مجلة الموقف الأدبي - مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - العدد 352
Updated: Tuesday, September 23, 2003 02:29 AM
فهرس العدد فهرس الدوريات
 

مخلوقات الليل ـــ قصة: ميسلون هادي

حوقل السائق وتنهد.. ثم استغفر الله وتأفف ثم سمح لمساعدة الشاب بالصعود إلى الحافلة والانضمام إلى الرحلة.. رحلتنا نحن الذين وصلنا متأخرين بعض الشيء إلى الموقف فلم نفز بمقعد شاغر في آخر سيارة خرجت منه حتى جاءت هذه الحافلة وحملتنا جميعاً من فوق الرصيف. قلت لنفسي إن الحكمة تولد بعد صاحبها بعدة سنوات ضوئية وإنها مع تقدم العمر تكتسب قانوناً خفياً يفرض هيبته على مسافة أمتار، في البداية، ثم لا يلبث أن يمتد ويسري إلى آلاف الهكتارات، ليسفح ظله في النهاية على الجميع، ولولاه لما انكب ذلك الشاب على السائق يستجدي منه المسامحة والغفران ويستحلفه بوعود خلت أن يعفو عنه قبل أن يرضى ويرضخ في النهاية لكلمة طيبة تدّخل وقالها رجل عجوز:‏

- سامحه يا ولدي.. المسامح كريم.‏

الدمدمة التي سرت بين ركاب الحافلة بسبب زيادة الأجرة لم تجد طريقها إلى أذن السائق المنقذ، فالصمت يصبح لذيذاً وثقيلاً بعد القفز من أعالي الجبال والفوز بمقعد شاغر، ولا أحد يجرؤ على تعكير مزاجه بعد أن رفع السعر وانتهى الأمر.. بل لم يجرؤ أو يشعر بالرغبة أحد، حتى بالتململ أو التحرك لترتيب ملابسه، التي تجعدت أثناء الجلوس، وإعادتها إلى وضعها الطبيعي الذي كانت عليه ما عدا شخصاً واحداً هو جاري في المقعد الذي أشار إلى الموقف الذي تركناه للتو وقال لي فور أن تحركت الحافلة:‏

أنظر..‏

نظرت عبر النافذة فوجدت رجلاً يقف في أعلى الرصيف وهو يبكي، كأنه لم يفرغ بعد من توديع عزيز عليه.. كان يحمل في يده طاسة ماء وقد بدت تمتلئ بمطر خفيف يصل إلى حافتها ولا يفيض أبداً... ودون أن يخطو خطوة واحدة سفح ذلك المطر خلفنا متمنياً للعزيز الذي قد ودعه قبل قليل أن يعود بسلام.. انكفأ رأس جاري على المقعد الذي أمامه ولم يكن يبدو عليه أنه لا يزال لحد الآن ابناً لأحد مثلما لم يكن يبدو على حامل طاسة المطر أنه قد أصبح ذات يوم ابنا‏

لأحد. ألتفتُ مرة أخرى، أنظر إليه حتى بعد أن غادرنا الموقف، فكان في مكانه لا يزال واقفاً بثبات ينظر إلى الحافلة المبتعدة وهو يشرف بعينيه أعالي رأسه المرفوع وكأنه يُمعن النظر في شيء يختفي داخل غابة فيحاول استعادته بالماء المسفوح من الطاسة التي كانت تشرق كشمس صغيرة بين يديه.‏

جاري كان لا يزال منكفئاً على ظهر المقعد المقابل لنا، وتفاحة آدم تضطرب في عنقه وترتج مثل لقمة تورط في ابتلاعها ولا يستطيع إخراجها من عنقه مسسته في كتفه وقلت له:‏

- ما بك.‏

قال بصوت خفيض:‏

- لا شيء.. نعسان ليس إلا.. وأريد أن أنام..‏

فقلت لنفسي:‏

- لم يكن يجدر بنا أن نلتفت.‏

ثم فجأة أضاء صوتها الجميل وهو يلهو بالسؤال عن الوقت: الغندورة التي صعدت إلى الحافلة بعد أن صعد الجميع ونظرت باسمة لي وكأنها تنظر باشة إلى طفل وليد، قبل أن تتخذ مجلسها على مقعد من المقاعد الأمامية للحافلة، بين والدتها والنافذة وتنشر مروحة الريش السوداء بين أصابعها البضة وتندلع.‏

قالت والمروحة المفتوحة تروح وتجيء أمام خديها:‏

- كم الساعة الآن.؟‏

فرد أكثر من صوت.‏

- الرابعة.‏

فقالت ضاحكة:‏

- كم أنسى يا ماما.. أتكاسل عن تغيير توقيتها الشتوي فلا أعرف إن كانت صحيحة أو خاطئة.‏

امرأة عجوز طاعنة في السن التفتت إلى الصوت الجميل تنظر إليه وهي تحرك رأسها باستدارات حادة وسريعة وتنطق بالبلاهة تماماً كما يفعل العصفور.‏

- الشمس قوية.. كأنها حريق.‏

قالت المرأة الجميلة ثم سحبت ستارة النافذة وشبكتها مع ستارة النافذة الأخرى بدبوس فضي اللون فتحت به كوة بيضاء في قميصها الأزرق لتغلق ضوء الشمس الذي كان يحرق جانبها الأيسر وترديه فوراً بالضربة القاضية تامةً إخماد الحريق على جانب وجهها الأيسر لهواء المروحة الطاووسية التي فتحتها مرة أخرى وراحت تحركها أمام وجهها وهي تبتسم. ضمنتُ على الفور أن هذه المرأة غير متزوجة وأنها ما عرفت يوماً معنى القلق على آخرين يستطيعون، بحكم‏

الحب، استنفاد طاقتها على الابتسام وإطفاء هذا الجمال اللاهي بخرقة مبللة من خرق مسح البلاط أو غسل الصحون.‏

- هل أنت عطشان.‏

شربت قليلاً ثم قلت لجاري وأنا أعيد له قدح الماء فارغاً:‏

الصمت ثقيل.‏

قال:‏

- سائقنا عصبي المزاج.. لا أحد يجرؤ على فتح مذياعه.‏

كانت الكوة البيضاء في قميصها الأزرق ما زالت تضيء.. لتجعلني أتأكد أن الفوز بمقعد مريح بعد عناء طويل يجعل الصمت رغداً والجسم هانئاً، ولقمة بعد أخرى مضت المرأتان الشبيهتان بريا وسكينة في التهام الطعام من صرة موضوعة بينهما على المقعد، وطلبت المرأة الجميلة من أمها أن تختار لها مجلة حلوة تقرؤها وسقط رأس جاري على كتفي واستغرق في النوم، حتى ظننت أنه مات، وسمعت ريا تقول لسكينة وهي تأكل:‏

- هل الصابون في أمان؟‏

قالت ذلك وكأنها توصيها باتخاذ الحيطة والتأني لدى عبور شارع من جانب لآخر. صاح جاري الذي كان قد تجاوز الأربعين من العمر وكأنه قد فز من كابوس.‏

- ما.. ما.. ماذا حدث؟‏

قلت..‏

- لا شيء.. السائق توقف‏

قال:‏

- لماذا؟‏

قلت:‏

- لا أعرف.‏

ارتفعت الرؤوس وتمايلت وهي تلاحق بفضول مفاجئ، السائق الذي هبط ومر من النافذة المكشوفة التي تناظر نافذتنا من جهة اليسار فقالت المرأة الجميلة وزندها يذوب فوق الستارة كالزبدة:‏

- إنه يبحث عن شيء ما في الأرض.‏

قال جاري:‏

هل سقط من سيارته؟‏

قالت:‏

- كلا لا أعتقد ذلك‏

فقال:‏

إذا لم يكن له فلماذا يتوقف؟‏

لم يجرؤ أحد على الاعتراض.. فالطريق طويل وموحش.. والكلام معه لن يقدم ولن يؤخر.. والسؤال مؤجل إلى أجل غير مسمى.. فليس هذا وقت السؤال ولن يكون.. فعاد رأس جاري وسقط على كتفي كالميت، ثم بعد تلك السقطة بثوان انطلقت آهة زفير طويلة أطلقها أحد الركاب ثم استغفر ربه وراح ينظر من النافذة إلى سرادقات متلاحقة كانت تمر أمام ناظريه ثم تموت مرة أخرى لتولد أمام عيوني مترادفات متلاحقة أحدها لمأتم وآخر لعرس. ثم خيام بدو منتشرة في العراء ثم دواب ترعى في الأعشاب بلا راع ثم باعة بطيخ يفترشون قارعة الطريق وأمامهم موازينهم ثم فز جاري من نومه وصاح:‏

- ها.. ها ها ها.. ما هنالك؟‏

قلت له:‏

- توقف السائق من جديد‏

قالت المرأة الجميلة والستارة تتأود بين يديها وتنثني:‏

- ما هذا؟ إنه ينظر إلى الأرض مرة أخرى‏

قال جاري:‏

- هل سقط من سيارته شيء؟‏

قالت:‏

- لا.. لا أعتقد‏

ثم أردفت وهي تعيد الستارة إلى مكانها..‏

- يا له من سائق غريب.‏

عاد جاري وألقى رأسه على كتفي لينام مرة أخرى، والطريقة التي فعل بها ذلك أوحت لي بأن هذا الرجل يظنني أمه أو أباه أو أخته أو أخاه.. أتراه يعرفني؟ وما هذا الذي في حضنه؟ شيء أسود كالطوق ولكن رائحة لذيذة تنبعث منه:‏

إنه شعر مستعار يا ماما.‏

قالت المرأة الجميلة لأمها وهي تشير إلى صورة في المجلة التي بين يديها فالتفتت العصفورة إليها مرة أخرى.. ومع التفاتتها العصفورية الحادة نطق الراديو فجأة وتنحنح قبل أن يتكلم عن‏

خرخشة متواصلة لإبرة مزعجة تبحث عن إذاعة صافية الصوت في غابة من الإذاعات ذات الأصوات البعيدة: خش ش ش وش ش ش ش ش ثم نقدم لكم و ش ش ش ش ثم هذا الذي خش ش ش ش ش ش ثم عبرت الشط علمودك خش ش ش ش ثم معنا على الهاتف و ش ش ش ش ش ثم حيّ على الصلاة حيّ على الصلاة حيّ على الفلاح حيّ على الفلاح. توقفت الإبرة عن الخرفشة وتلا الشهادتين الكثير من ركاب الحافلة وراح الرجل العجوز الذي أدار مفتاح الراديو، وهو نفسه الذي حث السائق على المسامحة والغفران أول الرحلة، ينود مستأنساً بذكر الله على صوت آذان الغروب. اليوم هو الثلاثون من حزيران ومعنا فضيلة الشيخ محمود أبو محمود للإجابة على أسئلة المستمعين والمستمعات من كل مكان والسؤال الأول وهو من المستمعة ألف حاء من السودان يقول:‏

- هل المصافحة حلال أم حرام؟‏

قالت المرأة الجميلة:‏

- أوف... ما أتعس هذا الحر؟‏

فز جاري من النوم مرة أخرى وصاح:‏

ها.. ها.. ها .. هل وصلنا؟‏

شهقت المرأة الجميلة هذه المرة وقالت:‏

- يا إلهي.. يبدو أنه قد عثر هذه المرة على ذهب.‏

ابتسم البعض منهم ساخراً.. وقالت ريا لسكينة:‏

- ذهب؟ كيف تمكن من رؤيته في هذا الظلام؟‏

امتدت الرؤوس مستطلعة، وصاح رجل يجلس خلف المرأة الجميلة:‏

- إنه طوق يلمع.. وليس ذهباً..‏

- إنه غطاء معدني‏

- بل إنه برميل‏

- اسألوه ما هو بالضبط؟‏

- ولكن هل سقط من سيارته؟‏

- ربما هو ذهب فعلاً؟‏

- يا له من سائق غريب الأطوار.‏

بعد قليل كان أذان العشاء قد جعل أضواء السيارة الصفراء الصغيرة تشتعل، والظلام مع الضوء جعل الوجوه تبدو أكثر تعباً: بعضها تغضّن والبعض الآخر شاخ، ومنقار العصفورة تهدل إلى‏

أمام ووجه المرأة الجميلة بدا بحاجة فعلاً إلى رشة العطر التي أردت برائحتها رأسي وباقي الرؤوس.. معلنة تمردها الخافت على صوت الراديو، الذي أعلن بعد آذان العشاء عن تقديم أغنية فات الميعاد لأم كلثوم، ثم ظل يردد طوال الليل بعد ذلك، وكان منايا يدوم هنايا مادمش ليه.. حتى غلبنا النوم..‏

في منامي حلمت أن السائق أيضاً قد نام ثم راح يغط في نومه وهو خلف المقود.. وبالرغم من أنه كان يقود الحافلة وهو نائم إلا أنها كانت تسير بانتظام وتتخذ مسارها الصحيح كيفما سار الفريق دون أن تنحرف أو يصيبها العته. تساءلت في حلمي كيف يقود سائقنا سيارته وهو نائم وظننت أنه لا يعقل ذلك كيفما اتفق إنما يأخذ منه مساعده الزمام ليدرج بالحافلة إلى الأمام ويقيلها عثرات الطريق. ولكن الأمر، في حقيقته، لم يكن كذلك إذ استوقفنا طلباً للرخصة، شرطي للمرور كان له وجه حامل طاسة المطر، وتحدث إلى السائق وهو نائم دون أن يكتشف استغراقه في النوم حتى وهو ينظر إلى عينيه المغمضتين.. في هذه اللحظة أدركت، بأن هذا الحلم تسبب فيه العطر الذي رشته المرأة الجميلة وأحسست بأني سأستيقظ من النوم.. كنت عطشاناً جداً فالتفت إلى جاري وقبل أن أطلب منه الماء قال وهو يشير إلى النافذة:‏

انظر.‏

نظرت فوجدت ناراً موقدة في الظلام وحول السيارة أعراب ملثمون وجوههم خلو من أي تعبير وغررهم تبدو في ضوء القمر فاحمة السواد. كانوا يوجهون بنادقهم إلى نوافذ الحافلة وإلى مساعد السائق الذي كان يلبط بين أيديهم كسمكة أخرجت لتوها من الماء. قلت:‏

- ماذا حدث؟‏

- قال:‏

- لا أدري كنت نائماً مثلك.‏

أحسست مرة أخرى بأني أحلم.. وأن الحلم سينتهي بعد قليل فور أن أستيقظ من النوم.. لكن وقتاً طويلاً مضى قبل أن أستيقظ فعلاً وقد انتهى ذلك الحلم لأجد نفسي وحيداً في الحافلة المنقذة التي كان قد غادرها جميع الركاب وتركوها لظلام دامس وعميق، تخوض في لونه الأسود الحالك غلالة خانقة من غبار أحمر الرائحة ويغطيني من كل الجهات حتى يكاد يدفعني في تراب منخول تساءلت أين ذهب الجميع؟ ولماذا تركوني لوحدي في هذا الظلام المقفر الثقيل؟؟ وشعرت بالخوف من أن تبتلعني أفواه التراب الصحراوي قبل أن ينجدني أحد. ولكن مرة أخرى أدركت بأني أحلم وأني على وشك الاستيقاظ من هذا الحلم لأكون بأمان تام وعلى أحسن ما يرام.. ونجوت فعلاً من ذلك الحلم واستيقظت أخيراً لأجد جميع ركاب الحافلة، كما كانوا، مستغرقين في نوم عميق والسيارة تمضي بهدوء شديد على الطريق وثمة صوت ضعيف ينطلق من مكان خفي في الحافلة‏

وهو يملي على سائقها بالتوجه إلى نار مشتعلة.‏

صرخت بالسائق محذّراً إياه من التوجه إلى تلك النار.. ولكنه لم يبال بصراخي ومضى غير آبه للنار التي كنت أحذره منها. صرخت أعلى.. صرخت أكثر.. ولكنه لم يسمعني.. أو كأنه لم يسمعني صراخي مستمر.. وصلاتي لا يسمعه أحد.. بل أنا نفسي لا أسمع صوتي.. تماماً كما يحدث في الحلم.. ألا زلت نائماً وهذا حلم آخر؟ لماذا لا أستيقظ إذن... أو يوقظني أحد؟‏

- العراق‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244