|
||||||
| Updated: Tuesday, September 23, 2003 04:39 AM | ||||||
| فهرس العدد | فهرس الدوريات |
|
الاغــتراب فــي أدب زكريا تامر ـــ د. غسان السيد يبدو أن الإنسان يحمل اغترابه منذ اليوم الأول الذي يأتي فيه إلى هذا العالم. وبدلاً من أن يسهم العالم في التخفيف من وطأته على الإنسان، نرى أن هذا العالم يكرس استلابه كل دقيقة. لهذا اهتمت الفلسفات المختلفة بهذه المشكلة، وحاولت تقديم تفسيرات متباعدة أحياناً لظاهرة الاغتراب وفقاً للأسس الفكرية والأيديولوجية التي تستند عليها، وكذلك على ضوء علاقة الاغتراب بالمشكلات الفلسفية الأخرى. هذا يعني أن هذه المشكلة ليست حديثة مرتبطة بالعصور الحديثة كما يُفهم من الدراسات المختلفة التي تصدت لدراستها، ولكنّها قديمة في الزمان والمكان، فقد عانى منها الإنسان القديم كما يعاني منها الإنسان في عصرنا الحاضر، مع اختلاف في الدرجة بسبب تغير طبيعة الحياة نفسها. ألم يكن جلجامش مغترباً وهو يبحث عن سر الخلود؟ ألم يتعرض الإنسان عبر تاريخه الطويل لكل أنواع الاغتراب بسبب التباين الذي ينشأ بين الحقيقة المعيشة للإنسان وطبيعته الجوهرية؟ وفي العصور الحديثة زاد اغتراب الإنسان لأسباب سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية وحضارية. فمع تحول الإنسان إلى العيش ضمن تجمعات كبيرة بدأ يشعر بغربة قاتلة كأنه يعيش في صحراء قاحلة دون أنيس أو رفيق. ما يربطه بالآخرين مجرد علاقات إدارية واقتصادية. الحضارة التي صنعها بيديه انقلبت سلاحاً ضده وأسهمت بصورة أو بأخرى في تكريس اغترابه. الشعور بالاغتراب يحاصره من كل جانب، في البيت والحي والمدينة والمعمل والوظيفة، بعد أن تقطعت وشائج الود التي تربطه بأخيه الإنسان، مما أدى إلى تفتيت مكونات حياته وأعاق مسار نموه الشخصي وإحساسه بعدم جدوى الحياة. يقول ريتشارد شاخت: "أياً كانت الدرجة التي وصل إليها الاغتراب في مسار اعتباره السمة السائدة لهذا العصر، فإنَّ من المؤكد أنه يبدو بمثابة شعار العصر1-". ويؤكد أريك فروم كلام ريتشارد شاخت ويقول: "إن الاغتراب ليس على الإطلاق ظاهرة حديثة، إن الاغتراب يبدو أنه يختلف من ثقافة إلى أخرى في المجالات النوعية التي تغترب وفي شمولية عملية الاغتراب واكتمالها. والاغتراب كما نجده في المجتمع الحديث يكاد يكون شاملاً، إنه يسود علاقة الإنسان بعمله وبالأِشياء التي يستهلكها، وبرفاقه، وبنفسه2-". إزاء مثل هذا الوضع لا يمكن للأدب أن يعيش بعيداً عن هذه المشكلة خاصة أن الأدب مرآة الواقع يعكس تجربة الإنسان الحياتية والنفسية. ولا نظن أن هناك نصاً أدبياً واحداً لا يحمل بذور الاغتراب في بنيانه الداخلي مع التأكيد على أن هذا الأمر يميل نحو التضخم كلما اقتربنا من العصور الحديثة. وهذا يفسر جزئياً، على الأقل، تعدد المدارس الأدبية وتنوعها في اتجاهاتها ورؤاها وتعاملها، حيث إن قسماً من هذه المدارس تعاملت سلبياً مع الواقع إما عن طريق الهروب أو عن طريق تغليفه بغلاف تشاؤمي مظلم يجعل الرؤية مستحيلة. فمال ممثلو هذه التيارات إلى التقوقع داخل ذواتهم وصنع عوالم خيالية في أدبهم اتخذت أشكالاً مختلفة كالتعبيرية والرمزية والدادائية والسريالية وغيرها. إن هروب الأديب من الواقع، ولجوءه إلى واقع خيالي مزيف في نفسه ما هو إلا تعبير عن موقف سلبي تجاه الواقع، والحياة، والناس، وتقويمه اللا موضوعي لما يراه، كونه كابوساً لا يمكن إزالته، على الرغم من محاولات فضحه وتعريته والحض على الثورة ضده. إذا كان الاغتراب سمة عامة للأدب العالمي عامة، فإنه من الطبيعي أن يكون أيضاً سمة أدبنا العربي المعاصر الذي ينتجه الأدباء العرب الذين يعانون من خيبات الأمل المتتالية فيصابون بالإحباط والقهر، ذلك لأن عالم الكاتب صورة عن نفسه المشتتة. من هذا الجانب نظن أن الكاتب القصصي السوري زكريا تامر كان خير من صور أزمة الإنسان في العصر الحديث. وتعرض من خلال قصصه إلى كل أنواع الاغتراب التي يعاني منها الإنسان مثل اغتراب الذات والاغتراب عن الآخر، والاغتراب الناتج عن قلق الموت، بالإضافة إلى محاولته وضع الحلول لقهر حالة الاغتراب. 1-اغتراب الذات. مع تفتح عيني الإنسان على الوجود يبدأ بمحاولة تشكيل عالمه الخاص عن طريق الأحلام تارة وتارة أخرى عن طريق العمل للوصول إلى هذا العالم الذي تسوده علاقات الود والمحبة والتسامح والتعاون. لكن الإنسان يكتشف أنه كلما تقدم في هذا الطريق ازداد بعده عن تحقيق أهدافه وتبدأ أحلامه بالتحطم على أرض الواقع، وتبدأ رحلة اغترابه عن كل ما يحيط به وعن ذاته نفسها، فاغتراب الذات إذن ينشأ عن التناقض بين داخل الإنسان وبين العالم الخارجي، بين الواقع والخيال، بين ما هو عليه وبين ما يحلم به، بين ما يملكه وبين ما يطمح إليه، بين نظام العالم ونظام تفكيره، بين عالم الآخرين وعالمه الخاص، فينفصل المرء عن ذاته الإنسانية الحقة أو عن طبيعته الجوهرية، وبهذا المعنى يحمل ذلك التعبير فكرة الفقد الكلي لإنسانية الإنسان. هذا ما يتجلى في قصص زكريا تامر، وهو نفسه يشير إلى ذلك فيقول: "يخيل لي أن أبطال قصصي يريدون خبزاً أو حرية وفرحاً فلا ينالون سوى السحق. والذين يسحقونهم هم أولئك الذين يربحون من فقدان الحرية والفرح. وعندما تكون القوة البربرية هي الآمرة والمسيطرة فمن الطبيعي أن يكون حتى الابتسام محظوراً. ومن الطبيعي أن يقتل الإنسان معنوياً ومادياً3-". مشكلة الإنسان إذن في العالم الخارجي الذي لا يجيب عن نداء العقل والروح ولا يعطي أي إشارة تبعث على الطمأنينة. كل هذا ينعكس على ذات الإنسان التي لا تستطيع تحمل كل هذا الرعب فتبدأ بتدمير الجمال من حولها لتصل أخيراً إلى جوهرها ذاته، وهنا الخطر الأكبر. لأن الإنسان هو الذي يعيد بناء ما تخرب من حوله، وعندما يصل الخراب إلى داخله فمن سيصلحه؟ هذه هي مشكلة أبطال زكريا تامر في جميع قصصه تقريباً، وهم يحاولون الخروج من مأزقهم الوجودي، ولكنهم لا يستطيعون بناء علاقة طبيعية بين ذواتهم والعالم الخارجي. "وكنت وطواطاً هرماً أعمى، جناحاه محطمان لا أجد خبزي وفرحي، أجهل خبزي وفرحي. يصدمني الصخب أينما سرت. فلكم يرعبني ضجيج المخلوقات الزاحفة حولي على الأرصفة... أنا لست سوى مخلوق ما ضائع في زحام مدينة كبيرة قديمة4-". إن بطل زكريا تامر محبط من الحياة ومن الناس ومن نفسه وبذلك يغترب عن طبيعته الجوهرية ويصل إلى أقصى قمم التطرف في التنافر مع ذاته التي لا ترى في العالم إلا الظلمة الشاملة والغربة الرهيبة. إن التوازن النفسي للإنسان لا يأتي إلا من خلال علاقة صحيحة ومثمرة مع محيطه الاجتماعي، لذلك فإنه عندما يتوقف عن الانسجام مع ذلك المحيط الاجتماعي يفقد علة وجوده، وحينما يحدث ذلك فإن الإنسان لا يعود بعد متملكاً لناصية جوهره، وبذلك يدخل في عالم الاغتراب الذي يشل مقدرته على الفعل والتحكم في مجرى حياته الخاصة. "لا شيء في داخلي سوى بعض العناكب والقبور المهجورة 5-". على هذا النحو يبدو من يغترب عن ذاته إنساناً فاقداً للشعور بالذات إلا ذلك الشعور الذي يوهمه بأن كل ما في داخله عناكب وقبور مهجورة. لذلك فإن البطل في هذه القصة كما في جميع قصص زكريا تامر لا يشعر بخصوصيته وتفرده كذات قادرة على العمل والتفكير والعشق والإحساس، بل إنه لا يعايش ذاته.. بوصفه حامل القوى الإنسانية الخلاقة، وهكذا يهرب من ممارسة حريته التي هي جوهر الإنسان، بهذا تصبح أعماله مزيفة لا تمت بصلة إلى شخصيته الحقيقية، مما يؤدي إلى إحلال نفس مزيفة محل النفس الأصلية. إن النفس الأصلية هي النفس التي تنهض بعبء النشاطات الإنسانية، وليست النفس المزيفة سوى وكيل يمثل بالفعل دور شخص مفروض عليه أن يؤدي مثل هذا الدور. يقول زكريا تامر: "قبل أن أكتب كنت واعياً لحقيقة قاسية ومرة، وهي أن العالم الخارجي عندما يسوده التخلف يصبح معدة قادرة على هضم كل شيء وتشويهه6-". هذا العالم الخارجي ينعكس في وعي شخصيات الكاتب مما يؤدي إلى قلق حاد يحول دون أي قدرة على الفعل، إذ يظهر كل شيء بدون أمل فلا تكون هناك فائدة ترجى من أن يريد المرء شيئاً خاصة في زمن تتصعدّ فيه معاناة الإنسان كل دقيقة. ومن هنا برزت الأنساق الحياتية الفردية والمصائر الفردية بعد أن انفصلت عن حياة الكل الاجتماعي. "وها هو يرى الناس يتقاتلون على القمامة وكل شيء للبيع وذو ثمن محدد، وحتى الإنسان يباع بأبخس الأسعار، ولا يجد من يرحب بشرائه، فالمعروض أكثر من المطلوب، كل شيء يتردى ويتدهور، فالأب يتنكر لأبنائه، والأبناء يعاملون آباءهم كأنهم خصوم ألداء، والزوجة تستشهد في سبيل زوجها إذا كان فرداً ثرياً وتهمله إذا كان فقيراً و لا تأبه له حتى إذا كان مالكاً لكل فضائل الدنيا، والرجال نساء، والنساء رجال، والصدق مفقود محتقر، والكذب مبجل، والدعيّ يحتل كرسي الأصيل، والأصيل منبوذ مهان تطارده الكلاب، ودماء الأبرياء تسفك كل يوم ولا منتقم لها، والأخ يقتل أخاه إذا كان سيفوز بفردة حذاء، والفاسد له الصدارة والتمجيد، والصالح يعامل كأنه قاتل أمه، والصديق وقت الضيق لا وجود له إلا في الحكايات الكاذبة التي تروى للأطفال7-". في مثل هذا العالم لا يمكن للإنسان إلا أن يكون إنساناً خاصاً، منعزلاً يفتقد إلى أي صلة جوهرية مهما كان شأنها بهذا العالم الغريب، إنه لا يشعر بنفسه أنه جزء من كل اجتماعي، إنه إنسان وحيد ضائع في عالم غريب عدواني. والبطل يراقب ما يجري ويصفه من خلال عالمه الخاص الذي يكونه عن العالم الخارجي العصي على التغيير، حياة الناس أيضاً لا تتغير، وعواطفهم هي الأخرى لا تتغير وتبقى ثابتة ومتبلدة، وكذلك الحب يمارس ضمن هذا الاغتراب العام الذي يعاني منه أبطال زكريا تامر. ولذلك لا يسهم هذا الحب في تحرير الإنسان من قلقه واغترابه لا بل على العكس من ذلك فإنه يصعّد معاناته ويزيد حدة اغترابه، لكن هذا لا يعني أن تامر يريد من الإنسان أن يستسلم لليأس بل يريد منه أن يشعر بالمنفى المفروض عليه وأن يقاوم. وهذه المقاومة ضرب من الفعل الملازم للشرط الإنساني. فهو يفضح العالم الخارجي الذي يدفع الإنسان إلى حافة اليأس الشامل أحياناً، ومن ثم يدفع بشخصياته إلى مواجهة هذا الواقع والتصدي له، إن الاغتراب ليس في أصل الإنسان أو في أصل الأشياء، بل هو في استحالة إقامة علاقة بينهما، علاقة أخرى خارج الغربة، فالعمل لم يصبح غريباً عن العامل إلا لأن إنساناً آخر أراد ذلك ويعمل باستمرار على توسيع الهوة، وعندما تتوفر الإرادة ينتهي الأمر. (سأهدم المعامل، وسأجمع الآلات في مكان واحد، ثم أقول بصوت كله مهابة وجلال: "أنتِ أيتها الآلات مخلوقات مجرمة جئت من بلاد غريبة، حاملة إلينا الشقاء، إني آمر بتحطيمك باسم الإنسان الذي يريد أن يحيا وديعاً نقياً طيباً8-". إن من اغترب عنه عمله ينظر إلى ذلك العمل بوصفه نشاطاً غريباً عنه، ولا يشعر بالألفة مع العمل الذي يقوم به فيحاول الابتعاد عنه كأنه طاعون يلاحقه، إنه ليس جزءاً من طبيعته أي أن لا علاقة له باهتماماته وليس تعبيراً عن شخصيته، بل هو في الحقيقة ضار به ويشوه حقيقته الجوهرية. وبذلك نرى أن اغتراب الذات عند زكريا تامر يقود أبطاله إلى مستوى أقل من المستوى الإنساني، ويؤدي إلى نزع إنسانية الإنسان، الذي لا يصبح إنساناً حقاً إلا إذا كان حبه وعمله وعلاقاته إنسانية حقيقة. وخطورة اغتراب الذات لا تنعكس على الشخصية الإنسانية فقط بل كذلك على علاقة الإنسان بالآخر، وهذا ما سنراه. 2-الاغتراب والآخر. لا يمكن فصل اغتراب الذات عن علاقة الإنسان بالآخر، لأن المرء لا يستطيع أن يربط نفسه كلية بالآخرين ما لم تكن لديه ذات أصيلة يمكنها أن ترتبط بهم، أما إذا افتُقدت تلك الذات فإن بوسع المرء أن يرتبط بالآخرين ولكن ارتباطه بهم سيفتقد العمق والمغزى لجعل هذه العلاقة مثمرة وإيجابية، وفي إطار هذه العلاقة ينظر المرء إلى الآخرين على أنهم أعداء يحاولون نزع حريته. ومن هنا يتولد العنف الذي يتحدث عنه زكريا تامر فيقول: "العنف في قصصي ليس بضاعة مستوردة، أو نزوة أو عقدة نفسية، أو نوعاً من الإثارة والتشويق، إنه فقط تعبير عن حياتنا اليومية، نحن نعيش في عالم مفترس سفاح لا يمنحنا سوى السجون والخيبة ويجللنا بالهزائم9-". لهذا ليس غريباً أن يكون الآخر عند زكريا تامر دائماً رجل الشرطة، وصاحب المعمل، ورجل الدين الذين يعتبرهم البطل خصومه بدلاً من اعتبارهم رفاقه، هذه العلاقة القائمة على التنافر والمصالح الذاتية الأنانية تبتر كل الروابط النوعية للإنسان وتكرس مكانها الأنانية والحاجة الشرهة، ويصبح العالم الإنساني عالماً قوامه الأفراد المنفصلون المتعادون، وكل فرد ينظر إلى الآخر كشيء أو كأداة يستخدمها لتحقيق أغراضه الأنانية، وبدلاً من قيام العلاقات بين الكائنات البشرية، أصبحت هذه العلاقة تتخذ طابع الاغتراب بين أشياء. "فلكم يرعبني ضجيج المخلوقات الزاحفة حولي على الأرصفة. إنه يبعدني عن نفسي، عن نقطة سوداء قابعة في داخلي، باردة حزينة كنجم ميت10-". هناك دائماً في قصص زكريا تامر الأنا والآخر، ولا يمكن القضاء على هذه الثنائية. بذلك يجد المرء نفسه في مركز المواجهة مع الآخرين ضمن معركة وجود أو لا وجود، إما أن ينسحق أمامهم أو أن ينسحقوا أمامه. يحاول الكاتب تجسيد معاناة الإنسان المنعزل الوحيد، الذي يبدو دائماً مصارعاً ومستفزاً قواه كي يبقى، وهذا ما يولد القلق والويل والهلع، وفراغاً لا يمكن ردمه. لا بل إن مجرد وجود الآخر يثير التوتر والاشمئزاز: "سأرحل في يوم لا بد من مقدمه، سأترك خلفي مدينتي المكتظة بالجيف المتحركة11-" "أحياناً أود أن يتحول الناس كافة إلى كلاب لا تتوقف لحظة عن النباح بصورة مزعجة12-". هكذا يرى الراوي الآخرين، مخلوقات زاحفة كالحيوانات أو جيفاً متحركة، وهو يتمناهم أن يكونوا كلاباً، فالعلاقة بين الراوي كشخصية لا تقوم مع شخصية أو شخصيات أخرى، بل مع الآخر الذي يحتقره، ويكن له العداء، وعلى هذا الأساس فليس هناك من يمكن أن يساعده سوى ذاته، ودوافعه الداخلية، هذه العلاقة بين الراوي والآخر التي تقوم على تنازع الوجود تؤدي إلى هيمنة مصطلحات معينة كما رأينا مثل (مخلوقات، كائنات، البشر، الناس، رجل الشرطة، صاحب المعمل.. الخ). ويصب الكاتب جام غضبه على هؤلاء الذين يعدهم مسؤولين عن مأساة الإنسان ومأزقه الوجودي، وهو لهذا يحلم بعالم دون حكام ورجال شرطة وسجون.. عندها فقط نحلم "بوجود عالم يخلو من الجوع والذل، الإنسان فيه سيد حقيقي. ويخيّل إلي أن أهم ما يتصف به ذلك العالم- الحالم، هو الحب الذي يسود العلاقة بين الإنسان والإنسان"13-. لكن يبدو أن الأمور لا تسير كما أراد لها الكاتب أن تسير، ولا شيء في الوجود يخفف من غربة أبطاله. "قالت الأم: ستعلم وتتمنى وتحب، فلا تحصد إلا الخيبات وموت الأحلام والآمال14-". ذلك لأن المجتمع الذي يعيش فيه والآخر الذي يجب أن يتعاون معه يفجران عدوانيتهما في وجه بطل تامر. إن ما نراه في كثير من قصص الكاتب يؤكد اغتراب البطل عن الآخر المتمثل في رجل الشرطة وصاحب المعمل وغيرهم. وعندما يتحدث الكاتب عن هذه النماذج فإنه يعريها ويكشف عن ممارساتها اللا إنسانية. وهكذا فنحن من جديد اتجاه انقطاع التواصل بين شخصيات زكريا تامر، يتجسد من خلاله حرمان الإنسان ورعبه الذي يقوده أحياناً إلى تدمير الجمال وتدمير ذاته في آن واحد، وإلى تلاشي كل ما يملك من قيم. والآخر دائماً في قصصه هو المسؤول عن مآسي البطل وأزماته وإحباطاته: " وفي لحظات سريعة تضاءل العالم وتحول إلى حجر ضخم هوى في فضاء فارغ لا أرض له، وبقيت وحدي وجهاً لوجه مع رجل قبيح أقبل نحوي وهو يلوح بسيف متألق النصل قال: "سأقتلك. ذلك السيف قديم وله ضحية في كل ليلة15-". سيُقتل البطل إذن دون ارتكاب أي جرم، اللهم إلا أن تكون الولادة في ذاتها ذنباً: "ولماذا ولدت ما دمت بريئاً؟ جئت إلى هذا العالم كي تهلك. وستهلك دون احتجاج. أنت مجرم وكنا نراقبك منذ أمد طويل.16-". هذه العبارة تتضمن الأزمنة الثلاثة: الماضي-ولدت، جئت، والحاضر تهلك، والمستقبل، ستهلك. وبذلك يريد الكاتب أن ينقل إلينا جسامة الخطر المحدق ببطله والهاوية التي هو فيها، وأن هذا الاغتراب الذي يلفه لن يتركه حتى يفنيه كما أفنى من سبقه، وسيفني من يأتي بعده. يتكرر هذا الأمر كثيراً في أعمال زكريا تامر، ففي قصة "ليلة من الليالي" من مجموعة "النمور في اليوم العاشر" يحاكم أبو حسن بعد اتهامه بسرقة حقيبة إحدى السيدات بعد فشل الشرطة في القبض على الجاني الحقيقي. ويتحول التحقيق مع أبي حسن إلى مهزلة إنسانية غايتها إذلاله، لأن الحكم عليه قد صدر قبل بداية التحقيق معه في المخفر. "وفتح باب الغرفة، ودلف إلى داخلها الشرطي البدين حاملاً مقصاً كبيراً، ثم تبعه عدد من رجال الشرطة الذين نظروا تواً إلى أبي حسن نظرات كره واحتقار، فنهض رئيس المخفر واقفاً مبتهج الوجه، وتناول المقص من الشرطي البدين، ثم قال لرجال الشرطة وهو يشير بالمقص إلى أبي حسن: "أمسكوا بهذا الكلب17-". إن أبا حسن مغترب عن كل ما حوله، ضعيف أمام القوى الخارجية التي تقمع فيه كل حركة عن طريق القوة وإقامة محاكمات صورية، وتوجيه تهم، وإنزال أقسى العقوبات، ولا يجد المرء أي مبرر لهذا العداء بين بطل تامر وبين رجال الشرطة، فهو لا يشكل تهديداً مباشراً على أمنهم وراحتهم. وعلى الرغم من ذلك يحقدون عليه ويكرهونه دون معرفة سابقة: "فانقض رجال الشرطة على أبي حسن، وجروه إلى خارج