|
||||||
| Updated: Tuesday, September 23, 2003 02:17 AM | ||||||
| فهرس العدد | فهرس الدوريات |
كتاب
"الموت في
الشعر العربي السوري "
ـــ عبد الله الشاهر
في
دراسة متميزة وجادة يطل علينا الدكتور وليد
مشوح ببحث جديد وعميق لم يتطرق له الباحثون
بهذه الشمولية وبتلك الروح، فقد ألّف
الباحثون في كل جوانب الشعر من غزل وفخر
ومديح ورثاء ولكنهم لم يتطرقوا إلى الموت في
الشعر كبحث متكامل، إلا أن أديبنا الكبير
أراد أن يخرج عن المألوف وأن يوجه البحث صوب
وجهة الموت الذي تفرون منه وأن يتفرد في هذا
بل أراد أن ينفض غبار التكرار والبعد عن كل
ماهو مطروق وأن ينأى عن الإطار التقليدي
ليطرح موضوعاً جديداً هو (الموت في الشعر
العربي السوري المعاصر) وقد جاء هذا البحث
ثمرة تقص جاد وبحث حثيث وجهد مبتكر وجرأة
واعية لخوض موضوع غير دارج وإضاءة صفحات
منسية وجوانب مطوية في ساحة الفعل الشعري.
فإذا كان الشعر هو الحامل الأعلى لحركة
الواقع بكل تفصيلاته فإن الشاعر هو أفضل من
ينقد الشعر ويستنبط رؤاه والباحث الدكتور
وليد مشوح شاعر وباحث له باع طويل في الساحة
الأدبية مما يكسب البحث رؤى جمالية
واستنباطات دلالية من النص الشعري سيما وأن
البحث رسالة دكتوراه استحقها بجدارة.
لقد
استند المؤلف في بحثه على أرضية ثقافية
واسعة تعدت حدود الأدب لتتعمق في
الأنتربولوجيا والفلسفة والدين مما أعطى
البحث الصفة الشمولية وهذه الأرضية شكلت
مدخلاً واسعاً لرؤيا الموت من موشورية لا
متناهية في الفكر الإنساني، والجميل في هذا
كله أن المؤلف تعامل مع موضوعة الموت بعيداً
عن ظلامية المسمى ولم يتعرض لها بشكلها
الحسي المتشائم وإنما ارتقى بها من فعل
محسوس إلى معقولية الفعل وحركته في النفس
والأثر الذي يمكن أن يتركه ذلك الفعل على
الفكر وبرؤى متداخلة مع كل التيارات الفكرية
وعبر جميع العصور ولم ينس في زحمة هذه
الأفكار أن يكون حاضراً برأيه محللاً
ومفنداً
للآراء التي طرحها.
لقد
سعى المؤلف وفي إبحار عميق إلى الإحاطة
بعالم الموت وتلمس دلالاته القريبة
والبعيدة حيث استطاع أن يفتح نفقاً في ذاكرة
الفكر الإنساني للوقوف على التفاصيل
بمنهجية عالية المستوى وبلغة وصفية حولت نصه
إلى فلسفة تطلع من جوانيتها إلى الفعل الذي
لاعودة منه مما يحوّل الانطباع إلى موقف
تحليلي –مزايا
كثيرة انطوى عليها الكتاب أبرزها تمتع
الكاتب بمقدرة استقرائية تحليلية نافذة عبر
لغة لا تتوخى الغموض أو التعقيد منهجاً لها،
كما تحسب له جرأته في تناول موضوعة الموت وفي
تحليل أشعار فترة لم يتطرق إليها النقد
العربي.
