|
||||||
| Updated: Tuesday, September 23, 2003 03:05 AM | ||||||
| فهرس العدد | فهرس الدوريات |
|
عولمة ـــ قصة: عبد الباقي يوسف في صباح يوم غد سيقوم رمزي العالم بافتتاح المؤتمر السنوي السابع عشر بصفته مدير عام الشركة العامة، سيفتتح هذا المؤتمر بإلقاء كلمة تمثّل موقف الشركة العامة من المجريات الاقتصادية والتجارية والاستثمارية خاصة أن جميع مدراء الفروع سيحضرون هذا المؤتمر السنوي، وقد يُنقل حياً مباشراً عبر التلفزيون، رمزي العالم يجلس خلف الطاولة في مكتبه المنزلي بعد العاشرة ليلاً ويبحث في مخيلته عن فكرة جديدة يطرحها في كلمته، فهذه الكلمة تُعد مصيرية بالنسبة إليه لأنها ستتقدم إلى المسؤولين كافة وبالتالي تعطي صورة عن تفكيره وشخصيته. هذه الكلمة قد ترفع مرتبته أو تبقيه فيها أو تهبط به فتحيله إلى موظف صغير كآلاف الموظفين الذين يعملون في فروع هذه الشركة المنتشرة. سحب حزمة أوراق بيضاء، تناول قلماً من المقلمة وبدأ يبحث عن الفكرة بواسطة القلم والخيال معاً فيكتب عبارات ويشطبها حتى كتب كلمة: "عولمة" شدّت انتباهه. كتبها مرة أخرى ويبدو أنه اقتنع بها، عندئذ همهم في نفسه: هي يا رمزي العولمة شاغلة الناس والشركات هذه الأيام، إنها حديث الساعة. مدّ أصابعه إلى علبة دخان أجنبية، أشعل سيجارة وقد تهيأ تماماً لإفراغ ما لديه في هذا الموضوع الساخن. رفع قلمه إلى أعلى الصفحة وكتب كلمة "عولمة" كعنوان للموضوع ثم كتب تحتها ما يلي: سيداتي سادتي أتشرف بافتتاح مؤتمركم السنوي السابع عشر هذا بكلمة موجزة حتى أفسح المجال أمام مداخلاتكم ومقترحاتكم التي سيقر المؤتمر أكثرها نفعاً للمصلحة العامة. أنتم تعلمون أن العولمة تكاد تغزونا في بيوتنا وهي بذلك لا تكتفي بأخذ أموالنا فحسب، بل ترمي إلى سحق هويتنا وشخصيتنا وإذا بنا نذوب نحن الشعوب الصغيرة في عالم العولمة الكبير. وفي نهاية الأمر فإن الضعيف لن يجد له موطئ قدم في عالم العولمة القوي. إن شريعتها تشبه شريعة الغاب هذا إن لم تكن أُخذت من شريعة الغاب.. القوي أيها السادة يأكل الضعيف في عالم العولمة، ومن هذه النقطة نرسم خطة شركتنا فنشجّع على الاستثمار والإنتاج والعمل الداخلي بدل أن نعتمد على الاستيراد في مستلزمات حياتنا. مدّ يده الأخرى إلى المنفضة ليلتقط سيجارته فوجدها رماداً وقع طرق هادئ على الباب دخلت على إثره زوجته الحامل في شهرها السابع ناولته ورقة كتبت عليها لوازم البيت ليرسلها مع السائق غداً. عندئذ أحس برغبة في احتساء فنجان قهوة ولذلك أجّل إشعال سيجارة جديدة حتى يدخنها مع القهوة. بخروج الزوجة تناول الورقة وأخذ يقرأ القائمة: علبة بن برازيلي - ملح فرنسي- كيس رز أمريكي- علبة دخان كينت. وضع الورقة على طرف، ثم بعد قليل خشي أن ينساها فوضعها في جهاز الفاكس وأرسلها لتكون على مكتبه في الشركة. ولما اطمأن عاد إلى كلمته يكتب: أيها السادة والسيدات إننا لا نجد ما نتصدى به لهجمة الغرب هذه إلاّ بإصرارنا والاعتماد على نتاجنا الوطني وبذل كل طاقاتنا وإمكاناتنا لتحسين هذا الإنتاج وأن نشجع على السياحة الداخلية ونصر أن ننفق أموالنا في منتوجاتنا وبلادنا إنه دور وطني أدعوكم جميعاً للقيام به، فإذا نحن رفضنا إنتاجنا فلا عتب على غيرنا في رفضه. دخلت زوجته حاملة إليه فنجان القهوة تذكر السيجارة عند استنشاق رائحة القهوة، فأخرج واحدة وأشعلها لفتت القداحة نظر زوجته عندئذ قالت: قدّاحة جديدة. قال: شركة إيطالية جديدة أرسلتها لي هدية وتقترح اعتمادها في أسواقنا.. إنها أجود قدّاحة استخدمتها في حياتي لكنها باهظة الثمن. قالت: ماذا أحضّر لك لترتديه غداً في افتتاح المؤتمر؟ قال: البدلة الكورية الجديدة، التي أهداها لي المدير العام للشركة الكورية لصناعة الأقمشة. قالت زوجته: وهي تليق بالحذاء السويدي الذي جلبته معك من السويد في الشهر الماضي. قال: والحزام الدانماركي الذي جلبه لي أخي في زيارته للدنمارك. قالت: أظن ربطة العنق الألمانية التي لا تزال في علبتها تناسب كل هذا. قال: لا تنسي الجراب المكسيكي إنه يريح القدمين ولا يفرز إلاّ الرائحة الطيبة. وقبل أن تهم بالخروج قالت: لا تكتب كثيراً من أجل راحة عينيك. قال: قرأت منذ يومين في مجلة أمريكية عن نظارات جديدة، أخذتُ عنوان الشركة واتصلت بطبيبي في نيويورك، قال بأنها تناسب عيني أكثر من النظارة الحالية. لكنني بعد المؤتمر سأزور طبيبي في لندن لأنه قال لي بأنهم اكتشفوا علاجاً جديداً لضعف النظر. قالت: أتذكر عندما أمضينا شهر عسلنا في لندن كان شهراً رائعاً. قال: يومها كنت ترين أن نمضيه في إحدى مدننا قالت: بصراحة لم أكن قبلها ركبتُ الطائرة وكان كل خوفي من ذلك. مَنْ يذهب إلى لندن يبقى يتشوق ليعود إليها.. هؤلاء كيف يبنون مدنهم بهذه الأناقة؟ قال : بعد شهر ستكونين هناك لتضعي ولي العهد في أحد أكبر مشافي الولادة هناك. خرجت زوجته وأدارت الباب خلفها فعاد إلى تكملة كلمته: أجل أيها السادة والسيدات علينا أن نتحدى العولمة بمقاطعتها ونثبت بأننا نستطيع الاعتماد على نتاجنا الوطني، فويل لأمة تأكل مما لا تنتج وتنتج ما لا تأكل كما يقول أحد كتّابنا. إن ثرواتنا كلها تدخل جيب الغرب من معجون الحلاقة إلى البيبسي كولا، ومنّا مَنْ لا تعجبه بلاده، فيمضي حتى شهر عسله في بلاد الإفرنج، بل وبعضنا يودع حتى أمواله في بنوكهم فيحرم بلاده استثمارها، وشعبه الإفادة منها. إن بعضنا أيها الإخوة والأخوات -وأقولها بكل أسف-: قد اتخذ من بلاده مكاناً للإقامة فقط، فهو يأكل من الغرب، ويلبس من الغرب، ويتداوى في الغرب حتى إن أثاث بيته هو من نتاج الغرب فرجل يأكل رزاً أمريكياً ويشرب قهوة برازيلية وشاياً فرنسياً ويرتدي ثياباً إيطالية ويركب سيارة يابانية ويستخدم تقنيات أجنبية ويدخن دخاناً أجنبياً، كيف له ألاّ يميل بتفكيره إلى الإفرنج وكيف له ألا ينسلخ عن قومه، وكلّ ما فيه إفرنج في إفرنج، حتى الدم الذي يسري في عروقه هذا الدم الذي تشكّل منذ الحليب الإفرنجي الذي رضعه من رضاعة فرنجية عند ولادته على سرير فرنجي بهذه الطريقة يخطط الغرب لغزونا أيها الإخوة والأخوات تحت ستار العولمة. أليس رزنا أطيب من الرز الأمريكي الذي لا نعرف كيف وصلنا، على الأقل أن رزنا يحمل رائحة تربة أراضينا. أليست ثيابنا أجود من ثياب الإفرنج، على الأقل إن ثيابنا هي من نتاج زنود عمّالنا أليس شرابنا ألذّ من شرابهم، على الأقل إن شرابنا يحمل رائحة سواعد فلاحينا. رن جرس هاتفه الخلوي، رفع السماعة، جاء صوت أخته التي تدرس الطب في باريس. عندما دخلت زوجته وجلست تسمع صوتها من جهاز الأنترفون. قالت أخته بأنها حجزتْ موقعاً على الإنترنيت لابنه البالغ من العمر سبع سنوات. وطلبت صورة جديدة له وبعض المعلومات إضافة إلى هواياته وقالت بأنه يستطيع اعتباراً من أول الشهر القادم أن يتلقى دروساً من مدّرسين مختصين لتعلّم اللغة الفرنسية مباشرة عبر الإنترنيت. ثم قالت بأنها غداً سترسل إلى زوجته مع الطائرة زجاجة عطر فرنسي هو حديث نساء فرنسا الأنيقات هذا الفصل. وألمحتْ إليه أن يحوّل بعض الدولارات من رصيده في سويسرا إلى رقم حسابها في فرنسا عبر شبكة الأنترنيت. وقبل أن تغلق الخط قالت زوجته يا حبيبتي لا تنسي أن ترسلي لنا غداً مع العطر وجبة عشاء فرنسية على ذوقكِ. خرجت الزوجة فعاد إلى كتابة كلمته: علينا أن ننظر إلى هذه المسألة بجدية أيها السادة والسيدات، فغداً عندما ندمن على الغرب، فإنه سيتحكم بإدماننا عليه ويطفئ علينا حتى الكهرباء ونبقى في عتمة نبحث عن بصيص ضوء فلا نجده. والسلام عليكم؟!! |
|
| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |