المشكلة، وفي قلب المعاناة البعيدة الغور، ولم يحد عن تلك الأغوار لحظة واحدة! وقد رأينا كيف واتاه الإلهام المبدع فعرف كيف يوظف ويشبك المؤثرات التراثية بمعطيات الواقع الراهن، وكيف يستخلص لغته الخاصة، وبقي علينا في إطار هذه الدراسة الأولى الوقوف عند إحدى روائعه القصصية في وقفة تطبيقية لا غنى عنها لمصداقية العرض، وقد اخترنا لهذه الغاية من مجموعة "دمشق الحرائق" قصته الطويلة "البدوي" وكانت قد نشرت سابقاً في مجلة "الآداب" البيروتية، وأثارت في حينها ضجة -في السبعينيات- لأنها تعرضت لمقص الرقيب السوري الذي حذفها من المجلة آنذاك بسبب.. إباحيتها!‏

والقصة المذكورة طويلة وتقع في /60/ ستين صفحة تقريباً من القطع المتوسط. بطلها يوسف عامل بائس يسكن في قبو. وهو شاب يغلي شهوة و.. كبتاً، وأحلاماً. أما أحلامه فتتوجه إلى ليلى الصبية التي شيّعها في بداية القصة حتى القبر، علماً أنه لايعرفها: لقد شارك في الجنازة على سبيل التسكع! لكن تلك الصبية المطمورة تحت التراب أصبحت محرك كوابيسه في اليقظة والمنام. ثم هاهي أحلامه وأشواقه تدفعه إلى سميرة بنت الجيران التي يعشقها ويعابثها ويشتهي أن يقطف "الياسمين" الندي على جسدها الغض! ثم إن الذكرى ترجعه إلى فطمة، زوجة أخيه، التي أحبها منذ البداية، ولم يستطع إلا أن يمارس الحب معها في غياب الأخ والأب؛ لكن الأم المتيقظة ضبطته متلبساً، وهو في الحقيقة قد غادر البيت.. طرداً، ما المحور الدرامي للقصة إذن؟ إنه هذا التمزق المستمر بين الأقطاب الأنثوية الثلاثة: ليلى (كوابيس)؛ فطمة (ذكريات)؛ سميرة (أشواق ومعابثات وصولاً إلى .. الفراش)، ومن بعد لقاء الحب مع سميرة يكون هرب يوسف أولاً إلى الفندق، ومن بعد ذلك مباشرة يعود "الطريد" إلى بيت الأسرة في الحي الشعبي! فلماذا عنوان القصة "البدوي"؟ آه، يوسف لديه تمثال خشبي لبدوي يمتطي حصاناً، وتختلط تخيلاته أحياناً مع ذلك البدوي "الخشبي" المجنح فوق حصانه!! القصة إذن عادية، باهتة، والحبكة مفتعلة، والحركة الدرامية لعب في لعب!! هذا مايمكن أن يتصوره القارئ غير زكريا تامر. ولكن تامر كما رأينا هو الغواص إلى الأعماق، مثلما هو المحلّق فوق القمم! وهاهي جميع التفاصيل تأخذ كامل أبعادها الشعرية، والرمزية، والإنسانية، في أداء فني محكم التكامل، والتناظر والانسياب، حتى لحظة الختام. فليلى أولاً، ليست غير الأنثى المقهورة، المستحيلة، وهي ميتة داخل القبر وخارجه. فليلى هي سميرة وهي فطمة. أما كوابيسه التي تقوده إلى قبر ليلى فماهي إلا رجع صدى أشواقه المقهورة الموجهة نحو فطمة، حبه الحقيقي. وسميرة؟ إنها استراحته بين الكابوس والشوق المقهور، وهي استراحة تنتهي بخيبة اللقاء في الفراش حيث تتفجر سميرة كبتاً وشبقاً، وفجاجة.. دون أي أثر للياسمين الغض الذي كان مدار حلم يوسف. ولينظر القارئ إلى البيان التامري الساحر كيف يوحد تلك "الأقانيم":‏

".. وقال يوسف لنفسه: يجب أن أنام لأنهض باكراً وأصل إلى المعمل في الوقت المحدد.‏

وأرهف سمعه، وكان الطابق الأول صامتاً. أين سميرة؟ لابد أنها نائمة. [وتخيلها مستلقية على سريرها] شعرها متناثر على وسادة بيضاء، وثمة وداعة آسرة مهيمنة على وجهها. [وكانت الميتة في القبر مستلقية أيضاً على ظهرها فوق التراب].. وأغمض عينيه عائداً إلى المقبرة، وانزلق إلى جوف القبر. ستتلقفه العتمة. [فطمة أيضاً مضطجعة على السرير لصق أخيه]".‏

ثم هاهو الشعر والرمز يتدفقان في زخم متدافع، بالأسلوب المكثف الخاطف، المثقل بالصور دون أي تشتت سردي:‏

"واستسلم لإغفاءة. الأسماك في البحار. أسماك تبرق ذهبية حمراء عبر الماء والضوء. يئن. ريح الصحراء بعيدة. يوسف أمير قبيلة يملك جواداً وسيفاً وخيمة وجارية تغطي وجهها بحجاب كثيف أسود، يوسف يريد رؤية الوجه. إنها ليست الميتة، ومد يده وحسر الحجاب، ولم يكن وجه سميرة إنما وجه فطمة.." الحجاب هو الكفن إذن، ولابد من تمزيق ذلك الكفن لتكون قيامة الميت من قبره التاريخي السحيق. والبدوي؟ إنه صوت الحرية الصارخ في الأعماق الدفينة، ولكنه صوت مخنوق بالبؤس وهذه من ثوابت زكريا تامر أيضاً: الالتصاق الحميم بالأرض والفقراء. لقد ".. تفاقم حنين البدوي إلى المدن الغريبة حيث الصخب يلقي بأنشودة ظافرة. وكان يوسف يعلم أنه لن يرحل إلى أي مكان، وسيضيع نهاره في معمل خارج المدينة. وسيتلطخ بالسواد والزيت والعرق. وسيلمس الحديد البارد. ويخضع للغضب الكامن في أصوات الآلات. [وستكون] عينا صاحب المعمل سوطين قديمين مبتلين بالدم]. حلم يوسف مرات عديدة أنه ألقى صاحب المعمل وهو حي في بوتقة ضخمة مليئة بالحديد المصهور. وحلم [أنه يذبح فطمة]. وانتشى بتخيله سماع صرخات حيوان يلتقي فجأة بوجه الموت. سأموت في فراشي بشرايين معصم مقطوع. سينثال الدم إلى أسفل ويبوح بأغنية قرمزية. [لن أبصر غراباً يحفر قبراً لغراب آخر صريع]. [سأحمل جثة أخي حتى موتي]. [لن يكون لجثتي قبر].‏

فإذا رجعنا مباشرة إلى الحلم الأخير، رأيناه يكتمل قبل نهاية القصة أصداء مترددة لهذا المقطع:‏

".. البدوي يشتغل محني الرأس في معمل. فطمة لاتضحك. أقفر القبر. لستُ صديق القمر والليل. أحبك. فطمة لا تضحك. عيناها يدا متسوّل. يداها تلمسان جبهة يوسف، فيتساقط مطر من ياسمين في دمه، [وينتشله غرباء من بئر عميقة]. [أرسلتُ قميصي إلى أبي الأعمى]".‏

وهانحن قد مضينا أبعد في تعميق الرمز والإسقاطات، بالإطلالة الفرويدية -التامرية على اللاشعور المعذّب بالشعور بالذنب والحصار، وقد تحوّل هذه المرة نحو الأخ وزوجة الأخ، علماً أن الأب والأم لهما موقعهما المميز في أكثر من موضع على امتداد قصة "البدوي"، وداخل المنظور الأوديبي المعروف. لكن تامر، أضاف "قراءته" الفذّة موظفاً القصص الديني ضمن هذا المنظور: قابيل وهابيل أولاً، ويوسف المرمي في البئر ثانياً، والأب الأعمى الذي لا غنى عن إلقاء قميص البراءة والوعي والحرية على عينيه ليعود بصيراً.. ودون سلطة باطشة!!‏

من غير زكريا تامر يقدر على مثل هذا الغوص؟ وليس هذا الغوص عرضاً "ذهنياً" بإقحام وفجاجة ومباشرة مزعجة، وإنما هو الأداء الفنّي الآسر على خطّي النموذج الجمالي القصصي: الأفقي والشاقولي. حيث تتعاقب التفاصيل والمقاطع واللقطات، أفقياً، بإيقاع منتظم متناغم، يدعمه انتظام وتناغم التموّجات‏

الشاقولية حدّة وهموداً، وتبايناً مستمراً في الزخم الانفعالي والعاطفي، مع المحافظة، بالإضافة إلى هذين الخطين، ومن خلالهما، على تصاعد الحركة الدرامية المطّردة وصولاً إلى رجوع المطرود، المرمي في بئر القبو، إلى بيت أهله القديم، وهاهو أمام الباب الخشبي المهترئ يضغط زر الجرس بأصبع ترتجف: ".. فتعالى فوراً صوت ممطوط متسائل: من؟ فتردد يوسف لحظة لكنه مالبث أن أجاب بثقة: أنا.. افتحوا.‏

[وكانت الشمس تصعد إلى أعلى فأعلى تاركة الأفق الشرقي لتمتلك المدينة]".‏

إنها العودة الظافرة في ألق الشمس الساطعة، وليسقط القبر، والليل والقمر من حوله ومن فوقه!! وهي عودة من أدرك أن معركته الحقيقية هي في الداخل، وفي الوحدة الصغرى -الأسرة- أولاً وأخيراً.‏

ذلك هو زكريا تامر، وتلك هي قمته الشاهقة التي بلغها. بإبداعه الأصيل. وهي القمة التي لم ينزل عنها قط، وإن كان قد تغرب عن "المدينة القابعة عند أقدام جبل شاهق"، فجاءت مجموعته الأخيرة "نداء نوح" مفعمة بمرارة عميقة.. لكن هذه قصة أخرى، وسوف تكون لنا عودة إليها. نضع إذن نقطة الختام، ونحن نعلم أن دراستنا هذه هي البوابة الأولى لا غير، إلى قمة ذلك الساحر الدمشقي الذي جاء بآيات السحر ولم يكن في جعبته سوى.. كلمات!!‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244