الكتاب
يتألف من مدخل وأربعة فصول وخاتمة وقد زاد عن
(560) صفحة من القطع الكبير ويعتبر المدخل
بمثابة كتاب مستقل إذ استطاع المؤلف رصد
وقراءة العوامل التاريخية لنشأة فكرة الموت
وبتحليل موضوعي عميق من خلال دراسة العوامل
المحيطة وتطور الفكر الإنساني بحيث استطاع
أن يكون في هذا المدخل مزيجاً من السحر
والواقع والأسطورة مستعرضاً فكرة الحياة
والموت باعتبارها وجود الحقيقة الإنسانية
ليشكل مدخلاً آخر إلى "الموت في الأساطير
الشرقية" وهنا يرى الكاتب أن الأساطير "هي
محاولة عبقرية لعقلنة الوجود فقد سعت بشكل
عفوي لامتلاك مسوغ عقلي للحياة والموت"
بهذه الرؤيا يحاول الكاتب الاقتراب من
موضوعة الموت في الأساطير البابلية
والكنعانية باحثاً عن الرؤيا المشتركة التي
كونت فكرة الموت في تلك الحقبة من تاريخ
البشرية يقول المؤلف "أن فكرة الموت قد
طفحت بها الأساطير البابلية والكنعانية
بتفسيرات اتجهت إلى غير الأسباب الطبيعية
وذلك للوصول إلى فهم دقيق لحتمية الموت "ثم
يخلص إلى نتيجة مؤداها "أن كل الصور التي
طرحها الفكر الأسطوري والديني كانت تنسب
للجسد وحده دلالات الموت والفناء بينما
احتفظت النفس وحدها بفكرة الأمل والخلود"
وعليه فإن صورة الموت في الديانة البراهمية
والصابئة تصب في هذا المسار ويرى المؤلف أنه
"لم تحفل الأساطير العربية بالتغلب على
الموت فالروح في الأسطورة العربية طائر
تدركه الأبعاد وتلمسه الأيدي". ثم يقدم
الباحث استعراضاً سريعاً حفلت به المعتقدات
الوضعية عن الموت من زرادشتية ومصرية
ومانوية ويزيدية وصابئة ورومانية ويستنتج
الباحث أن الديانات الوضعية جاءت بفكرة
الموت نتيجة لتصورات خاصة بها ومن نتائج
أفكار غير واضحة عما سيؤول إليه الإنسان بعد
الحياة ولكن غالبية الديانات الوضعية تجمع
على "اعتقاد في تجدد الحياة بعد الموت"
ويفرد المؤلف جانباً مهماً عن تصور الفلسفة
لموضوعة الموت تحت عنوان "الموت في
الفلسفات القديمة والحديثة" إذ يعرض
لفكرة الموت في تجليات العقل البشري وفي
الماورائيات ويرى أن الفلسفة غامرت في تثبيت
نظريات تحاول إزالة القلق منذ سقراط مروراً
بأرسطو وأفلاطون وأبيقور وديموقريطس إلى
اوغسطين والأفلاطونية الجديدة ماراً
بالفارابي والكندي وابن سينا مع استفاضة
واضحة في رؤيا الموت في الفلسفة الحديثة
بدءاً من ديكارت وانتهاء بالفلاسفة في عصرنا
الحاضر ويخلص الباحث إلى نتيجة مؤداها أن
الفلسفة القديمة اختلفت تصوراتها حول
موضوعة الموت بينما فلسفة العصور الوسطى قد
اتفقت نسبياً على أن الروح سرمدية وإن تجلت
بصور شتى أما الفلسفة الحديثة فقد تبنت فكرة
المصالحة أما الفلسفة الإسلامية فتقول "بأن
الموت يعني العودة إلى الماهية "ويرى
الباحث في هذا كله أن حدس الموت فطري ومصدر
كل عبادة عرفها الإنسان مما أسهم بانقياد
الإنسان تلقيائياً نحو الخالق ليقول أن فكرة
الموت في الديانة اليهودية مرت بثلاث مراحل
"التأثر بالتوحيد الأخناتوني، التصور
السومري البابلي ثم تبني فكرة العالم الآخر"
ويعقب "أما القيامة في
التوراة
فهي تعبير عن غضب الرب على عباده" وفي
العهد الجديد" المسيحية" يقول المؤلف
" عمت فكرة الخطيئة فخلقت استناداً إلى
فكرة الموت جواً مفزعاً "بينما يتجلى
الموت في القرآن الكريم بكونه فعلاً إلهياً
محضاً وبهذا الاستعراض الطويل يختم الباحث
موضوعة الموت في الفكر الإنساني لينتقل إلى
"الموت في الشعر الجاهلي" حيث يرى أن
موضوعة الموت عند الشاعر الجاهلي قد تباينت
فمنهم من قال بحتمية الموت كقول عنترة:
|
لا يُنجني منها الفرارُ
الأوسعُ |
|
وعرفتُ أنّ منيتي إن تأتني |
ومنهم
من رأى أن الموت يأتي خبط عشواء كزهير بن أبي
سلمى، أما أكثرية الشعراء فقد آمنوا بالبعث
والحشر والحساب لكن الغموض بقي مهيمناً على
هذا الجانب كقول أمية بي أبي الصلت:
|
فشقي معذب وسعيد |
|
يوقف الناس للحساب جميعاً |
ويرى
الكاتب أن الخطاب الشعري شهد تحولاً كبيراً
في العصر الإسلامي حيث حفل بالعظات والنصح
والإرشاد وتكريس موضوعة الشهادة ويرى
المؤلف "أن الشعر الإسلامي عقلن النظرة
إلى الموت" لذا زهد الكثير من الشعراء
بالدنيا وطلبوا الموت. بينما تتغير النظرة
إلى الموت في عصور الإسلام المتأخرة حيث "غدت
عقيدية إلى جانب أنها نظرة معتقدية "كما
هو الشأن مع أبي العلاء المعري:
|
فلم أسأل متى يقع الكسوف |
|
رددت إلى مليك الحق أمري |
|
وعوجل بالحمام الفيلسوف |
|
فكم سلم الجهول من المنايا |
وبعد
العصر العباسي تتحول موضوعة الموت –كما
يرى الباحث- "إلى تضرع وابتهالات وتوسل
وشفاعات" ويعلل ذلك بقوله "وكأن النفس
ابتعدت عن الإيمان ووجدت في الموت فراقاً
أبدياً لذا هربت إلى المذاهب الصوفية كرفض
للواقع ومكافحة القلق الذي يعتور النفس "ولذا
فإن موضوعة الموت تحولت فلم تعد تخطر كقيمة
في الشعر وإنما ترد كحكمة مسوقة للعبرة
والاعتبار كقول ابن نباتة المصري:
|
كل سيأتيه منها دور ساقيه |
|
هي المنايا على الأقوام
دائرة |
ويختم
الباحث المدخل بنتيجة تقول "إذاً فالموت
ليس واقعاً مجرداً إنما هو إحساس زمني مؤقت
يحتاج إلى تأمل ينتقل إلى يقينية فإذا اقترن
التأمل بالإيمان يرقى إلى الوعي الكوني
عندها يتجاوز الآنية إلى الأبدية".
بعد
هذه المقدمة التي شكلها الكاتب خارطة
تاريخية لنسيج البحث تدخل إلى النصوص مثقلين
بالتساؤل المتولد من توهان المجموعة
المدروسة والتي زادت عن ستين شاعراً، وحذرين
في التعاطي مع دلالاتها وملاحقة فصولها كمن
يلاحق رغبة محرمة على أحلام مسيجة ومسورة
ففي الفصل الأول من الكتاب والذي تحدث فيه عن
حركة الشعر في سورية منذ أواسط القرن وحتى
عام 1990 نجد موضوعة الموت تتبدى بأشكال
مختلفة فهناك الموت من الخارج وهناك الموت
من الداخل حيث تطغى عليه جدلية الموت
والحياة في النص الشعري على الإحساس به
كحادث فتبدو طرق الخلاص من قلق الموت تقود
إلى الموت مرة أخرى فيزداد الألم ويتشظى
النص الشعري لينتج إشكالية الصراع بين الذات
والواقع فلا يعود الموت منشوداً للذات
المتألمة من ضخامة الأسئلة بل يستحيل قطيعة
حادة تحفر حدتها في طيات العلاقات الإنسانية
والعاطفية لتخلق عالماً شبحياً مقفلاً لا
قدرة للشاعر على مواصلته فيبقى أسير تجليات
الموت من
خلال
(الانتحار، الأمل، الإيمان، الحب، الجنس،
الخمر، الكتابة، العزلة) وهنا وعبر هذا
التداخل يرى الكاتب "أن الموت يتموضع في
العقل الباطن عند الشاعر المعاصر.. فتولدت
لديه إشكالية حادة خلقها الشاعر ليضيع في
متاهاتها والتي تناسلت عنها إشكاليات
متعددة "ومن خلال دراسة النصوص الشعرية
لهذا العدد من الشعراء يستنتج الكاتب أن
موضوعة الموت عند الشعراء موضوعة متحولة غير
ثابتة فمرة نجد الشاعر يؤمن إيماناً كلياً
بحدوث الموت ومرة ثانية يرفضه رفضاً تاماً
ومرة ثالثة يتحايل عليه ورابعة يهرب منه
وهنا تهرب القصائد إلى الحسرة حيث وهم
الأشياء يطغى وحيث تسعى القصيدة للبحث عن
روح تنتمي إليها ولكنها ظلت يائسة من العثور
على هذه الروح ويتجول الباحث في عالم
الشعراء من خلال نصهم الشعري فيرى أن الشاعر
علي الناصر يرى في الليل دليلاً على الموت
لذا يستعجل قدومه بينما يرى أدونيس أن
الحياة مستقرة ولا يجوز أن يوقفها هاجس
الموت أما شوقي بغدادي فيرى في الغربة ذلك
الموت البغيض وينظر نزار قباني إلى الموت
على أنه حقيقة عارية أما عزيزة هارون فتعترف
بصيرورة الموت برومانسية مكرورة وخطابية
مباشرة بينما يتجسد الموت عند عبد السلام
عيون السود بالقطار كأداة للرحيل وبالظلام
كصورة وبالسكون كحركة وبالصمت كصوت
وبالفناء كمادة يقول الشاعر:
صفر
القطار وقد تحرك مسرعاً يغشى الظلام
وهواجسي،
تنتابني، زمراً كأسراب الحمام
ياويحها
عقلت لساني فانقطعت عن الكلام
وبدأت
المح –واضياع
اللمح- آمالي العظام
أما
عبد الباسط الصوفي فقد عبر عن عدميته وتمزقه
وقلقه من خلال الخمرة والطبيعة والأنثى
والزمن وماثله في ذلك وصفي القرنفلي بينما
يطل موريس قبق على الموت من رؤيا كهنوتية
ويرى نذير العظمة في الموت التجدد لذا يمتلئ
شعره بالرمز الأسطوري بهذا التحليل المتعمق
للنص الشعري لشعراء جيل الخمسينيات يوصلنا
الباحث إلى حالات من الوعي الكامن وراء
فضاءات النص الشعري بحيث نستطيع أن نرى
آفاقاً رحبة وإن تبدت في موضوعة مأساوية مثل
موضوعة الموت ينتقل الباحث إلى جيل
الستينيات من الشعراء ليقول إن هذا الجيل من
الشعراء "استأثر بالأسطورة التي يتجلى
فيها الربط بين أحلام العقل الباطن ونشاط
العقل الظاهر في قراءة مكشوفة لأوضاع
الإنسان العربي المعاصر" فمحمد عمران يرى
أن الأسطورة قادرة على إزالة الحدود بين
الحياة والموت وعلى العكس منه يأتي علي
كنعان الذي يجد في الموت الفردي تأكيداً
لصيرورة الموت الجماعي بينما يطغى الحزن على
النص الشعري عند ممدوح سكاف الذي يعتبر
الحزن جرثومة اليأس:
كفانا
فاض فينا اليأس، حتى مل بلوانا
انحن
رفاة هذا العصر / أم أضحوكة سوداء
أم
رمل من الجهلة / ألسنا شاهد الأحقاب
أورثنا
من الأجداد أسفاراً / من الأمجاد
تحرقها
يد القتلة / كأن رميمنا أضحى
هواء
أصفراً يجتاح شكوانا
وفي
هذه الدائرة المغلقة يدور عبد الكريم الناعم
فيحيا بالموقف الباطني تجاه الموت لكنه يفكر
في الحياة ليخرج من يأس العدم بينما يرتدي
ممدوح عدوان لباس جلجامش ليبحث عن الخلود
لكن فايز خضور يبحث في الأسطورة ومن خلال
التراث للكشف عن موضوعة الموت في إحداث نقلة
للدلالة الأسطورية للموت يقول الشاعر:
ماتراءى
يقينُ / جنون تُرى، أم ذهول الدوارْ؟
أفصحي
يامرايا العرافة. ماذا وراء الحصار؟
"حشْدٌ
يسير على رأسه.. ويصفّق بالقدمينِ.
واقعٌ
راهن، مقبل واهنٌ، هاجس أسودُ البوحِ
حلم
فصام؟!
أما
مصطفى خضر فيرى الموت من إطار فلسفي قابل
للتبادل بين المعنى والحقيقة وينتقل الكاتب
إلى جيل السبعينيات من الشعراء ويرى أن "حدة
موضوعة الموت تزداد عند شعراء السبعينيات
وتكثر تشعباتها إذ يتحول الشاعر إلى راوية
يمتح من دواخله ليحكي لا ليشكل" فخالد
البرادعي رسم الموت بطريقته وكما أقلقه
بينما مارس زهير غانم لعبة الكلمات
المتقاطعة ليترك للذهن الوصول إلى حل اللغز
ويعد الشاعر نزيه أبو عفش من الشعراء الذين
أسبغوا على موضوعة الموت الصفة الشمولية
التي ليس لها ضفة أولى ويصور لنا أيمن أبو
شعر الدهشة الأولى أمام الموت عبر دلالات
راسخة في مخيلته بينما يرى عدنان خضر أن
الحياة بداية الموت ويأتي حسان عطوان ليفصل
في إشكالية الموت ليوصل المتلقي إلى أن
الموت هو رد الفعل الحقيقي على مايرفضه
العقل بينما يرى علي سليمان في الراهن
المدان نذير الموت في كل شيء أما جلال
قضيماتي فيرى تناظراً بين الإنسان والطبيعة
في مواجهة الموت وتتكئ الشاعرة فادية غيبور
على الحكايات الخرافية لتطرح إشكالية الموت
وترى –كأنثى-
أن الرجل يعني القوة الدافعة لصيرورة الموت
فباندغام المرأة بالرجل تولد الحياة من جديد
ويتوجه حسين الحموي إلى قلبه بالخطاب يناشده
أن يتوقف لذا يستعجل الرحيل. وعن موضوعة
الموت في القصيدة الثمانينية يقول المؤلف
"وتحت حدة موضوعة الموت بشكلها المباشر
تكاد تختفي الأسطورة في شعر شعراء
الثمانينيات لكن الألفاظ الدالة على الموت
تكثر خلال القصيدة الثمانينية، غير أن الموت
يأتي مقسطاً غياب وصحو، ضياع ولقاء، قيامة
صغرى وقيامة كبرى، موت مطلق وموت مؤقت "فعبد
القادر الحصني يبرز لنا القلق والتشتت
ودوامة العقل بين الشك واليقين وكذلك فؤاد
كحل الذي يرى القلق والتشظي هو موت للذات
بينما يرى إبراهيم عباس ياسين بالانشطار
معنى الموت ويهادن درغام سفان الموت لأنه
واقع ويعامله كصديق بينما يرى مجيب السوسي
أن الرثاء مضيعة للوقت لأن الموت لا محالة
ويأتي عبد النبي حجازي ليقول إن الموت
احتجاج على الزمن الصعب أما عبد الرحمن عمار
فيعلن موته حياً فقبره وطنه يختلف عن أقرانه
بالهمس التبتلي متوجهاً إلى الله:
باسمك
اللهم /روحي تقف الآن على (خارطة) القبر/
المسمى
منذ حين وطني تقرأ الفاتحة الأولى /وتسري غصة
في الحلق
ويطل
جيل التسعينيات فيرى المؤلف أن ألفاظ الموت
تخيم على أجواء القصيدة حتى لكأنها قد تحولت
إلى كتابات رثائية على شاهدات القبور ويرى
أنها "ابتعدت عن التراث الأسطوري مع إغلاق
الشاعر
لفضاء
نصه الشعري معتمداً على فتح الدلالات
اللفظية "فالشاعر جمال علوش يرى فجيعته
الوجودية منذ تكونه ويشعر علاء الدين عبد
المولى أن جسده قد تعاوره الفناء ولم يبق من
كينونته سوى كون مواز هو روحه فهو يعلن
بقاءها في أعالي برج أحلامه وتجيء موضوعة
الموت بنفس الدلالة عند وليد المصري بينما
يلجأ محمود نقشو إلى حيلة أخرى تطرد الصحو
وتخلق حلماً اصطناعياً هو الإغراق في لجج
الخمرة ليتأرجح في متاهات الأسئلة ذات
اليقينية الجوابية:
أتراك
جئت من الغروب إلى الشحوب/ وأنت تمشي خارج
الطقس النهائي السحيق ياواحة/ وأشد روحي كي
أراك/ فلا أرى إلا شحوب الوجه في هذا الشهيق
وكنتُ في قاع الشراب الملم الذكرى فما انفتح
المضيق/ يا أيها الضد الصديق
بهذه
الدراسة التحليلة الواسعة للنصوص الشعرية
لمجموعة الشعراء المدروسين يختم الباحث
الفصل الأول من الكتاب وأعتقد أن هذا الفصل
هو المرتكز الأساسي في الكتاب لتتبعه كل
الحالات التي تناولها الشعراء حول موضوعة
الموت بينما تناول في الفصل الثاني والمعنون
"بطرق تناول موضوعة الموت شعراً" والتي
عالج من خلالها اللواعج التي جعلت الشاعر
يصوغ نصه الشعري ويخرجه على الصورة التي
قرأها الناس حيث غاص الكاتب في ذات الشاعر
محللاً الحوار الداخلي الذي أخرج من خلاله
الشاعر نصه الشعري وتأثير الحوار الخارجي
على الذات الشاعرة ليعود مرة أخرى ويزاوج
بين الحوارين الداخلي والخارجي بتبادلات
فنية ودراسة دلالية جسد من خلالها حالات بين
البقاء والعدم بجدلية عالية المستوى
وبأسلوب تحليلي مشبع بالنصوص الشعرية
للمجموعة المدروسة في الفصل الأول من الكتاب
بحيث استطاع أن يسلط الضوء على أبعاد
ودلالات النص الشعري وموقفه من موضوعة الموت
وبهذه الأسلوبية البحثية المتطورة استطاع
الباحث أن يقرأ بشفافية عالية روح العلاقة
المتبادلة بين النص الشعري ومنتجه وأن يصل
إلى الدلالات القابعة في اللفظة الشعرية
وهنا يعطينا الباحث الفضاء الشعري لكل شاعر
مدروس فعلي عقلة عرسان يعتمد على تبديل
أزمنة الأفعال وتكرار اللفظ بأصوات مختلفة
ليعطي الموت بعداً مجسماً أما ميخائيل عيد
فيبدأ بالسؤال التقريري بينما يرسم ممدوح
عدوان بالضمائر لخطة الموت قتلاً
أنت
لاتدري / ولا أدري/ ولا يدري أحد/ أين كانت هذه
الموس
ولكنا
أفقنا ورأيناك مع الريح هشيما
أما
فايز خضور فيقسّم السؤال إلى صوت وصدى وعبر
تكرار لفظة الموت يصل مروان الخاطر إلى
تمرير الفكرة التي يريدها والتي تتمحور حول
سقوط المفهومات والمبادئ التي تعلمها
والسقوط يعني الموت ويقتحم ممدوح سكاف جدلية
الموت على عمودين رئيسيين هما التساؤل
الرجائي واللفظة المرسومة ويترك إرادة
المعنى مفتوحاً على الآخر بحثاً على أفق
جديد للحياة بينما يرفض فاضل سفان محاسبة
الإنسان للإنسان ويرى في تأجيله ليكون بين
يدي الديان:
|
وحسابي والمنايا |
|
دع حكايات الخطايا |
|
كان يوماً ثم غاب |
|
كل مخلوق سوايا |
|
وسيطويه التراب |
|
كل شيء سوف يفنى |
ويرى
المؤلف في نهاية هذا الفصل أن الحوار
الداخلي والخارجي يتبلور كل منهما من خلال
الطريقة التي استعملها الشاعر والمفردة
والأسلوب الذي من خلاله تتضح الصورة الشعرية
ويقرر الباحث في نهاية هذا الفصل أنه "يجوز
للشاعر أن يستعمل كل الطرائق التعبيرية
الشعرية لاستكمال موضوعته "بعد هذا
ينقلنا الباحث إلى الفصل الثالث الذي يناقش
فيه طرائق التشكيل الفني لموضوعة الموت وإلى
سمات التفرد في النص الشعري عند الشعراء
المدروسين ومؤثرات الفلسفة الذاتية والعامة
على المجموعة المدروسة وانعكاساتها على
النص الشعري وتأثير الإيمان الاعتقادي
والثقافي والعلمي على الذات الشاعرة في
إنضاج النص الشعري ويرى المؤلف في هذا الفصل
"إن الشاعر العربي السوري استطاع أن يدير
جدلية الموت على أشكال متعددة مثل موت الجسد
وموت القيم وموت الطبيعة وموت الزمن وموت
الوجود المكاني" وبين من خلال هذا الفصل
أن القصيدة المعاصرة استطاعت إثبات فلسفة
معناها "الحياة –الموت
الحياة الجديدة" إذن فالموت يأتي من
الواقع المصنع زمنياً لأن الراهن يفرض ذلك
يقول المؤلف "لقد دأب الشاعر المعاصر على
تدمير الأشياء المحيطة به وتخريب المنتظم في
داخله وبسحق أحاسيسه ليجد مسوغاً لتدمير
ذاته وبالتالي يستطيع صياغة نصه الموتي من
الركام الذي تجمع في داخله فجاءت نظرته إلى
الموت فجائعية "ولذلك كانت نظرة الشعراء
إزاء الموت حسب أحاسيسهم وعبروا عنه بطرق
عديدة ابتدعوها وعلى مر العصور "فالشاعر
الجاهلي ينظر إلى الموت نظرة أحادية بينما
أدخل الشاعر المعاصر نظرته إلى الموت في
معادلات خيالية ابتعدت تماماً عن البساطة
"ومن هنا أصبحت القصيدة الحديثة على رأي
المؤلف" ملغمة كثيفة مصهورة من الأفكار
والمشاعر والأخيلة وانتقلت كثيراً نحو قطاع
التجريد وأخذت تمتلئ بالدلالي الصامت
والمستتر بعمق في منطويات وحدتها التركيبية
المتواصلة والمحشودة "ولذلك ابتعدت عن
السردية والتقريرية والنثرية. ينتقل الباحث
إلى الفصل الرابع الذي يتحدث فيه عن لغة
الموت في القصيدة السورية المعاصرة
والمؤثرات التي استدعت هذه اللغة التي يرى
فيها "أنها تكشف أن الموضوعة خضعت خضوعاً
عقلياً واعياً ومبرمجاً في نسيجها النصي
للدوال "وقد تمثل هذا في ثلاث مجموعات
رئيسية:
المجموعة
الأولى: تمثل أشعار أدونيس، نذير العظمة،
فايز خضور، حيث حضور الموت مع إرادة
المواجهة لتنتصر الحياة على الموت في نهاية
المشهد الشعري.
المجموعة
الثانية تمثلها أشعار علي الجندي، محمد
عمران، علي كنعان، ممدوح عدوان، حيث يؤدي
توزع المقاطع في النص الشعري إلى اختلاف
معاني الموت بين الشعور الداخلي به والشهادة
عليه في الخارج والتي تقول بحتمية الموت
والهروب من هذه الحتمية باليأس المطلق أو
مواجهتها بوساطة قناع.
المجموعة
الثالثة تمثلها أشعار أسعد علي، موريس قبق،
شاكر مطلق، والتي تقول بنفي الموت بمعناه
المطلق وهي حكمة قامت على وعي ديني وفلسفة
صوفية بأبعاد باطنية.
وبهذا
التوزيع تتمدد الرقعة وتتزايد مفاتيح
المداخل إلى جدلية القصائد بلغة فيها من
المؤثرات التراثية والمحلية والأجنبية
والتي دلت على نسيج محكم خلق نصاً شعرياً
متداخلاً في بناه ورؤاه حول موضوعة الموت.
في
الخاتمة يتحدث المؤلف عن بيبلوغرافيا الشعر
العربي السوري والهدف من البحث والطريقة
التي اتبعها في معالجة موضوعة الموت معتمداً
في ذلك على رؤيا منهجية جمعت بين التحليل
والاستقراء
والتاريخ
مما أعطى البحث الشمولية والعمق ولم ينس
الباحث تثبيت المراجع التي اعتمدها في نهاية
كل فصل متوخياً في ذلك الدقة وأمانة البحث
مما أهل هذا الكتاب ليكون مرجعاً مهماً
لدراسات لاحقة.
كلمة
أخيرة: في دراستنا لهذا الكتاب تبين أن
الباحث قد أضفى شكلاً متجانساً للمعنى
والأسلوب وتجلى ذلك في متابعة الموضوع من
نقطة إلى أخرى وهي منسجمة في عمق معناها على
متمايزات سطح النص وهذه التمايزات ترجع إلى
خاصية كل شاعر في أدواته والتي استطاع
الباحث وبمقدرة أن يبرزها وأن يكشف عن هموم
ورغبات الشعراء المدروسين، فالرغبة أول
الهموم لدى الشاعر والتي تسودها فوضى مراحل
متضاربة كدسها الشاعر في روحه ليكبر فيها
فاحتار كيف ينسق تناقضاتها وينظم أزمنتها
إلا أن نغمة الهروب وأسر الحبيبة يغيّب
مادية حضورها لتبقى رغبة لاتنكسر مع طلوع
النهار بل تبيت وعداً لليل قادم أما على
مستوى الشكل فالسرد والتحليل والتناص تلتقط
ذات المؤلف روحه وجسده وقد أتى نتاجاً
أدبياً رفيعاً تمكن من امتلاك ملكة الإبداع
وتظهر ذاته كإنسان وذاته كأديب وكشاعر وقد
استطاع أن يصوغ ذلك كله بلغة واضحة بينة
بعيدة عن التعقيد أو اللفظية المكرورة بل
كثف أفكاره بمفردات وجمل سهلة ومرنة تصل إلى
المتلقي دون عناء.
هناك
سمات كثيرة تميز كتاب "الموت الشعر العربي
السوري المعاصر" منها موضوعية المؤلف وأنه
اختار موضوعاً تنفِر الناس منه استطاع أن
يقرّبه إلى الناس بصيرورته الطبيعية وسمة
أخرى هي الدقة الأدبية في دراسة النص الشعري
وسمة رابعة هي أنه استطاع أن يحدد ملامح شعر
لم يجر تصنيفه من قبل بشكل واضح وبعد كل الشكر
للدكتور وليد مشوح على هذا البحث الذي شكّل
إضافةً رائدة إلى المكتبة العربية في هذا
الجانب.