مجلة الموقف الأدبي - مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - العدد 352
Updated: Tuesday, September 23, 2003 02:06 AM
فهرس العدد فهرس الدوريات
 

الكابوس ـــ قصة:منهل السراج

-سوف لن تبعث.‏

يصرعني هذا النداء، يفاجئني، وعندما أنساه -ونادراً ما يحدث هذا- يأتيني متجدداً قوياً، يبدأ عند أذني الوسطى أو الداخلية، ثم يرسل إشارات تجعل جسدي كله آذاناً وسطى وداخلية، يأخذني فتجدني زوجتي متقدماً بعنقي مصغياً بدهشة، فهذا النداء يدهشني في كل مرة يأتيني، وهو يأتيني في كل الأوقات، يهزني من نومي، أتدثر دون فائدة، يعصف في رأسي أثناء أداء عملي وفي حمامي، وبينما ألعب مع أطفالي.‏

لست واهماً، فإن اللجنة التي شكلتها منظمة [.........] العالمية قد أرسلت لي أحد موظفيها المهرة كي يطالع آخر ما كتبت في دفتري الذي أحرص بشدة على إخفائه. والدليل على ذلك أن موضوعي الأخير كان حول مفهوم الحار والبارد، فعندما قدم لي هذا الموظف كأس الشاي سألته:‏

-هل هو حار أم بارد؟‏

فأجابني بخبث:‏

-أنت فقط من يستطيع تحديد ذلك‏

إنهم يراقبونني، وما لا أستطيع فهمه هو كيف يصلون إلى أدراج طاولتي المقفلة..؟. ولكن ما الغريب في ذلك، لقد توصلوا إلى اختراعات لم أكن أتوقعها في كتاباتي السابقة، مؤكد أنهم يقرأون ما أدونه دون أن يفتحوا الأدراج، ومن المؤكد أن من يساعدهم في ذلك هم زوجتي وأطفالي.‏

الجميع متواطئ علي، وحده طفلي المختل هو الذي لا يمكنهم التأثير عليه، فعندما أجده مهتاجاً يصرخ ويقفز ولا يسمح لأحد أن يلمسه، هنا أدرك أنهم كانوا في بيتي.‏

ها أنا أدفع ثمن معاصيّ، فأنا لم أضحك منذ أعوام ولم أتحدث إلى صديق، إنني أصلي الأوقات الخمسة، وأحاول أن لا أنقص النوافل، مواعيدي بين الصلوات، قبل الظهر أو بعد صلاة العصر، يصحو أولادي على صوت قبقاب الوضوء للفجر، وينامون مع آخر ركعة من وتر العشاء، أصوم كل إثنين وكل خميس، وأصوم مع زوجتي الأيام البيض من شوال، أصون جيراني، وأصل رحمي، رغم أن أقاربي لا يرحبون بي وبأولادي، لكن عملي مع الله.‏

في الوظيفة قلت:‏

- واسطتي ربي‏

ضحك موظفو الذاتية، صافحني رئيسهم بيدين صغيرتين تافهتين كاتماً ضحكة، ثم قال:‏

- ليس عندنا شواغر.‏

فتحت باب الإدارة، فصرخ أحدهم:‏

- اجتماع.. يا ......‏

خرجت إلى الشارع، كان أحد الأولاد يرشق كأساً إلى السماء ويتركها تسقط دون أن تنكسر فينظر إلى الناس باسماً ظافراً ببضاعته.. ليفاجأ بأحدهم يقترب منه ويسأله:‏

- هل هي ضد الكسر؟ بكم ثمن نصف الطقم؟‏

عدت إلى البيت وكتبت عن رتل من الناس يمسكون بأيدي بعضهم البعض بينما عيونهم تلصلص على عيون بعض.‏

- لن تبعث‏

أدرك حجم قوتهم وشرورهم ولكن ما الحل؟ فأنا لم أعد أستطيع الانسحاب من موقعي.‏

بحثت بين اللوحات المعلقة في الشوارع العريضة وقرأت عن طبيب يعالج الشكوك والمخاوف، حدثته عن المنظمة، استمع لي بنزق وكتب لي وصفة ثم قال:‏

- أحضر الدواء عن طريق التهريب، لديك انفصام،‏

أردت أن أحدثه عن معاصي التي ارتكبتها لكنه أشار إلى انتهاء الوقت المخصص، ثم إلى ضرورة أخذ الدواء. أدرك أنني ارتكبت المعاصي، وأنا أعترف بذلك، ولكن أن لا أبعث، فهذا خطير جداً، وأين تذهب هذه المعاصي؟ وكيف أغتسل منها وأعود كما ولدتني أمي؟ فلقد حاولت بكل ما لدي أن أزور النبي عليه الصلاة والسلام وأن أحج إلى الكعبة، دونما جدوى، تنهدت من أعماقي عندما سمعت بجاري الذي مات في الحج أثناء "النفرة" وداس عليه ثلاثة ملايين حاج، قلت:‏

- نيالو على هيك موتة.‏

والآخر الذي مات عند الموضأ عندما تزحلق فاصطدمت مؤخرة رأسه بحنفية الماء، حلمت ليلتها أنني شنقت واستيقظت منشرحاً، داعياً الله أن يطعمني "الحجة" في العام القادم.‏

سوف أقف في "عرفة" وأستغفر الله عن كل ذنوبي ومعاصي.‏

في إحدى ليالي الشتاء جمعنا أبي حوله وسألنا بصوت خشن:‏

- من رمى قشرة الموز فوق الخزانة؟‏

- ثم صفعني دون أخوتي مع أنني لم أفعل ذلك، لكن ما فعلته في اليوم الثاني هو أنني أخفيت شرشفي المبلل خلف الخزانة، ووضعت دبوساً كبيراً في فراش أبي، وتمنيت أن يخزه ليلاً.‏

كانوا يقولون:‏

- دورك في الاستيقاظ باكراً لشراء ثلاثة كيلو من الخبز. بعد العصر تسقي الدالية الكبيرة والدالية الصغيرة. لا تغرقها بالماء. وعندما يحل الليل تخرج تنكة الزبالة، ترتب خزانة الأحذية.‏

- كنت أشتري كيلوين ونصف من الخبز وقطعة من المشبك الساخن. كنت متأكداً أن أمي لن تزن الخبز مرة ثانية.‏

لقد كانت جدران بيوت أقاربنا مليئة بصور مفقودين، وكنت أظن أن كل من تصور سوف يتلاشى وتبقى صورته معلقة، وهكذا عندما قرروا أن يصوروني من أجل المدرسة بكيت وركلتهم بشدة، بينما كانوا يشجعونني بقولهم إنهم سوف يكبّرون صورتي ويعلقونها على الحائط.‏

في العشرين من عمري ذهبت أعزي صديقي بأبيه فوجدت الشيخ يصرخ:‏

- سمي القلب كذلك لأنه متقلب، فاحذروا من يستمع إلى أغنية (قدر أحمق الخطى) تعتبر زوجته طالقاً؟‏

ثم يستأنف بصوت أعلى جعل قلبي يغوص:‏

- حرام.. حرام..‏

عندما خرجت من العزاء همست في أذن جاري:‏

يا رب سامحني على جهلي واعف عني، أنا عبدك الضعيف.‏

وكنت أيضاً أضع كتاب الرياضيات في خزانة الأحذية قبل خروجي من البيت، وعند عودتي أتناوله لأدخل به تحت إبطي موهماً أمي أني تعب من الدراسة وأنني جائع.‏

وفي السينما كان عنوان الفيلم -استغفرك يا رب- (حب وعنف وإثارة) وكانت الأماكن كلها محجوزة؛ فقطعت تذكرة "تلقيح" وقضيت الوقت كله مستلقياً أمام الشاشة، أضايق من في الصالة والبلكون حين أرفع ساقي فتأتي في وجه الصورة فأسمع صراخ المشاهدين وأضحك. يا رب: كنت جاهلاً.‏

