مجلة الموقف الأدبي - مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - العدد 352
Updated: Tuesday, September 23, 2003 03:40 AM
فهرس العدد فهرس الدوريات
 

إفادات لاحقة لأقوال المغنّي ـــ شعر: إبراهيم عباس ياسين

"محكمةْ"!‏

كان صوتاً..‏

جارح الأصداء كالريح،‏

وكنت اثنين، ما بيني وبيني‏

برزخٌ من شغبِ الروحِ،‏

سلاماً يَتُها الروحُ التي لما تزلْ‏

بالحب والحلم الذي يغتالها‏

مُتَّهَمهْ!‏

"محكمة"!‏

كل شيءٍ -جاهزاً- كان:‏

القضاةُ، القاعة الكبرى، شهودُ الزورِ،‏

و "العدلُ أساسُ الملْكِ"!‏

هل يخضرُّ في دائرةِ النيرانِ‏

عشبُ الحلمِ؟‏

كم أمشي إلى حلمي وأمشي‏

دون أن أُبصرَ إلا مأتَمهْ!‏

وأنا المدعوُّ والداعي‏

أنا الطالعُ من أزمنةِ القهرِ،‏

ومن ليل الرمادِ المرّ،‏

في قلبي وفي عينيّ كانت‏

أُمّةٌ للقدرِ البائسِ..‏

والمنقوش في جبهتها مُسْتَسْلِمةْ‏

فاسمحوا لي -أيها السادةُ-‏

قبل النطق بالحكمِ، بأن‏

أرفع الصوت إلى آخرهِ‏

ربما أدفع عن نفسي‏

سوادَ المظلَمةْ‏

"محكمةْ"!‏

أنذا أعترفُ الآنَ..‏

أنا المحكوم، منذ البدءِ،‏

بالصمت الذي يقتاتُ‏

كالسكين من لحمي وعظمي‏

لا فضاءً لي‏

أغنّي فيه أشعاري‏

ولا أرضَ لترعى فوقها‏

غزلانُ حلمي‏

كان-يا ماكانَ-‏

أن غنّيت للريح وللأمطارِ،‏

لليل وللأقمارِ، للعشق الذي‏

يستوطن الأرواحَ كالأقدارِ...‏

ما اسْمي؟‏

ليس لي اِسمٌ،‏

غريبَ الوجه والعينين أحيا‏

وفمي ضيّع في مملكة الصمتِ فَمَهْ‏

بيدرٌ من حنطةٍ محروقةٍ وَجهي،‏

يدي زنبقةُ الجمرِ التي أطفأها‏

في ظمأ النيرانِ بَرْدُ المغربِ‏

لا "ابْنةُ الآمرِ" أمي‏

أيها السادةُ، لا أَختُ العلى والحسبِ‏

بِنْت، فلاحين كانت.‏

عَمرُها؟ أنفقتِ العمَر..‏

على دربٍ من الآلام،‏

لم تعتب.. ولم تغضبْ..‏

ولا كان أبي‏

سيّداً في قومِه..‏

لكنه كان نبيلَ المطلبِ‏

"عشْ عزيزاً" -قال لي-‏

ما اسْتَطعْت، واعلم‏

إنما عيش الأذلاّءِ يساوي عَدَمهْ‏

وكريماً ماتَ..‏

لم يخشعْ.. ولم يركعْ...‏

فما ضيّعني طفلاً،‏

ولا حمّلني كالملكِ الباغي دَمَهْ.‏

وأنا -يا سادتي-‏

ظلُّ السمواتِ على الأرض،‏

أنا الوارثُ للأرِض اليَبابْ‏

لم أزل أؤمنُ أن الأرضَ‏

-رغم القحط، والنفط الذي‏

ينزف من شريانها المذبوحِ-‏

مثل العرضِ، لا يرخصها غير الكلابْ‏

ربما ضاقت براريها،‏

وعاثت في لياليها ملوك الجنِّ،‏

لكني أغنّي وجهها القدسيَّ..‏

في الخبزِ وفي كأس الشرابْ‏

وأحبُّ الوردَ والأطفالَ..‏

والشعر الذي يمتصُّ من قلبي‏

حليبَ الكلمةْ‏

لغتي مقصلتي،‏

والحرفُ كالسيفِ الذي‏

يخضلُّ في مرآةِ خدَّيهِ..‏

أزاهيرُ العذابْ‏

أزرقٌ ليلي،‏

وظلّي جارحُ الأبعادِ،‏

وامرأتي سرابْ‏

كلما جئت إلى موعدها السريِّ‏

فرّت مثل قبضِ الريحِ مني،‏

وتلاشت كالضبابْ‏

وأنا أخبط كالأعمى وحيداً‏

في بحورِ الظلماتِ‏

هكذا بَعْثَرْتُ كالنرْد..‏

على مائدةِ الأيامِ أحلامي‏

وضيّعْتُ حياتي‏

قلتُ فلأخرجْ إلى مملكةِ الضوءِ،‏

بسيطاً مثل موّالٍ،‏

نقيّاً كالصلاةِ‏

وليكن صوتي‏

صدى أنّاتِ قتلى الحبّ والحربِ..‏

ومن غابوا بأقباء الدياجي الهَرمهْ‏

آن للشاعِر..‏

أن يخرج من دائرةِ الرمزِ،‏

وأن يغتالَ أشباحَ اللغاتِ المبهمةْ‏

قبل أن تسقطَ مني وردة المعنى‏

وتَذوي في شفاهي الكلمةْ‏

"محكمةْ"!‏

سادتي: أعرف أن الموتَ حقٌّ،‏

مثلما أعرف أن الملْكَ للوالي،‏

ولي فوضى الأحاسيس..‏

وفرقانُ الشقاءْ‏

للنساء العطرُ والسحرُ،‏

السمواتُ لمن في وسْعها‏

كرسيُّهُ العالي،‏

سوادُ الذهبِ الذائب في الصحراءِ..‏

للأعداءِ والعاصفةِ الأعتى،‏

وللبائس أن يبكي كعصفورٍ غبّيٍ‏

كلما أبصر في أعين صيّاديه دمعاً‏

وهو يمضي في دروب الرمحِ مذبوحاً‏

إلى عالمه (الحرّ) الجديدْ‏

غير أني لم أزل أحلمُ..‏

أن تنثال أنوارُ الشروقِ البكْرِ..‏

في ليل العبيدْ‏

لأرى الأرض التي ترسفُ‏

بالأحزانِ والنيرانِ كالمهرة تعدو‏

في براري الصبح، حُرَّةْ‏

مثلما أحلم أن أبصرَ ظلّ اللهِ..‏

في الأرضِ، "وفي الناس المسرَّةْ"‏

سادتي!‏

من يخرج الحيّ من الميْتِ؟‏

ولحمُ الميْتِ من حلّلهُ حيّاً؟‏

وَمَيْتاً حرَّمهْ؟‏

"محكمةْ"!‏

".. تُرفعُ الجلسةُ‏

قبل النطق بالحكمِ‏

إلى آخر إشعارٍ..‏

وللشاعر أن يحمل..‏

-حتى آخر النزفِ-‏

على الكفِّ دَمهْ!"‏

4 - الموقف الأدبي‏

الموقف الأدبي - 1‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244