|
||||||
| Updated: Tuesday, September 23, 2003 03:29 AM | ||||||
| فهرس العدد | فهرس الدوريات |
|
كأننا لم تفترق ـــ قصة: ماري رشو قبل أن أحتسي القهوة شعرت بوقع خطوات تتوقف قبالتي، أتاني صوت نسائي بطريقة أقرب للتمني منها للسؤال: - هل أستطيع الجلوس؟ قلت وأنا أرفع عيني عن محتويات حقيبتي: - طبعاً". جلست بهدوء وهي تضع القهوة أمامها، لاحظت ابتسامتها وعينيها اللتين تشعّان ببريق أضفى على وجهها الأسمر الممتلئ مسحة من الجمال. جلت ببصري فيما حولي، كانت الاستراحة تغصّ بالمسافرين، حركة متواصلة سريعة: مسافرون إلى دمشق، عائدون منها، وجوه متعبة، أجساد مرهقة، بعض الوجوه تبتسم، بعض آخر قلق، عدت إلى المرأة، كانت مكتنزة الجسد، ترك الزمن بعض البصمات فوق الوجه، كانت عيناها لا تفارقان وجهي، لاحظت رغبتها في الحديث، تعمّدت تجاهلها، فقد مللت من كل شيء، من السفر والمحطات، من الأسئلة والأحاديث، فالسفر منذ الفجر الباكر قد أرهقني، وفي كل الأحوال، هي مسافرة عابرة، تجمعني بها المنضدة الواحدة، بين الضجيج والحركة، والصمت الذي أطبق علينا، عدا صوت الرشفات المتناوبة. بدت المرأة مرتبكة بعض الشيء، ملت برأسي جانباً، فلكل همومه، ومشاكله، غير أنها سحبتني من الهدوء الذي كنت بحاجة إليه قائلة: -هذا الحر مزعج! عرفت أن الحديث موجه لي، قلت بتكاسل: -أجل! تابعت وكأنها ترغب بالاسترسال قائلة: -الحر في دمشق مقبول، أنا أحب مناخ دمشق، أما اللاذقية ورطوبتها؟ يا إلهي كم هي مزعجة. قلت أصطنع اللطف: - الحق معك. اعتقدت أن الحوار انتهى، غير أنها سألتني بجدّية لا تخلو من الاهتمام قائلة: - هل أنت من دمشق؟ قلت باقتضاب وأنا أحاول إخفاء ضجري: -لا. بدا الانشراح في نبرات صوتها، قالت: - أنا أيضاً لست من دمشق، كنت أقيم مع زوجي وأبنائي في الخارج، والآن في دمشق بسبب العمل. أنهت حديثها وحدّقت بعيني، وكأنها توحي لي بتفاصيل أوسع، كان علي الهروب من حديث لا أرغب به، خاصة في وقت كهذا، أخرجت بعض الأوراق من الحقيبة، فكرت بكل ورقة، ورحت أحسب الوقت الذي كلفني لتصديق كل منها، تذكرت سائقي سيارات الأجرة، شعرت بالامتعاض، لعنت العدّاد الذي خرب ضمائر بعض السائقين الذين يمارسون الشطارة على الغرباء، فتضيع منهم أكثر المناطق شهرة، أعدت الأوراق، كان قدح القهوة يشارف على الانتهاء، نظرت إلى الساعة، تململت. ألقيت نظرة حولي، التقت عيناي بعيني المرأة التي ابتسمت، بادلتها الابتسام، فكرت بالنهوض والتحرك نحو الباص، غيرّت رأيي إذ وجدت السائق غارقاً في صحن طعام أمامه، بينما انهمكت يداه بتقطيع رغيف الخبز. شغلت نفسي بمراقبة الآخرين، امرأة مسنّة تراقب الرجل المسن الذي يجلس قبالتها بشذر، بينما هو يتابع بعينيه المتهدّلتين إحدى الصبايا العابرات، ضحكت في سري، قفزت طفلة تلاحق ولداً يقاربها في السن وهما يتضاحكان، كان المشهد ممتعاً حين سحبتني المرأة من تفكيري وقد حمّلت السؤال مزيداً من اللهفة قائلة: - هل أنت ذاهبة إلى دمشق؟ أجبت وكأنني على عجل: - لا إني عائدة منها. - أنا عائدة من اللاذقية، كنت بزيارة لإحدى قريباتي. هززت رأسي في اللحظة التي تابعت متسائلة: - من أين أنت.؟ نظرت إليها ملياً ثم قلت بنزق: - من اللاذقية. وكأنها لاحظت تبرمي، لجأت إلى صمت قصير، أعقبته بحركة من يدها وهي تتأفف وفجاة بدت وكأنها قرّرت الحديث، قالت: - إذن أنت من اللاذقية؟ لم أجب، غير أنها أصرت على المتابعة وهي تقول: - عشت في اللاذقية بضع سنوات، كان هذا قبل ثلاثين عاماً. هززت رأسي، بدت محبطة، غير أنها استعادت ثقتها بنفسها، وراحت تحاول إثارتي وهي تقول: - اللاذقية في الصيف لا تطاق، وتدعو للملل في بقية الفصول، لا منتزهات، لا نوادي، لا أماكن خاصّة بالرفاهة. لاحظت عذوبة ابتسامتها، غير أنني لم أستسغ ما أرادت الحديث به، وكنت أفكر بدمشق الحارة جداً، فكرت أن أقول شيئاً، تراجعت، فأنا أهوى في اللاذقية كل شيء، فهي أجمل المدن، بحرّها وبردها، بدفئها ورطوبتها، بكل ما بها، وللحال قفز إلى ذاكرتي شريط من الذكريات، هنالك عند الشاطئ الصخري الذي كان يفصلنا عن البحر خطوات، كنا نرتاح، نعبر الطريق بمحاذاة الشاطئ الجميل، كنا أكثر من صديقة، نحلم بالحب، فتأتي المواعيد مع الغروب، مع الأمل والانتظار، وكنا نثرثر بأي شيء، نضحك لأي شيء، وكان لكل منا حبيبها الوهمي الذي سيعبر بعد قليل، قد يرمي السلام، أو الكلمات، أو يسرق نظرة، تلك الأيام التي ما برحت تهاجم الذاكرة بين الحين والحين، توقظ ما يشبه الحنين. كان كل شيء مختلفاً، البحر والسماء، الشمس والقمر، الأرض والشجر، والعلاقات بين الناس، الحب، الصداقة، وكأن في وجوه الأطفال إشراقة الصبح، وصفاء النهار، واستراحة الحلم، كان الحاضر يبشر بالآتي الجميل، كان بلدنا ينتظر امتداده الكبير، لم لا، وكيف لا؟ وربما يكبر الحلم ذات يوم مع اللاذقية التي كبرت، وأصبحت أجمل لتبقى الذكرى تعرج دون موعد، كما هي الآن. سحبتني المرأة من أفكاري وكأنها تصر على أن تخطف الحلم من عيني وهي تردد ببساطة: - بماذا تفكرين؟ أصابتني الدهشة لسؤالها، ها هي تتدخل بشؤوني، وخلال لحظات انتابتني موجة من الضحك، وكأنني أفرغ تعب النهار بلحظات من المرح، أو أن حالة الإرهاق التي أعيشها تبحث عن ثغرة للهروب، وتذكرت أن النفس والجسد يستطيعان الدفاع عن وجودهما بطريقة من الطرق، وكنت ألملم الدمع من عيني، وألاحظ أن المرأة تمعن بي، تبادلني الضحك، ثم تشرد قليلاً، إلى أن قالت: - كان لي صديقة من اللاذقية! تجاهلت كلماتها التي حمّلتها مزيداً من النقاء، ورحت أشغل نفسي بأشياء أخرى، وقد لازمني شعور المرح، نظرت إلى الساعة، ثم إلى السائق الذي نفض يديه ونهض، نهضت، وكنت أفكر بالإسراع واللحاق به. اكتشفت أن المرأة تسير بمحاذاتي، ضحكتْ ثانية، هززت رأسي باستغراب، لكنها أصرت على الإمساك بي، وهي تحدّق بعيني، وإحساس يلاحقني بأنها ستقول شيئاً هاماً كان في نظرتها شيء غريب، مختلف ، يذكر بأشياء ترى ما الذي ستقوله أيضاً؟ ومع نداءات الباص المتكررة سألتها لأول مرة وعلى عجل: - ماذا لديك؟ قولي! أجابت بطريقة جادة: - قلت لك، كان لي صديقة في اللاذقية! قلت على عجل أيضاً: - سمعت هذا، وماذا أيضاً؟ كان وجهها ينضح بالذكرى، وقد انبثقت في عينيها ألوان من بحر وأرض وسماء، وهي تحدّق بعيني وتردد: - كان اسمها ليلى، ربما تعرفينها! خفق قلبي، غير أن صوراً كثيرة استيقظت في داخلي، سألتها وقد تهدج صوتي: - من أنت؟ ما اسمك؟ قالت وهي تحدق بعيني أكثر: - اسمي حياة! كانت تتابع، وأنا عبر الدهشة والتذكر، أربط الصور والأسئلة، وتقاطيع هذا الوجه التي كما أعرفها، وخلال ومضة تأكدت أنها هي، إنها هي، حياة الجميلة التي أحبت، وتزوجت، ووفت، ثم رحلت مع الزوج إلى الخارج. وكأنها تأكدت أنني هي، علا صوتها وهي ترتمي علي، حضنتها وأنا في ذهول، كانت كل منا تردّد اسم الأخرى بفرح ولهفة، وخلال لحظات تلاشى كل شيء، احتللنا المكان والزمان، كنا أنا وهي نبتعد عن الآخرين، عن الباص، عن السائق الذي استشاط غضباً، وكأننا نعبر شاطئ اللاذقية الجميل، كما في الماضي، نثرثر بكل شيء، نضحك لأي شيء، وكأننا لم نفترق أبداً. |
|
| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |