|
||||||
| Updated: Tuesday, September 23, 2003 04:54 AM | ||||||
| فهرس العدد | فهرس الدوريات |
|
القصة القصيرة جداً تحليل علاماتي لأنموذج تامري ـــ د. عبد النبي اصطيف ليس العالم الإنساني غير عالم من العلامات Signs التي ترتبط فيما بينها بوشائج وصلات تحكمها قيم ومعايير ومقاييس وأعراف ومبادئ مستمدة من مجتمع معين، وتشكل كلّ مجموعة منها -أي هذه العلامات- نظاماً محكماً يعمل وفقاً لآليات ونواظم معينة يُنتِجُ من خلالها معاني ودلالات يدركها أفراد هذا المجتمع كلّ على مستوى من المستويات، ويتصرف بعدها على أساس من هذا الإدراك مستجيباً لها على النحو الذي يراه ملائماً لظروفه وشروط وجوده. وعلى الرغم من أنّ العلامات وأنظمتها تتنوع بتنوع المجتمعات الإنسانيّة، فإنّها كثيراً ما تلتقي في دلالاتها ومعانيها متجاوزة في ذلك الزمان والمكان والحدود اللغوية والسياسية والثقافية والقوميّة. ومع ذلك فإنّ كلّ علامة تحتفظ بما يشي بنسبها أو بصلتها بالمجتمع الذي انبثقت فيه، فصافرة الشرطيّ وقد أطلقت متزامنة مع حركة اليد أو العصا، على سبيل المثال، علامة مركّبة يتلقاها سائقو السيارات الذين يمضون في اتجاه معين من الطريق، فيتوقفون، ويتلقاها سائقو السيارات المتوقفون عند نقطة أخرى، فيمضون، ويتلقاها المشاة على رصيف ما، فيعبرون، ويتلقاها مشاة آخرون على رصيف آخر فيتوقفون منتظرين علامة أخرى تتلو هذه العلامة وتيسّر لهم عبور الطريق. ونظير هذه العلامة المركّبة التي يلحظها المرء في مجتمع معين، يجد في المجتمعات الأخرى علامات أخرى قد تكون مختلفة عنها، ولكنّها تنتج معاني ودلالات مشابهة لتلك التي تنتجها هذه العلامة، فالمسامير على معابر المشاة في طريق بعض الدول أو المعابر المخططة بالطلاء الأبيض، والأضواء الصفراء المثبتة على حوامل تنهض على حافة الرصيفين المتقابلين، والتي تضيء آناً وتخبو آناً آخر، وما تحمله من دلالات ومعان يدركها عابر الطريق والسائق في أيّ من اتجاهي الطريق، ويتصرفان على أساس من إدراكهما لها، تؤدي الوظيفة نفسها التي تؤديها صافرة الشرطيّ وحركة يده وعصاه في المجتمع الأوّل. وكذا الشأن في المعابر المخططة أو المحددة بالمسامير والإشارات الضوئية الثلاثية في مجتمع ثالث، والعمود الحديدي القائم على طرف كلّ رصيف من رصيفي معبر المشاة، والذي يتوضع عليه زرّ يطاله الراغب من المشاة في العبور، وخاصة ذوي البصيرة، ويضغط عليه، فينطلق إثره صوت يتردد متزامناً مع ضوء آخر يراه ذوو البصر قبالتهم، فيعبرون مسرعين، ويسمعه ذوو البصيرة، فيتابعونهم، ويرافق كلّ ذلك ضوء أحمر يراه السائقون قبالتهم في كلا الاتجاهين، فيوقفون سياراتهم في مجتمع رابع، وهكذا وهكذا، تتعدد العلامات والدلالات والمعاني متشابهة أو تكاد تكون واحدة (انظر الشكل التوضيحي في خاتمة هذه المقالة). إنّ جميع هذه العلامات المستعملة في المجتمعات المختلفة تنتج معاني ودلالات متشابهة على الرغم من استخدامها آليات متنوعة ونظماً ترميزية مختلفة Codes، تؤدي في نهاية الأمر وظائف متماثلة في المجتمع الخاص بها. والمهم في الأمر أنّ كلّ علامة تحمل سمات مجتمعها الذي تنبثق عنه لتؤدي وظيفتها النوعية فيه. وما يقال عن علامات المرور يمكن أن يقال عن العلامات الأخرى التي يلحظها المرء في المجتمعات الإنسانية، والتي توظف من جانب هذه المجتمعات لأداء وظائف محددة تُنجَز بتوليد معان ودلالات توجه سلوك الناس وحياتهم فيها. *** وهكذا فإنّه يمكن النظر إلى العمل الفنّي عامة، والعمل الأدبيّ خاصة على أنّه علامة Sign تتألف من دالّ Signifier ومدلول Signified : دالّ يقوم بإنتاج المعنى أو الدلالة التي ينطوي عليها هذا العمل، ومدلول هوّ هذا المعنى أو تلك الدلالة التي ينتجها الدالّ وفقاً لأعراف ونواظم ومعايير ومقاييس وقيم سائدة في مجتمع معين يدمجها جميعاً في نظام ترميزي محدد. ومعنى هذا أنّ دراسة العمل الأدبي تغدو عندها دراسة لهذه العلامة وآليات إنتاج المعنى أو الدلالة التي تحملها، وهذه الدراسة تشمل فهم النظام العلاماتي الذي تنتمي إليه هذه العلامة مثلما تشمل النظم العلاماتية الأخرى التي تمت إليه بصلة ما، وتؤثر بالتالي في آليات المعنى أو الدلالة التي تسهم في توليدها من خلال موقعها في هذا النظام. ومما يجدر ذكره أنّ هذه العلامة يمكن أن تكون بسيطة أو مركبّة، واحدة أو مجموعة، وبعبارة أخرى إنّ العمل الأدبيّ يمكن أن يكون علامة واحدة مثلما يمكن أن يكون مجموعة من العلامات، والمهم في دراسته هوّ تحديد هذه العلامة: طبيعتها، وظيفتها، علاقاتها بغيرها من العلامات في النظام الذي تنتمي إليه، والوقوف على الأعراف والمعايير والقيم التي تستند إليها في إنتاج ما تنتجه من معان ودلالات، ومعنى هذا أنّ براعة الأديب تتمثل في استعماله للعلامة وتوظيفه لها على نحو نستطيع معه إنتاج الدلالة التي يودّ لعمله أن يحملها. والحقيقة أنّ الأديب لا يخلق العلامة من العدم بل ينتزعها من نظام علامات موجود قبلاً، ويوظفها بكلّ ما تحمله من معان مستمدة من هذا النظام، في نظام جديد يقوم بدوره بتحويل هذه الدلالات والمعاني وذلك بوضعها في شبكة جديدة من الصلات يقيمها فيما بين مكوناته من علامات مستمدة من أنظمة مختلفة كأنّه بذلك يشحنها بطاقات تعبيرية جديدة من خلال وضعها في النظام الجديد. وهكذا تتحول معاني العلامة القديمة ودلالاتها المستمدة من موقعها في نظامها المنتزعة منه، وتكتسب معاني ودلالات جديدة ما كان لها أن تكتسبها لولا توظيف الأديب لها في نظام العلامات الجديد الذي هوّ نصّه الجديد الخاص به. *** ورغبة في شفع هذه المقدمة النظرية الموجزة عن العلامة الأدبية بمثال تطبيقي، فإنّ المرء يمكن أن يدرس على نحوٍ برقيٍ قصة قصيرة جداً لزكريا تامر، يوضح من خلالها آلية عمل الكاتب في انتزاعه علامة من نظام موجود فعلاً ثمّ توظيفها في نظام جديد ينشئه بنصّه الجديد، تصبح من خلاله قادرة على إنتاج دلالة ومعنى جديدين يرغب فيهما الكاتب. يلاحظ الدارس لنتاج زكريا تامر القصصي ميله، وبخاصة في قصصه الثماني الأخيرة المنشورة مؤخراً في مجلة "الناقد" (العدد الستون، حزيران/ يونيو، 1993، ص ص 114) إلى كتابه القصة القصيرة جداً. والحقيقة أنّ حجم القصة القصيرة التامرية ربما كان مسألة غير ذات أهمية لولا أنّه يقترن ببساطة شديدة تسود القصة كلها، وتكثيف أشدّ، يحوّلان القصة القصيرة إلى علامة مركّبة أو نظام علامات متماسك غاية التماسك، تسوده أنماط محكمة من العلاقات، تيسّر له إنتاج الدلالة أو المعنى بفاعلية رفيعة المستوى، وعلى الرغم من أنّ زكريا تامر يستمد من الواقع مكوّنات نظام العلامات الذي يُحكم بناءه إحكامَ الصانع الأمهر إلاّ أنّه يعمد إلى وضع هذه المكوّنات أو العلامات في شبكة من العلاقات تكسبها دلالة أو معنى يكونان في الغالب مناقضين للمعنى أو الدلالة الملازمين للعلامة المستمدة من الواقع، ومع ذلك فإن الدلالة النهائية التي ينتجها مجموع العلامات أو نظام العلامات الذي يقيمه زكريا تامر بينها تتفق والقيم والمثل والمبادئ التي تحرص الأمة على التمسك بها على الرغم من تفاوت الزمان والمكان. *** وربما كان من المهم الإشارة إلى أنّ على دارس القصة زكريا تامر "الأوّل" (ص5) أن يدرس مكوّناتها أو علاماتها في حقيقتها أو مرجعيتها في المجتمع العربي، وفي تخييلها ثانياً أو كما تتبدى في القصة، وأن يسعى بعدها إلى الكشف عن طبيعة مختلف التحوّلات التي طرأت على هذه المكوّنات أو العلامات بعد دخولها في شبكة العلاقات والوشائج التي يقيمها زكريا تامر فيما بينها في قصته، والتي يؤسسها على أرضية من موقف الموت الذي تشفّ فيه النفس الإنسانية بصدق عمّا في داخلها، وتكشف عمّا في أعماقها مراجعةً حساباتها وأولوياتها وقيمها، معيدةً النظر في كلّ شيء كائن حولها. إنّ قراءة النصّ تكشف عن وجود عدد من العلامات التي يقيم زكريا تامر فيما بينها وشائج معينة قادرة على إكساب كلّ علامة منها مدلولات محددة اكتسبتها من خلال موقعها في النظام العلاماتي الذي تشكلّه القصة، ويمكن للمرء في هذا السياق أن يشير إلى علامات: الأوّل، والأم، والأيتام، والموت، والجوع، والحياة وغيرها. ولا شكّ أنّ التوقف عند كلّ واحدة من هذه العلامات مفيد في الكشف عن قدرة الصانع الأمهر زكريا تامر في تشكيله لها نظاماً متماسكاً دالاً على نحو مركّز وفعّال، ولكنّ ذلك قد يقتضي فسحة أكبر مما تتسع له هذه الصفحات المحدودة، ولذلك فإنّه يمكن الاكتفاء بعلامة واحدة مهمة جدّاً في القصة، لها علاقاتها الخاصة بسائر علامات القصة الأخرى، ولها قدرتها على تشكيل هذه العلامات في نظام محكم، وعلى تحويلها والهيمنة عليها وتوجيهها لتؤدي الوظيفة الدلالية المرجوة. وإذا رغب المرء في تبين حقيقة هذه العلامة أو مرجعيتها في المجتمع العربي الذي تسوده ثقافة التوحيد، فإنّه يمكن أن يذكر أنّ "الأوّل" ذات إلهية قادرة على كلّ شيء، لا راد لمشيئتها، تعطي وتمنع، وهيّ الأوّل والآخر والظاهر والباطن والمهيمن والقادر والعالم إلى غيرها من الأسماء/ الصفات الحسنى، وهيّ لذلك تطعم من جوع وتؤمن من خوف، ولكنّها على خلاف من ترسله من الأنبياء والرسل، لا تأكل الطعام ولا تمشي في الأسواق. والناظر إلى هذه العلامة في القصة أو في النظام العلاماتي الذي تشكّله يتبين أنّها قد احتفظت ببعض خصائصها من جانب، وتخلت عن بعضها الآخر من جانب آخر، وكانت الحصيلة في النهاية أنّها لم تعد "أوّلاً" بل غدت "ثانياً". لقد حلّ محلها "الجوع" إله الزمن البائس الذي يعيشه هذا المجتمع، فعلى الرغم من أنّ هذا "الأوّل" ظلّ يستجيب لدعاء خلقه من الأيتام، ويقهر الموت من أجلهم، ويتعاطف معهم، فإنّه يقف عاجزاً أمام الحقيقة الكبرى التي حلّت محل الموت في الواقع، وهيّ حقيقة "الجوع" التي تغدو "الأوّل" الفعلي في النظام العلاماتي التامري. ومما يلفت النظر في هذا الجوع أنّه جوع كليّ شامل للأرض والسماء معاً، ويشترك فيه المخلوق والخالق معاً، وربما يتساويان أمامه أو يتفقان في ثانويتهما بالقياس إلى جبروته وقوته اللذين لا يقهرهما قاهر. وهكذا نرى أنّ الرجل الغريب العجوز الذي استجاب لدعاء المتحلقين حول أمّهم الميْتة المسجاة على السرير، وخفّ لمساعدتهم، وأتاهم من حيث لا يدرون، وشكك في حقيقة موت هذه الأمّ، ولكزها، ففتحت عينيها، وتثاءبت، ونهضت من سريرها أكثر شباباً منهم، يقف عاجزاً أمام الحقيقة الأكثر أهمية فيما يبدو في نظام العلامات الذي يحكم القصة التامرية، وهيّ جوع هذه الأسرة (الذي أودى بحياة الأمّ، وربما بحياة الأبّ قبلها، ويتهدد الآن أولادها الشباب بعد عودتها مثلما يتهددها، وهيّ تعرف معنى تهديده، وتدركه على حقيقته، فيقول للأيتام إنّه لم يأكل منذ أن وجد (وسبب عدم أكله بالطبع ليس كونه إلهاً وإنما سببه شمولية الجوع)، ويستثير بذلك رثاء أفراد الأسرة لحاله وحالهم، ويبدو أنّ الجوع أو هذا "الأوّل" ليس قادراً فقط على الصمود أمام قوة الرجل الغريب العجوز الذي قهر الموت بل على تحييد هذه القوة وربما نفيها أو جعلها تشعر بالعجز (كأنّ زكريا تامر أراد أن يرهص بعجزها هذا، فنعت الرجل بأنّه غريب وعجوز)، ولكن أليس الجوع كافراً لا يعرف إيماناً ولا إلهاً ولا أوّل ولا آخر؟ ومتى كان الجوع يقيم وزناً لأيّ مقدس أو مبجّل أو مجمع عليه؟ إنّه ليس إلاّ نتاج الفقر الذي يكاد يكون كفراً في ثقافة الواقع الذي استمد منه زكريا تامر مكوّنات نظام علاماته التي ناقضت في البداية دلالاتها ومعانيها وما كان يلازمها في هذا الواقع، ولكنّها أنتجت في النهاية دلالة ومعنى يظفران بإقرار تام بهما من هذا الواقع وموافقة صريحة عليهما من كلّ من هوّ حيّ فيه، وبإجماع يتجاوز الزمن والمكان لأنّه مرتبط بمُثل الأمة وقيمها ومبادئها التي لا ترضى للجوع هذه المكانة، وتنفيها لصالح الإيمان، وهوّ أمر تقرّه الثقافات والأمم الأخرى التي تجمع بدورها على أنّه ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان، وبالتالي لا يمكن إلاّ أن تثور على أيّ تحوّل عن هذا المبدأ. وهكذا تبدو القصة نذيراً شديد اللهجة من هذا التحوّل ورفضاً مطلقاً للجوع لأنّه سيملي مبدأه الخاص، وهوّ: "إنما بالخبز وحده يحيا الإنسان". نصّ القصّة الأوّل لزكريا تامر صرخنا: "يا الله"، وذرفنا دموعاً رجونا أن تعيد إلينا من لن يعود، ولم يكن باب بيتنا مفتوحاً، ولم نعرف كيف دخل إليه ذلك الرجل الغريب العجوز. كنّا متحلقين حول أمّنا الميْتة المسجاة على السرير نبكي، ونظرنا بدهشة وخوف واستنكار إلى الرجل العجوز من خلال دموعنا، فسألنا عمّا بنا، فقلنا له إنّ أمّنا قد ماتت وتركتنا أيتاماً، فبدا عليه الشكّ في قولنا، فأكدّنا له إنّها قد ماتت، وقرر الأطباء أنّها ماتت، فابتسم ساخراً مما قلناه، ولكز بيده كتف أمّنا، ففتحت عينيها، وتثاءبت، ونهضت من سريرها أكثر شباباً منّا، ففرحنا فرحَ من كان ميْتاً وعاد إلى الحياة، ولكننا بعد قليل سألناها عمّا ستطهو لنا للغداء، فضحكت وقالت إنّه ليس في البيت ما يصلح للطهو، فنظرنا إلى الرجل العجوز بخجل، فوضع يديه على بطنه قائلاً إنّه لم يأكل منذ أن وجد، فرثينا لحاله وأحوالنا، وشعرنا أننا أيتام على الرغم من أن أمّنا لا تزال حيّة، ولم يكن ما شعرنا به وهماً. |
|
| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |