مجلة الموقف الأدبي - مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - العدد 352
Updated: Tuesday, September 23, 2003 01:42 AM
فهرس العدد فهرس الدوريات
 

زيارة ـــ قصة: فراس سليمان محمد

الغرفة ملأى بالبرغش‏

لا تهتمي.. خمس دقائق ولن تري واحدة‏

مغتبطاً راح يلاحق البعوض بسحقها بفوطة وسخة‏

لا بأس دعنا نجلس في الخارج. ونشعل ناراً كما فعلنا في المرة السابقة.‏

بينما هو يلملم الحطب والقش جلست أحكي وأكش هذه الكائنات الصغيرة المزعجة "السماء مذهلة هنا سطوتها.. الطبيعة التي تتدافع كاملة محمّلة بالأقاصي.. الظلام والصمت المطعمان بخرير مياه الساقية المجاورة.. خشخشة الحشرات.. فرقعة النار رقرقة الغموض في عيني الكلب العجوز الذي يقعي أمامنا.. الروحان المخموران قنينة النبيذ البلدي التي تكاد تفرغ..‏

- انظري إلى عيني هذا الكلب كيف تبرقان بحزن.‏

مرتبكاً فرحاً هزّ العود الذي بين يديه ورماه على النار. حك لحيته بنزق وأكمل. إن رخاوة حركاته وعمق نظراته تحرسنا من الزمن وتحررنا منه..‏

ألم تلاحظي؟ منذ ثلاث ساعات ونحن نحكي‏

و.. وصمت كنت أعرف ما يفكر به.. وكان هو أشبه بأيقونة ممحوة.. تدويرة خلاء بلا ملمس، شكلاً للحزن مجروفاً بعاصفة حلمٍ‏

- تريد أن تسألني لماذا جئتُ وحدي وليس معه. لا يروق لي أن أشرح هذا، لكن دعني أقول." من يربط النبع الطيّار بحجر" مرةً قال ذلك صديقك كنتُ أحسّ رغبته المجنونة في لمسي وخشيته المرتعشة التي تجعله يرغب مثل وحش وديع. يهذي مثل راع.. يحلم مثل شاعر قبل اللغة.‏

- صديقك الذي اصطحبني إلى هنا، أنا وأنتَ، بما نجبه، لكن دعنا ننسه.‏

جئت إلى هنا كي أنسى وأتذكر أنها أحاسيس معقدة، ربما لا أستطيع شرحها أرجوك لا تقل شيئاً ربما ستخطئ وتفسد كل شيء.‏

- لكن ذلك غامض بعض الشيء. لم يبق نبيذ، تفه، لا أنكر منذ شهر أقصد منذ تلك الزيارة وأنا أحلم بكِ.. أحلم أن تأتي وحدكِ.. لكنه مجرد حلم، حتى الآن أكاد لا أصدق.‏

- أرجوك اصمتْ، ثم عليك أن تعرفُ أن كل الأشياء الواضحة تحتاج لتوضيح أما الغامضة فمكتفية بذاتها.‏

دخلتُ الغرفة لأحضر الإبريق، لأصنع قهوة، كل أسماء الأشياء هنا لا تؤدي وظائفها العادية. حتى هذه الغرفة الواقعة على شفا قرية وسط حرش من الديس والسرو مبنية بطريقة عجيبة، من الصعب إعطاؤها شكلاً هندسياً. هذه الغرفة تشبه جناحاً محنّطاً لطائر أسود عملاق. كنتُ أريد أن أقول، الأمكنة تشبه قاطنيها، لكني استدركت وقلت القصب المكسّر ها هنا فكرة ترسي نفسها الثقيل. تسكن في الكتب تتحول وتبقى كما هي، أيها الرجل في الصدى في الجواب المشقق في تلاشي أريج الوردة تسكن وعلى حافة خرافة الصورة تُشرف على هذا الأزرق يتدلى من الغرابات الجميلة لا تبتئس، جميعاً نفنى والورثة ينتفون جهالتهم من بقايانا التي تلمع دون طائل. ضحك، زمجر.. سرّح جسده في حقل من الهذيان لا يُستعاد كنتُ أحدّق في عينيه في دمعة تتكسر، في يده تمسّدُ رأس الكلب بحنّو مذهول.‏

- هذه الغرفة عمرّها قدرقاسٍ أو ربما طاغية اسمه أبي، وأنا أعيش هنا فقط لأنه ليس ثمة مكان آخر.‏

الكلب كان يتمطّى فيهب المشهد حركة تشبه أرواح الموسيقا وراء الأمكنة تحدّث عن أبيه وعن طفولة حزينة وعن خيبات مغمسة بالعدم والذل. فقد تعلّم بإجادة كيف يسوط نفسه وكل الأشياء بحقد. لكن كانت تنقصه الدقة وموهبة المحاكمة التي يملكها صديقه، صديقي، وهذا كما رأيت عادي.‏

أمام خسرانه خفتُ أن أفقد أفراحي في هذا الليل الطائش الطازج.‏

آه انظرْ إلى هذا الكلب، إنه دهشة حقيقية.. إنه يشبه قيلولة عقل صوفي ثم انتبهت إليه كانت تلمع في عينيه رغبة حادة في معانقتي.. لم أكن أرفض لولا إحساسي أنه ما زال متسخاً بآثامه وارتباكاته وبمخاوف تندفع من عتمة الذاكرة، من خرابة مصنع عتيق لأخلاقيات عتيقة.‏

- تعرفين هذا الكلب هو أنا، تلعثم.. هاج، ضرب رجل العرزال الذي صنعهُ في المرة السابقة، عندما زرته أنا وصديقه، صديقي، لينام فيه، تاركاً لنا الغرفة.‏

لا متسع لأجنّ تماماً أو أموت بالطريقة التي أحب.. إنكِ.. ثم غصّ كأنه يختنق.. إنكِ أكثر جمالاً من أن يُحلم به.. أحتاج لوقت كبير لأصدق أنكِ هنا.‏

بدا أمامي ليس عالقاً بشيء، حقيقياً ومنتهياً مثل نطفة في الفراغ.‏

كنتُ أدفئ يدي فوق النار، وأرقب ذاكرتي كرةً تتدحرج على حافات أواخر هذا الليل كنت أحاول أن أفرّ من صورة ذلك البعيد الذي طوّقني بهالات أحاول جاهدة.. أن أفلت منها.‏

- صحيح لم أخبركِ.. الجميع هنا صدّق أن هذا الكلب كان عجوزاً بسيطاً بقي طوال حياته دون امرأة، لكن في السبعين من عمره، شيء ما جعله يتزوج، كانت زوجته امرأة صبية جميلة وصغيرة، لم تمض أيام آنذاك حتى أخبره أحد أقربائه: إن امرأته تخونه، فهبّّ العجوز وقتلها ولما مات مسخَه الله إلى هذا الكلب الذي ترينه.‏

لم أعد أفرّق بين الصراخ والعواء كانت الأصوات عميقة وحادة ووحشية‏

- انظري.. القماشة السوداء طارت. القماشة المسدلة كستارة كباب على أحجار ترتفع لتصنع ما يُسمى "حمّام" "مرحاض".‏

حقاً إنها تطير..‏

كان يصرخ.. يقفز.‏

القماشة تطير.. والكلب العجوز يلحقها.‏

لم أكن أشعر بشيء سوى بالنعاس وبخدر لطيف. أنتظر طلوع الفجر الذي يعني أني أستطيع أن أنام بضع ساعات دون أن يزعجني البرغش قبل أن أسافر إلى العاصمة..!!‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244