مجلة الموقف الأدبي - مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - العدد 352
Updated: Tuesday, September 23, 2003 04:05 AM
فهرس العدد فهرس الدوريات
 

يوم من شعر، أبد من وجود ـــ شعر: محمد علاء الدين عبد المولى

للشّعرِ يومٌ في حديقتِهِ‏

سيلبَسُ فيه شمساً غضّةً‏

هل سوف ينتظرُ القرنفلَ؟‏

أم مرورَ الأرضِ بين يديه تقرئُه‏

السَّلامْ؟‏

من سحره، لمَعَتْ خواتمُ ذكرياتٍ‏

واحتسى قبل الخروجِ نبيذَ عذراءٍ‏

تربّي بين نهديها الحَمَامْ‏

يا صمتَهُ‏

أغضى قليلاً عن نشازٍ عابرٍ‏

ونأى بكلّ حواسه عمَّا يثيرُ‏

الرُّوحَ،‏

عمَّا يقذفُ الإيقاعَ في بئرٍ حطامْ‏

وتعمَّد التَّحديقَ في اللاَّشيء‏

وانتبذَ الكلامْ‏

مستسلماً لحديقةٍ أخرى ستنمو داخلَهْ‏

يرتادُها نسلٌ خفيٌّ من إناثِ الرِّيح،‏

يرقصُ(زوْرُبا) فيها‏

يؤجِّل موته اليوميَّ،‏

يكسرُ جرَّةَ الأقدارِ،‏

يدفعُ بالجنونِ إلى أقاصيهِ،‏

يدٌ: بحرٌ/ يدٌ: سفنٌ‏

أصابعُ للتَّموُّجِ مخملاً،‏

وأصابعٌ نَصَبَتْ شِراكاً للغيومِ‏

الرَّاحلَهْ.‏

عينٌ تشعشعُ مثلَ لؤلؤةٍ‏

وعينٌ روحُ جنّيٍّ تحلُّ بها‏

وعينٌ لا تُرى، متآكلَهْ.‏

للشّعر (زورباهُ) إذاً‏

فالْعَبْ بهذا الكونِ يا ضليّلُ‏

لا تملأْ جبينَكَ بالنّجوم المطفأْة‏

اليومُ يومُكَ، فارتكْب كلَّ المدائح في‏

انبهارِ السّيِّداتِ‏

ودُرْ على أحياءِ قلبَكَ، سمِّ كلَّ‏

السَّاحراتْ.‏

من بيتِ أشباحِ الطّفولةِ،‏

وانتهاءً بانفلاتِ القمقم الشَّبقيِّ من‏

عينيكَ...‏

هل سميَّتَ أم أخفيتَ.؟‏

إنّ الشّعرَ أكبرُ من صدى متجوِّلٍ‏

بين الصُّخورْ.‏

من زهرةٍ يأتي، ومن عشبٍ نما بينَ‏

الصُّخورْ.‏

من شجَرة التِّينِ القديمةِ،‏

من تسلُّقها لتبحَثَ عن حليب‏

التِّينِ،‏

كنتَ تظنُّه فيها.‏

ولمّا استُنْزِفَتْ،‏

فوجئتَ بالأنثى وراءَكَ تنحني.‏

ويشقُّ نهداها الضُّحى الورديَّ،‏

تَأْذَنُ بالعبورْ...‏

فانعَمْ بأنوار النَّبيِّ، فلستَ أوَّلَ من يباغتُهُ‏

بياضُ النَّهد في هذا الحضورْ...‏

... ... ...‏

والشِّعر يأتي من سقوطِ التُّوتِ في أرض‏

المساءِ،‏

وأنتَ تسترقُ الوميضَ من‏

الثُّقوبِ،‏

تسيلُ أصواتُ النِّساء على‏

الحجارةِ،‏

والرّجالُ يغادرون إلى الصَّلاةِ،‏

وأنتَ تُرْفَعُ مرَّةً أخرى على توتٍ‏

عتيقٍ،‏

كاشفاً -من فوق- سَفْحَ القلعةِ‏

الممتدَّ حتَّى‏

ذكرياتِ الأمِّ عن جيشٍ يصيدُ‏

العابرينْ.‏

الشّعرُ يهربُ من رصاصِ القَنْصِ‏

ملتجئاً إلى صمت الأزقَّةِ،‏

أو بيوتِ المنشدينْ،‏

الشِّعرُ يلبسُ جبَّةَ الشَّيخِ الجليلِ‏

مساءَ يبدأُ طقسُ (زاويةِ الخميسِ)‏

أكنتَ تنشدُ مثلهم،‏

لينزَّ عطرٌ من عروقكَ يا فتى؟‏

داروا كقنطرتَيْن تتَّحدان،‏

ثمَّ تباعدوا عفواً وعادوا،‏

كلُّ عبدٍ موجةٌ كَسَرتْ عقالَ‏

البَحْرِ،‏

وانفلتَتْ لتبحَثَ عنْ معلِّمها...‏

تواجَدَ عابدونَ متيَّمونَ،‏

وأحكموا إيقاعَ دورتهم وغابُوا في‏

بساطٍ طارَ في شطحِ الجنونْ‏

ما عدتَ تبصر أينَ أقدامُ الهواءِ‏

وكيف تحترقُ العيونْ؟‏

سكروا بنجوى الله واشتعلوا،‏

همُ الفقراءُ والمستوحشونْ.‏

ظلَّ الفتى متربِّصاً يُحصي كلاماً كان‏

يسقطُ‏

من أكفِّ المنتشينْ‏

كان الكلامُ معسَّلاً،‏

هل كان من توتٍ وتينْ؟‏

هل كان ذِكْراً للإله فقطْ؟‏

أما كانتْ لهم أسرارهم‏

حتَّى يفيض الدَّمع من أدنى‏

أصابِعِهْم‏

أكانوا يطلبون الخمر في غَلَيانِ‏

نشوتهمْ.؟‏

رأيتَ رؤوسَهُم أقمارَ رقْصٍ في‏

البياضْ.‏

وعمائمُ ابتلَّتْ بماء الياسمينْ.‏

هل كانَ ذِكْراً ما جرى‏

أم رقصةَ الرُّوح السَّجينْ؟‏

... ... ...‏

والشِّعرُ رقصٌ يا فتى‏

فأثِرْ به خَصْرَ السَّحابِ.‏

بسهرةِ استحضارِ‏

جنّيِّ السُّرورِ،‏

أَقِمْ لَهُ نُذُراً،‏

تلمَّسْ وقْعَهُ في لذَّة المحرابِ،‏

واقطفْهُ إذا ضاءَتْ ثريَّا مسجدٍ‏

أذَّنتَ فيه ذاتَ فجرٍ للصَّلاةْ‏

فرأيتَ روح أبيكَ يبكي صبوةً‏

ثمَّ انتبهتَ بأنَّه يبكي على غَسَقِ الحياةْ.!!‏

... ... ...‏

والشعر أنفاسُ الورودِ تضيقُ في عُنق‏

الزُّجاجةِ...‏

كنتَ طفلاً عندما واراكَ أهلُكَ في الظَّلامْ‏

أيقظتَهم ((سأموتُ من ضيق النّفَسْ))‏

... في الصَّدر قلبٌ واهمٌ أنَّ الفضاءَ‏

على مقاسِ جموحِهِ،‏

ويودُّ من لهَبِ الإله ولو قَبَسْ.‏

في الصَّدر -من جَذْر الطُّفولةِ- كهفُ‏

أصداءٍ،‏

طبولٌ نازفاتٌ في احتفالاتِ‏

الغَجَر‏

الرِّيحُ تعدو كالوحوش وراء صدري‏

وهْيَ تقذفُ خلفَها قلباً نحيلاً‏

قُلْ كأنَّ البحرَ فيه يُحْتَضَرْ.‏

ضيقٌ على ضيقٍ...‏

وما كانَتْ تريقُ الروحَ-فوق‏

الجمر- أنثى،‏

لم تكن (بغداد) حنظلَ حلْمنا،‏

والشَّاعرُ المغدورُ لم يكبرْ به‏

التَّابوتُ بعدُ،‏

ولم تكنْ جدّاتنا يحكينَ من لغة‏

الشَّآمْ‏

غيرَ القرنفلِ مائلاً بدلالِه وشذاهُ‏

نحو المرأةِ الأولى وقَدْ دخَلَتْ‏

إلى الحمّامِ مثلَ خرافةٍ بيضاءَ...‏

تنعسُ في عبيرِ الدِّفءِ،‏

تطلقُ شَعْرَهَا مرخىً على ظهر‏

الغمامْ.‏

كم مرّةٍ أفرغتَ أجرانَ النِّساءِ من العطورِ‏

وقد مضَيْنَ مُجلْبباتٍ بالسَّوادِ،‏

وتحتَهُ عَسَلٌ تجسَّد واستقامْ.؟‏

وصنعتَ من آثارهنَّ حريرَ مروحةٍ‏

لصيفِ النَّار في جَنْبَيْكَ،‏

حين تقلِّدُ الأزواجَ في عرس‏

المنامْ...‏

ما سرُّ هذا الضِّيق؟‏

هل عاينتَ منذُ البدءِ هذا المشهدَ‏

الدَّمويَّ‏

في فصل الختامْ؟‏

الآنَ يستندُ الصَّبيُّ إلى قصيدتِهِ‏

يحاولُ جَعْلَها فصحَ القيامةِ‏

وهو يؤمن أنَّه لم يستطعْ بَعْدُ‏

القيامْ...‏

... ... ...‏

الشِّعرُ من ليلٍ صحا،‏

لتطوفَ أسئلةُ المغنّي بين أبواب الشّتاءِ‏

ورحلةِ الصَّيف العقيمْ.‏

وهو الدّخولُ الحرُّ فيما ليس يشبهُهُ‏

يعتِّقُهُ الحديثُ، وقد يحدِّثهُ القديمْ.‏

لكنَّه ضدَّ الصّراط المستقيمْ...‏

والشّعر بعضُ تهكّمٍ في حضرة السُّلطانِ،‏

بعضُ تهدّمٍ في لحظةِ البنيانِ،‏

كلّيٌّ إذا سلّمتَهُ أمرَ الفصولْ.‏

وقواه أخفى من كلام الأرضِ في أرواحها السُّفلى،‏

يقولُ ولا يقول.‏

... ... ...‏

للشِّعر يومٌ...‏

سوف ينتعلُ الرَّبيعَ‏

ويعتلي عرشَ الرَّحيقِ،‏

له طقوسٌ لا تُحَدُّ.‏

له نفوسٌ لا تُعَدُّ.‏

فكيف أُظهِرهُ وفيه باطنٌ؟‏

أو كيف أُبْطِنُه وفيه ظاهرُ؟‏

فلتشهدوا ماذا يقول الشَّاعرُ:‏

للشّعر يوم آخرُ‏

للشّعر يوم آخرُ...‏

58 - الموقف الأدبي‏

الموقف الأدبي - 56‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244