|
||||||
| Updated: Tuesday, September 23, 2003 02:55 AM | ||||||
| فهرس العدد | فهرس الدوريات |
|
ضـمــور ـــ قصة: سلام حربه /العراق أقلقه رأسه كثيراً.. قبعته الشمسية التي تستقر قديماً على جزء من رأسه الضخم تنزلق الآن بيسر في رأسه بل تبدو مجنحة، طليعة لنداءات الريح.. تلمس رأسه وراح يذرع أبعاده في المرآة (عجباً.. كانوا يدعونني "أبو راسين".. من صغري اندلق رأسي عن رأس ثان فارتبكت هيئتي واستدرجت لسنين طويلة السنة الهزء والسخرية. ما أراه الآن من أوداج منتفخة ورأس مختزل يتوارى في شعر أشيب يؤثث في داخلي قنوطاً باهراً). لم ينتبه إلى حاله إلا أخيراً.. في سنينه الأخيرة ثلمت فطنته، فقد شحب هجاء أصدقائه، واستبدلت نكاتهم بمديح منافق، وفي تلك السنين أيضاً تشكلت خارطة جديدة لجسده.. عينان هامدتان تطلان من بركتين داكنتين، خدود نافرة، وجه أحمر محتقن بالعافية، جسد مترهل وبطن مكورة متخمة بالشراهة. من رآه في مقتبل شبابه لن يتعرف عليه بسهولة في هيئته الجديدة.. فقد أنفق حياته التالية يضمخ وجوده بنزوات طارئة ويحقن ذبوله بغرائز منشطة، لذا لم ينضب همه يوماً في اقتفاء بصمات النقود ورائحتها البشعة، كما ضجّ سكونه الداخلي بنهم لا يشبع، يصطرع بين جدران المعدة وفي مكمن الفحولة.. رأسه الكبير زلزل كيانه ولا سيما أن حياته قد فطمت مبكراً على جد مصطنع يتحسسه بقلق دائم كما تعود أن يمشط أيامه فتنبسط أمامه كل فنون الغمز واللمز والنظرات المتهكمة، الحرمان ووجع الرأس من أفكار اتضحت بأنها مخصية، لذلك سمي بصاحب الرأي البلوى، وفي مطلع حياته ادخر قناعة قاتمة حصدها من دراسته العلمية، فرأسه قد يكبر ويزداد استطالة إذا ما ارتجفت أيامه بالحقائق واتسعت قناعاته بالجدل والبحث والتنقيب. (لن أقلب صحيفة أو مجلة أو كتاباً لئلا أصاب بالغثيان. ولن أربك قناعاتي الحديثة بالترهاب واللغو.. لقد طليت حياتي بدهان مانع فلا مواء لصوت قديم ولن تتأكسد أيامي الآتية برذاذ أسىً جديد). بمشقه كبيرة تخدرت هواجسه لكنه بقي دائم التوجس، وما أثلج قلبه في الأيام المنصرمة أن رأسه لم يعد يشاكسه، فقد ارتكزت عليه وبثبات متعته الشمسية، وتحددت أضلاعه بغطاء رأس العسكرية، وارتسمت فيه قصات الشعر الحديثة. ولم يحشر بعدها في أعناق البلوزات، ولم يشوش سكون الجسد بصداع مزمن لقد أيقن بعد طول مراقبة وتمحيص في المرأة، كما دجج أحكاماً باهتة من آراء الآخرين، فخلص إلى أن رأسه يذوي، والرؤى الشاحبة تعاني من فقر في الأحلام، وتشوّش استطالته ورقت عظامه، وأذياله تغرقها أوداج منتفخة ورقبة غليظة، لم يكن يعانيه ويؤرق لياليه يشغله وحده، مرة عرّج مع صديقه الصحفي في سيارته الفارهة - بعد أن أنجز صفقة تجارية باهرة- إلى إحدى القاعات الفنية، لم تكن تطربه جعجعة الفن، بل ما تزدحم به القاعة من نساء تهوي بسهولة في شراك الخديعة، كانت القاعة تغص بمنحوتان برونزية لأجساد متباينة وبلا رؤوس، وأفواه الحاضرين تثرثر بما يشبه الطنين، اقترب من الفنان وبهمس ملطخ بالقلق تمتم: -أين رؤوس منحوتاتك ؟ استدار الفنان إليه -تأمله ملياً- اعتصمت نظراته في الرأس الضامر وبسخرية تملّح جسد الكلمات أردف: -اختفت الرؤوس من أعمالنا.. لا جدوى منها.. صعقته الكلمات فيما شرخ صداها زجاج قلقه- كل من لمحه بعد تلك الرؤية كبله العجب: عينان تجوسان في متاهة، وأصابع تمسد رأساً في طور اختفاء.. ومن جدّف أقداماً بالقرب منه سمعه يدندن (هذه محنة عصرية.. هذه محنة عصرية) وإذا ما أفاق إلى رشده تجده يلاحق متعة حبس رؤوس الآخرين وقياس تخومها.. وفي آخر أيامه ازداد شراهة، وسوّر أحلامه بالصمم، وتفلطح جسده واندلقت الأجزاء. بطن متهدلة وعجيزة منتصبة، ورقبة عملاقة كعكازة لرأس ضامر. ما طبع منه في ذاكرة الآخرين: أقدام متسارعة وأصابع تنقب في فراغ، وابتسامة عريضة ساخرة تشرق في وجهه لم يصدق ما استحالت إليه رؤوس الآخرين من هوان وصغر حتى بدت هجينة على الأجساد. ثم اختفى، وأثار وراءه غباراً من الأسئلة، فأكد المقربون إليه أنه تجلى مستنسخاً في لوحات صديقه، وفكّر مقيم في بلاد مجاورة أن يقايض محنة رأس صديقه بأحلام ثراء دنس. |
|
| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |