مجلة الموقف الأدبي - مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - العدد 352
Updated: Tuesday, September 23, 2003 03:29 AM
فهرس العدد فهرس الدوريات
 

ألسنةُ الأبناء ـــ قصة: عارف الخطيب

احتشد أهالي قرية "الجربانة" في ساحتها الضيقة، ينتظرون زائراً من المدينة..‏

كانوا يلغطون، يتهامسون، يمدون أعناقهم، يتطاولون، يفتحون عيونهم، ويرصدون الطريق..‏

طال انتظارهم، ونفد اصطبارهم، و..‏

فجأة..‏

برقت أسارير وجوههم، فقد جاءت سيارة حديثة، نزل منها رجل أنيق أكرش، شامخ الأنف، فاخر الثوب.‏

دوّى تصفيق الترحيب، وانطلقَتْ زغاريد الفرح.‏

سار الرجل الأنيق، على سجاد ممدود، وصعد إلى منصة عالية، انتصب واقفاً، فصار رأسه، أعلى الرؤوس! ازدهى ابن الشعب، وشرع يخطب في الناس، والناس يصفقون. ظل الرجل يخطب ثلاث ساعات طوال.‏

وظل الناس واقفين، يحملقون إليه، ولا يفهمون شيئاً مما يقول!‏

ومع ذلك، ظل يقول، ويقول، حتى غمرتْ أقواله ساحة القرية، وجرت في أزقتها الموبوءة الآسنة، و.. نضجت الذبائح، وفاح قتارها، فكفّ الخطيب عن الكلام، وأقبل على الطعام، فتناول غداءه، ثم ركب سيارته، وانطلق إلى مكان آخر، ليلقي خطبة أخرى.‏

وحينما عاد الناس إلى بيوتهم، دعا أبو يقظان أبناءه، وقال لهم:‏

- اسمعوا يا أبنائي ما أقول، وافتحوا آذانكم وعقولكم.‏

اقترب الأبناء من أبيهم، وعلّقوا به عيونهم، فتابع يقول:‏

- أريد أن تتركوا أعمالكم، وتُدربوا ألسنتكم، على الخطب والكلام.‏

- لماذا؟!‏

- لقد رأيتم الرجل الذي جاءنا اليوم.‏

- رأيناه‏

- هل لامس حذاؤه التراب؟‏

- لا‏

- هل رأيتم على جبينه قطرة عرق؟‏

- لا‏

- أرأيتم يديه الناعمتين؟‏

- رأيناهما‏

- أرأيتم سيارته اللامعة؟‏

- رأيناها.‏

قال الأب:‏

- لماذا لا تحذون حذوه، وتصيرون مثله؟!‏

- أتريد أن نترك العمل، ونمتهن التشدّق بالكلام؟!‏

-وماذا جنيتم من العمل، سوى الفقر والتعب؟!‏

- نحن لا نحسن مثله تنميق الكلام.‏

- بالممارسة تحسنون التنميق والتزويق‏

- ولا نعرف ماذا نتكلم!‏

- تكلموا عن أي شيء، لا تكترثوا بالسامعين، هل فهمتم أنتم شيئاً، مما قال ذلك الرجل؟‏

- لا‏

- وأنا مثلكم، المهم أن تطيلوا الخطبة، لتنالوا إعجاب الناس.‏

- لسان الرجل طويل، ونحن لا نقدر أن نطيل مثله، في الكلام!‏

قال الأب:‏

- دعوا هذا الأمر لي، وسأجعل ألسنتكم أطول من لسانه.‏

- كيف؟!‏

- الآن ترون.‏

- وقف الأب أمام أبنائه، وقال :‏

- افتحوا أفواهكم‏

انفتحت أفواه الأبناء‏

- أخرجوا ألسنتكم‏

- خرجت ألسنة الأبناء‏

- مدّوا ألسنتكم أطول‏

مدّ الأبناء ألسنتهم إلى أقصى ما يقدرون‏

- حرّكوها يميناً‏

تحركت الألسنة إلى اليمين‏

- حركوها شمالاً‏

- تحرّكت الألسنة إلى الشمال‏

- مدّوا ألسنتكم إلى الأمام‏

مدّوها‏

- أرجعوها إلى أفواهكم‏

- أرجعوها‏

- أطلقوها من الأفواه‏

- أطلقوها‏

- ارفعوها إلى الأعلى، لتضرب أرنبة أنوفكم‏

رفعوها‏

- اخفضوها إلى الأسفل، لتلمس أسفل ذقونكم‏

- أخفضوها‏

- لا تتحركوا من مكانكم، سأرجع إليكم فوراً‏

- غاب الأب قليلاً، وعاد يحمل بضع جوزات‏

وقف أمام أبنائه، وقال:‏

- مدّوا ألسنتكم يا أبنائي!‏

- مدّ الأبناء ألسنتهم‏

مرّ الأب عليهم، وضع جوزة، على كل لسان، ثم عاد إلى مكانه وقال:‏

- اقذفوا الجوزات إلى الأعلى، وتلقّوها بألسنتكم.‏

شرع الأبناء يقذفون الجوزات، ويتلقونها بألسنتهم، وأبوهم يرنو إليهم، والسرور يلمع في عينيه.‏

ظل الأب يدرب أبناءه عدة شهور، وفي كل يوم يبتكر أساليب جديدة وطرائق فريدة، حتى صارت ألسنة أبنائه كالسياط! فرح أبو يقظان، وجمع أبناءه، وقال:‏

- اسمعوا يا أبنائي!‏

لقد عملت لأجلكم، ما لم يعمله أب لأبنائه، فصارت ألسنتكم طويلة صقيلة، أُفاخر بها الأعداء والأصدقاء، وهذا ما يثلج نفسي، ويجعلني مطمئناً إلى مستقبلكم.‏

إن ألسنتكم عدّتكم وعتادكم، فانطلقوا بها إلى المدينة، ولا ترجعوا إليّ، إلا بسيارات فاخرة!‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244