أما المعصية التي كنت أخجل منها ومن تذكرها فهي أنني كنت من الخامسة والعشرين عندما كنت أتلصص على جارتنا سميرة، ورغم أنها تعرف ذلك وتتهيأ لمراقبتي ليلاً عندما ترى اسوداد الثقب الذي أحدثته في الجريدة التي غطت أمي بها نافذة المطبخ، كانت تتقلب على فرشتها وتنظر بطرفها باسمة كأنها تسألني:‏

- مبسوط؟‏

ولأكمل يا ربي اعترافي اليوم لك مضيفاً آخر ما أذكر من آثامي، حين وضعت على ثقب قفل الحمام شريطاً لاصقاً كي لا يتلصص أحد علي ويباغت وحدتي قبل حمامي يا رب أنت الستار.‏

لكن لن أخاف المنظمة وأنا أعلن أمامكم وأمامهم أيضاً أنني لن أغادر مركز العالم هذا المكان الذي جعلني أكشف الأسرار جميعها أنا فقط من رمته العاصفة وبصدفة غريبة.‏

هم لن يستطيعوا قتلي، حتى لا أبعث شهيداً لكنهم، سوف يمنعون بعثي، بينما يلتقي الجميع، وأنا أين أكون؟ وما نفع أوراقي إن لم أمش على الصراط المستقيم وأصل بسلام إلى الجنة أو إلى النار؟ أدرك يا ربي أنني برحمتك أدخل الجنة، فكل عباداتي لا تعادل نعمة البصر التي أنعمت علي بها.‏

ما الذي يفعلونه حتى يجعلوا الرب ينساني؟ أخاف خطرهم وأرتبك منه، ولكن هل أتراجع بعد أن وصلت إلى الحقيقة؟‏

اليوم أحرقت أوراقي جميعها، أصابني الارتياح، ولكن لا تقلقوا، فكل فكرة وكل نتيجة توصلت إليها هنا في رأسي المهم أن لا تنسوا أن ما وصلت إليه هو أن الديانات تلتقي، فلا خلاف جوهري بينها: الماهية واحدة، والصراع كان دائماً على العناوين، كذلك شأن الفلسفات والنظريات كلها، وأنا مستعد أن أصمد أمام أرسطو والغزالي وابن رشد أيضاً.‏

هذا الدواء اللعين يشتت أفكاري ويخدّرني، ويشل دفاعاتي أمام "المنظمة" ويجعلني بطيئاً عاجزاً عن تعليم ابني جدول الضرب. سوف أتركه.‏

اليوم نسيت صلاة الضحى ولم أردد "أذكار طلوع الشمس" وأنا منذ بدأت تناول الدواء لم أصم، حتى قالت لي زوجتي:‏

- ابنك المعتوه يشبهك‏

لعلي أصبحت مثله.‏

ارتديت جلابيتي ومضيت أشرح للناس في الطريق فلسفتي، وبينما النداء يزداد صخباً في رأسي- لن تبعث‏

- كنت أصرخ أكثر فأكثر، حتى يكاد رأسي ينفجر مني، وأرى الناس حولي يبتسمون، وأحياناً يشفقون، رغم خطورة ما أنادي به.‏

أوقفت الباص لكن معاون السائق رفض أن أصعد في الباص مع أنني رددت عليه قول ابن عربي:‏

- لقد صار قلبي قابلاً كل صورة فمرعى لغزلان ودير لراهب‏

لكنه لم يمهلني بل قهقه وصاح بالسائق أن يسرع ملوحاً لي بيده وبقدمه، بينما كان معلقاً بباب‏

الباص، وعندما شاهدت شباناً صغاراً يتسكعون في الحديقة، أكملت عليهم قول ابن عربي:‏

- وبيت لأوثان وكعبة طائف وألواح توراة ومصحف قرآن‏

لكنهم لم يستمعوا بل علقوا لي ورقة في ظهري.‏

ركضت بأقصى قوتي، مجرجراً ذيل الورق، بينما أصوات جميع أعضاء المنظمة تعصف في رأسي:‏

- لن تبعث:‏

وعندما التفت إلى الخلف وجدت كلاباً كثيرة تركض ورائي، فانحنيت ألتقط حجراً فوجدت أنه ملتصق بأرض الشارع.‏

- الله يلعن هيك بلد كلابها فلتانة وأحجارها مربوطة.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244