الغرفة وهم يركلونه ويصفعونه ويشتمونه18-". في واقع الأمر تتكرر هذه الكوابيس في عدة أعمال لزكريا تامر وهدفها الكشف عن حالة الاستلاب الحادة التي يتعرض لها الإنسان، ليس من قوة خارجية، ولكن من قبل شريكه في الوجود، وبذلك تتأكد مقولة سارتر الشهيرة: "الجحيم هم الآخرون". هذا الأمر يؤدي، دون شك، إلى فكرة الاغتراب الاجتماعي العام وخاصة شعور الفرد بكونه خارج المجتمع وليس داخل المجتمع، أي شعور الانفصال عن التنظيم الاجتماعي. إن اغتراب أبطال الكاتب عن الآخرين يقود إلى اغترابهم عن المجتمع وقيمه، الآداب والقيم الجمالية والأخلاقية تنبع من المجتمع الذي يحاول أن يفرضها على كل أفراده، والفرد يعيش ضمن جماعة تتحكم بعلاقاته مع نفسه ومع الآخر ومع المجتمع، ومع العالم المحيط، أحاسيسه وإرادته وفكره ولغته وإدراكه للواقع وتصوره للحقيقة، كل ذلك يتدخل فيه المجتمع بصورة أو بأخرى. لم تعد المؤسسات الاجتماعية والإدارية أشياء خارجية ولكنها مواقف تجاه القيم التي تحكم العلاقات بين الأشخاص. وبذلك تصبح القواعد الاجتماعية جزءاً من الشخصية الإنسانية التي يجب أن تتطابق مع القيم التي يفرضها المجتمع. لهذا فإن الاغتراب الفردي هو أساس الاغتراب الاجتماعي. لو فتحنا أي قصة من قصص تامر لوجدناها تعبر عن هذا الشعور بالطلاق الذي ينتاب بطلها ويعصف بكيانه، وكأنه كتب على أبطاله أن يعيشوا في عوالمهم الخاصة، لا لأنهم يريدون ذلك، ولكن العالم هو الذي يحصرهم في هذه الزاوية الضيقة. إذا كان اغتراب الرجل في عالم زكريا تامر القصصي يطمس الجوانب البشرية والشخصية الأصيلة، فإن اغتراب المرأة يكون مضاعفاً بسبب طبيعة الضغوطات المختلفة التي تتعرض لها، لا لشيء إلا لكونها أنثى، وبذلك ينفصل العالم الداخلي عن العالم الخارجي الذي تكمن فيه كل مساوئ البشرية. إن العالم الخارجي عالم مخيف فيه الآخر المتمثل في الرجل الذي يحاول عبر ذرائع مختلفة إبقاء المرأة ضمن هيكل خاص أُعد لها بعناية. وتحت هذه الذرائع يأخذ الاستلاب شكلاً صريحاً من خلال مروره بقنوات التقاليد والأعراف. هذه التقاليد والأعراف تفرض قتل المرأة إذا ما فكرت بتلبية نداء جسدها أو روحها. وبذلك يؤكد الرجل ملكيته لها لأن القاتل، سواء أكان فرداً أو جماعة يمتلك الضحية بصورة نهائية من خلال فعل القتل، فطمة إحدى بطلات زكريا تامر التي تعرضت لمصير أسود محواً للعار: "ولما انتهت صلاة الظهر، غادر الرجال المسجد يرين عليهم خشوع هادئ وكآبة عذبة، واتجه معظمهم إلى مقهى حارة السعدي، وهناك تكلموا على ما حدث قبل أيام، فلقد قصد منذر السالم مخفر الشرطة، وأعلن مرفوع الرأس أنه ذبح أخته لأن العار في حارة السعدي لا يمحوه سوى الدم. وهكذا فقد ماتت فطمة الفاكهة التي تحلم بها كل الأشجار19-". إن مسألة اغتراب المرأة عن الرجل وعن المجتمع وقيمه تتجاوز إذن البعد الاقتصادي والفيزيولوجي، والتعليمي وصولاً إلى بنية اجتماعية قوامها نظام من علاقات التسلط والتبعية تقوم على أرضية من القهر. "وكان مصطفى يقول لفطمة: "أنا رجل وأنت امرأة، والمرأة يجب أن تطيع الرجل. المرأة خلقت لتكون خادمة للرجل". فتقول له فطمة: "إني أطيعك وأفعل كل ما تريد". فيصفعها قائلاً بنزق: عندما أتكلم يجب أن تخرسي20-". الكابوس الذي يلاحق بطلات زكريا تامر يتمثل في الرجل، حيث يجدنه أمامهن أنى تحركن. فهو يلهث وراء المرأة لإشباع رغباته، وعندما يحصل على مبتغاه يتركها تواجه مصيرها وحدها، وتطالها الشائعات من كل الجهات، وتلاحقها حتى نهايتها المأساوية كما حدث لفطمة. إن تامر يريد من خلال هذه القصة وغيرها أن يفضح الأنانية الذكورية التي تسقط إحباطاتها العاطفية والجنسية على المرأة. بذلك يتأكد اغتراب أفراد المجتمع عن بعضهم ضمن عالم كل فرد فيه يدور في فلكه الخاص. 3-الاغتراب والموت. إذا كانت أنواع الاغتراب التي تحدثنا عنها حتى الآن تتعلق بحياة الإنسان على الأرض، فإن اغتراب الموت ينتج عن إشكالية لا يد للإنسان فيها. إن خطر الموت يمنع الإنسان من القيام بأعمال كان يود القيام بها لو لم يكن موجوداً. في حياة لا أمل فيها يحل اليأس والاغتراب. إن معرفة أنه لم يعد هناك أمل في شيء وأن كل لحظة نعيشها تقربنا أكثر من الموت، وأن الزمن يهرب منا، كل ذلك يؤدي إلى فقدان الأمل في المستقبل. نتيجة لذلك نخضع لاغتراب الزمن، لأن الخوف من الموت يمكن أن يمنعنا من معرفة كيف نعيش حقيقة. عند معرفة نهاية المستقبل بالنسبة لنا، فإن رؤية الموت فيه تجعلنا نتخيل استحالة كل إمكانية في هذا المستقبل. في الواقع، إن كل رغبة إنسانية، يكون المستقبل ساحة تنفيذها، وهي تعتمد عليه. وعندما نلغي المستقبل من حياتنا، فإن الموت يجعل رغبتنا غير نسبية إلى شيء، ويجعل اغترابنا مطلقاً. وهكذا لأن حياتنا تمتد نحو المستقبل ونحو المعنى الذي يبررها، ولأن الموت يحرمنا من كل مستقبل فإنه يقذف وجودنا في العبث والاغتراب. هذا هو سبب اغتراب أبطال زكريا تامر، ويبدو أن هذا الاغتراب نابع من اهتمام الكاتب نفسه بالمسائل الإنسانية الكبرى مثل الموت. وعندما سأله أحد الصحفيين فيما إذا كان يخاف من الموت يجيب: "على العكس أنا أتمنى أن تكون تلك السنوات قصيرة جداً... سأكون مسروراً يوم أموت لأني سأكون بهربي الاضطراري هذا والذي تم بفضل الموت قد أسهمت في إنقاص عدد الناس الذين يتسلط عليهم أناس لا يملكون سوى التجويع والقمع والكلام المنمق عن العدالة والمستقبل السعيد، إن الموت بالنسبة للمواطن العربي يعني التخلص من الجوع والذل والاضطهاد21-". إذا كان زكريا تامر أحد أهم كتاب القصة القصيرة في سورية، فإنه بالتأكيد واحد من أولئك الكتاب القلائل الذين شغلتهم الأسئلة الكبرى المتعلقة بمعنى الحياة وسر الموت. لا تكاد تخلو قصة من قصصه من هذا الهاجس الذي يزيد من غربة أبطاله ويجعلهم ريشة خفيفة في مهب الرياح العاتية التي تعصف بوجودهم. ولا تكاد تنتهي قصة من قصصه دون أن نرى موت البطل المادي أو المعنوي. وفي كل مرة ينتصب السؤال الأبدي أمام أبطاله كما انتصب أمامه في حياته: لماذا نحن أحياء؟ لماذا نستمر في الحياة؟ هل الحياة تستحق أن تعاش، وهل لها معنى؟ إن موت ليلى في قصة البدوي (دمشق الحرائق) هو الذي سمح للبطل بمعرفة أن للوجود البشري حداً نهائياً، إدراك مثل هذا الحد مكنه من التفكير في الوجود البشري بوصفه كلاً منتهياً. "الميتة وحيدة في حفرتها هامدة. لن تأكل خبزاً أو جبناً. لن تعود إلى بيت ما، لن يزجرها أب وأم، لن تحلم، لن تسكر وتترنح، لن يولد الحزن في عينيها، لن تقول أخ، لن يرتعش فوق فمها حنين إلى ما ليس له اسم ومفقود عبر الأرض الكبيرة، سأفاجأ ببرودة اللحم حين ألمسه وستكون ظلمة القبر كحجر أسود صلد22-". في هذا المقطع تتوضح أبعاد تجربة الموت وكيفية تمثل الواقع عبرها، وهي التي تُظهر الأشياء كلها في نهاية المطاف متساوية ولا أهمية لها: "كم الساعة؟، فلم أتفوه بكلمة إنما ابتسمت بمرح وقلت لنفسي: لماذا يسأل ما دام سيموت في يوم من الأيام23-". إن البطل يؤكد رفضه لأبسط شروط التواصل مع الآخرين، فهو يرفض أن يجيب عن سؤال: كم هي الساعة؟ بل نحن هنا تجاه لحظة عبثية ترى في الحياة اللا معنى ما دام سيعقبها الموت. وربما كان أدب زكريا تامر نموذجاً واضحاً لنزوة الموت التي غذتها الحياة المعاصرة فصبغت بالسواد كثيراً من تشابيه صاحبها، ومن البديهي أن تهيمن صور الموت في سياق هذه العوالم الكابوسية، فيؤخذ الكاتب بنسج الكفن بعد أن عجز عن إصلاح العالم، "فدفع أبو شكور زجاجة العرق إلى أبي سمير، وهو يقول: اشرب كلنا سنموت، دنيا فانية، نحن اليوم خارج القبر وغداً من يعلم ما يحل بنا؟! قد نصير في داخله... اشرب... حياة بنت كلب24-". من هنا فإن الكيفية التي عاش بها أبو شكور حياته هي، فيما يبدو أمر له أهمية حاسمة بالنسبة لموته. فهذا الشعور بالغربة، وهذا الانفصال وعدم القدرة على التواصل مع العالم الخارجي جعله يهرب باتجاه الموت، ولكن عالم القبور لم يكن أحسن حالاً من عالم الأحياء: "الميتة اسمها ليلى، صبية في مقتبل العمر، وحيدة الآن في حفرة مظلمة، بينما السماء زرقاء والشمس متوهجة والأشجار خضراء.. آخ.. آخ. سيموت، الرغبة في الموت والخوف من الموت صوتان ينموان في لحمه ويصعدان عالياً25-". في هذه الحياة التي لا أمل فيها يحل اليأس والاغتراب، وتتساوى الأشياء لا بل تفقد معناها. هذه هي المشكلة التي تؤرق زكريا تامر وحاول التعبير عنها في كل كتاباته. 4-قهر الاغتراب. ليس بإنسان ذلك الذي لا يحاول الخروج من المأزق إذا وقع فيه، لأن من طبيعة الحياة أن يحافظ الإنسان على نفسه جسدياً وروحياً، خاصة إذا عُرف مصدر الخطر. وأمام هذا الخطر تختلف ردات فعل أبطال زكريا تامر، فإما أن يحاولوا قهر حالة الوحدة والعجز والاغتراب، أو أنهم يعمدون إلى التقهقر والعزلة وتمني الموت. صحيح أن محاولات قهر الاغتراب لم يكن دوماً في الاتجاه الصحيح، لكنها تشير إلى معرفة الأبطال بوضعهم الحرج، وفي معرفتهم يكونون قد ارتفعوا من تلقاء أنفسهم فوق تلك الحالة. والمرأة كرمز للجنس هي أول وسائل قهر الاغتراب، حيث نرى الأبطال الذين ملوا الحياة والأحياء، يريدون أن ينأوا بأنفسهم عن هذا الكون وشروره، فيتجهون إلى المرأة مغرقين همومهم في صدرها، كما يغرق المحزون آلامه في الخمر. "فثمن العرق والنساء والخبز يجب أن يظل على الدوام رخيصاً، لأن هذه الأشياء وحدها تعطي معنى ممتعاً للحياة26-". بعد أن مني بطل تامر بالإحباط على صعيد الواقع، نراه يلتمس عزاءه في الجنس والمرأة، وبذلك تصبح المرأة وسيلة إلى اكتشاف ذاته الحقيقية. "قال المهرج: يولد الفرح فقط عندما يتلاقى جسدان متآلفان أو عندما يجتمع بضعة أصدقاء ويتحدثون عن التعاسة والموت والعمل اليومي، وعندما ينام البشر ويحلمون27-". نلاحظ من خلال المثالين السابقين أن تامر يركز على جسد المرأة، بوصفه جزيرة صغيرة وسط هذه البحار المضطربة لتجميع الشتات، ورص الأجزاء في كل منسجم يعيد البطل إلى حالة من التوازن النفسي الذي افتقده طويلاً. عندئذٍ يكون الخلاص من شرور الحياة وقساوة الواقع. إن الاغتراب الذي تعاني منه شخصيات تامر يؤدي إلى تجاذب وجداني مع الذات غالباً ما يولد عندهم نوعاً من الهروب إلى الأمام يتبدى في مغامرات جنسية في سبيل التخلص من حالة الاغتراب هذه. إن المرأة هنا تعويض وعزاء وطموح إلى اختراق جدار الاغتراب عن طريق الذوبان في علاقة خاصة. ويمكن أن نستخدم التحليل النفسي هنا، فتصبح المرأة رمزاً للأم مركز الأمان والدفء في عالم مضطرب لا عقلاني. وفي هذا العالم يمكن أن يلجأ أبطال تامر إلى الأحلام وإعادة تشكيل العالم داخلياً بعد أن عجزوا عن إصلاحه في الواقع. إن الكاتب لا يستخدم الحلم لإيصال حقائق كثيرة إلينا، صحيح أنه يمزج الواقع بالخيال، والوهم بالحقيقة، لكنه يستخدم هذا الأسلوب عن وعي تام، لا عن ضرب من الكلمات. فالواقع الكابوس الذي يهيمن على أبطاله، لم يدركوا مقدار قساوته ومرارته إلا بعد صحوهم، وكأنهم في حلم، وكثيراً ما تنتابنا حالات.. نسترجع وعينا، ونتساءل: هل نحن في حلم؟! هذا الاختلاط بين الواقع والحلم يتكرر كثيراً في قصص تامر إلى حد أننا لا نستطيع أن نميز بينهما، كما في قصة "ابتسم يا وجهها المتعب" من مجموعة "صهيل الجواد الأبيض" حيث يعود البطل إلى العالم بعد موته: "واستفاق في نفسي حنين جارف إلى مدينتي التي أبعدني عنها موت فظ28-". لكنه وجد الواقع أكثر قساوة مما كان عليه قبل مغادرته العالم، فالناس ينكرونه، وأمه تنكره، ويُستخدم كقاتل مأجور من أجل أن يأكل، وكبته يغويه بمضاجعة المرأة بعد قتلها. لذلك يقرر العودة إلى قبره والابتعاد عن شرور الدنيا: "أنا عائد إلى قبري، وأخذت أركض كمجنون هلع من شارع إلى شارع بينما راحت الأمطار تهطل بغزارة. أين قبري؟ أين قبري؟ إني أضعته، لا فائدة لي في البحث. أواه يا أماً عَقت ولدها.. إني أضعت قبري فإلى أين أذهب؟29-". وكثيراً ما نرى شخصيات تامر تحلم بالمرأة بعد أن عجزت عن الاتصال فيها في الواقع. من المعروف أن الحلم هو تحقيق لرغبة مكبوتة: "أريد امرأة تنام في الليل لصقي. سيسكرني صوت أنفاسها. سألمس لحمها الناعم بخشونة وأنا أرتجف كأن حد مدية يضغط على حنجرتي.. سيغرق وجهي في ربيع سفرها الأسود30-" هكذا يهرب البطل من مجابهة الواقع إلى الأحلام التي تعوضه عن كبته، وبذلك ينسحب خارج الواقع بدلاً من مواجهته. لكن هذه المجابهة تنعكس في بعض القصص الأخرى من الانسحاب المطلق، عن طريق الجنس والأحلام، إلى المجابهة المطلقة والتمرد على كل شيء. يريد تامر أن يقف الإنسان بصلابة لتحمل مسؤولياته، والتغلب على كل ما يقف في طريقه، لأنه يؤمن أن الإنسان هو المسؤول الأول والأخير عن قدره. وهذه المسؤولية مضاعفة بالنسبة للفرد العربي لأنه يواجه أحداثاً جساماً تستوجب إرادة متميزة. إنه يحاول أن يعري البناء الاجتماعي من خلال تجربة فردية، أملاً في تسريع عجلة اليقظة التي ستسهم في نسف كل الأقنعة التي تزيف الوجود الإنساني عن طريق الثورة. لكن قبل الثورة يجب على الفرد أن يعرف الهدف من هذه الثورة وضد من يجب أن توجه؟ الكاتب نفسه يحدد لأبطاله العالم الحالم: "ذلك العالم سيكون بالتأكيد خالياً من الحكام ورجال الشرطة والسجون وأصحاب اللحى31-". الأعداء هم السلطات الدنيوية والدينية التي أوصلت الإنسان إلى هذا الوضع اللا إنساني، وثورة أبطال تامر تجسيد حقيقي لهذا التوجه في فكر الكاتب. وهو يعي أن هذه السلطات لا تتخلى عن امتيازاتها عن طيبة خاطر وإرادة طيبة إذا لم تجد من يقف في وجهها ويذكرها بواجباتها إزاء الطبقة الفقيرة التي لا تحصل على قوت يومها إلا بالعرق والدم. في قصة "الرجل الزنجي" طلب هذا الرجل من الراوي ترك العمل رداً على حالة الاستلاب التي يعانيان منها. وكان خوف الراوي كبيراً بأن يُطرد من المعمل، فيجيب الرجل الزنجي: "ستطرد من المعمل، هذا العقاب الوحيد الذي يملكونه، وبه ستستعيد إنسانيتك المفقودة، وستهدم سدود الشوارع32-". مما لا شك فيه أن تامر يعرف أننا لا نستطيع الاهتمام بعمل غريب عنا، ولا يمكننا الحصول على حريتنا في مثل هذه الظروف القاسية، ولذلك فإن المؤلف يدعو إلى الخروج من هذا المأزق عن طريق التمرد والثورة. فثورته أولاً رفض ثم تحدٍ، رفض لكل ما يحيط بالإنسان من قهر وجور وظلم، وتحدٍ في سبيل الاستمرار في هذه الحياة بانتظار فرصة أفضل تتيح لأبطاله الخروج من مأزقهم. ينبغي إذن أولاً تحطيم علاقة الاغتراب التي تحكم العلاقات الإنسانية، ويظهر الإحساس بالاستقلال والشعور بالكرامة قبل أن يصبح من الممكن قيام أي علاقة إيجابية أصيلة، لهذا السبب يثور أبطال تامر من أجل التحرر وإن كان الفشل مصيرهم. عندما يطلب الرجل الزنجي من الراوي الهروب من المعمل لا يحدد مكاناً للهروب، لكن هذا التمرد عبارة عن شهادة بأن الاغتراب لن تكون له الهيمنة الكاملة على كل حياتنا. أخيراً نقول إن الفنان، مهما كانت خاصيته الفنية، فهو ابن لواقع معين، ومنظر لهذا الواقع، ويقومه ويتعامل معه من خلال رؤية معينة تتناسب ودرجة إبداعه وفهمه له. وهذا الفهم يتعلق بجملة من العوامل التي كونت فيه الكاتب الفنان وهي تربوية تعليمية واجتماعية وفكرية.. الخ. كلما تعامل الكاتب مع الناس تفهم واقعه، وأتقن لغة الحياة، وأحاط بأسرارها، واغتنت جمالية اللفظ لديه، واتسعت معالمه الفنية. هذا يعني أن الأدب انعكاس للواقع. من هذا الجانب نظن أن زكريا تامر كان خير من عبر عن واقع ارتبط به بشدة، فجاء إبداعه تتويجاً لهذا الالتصاق بالواقع، وبمصير الإنسان بصورة عامة. r n الهوامش 1- ريتشارد شاخت، الاغتراب، ترجمة كامل يوسف حسين، بيروت، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 1980، ص 56. 2- عن مجاهد عبد المنعم مجاهد، الإنسان والاغتراب، دمشق، مطبعة الإنشاء، 1985، ص152. 3- لقاء مع زكريا تامر، جريدة البعث، 8/5/1972. 4- زكريا تامر، صهيل الجواد الأبيض، دمشق، مكتبة النوري، ط2، 1978، ص33. 5- المصدر السابق، ص 39. 6- جريدة البعث، 8/5/1972. 7- زكريا تامر، نداء نوح، لندن، دار رياض الريس للنشر، ط1، 1994، ص 153. 8- زكريا تامر، صهيل الجواد الأبيض، ص12. 9- لقاء مع الكاتب، ملحق الدستور، 2/8/1970. 10- زكريا تامر، صهيل الجواد الأبيض، ص33. 11- المصدر السابق، ص 67. 12- المصدر السابق، ص 72. 13- لقاء مع الكاتب، جريدة الأنوار، 29/ 9/ 1974. 14- زكريا تامر، نداء نوح، ص 78. 15- زكريا تامر، صهيل الجواد الأبيض، ص 39. 16- زكريا تامر، الرعد، دمشق، مكتبة النوري، ط2، 1978، ص 32. 17- زكريا تامر، النمور في اليوم العاشر، بيروت، دار الآداب، ط2، 1981، ص 38. 18- المصدر السابق، ص40. 19- زكريا تامر، دمشق الحرائق، دمشق، مكتبة النوري، ط2، 1978، ص 93. 20- المصدر السابق، ص 94. 21- جريدة الأنوار، 29/9/1974. 22- زكريا تامر، دمشق الحرائق، ص139. 23- زكريا تامر، صهيل الجواد الأبيض، ص 28-29. 24-زكريا تامر، النمور في اليوم العاشر، ص 73. 25- دمشق الحرائق، ص 134. 26-صهيل الجواد الأبيض، ص69. 27- زكريا تامر، ربيع في الرماد، لندن، دار رياض الريس، ط3، 1994، ص99. 28- صهيل الجواد الأبيض، ص 43. 29- المصدر السابق، ص50. 30- المصدر السابق، ص9. 31- جريدة الأنوار، 29/9/1974. 32- صهيل الجواد الأبيض، ص 23. |
|
| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |