|
||||||
| Updated: Tuesday, September 23, 2003 02:06 AM | ||||||
| فهرس العدد | فهرس الدوريات |
إلفة
الإدلبي ورحمة الأنوثة وقصص "ماوراء
الأشياء الجميلة" ـــ علاء
الدين وحيد
الفن الأصيل وموفه
النقدي من الحياة وللحياة، هو المسؤول عن
الحماس الملحوظ لكاتبتنا، وهي تعالج قضية
الظاهر والباطن، والشكوك وعدم الاطمئنان
التي ينبغي أن تحملها الحقيقة أو صدق الوجوه
والأشياء الجميلة. فكثير منها يتناقض
الخارجُ من داخله، كاشفاً مايُخفي الحسنُ من
قبح بشع. وهو ماتناوله العمل الأول في مجموعة
"ماوراء الأشياء الجميلة" لكاتبة القصة
السورية الكبيرة إلفة الأدلبي، التي صدرت
بدمشق عن دار إشبيلية للدراسات والنشر
والتوزيع.
وفي قصتنا التي تنشد
التعاطف بين البشر، يكون الجهل وعدم الوعي
والميل إلى الترف، مسؤولة عن ارتداء
واستخدام النساء الفراء الطبيعي، والأحذية
والحقائب المصنوعة من جلد التمساح.. التي راح
ضحيتها الصياد الفقير والحيوان المسكين
معاً. وتكون المفارقة واضحة عندما تأسى بطلة
القصة التي ترتدي الفراء الطبيعي وتستخدم
جلد التمساح في حقائبها.. أسى بالغاً، على
كلبها العجوز المريض الذي نصحها الطبيب أن
يميته رحمة بآلامه. وهي التي ساعدت قبلاً على
اغتيال الحياة الحرة.
وفي القصة إطالةٌ
قربتها من اللون التربوي، الذي يريد أن يعطي
درساً ولكنها مع ذلك تملك القلب. فأنوثة
الكاتبة الحانية المتعاطفة، تضفي على
الأجواء رحمة تتنوع تبعاً للقضية المثارة.
وهي صفات تجتمع في الكثير من أعمال المجموعة.
في "الحزن الحميم" تكون رحمة الأنوثة،
ماتخشى بطلتها من ميل عاطفي إزاء الشاب
الجزائري المقاتل، الذي جاء إلى دمشق من
وطنه في مهمة سرية أيام حرب التحرير. ومع
أنهما لم ينطقا بكلمة الحب، إلا أنه ملأ
جوانحهما رحمة. ووعدها أن يكتب لها وانتظرت
طويلاً، حتى جاءت الرسالة. لم تكن منه، بل من
صاحبه ينعيه إليها.. وآخر كلمة رددها لسانه
قبل أن يلفظ أنفاسه مستشهداً.. اسمها.
وقادها حزنها إلى
التفاؤل وهي المتشائمة، أسعدها أن يحمل لها
كل هذا الحب والإعزاز وأن يختلط نبضه بها.
ورحمة الأنوثة التي يفيض به قلبها، مكّنتها
من أن تستوعب في رحابتها راحة إيجابية، خففت
من معاناتها السابقة واللاحقة. لم تكن مشاعر
متناقضة بل متكاملة تشكل الإحساس المرهف
العميق. "ولعلها أول حزينة تتمنى أن يطول
ليلها. لتفرغ لحزنها وحده، تعانقه بلهفة،
تطوي عليه الجوانح بحنان، ثم تمتصه على مهل،
قطرة قطرة.. فيشيع في كيانها خدر لذيذ.. ثقيل،
كما تدب الخمرة في أوصال شارب جديد لم يعتد
عليها..".
ويوصلها هذا الحزن
العميق النبيل إلى قناعة تستأثر بها.. "لِمَ
لا تذهب إلى هناك، إلى أرض البطولات، لتجاهد
حيث جاهد، وتريق دمها حيث أراق دمه؟".
ورحمة الأنوثة
بمختلف معانيها تتجلى في معالجة "طفلها
المدلل"، مقتطعة من حياتنا الشرقية –وإن
بدت خاتمتها مفتعلة- مصورة ماتُبرز المشكلات
العائلية من بذور الشقاق، لا بين الزوجين
بعضهما ببعض فحسب، بل بين الواحد منهما
ونفسه.. تزوجها عن حب كبير، ولم يتغير عشقهما
بعد الزواج بل ازداد تمكناً. وهو يجد فيها
دائماً الأنثى التي تمنى.. "كانت وفق ذوقه
تماماً، حتى كأنه قد صاغها بيديه كما يرغب
ويشتهي". وعاشا حياة سعيدة توحّد كل منهما
في صاحبه. وبعد أن مر أكثر من عام، أطلت رغبة
صارخة كوتها؛ لقد أنجبت صديقاتها اللاتي
تزوجن في تاريخ مقارب بينما لم يقع لها..
فلماذا؟ واقترحت على رجلها أن تعرض نفسها
على الطبيب، ويهوّن من الرغبة.. فما أكثر
الأيام أو الفرص القادمة في حياتهما المتسعة.
ومن الطريف أن انتهاء
الحوار، فتح الفكر على مصراعيه أمام الزوج
بشكل لم يخطر ببال امرأته.. ولماذا لايكون هو
قبل غيره المسؤول عن عدم الإنجاب؟! ولم يكذّب
خبراً.. يسرع في اليوم التالي إلى التحليل،
لينهي القلق الذي بدأ ينهشه. وتصدق ظنونه
الهوجاء، ويخرج تعساً شديد التعاسة. وتصور
إلفة الإدلبي ببراعة حال الزوج العربي –يتساوى
الجاهل والمتعلم- فيما يتصل برجولته. فهو
يرتد على الفور إلى بدائيته أيام العصر
الحجري.. إنساناً رجعياً يرى نفسه يتصدر
العالم كله، وأزمته الطارئة حياة أو
موت. و"عندما خرج
من عيادة الطبيب، كان يشعر كأنه يتضاءل أمام
الناس رغم قامته الفارهة ومنكبيه العريضين.
إن أي صعلوك، أي قزم من الرجال، يستطيع أن
يمنح امرأته أطفالاً، أما هو فعاجز.. وتستحيل
كلمة عاجز هذه إلى خنجر حاد النصل ينغرز في
قلبه كلما رددها"!
وانقلبت حياته رأساً
على عقب، وهو يسد برؤيته أبواب الآفاق. ويخرج
عن نطاق الواقع، ليحتجز نفسه في سجن صفيق من
أوهامه. وهذا الالتواء في القصد الذي تفجره
الأعماق المنغلقة، يتناسب والروح
الاستبدادية للرجل العربي، مع ضيق الأفق
الذي يظن صاحبه أنه محور الكون.
ويسوق الموقف الخاطئ
إلى تنكّب الطريق في علاج المشكلة، كما يفرض
النظر القاصر الذي لايرى أبعد من قدمه، وكما
تصنع الروايات الرخيصة.. أن يكره امرأته فيه
حتى يُخفي عن الأنظار ونظرها هي بالتحديد،
مايَعُدّه نقصاً خطيراً في الرجولة.. يجلب من
وجهة نظره العار والشنار على صاحبه! أراد أن
تبغضه في نفسها إلى أن تطلب الطلاق منه!
وهكذا اتبع هواجسه واندفع كالطفل العنيد
يحارب طواحين الهواء الوهمية ضد نفسه وزوجته
معاً. وبين يوم وليلة اتخذ لنفسه خطاً
مغايراً تماماً، لم يكن به عهد من قبل.. التمس
الشراب ولعب الميسر وصحبة أصدقاء السوء. كما
قلب لها ظهر المجن مظهراً القسوة متعاملاً
بها.. "وكانت صفاء تتحمل تنكر زوجها لها
بصبر عجيب غريب، لاتتحمله إلا كل أنثى
متفانية بحب زوجها".
وطوال المحنة
لايراجع الرجل نفسه أو يتخذ وجهة أخرى..
وإنما هو سادر في غيّه كأنما ركبه عفريت،
وزوجه دهشة مما ألمّ برجلها والعوامل التي
بدّلته تبديلاً. ولكن رحمة الأنوثة وَسِعَتْ
تنكّب الزوج الحبيب، فصبرت وصابرت واحتملت،
لعلها سحابة صيف وتنقشع. ولكن صاحبنا ظلّ
متّبعاً وهمه كأنه استطاب اللعبة ونسى نفسه
فيها. بعد أن وجد خطته الآثمة لاتُخفي مايظنه
عجزه فحسب، بل يجعل المجتمع يلقي اللوم على
امرأته خاصة عندما يطلقها. "سيقول الناس،
مسكينة صفاء! إنها امرأة رائعة، ولكن زوجها
فظّ رديء، وقد طلقها ظلماً، ربما لأنها لم
تنجب له! إن هذا أحب إلى قلبه من أن يقولوا
عنه، مسكين له زوجة رائعة، ولكنها تعسة لأن
زوجها عقيم ولا يستطيع أن يمنحها سعادة
الأمومة"!
ومن الملاحظ أن الزوج
قامر منذ البداية على بلادة المجتمع
المنغلق، الذي يغبن المرأة ويقف غالباً في
صف الرجل.. فهو في ظنه أولى بالتصديق! ويبعد
صاحبنا أكثر في إذلال امرأته، يتخذ عشيقة
يصاحبها على الملأ ليصل خبرها بسرعة إلى
زوجته، التي تجد وقتها أن لا فائدة ترجى من
إصلاحه. ولا تملك إلا أن تطالبه بالطلاق،
ويستجيب على الفور سعيداً! وهدأت أعصابه
واستراح باله، بعد أن مكن له الفوز العظيم
كما تصور، ولا تمضي بضعة أيام حتى تشتعل ناره
من جديد، بعد أن سمع أن صفاء في سبيلها إلى
الزواج. وبالرغم من أن خطته استوعبت ضمناً
هذه النتيجة، إلا أنه ماكاد يتناهى إليه
النبأ، حتىغلى الدم في عروقه.. خاصة أن الزوج
المرتقب كان من أصدقائه الذي لايخفي إعجابه
بصفاء، مما كان يغيظه منه. واستشاط صاحبنا
غضباً، "وتنبثق غيرته كما تنبثق نار من
تحت رماد. ويشعر بالهزيمة كما لم يشعر بها
أبداً. ولأول مرة يعترف لنفسه بأنه كان
مخطئاً"!
لقد وفّقت فنانتنا في
تجسيد هذه النوعية من الرجال، التي لاتزال
تعيش بين ظهرانينا.. برغم العلم والثقافة
والتكنولوجيا وكثرة الجامعات. وجسدت عقدة
النقص التي تتحكم في رجل مثل بطلنا. ولكن
عندما اقتربت القصة من خاتمتها، بدأت –كما أرى- تتعثّر
وتنحو منحى الميلودراما والنهاية المفرحة
والمفاجأة
الصارخة!
وهي تجعل الزوج وكأنه طوال هذه المدة كان
غائباً عن الوعي متعطل التفكير، يسوقه جنيّ
خبيث لا يملك إزاءه مقاومة. فإذا به يبكي
بكاء مراً على خيبته، ويذهب إلى سريرها
يستمدّ منه العزاء. وبينما هو كذلك، إذ بصفاء
تهلّ عليه –كانت
تحتفظ بمفتاح الشقة!- وقد توصلت إلى علّته
قبلاً. ويتصالحان ويتناجيان.. وتوتة توتة
خلصت الحدوتة!!
وقصة أخرى تتجسد فيها
رحمة الأنوثة، بطلتها فتاة سنغالية هي كادي –أطلق اسمها على القصة-
تضحّي بنفسها في سبيل الحفاظ على شرف من تعشق.
كانت سعيدة في قريتها السنغالية، ولم تعرف
المعاناة إلا بعد وفاة أمها وزواج أبيها من
أخرى. وأصبحت كمّاً مهملاً عرضة للإذلال،
ويخفف عنها أخوها الذي يكبرها سناً ما تلاقي.
وعندما سافر إلى فرنسا لاستكمال دراسته،
افتقدت الحنان كله. وأجبرها أبوها بإيعاز من
امرأته، على الزواج من قريب لها عجوز متزوج
من ثلاث. وتستنجد بأخيها الذي يبعث إلى أبيه
رسالة، ولكن الأب يرفض الوساطة ويصر وتتصل
مرة أخرى بشقيقها متوسلة، ولا يكون أمامه
إلا أن يبعث إلى صديق في طريقه إلى فرنسا
للدراسة، أن يفرّ بها معه. ويفعل على خير وجه..
وتجد منه العون والاحترام والفهم.. كان شاباً
نبيلاً شهماً. ويتسلل الحب إلى قلبيهما،
ويندفعان في ارتشاف رحيقه. ثم تفاجأ الفتاة
أنها حامل وتفزع فزعاً شديداً، وكان أخوف ما
تخافه أن تتعرض لما تتعرض له غيرها من تنكر
صاحبها. ولكنها ماكادت تخبره حتى طار فرحاً
بالخبر السعيد، مقرراً أن يسافرا في الأسبوع
المقبل من باريس إلى مونبلييه حيث شقيقها
يطلب منه يدها. وأكبرت فيه رجولته وعاطفته
وشهامته الحقة. وأخذت تعد الساعات تهيم فوق
السحب انتظاراً لاستكمال الهناء. وكان للقدر
رأي آخر، قبل الموعد بيوم، أصيب الحبيب وهو
في تمام عافيته بسكتة قلبية لم تمهله، وفاضت
روحه.
أصابها الذهول وضاقت
الدنيا في وجهها، ونسيت حُلُمَها وحَمْلَها
إزاء كارثة فقد الحبيب. لم يكن الرجاء والأمل
فحسب بل أيضاً الأمان. وهانت عليها الحياة
وسخفت لذائذها، وبدت جهمة كالحة لاتشجع على
عيش. وبينما تظن كادي أن الحياة حاصرتها بما
فيه الكفاية، وأنها تمتحن بأقصى مايسيء..
تجيئها رسالة من أخيها تحمل إليها هموماً
جديدة لاتقل بشاعة. إن المال الذي كان ينفقه
شقيقها على دراسته وعليها منذ مجيئها، ليس
من الأب كما كانت تظن بل من صديقهما الفقيد.
بعد أن قطع أبوهما المصروفات عنه، جزاء
مساعدته إياها في الفرار. وأنه بعث إليه
يستعطفه، فكان شرط أبيه أن تعود كادي إلى
البلدة أولاً. وعقّب شقيقها.. أن مستقبله
أصبح في يدها.
لشد ماكانت قريبة من
اكتمال السعادة، فإذا بها بعدت عنها إلى
درجة الانمحاء! كم تمنت أن يكون لها ولد ممن
تحب، يحمل قسماته وأخلاقه ورجولته، فهل يكون
خلاصها في أن تسقطه حتى لايشي بغرامها؟ أم هل
يكون هذا الخلاص بالاعتراف لأخيها بعلاقتها
بالراحل العزيز، فتلطّخ سمعة الحبيب بعد
وفاته وهو لايستحقها. وتزرع الكراهية في نفس
شقيقها، إذ يظن وبعض الظن إثم، أن حبيبها كان
يشتريها هي وأخيها بماله؟ لايمكن يمكن. لن
تفعل ذلك أبداً إزاء من كان آية في الوفاء..
فهل تكون أقل منه وفاء؟
وفي سبيل الحفاظ على
اسمه نقياً.. أقدمت على الانتحار.
وفطرية رحمة الأنوثة
لايمكن الاطمئنان إليها دائماً، فهي أيضاً
تتعرض للتشويش والضعف والسقوط، إذ هي تتناسب
طردياً مع قوة الشخصية وإرهاف الحس ونضج
القلب والعقل، وهي أشياء كانت تفتقدها بطلة
"الذكرى القاتلة". عندما فاجأها زوجها
المهندس أنهما مسافران وحدهما بعد أيام
قليلة إلى بلد
عربي للعمل هناك..
تساءلت بجزع: والبنتان؟ وجاء جوابه:
نُلِحقهما هنا بمدرسة داخلية. ومع حبها
الكبير للصغيرتين اللتين تحتاجان رعاية
أمهما، إلا أنهما لم تتصدّ لأبيهما بما فيه
الكفاية لتبقى معهما. وفي الغربة تجد نفسها
وحيدة. فعمل زوجها بعيداً ويأتى منهكاً. وإذا
بها في فراغ يكاد يبتلعها، وفي خواء عاطفي..
في أمس الحاجة إلى لمسة الرجل.. وأدركت خطورة
مايجتاحها، كإنسان فاقد الإرادة مسلوب اللب
طائش القلب.. وبذلك جفت ينابيع رحمة الأنوثة
في نفسها، ولم يبق إلا الغريزة.
وتطلب من زوجها أن
تعود هي إلى سوريا وابنتيهما، ويرفض. ولا تجد
مندوحة من وجهة نظرها، من الاستجابة إلى
طيّار شاب كان يلقى شباكه حولها. ولا تذكر من
حياتها إلا حاجة الجسد، أما شرف الزوجة وحق
الزوج ومسؤوليتها عن ابنتيها، فقد داست
عليها جميعاً.
وتهجر زوجها، ويعود
العشيقان إلى دمشق، ويتّخذ لها مسكناً
خاصاً، وهي منغمسة في متعتها. لا تجرؤ على
الاقتراب من مسكن الزوجية، أو من مدرسة
ابنتيها. وفوجئت أن صاحبها لا يعتزم الزواج
منها، بعد أن يتم طلاقها.. بحجة أن كلاً منهما
هارب من زواج فاشل، فكيف يتزوجان. وكانت صدمة
تطورت لتقدم صاحبتها على الانتحار.
وإذا نضبت رحمة
الأنوثة بفعل الأنانية في نفس بطلة قصتنا،
فهي عامرة بالنسبة إلى شخصية أخرى كانت على
النقيض في "إنها أختي". ما كادت
الصغيرتان تكبران قليلاً، حتى راهن الأبوان
على الكبيرة. فهي الأجمل التي يمكن أن تعدّ
استثماراً عظيماً للأسرة متوسطة الحال في
المستقبل القريب. وأصبحت هي المفضلة المدللة
التي يعتني بها أكثر من اللازم، ويستجاب إلى
كل مطالبها. وتقلص الاهتمام بالصغيرة
معنوياً ومادياً.. وزادت أعباؤها المنزلية
بعد أن أسقطت عن أختها، إلى درجة حرمانها من
المدرسة لتساعد أمها في شؤون البيت، ويقع
عليها العبء الأكبر في خدمته.
ومن الطريف أن حرمان
الأخت الصغيرة مما يغدق على الكبيرة، لم
يجعلها تبتئس أو تحقد عليها. فقد كانت تحبها
حباً صادقاً يريد لها الخير كله والمستقبل
الزاهر، حتى لو كان بعضه على حسابها. وهي تجد
في إيمانها بالله ورحمة الأنوثة، مايفيض
قلبها وعقلها وروحها بالخير على الجميع خاصة
أختها. وكلما نضجت الفتاتان ازدادت الكبرى
حسناً وفتنة، وبدت الصغرى مع جمالها المعقول
بجانبها عادية.. كلما تضاعف الاهتمام
بالأولى. فقد دنت الساعة وأصبحت على "وش"
زواج، وكأن الأخرى ليست كذلك، تصحبها أمها
في الزيارات خاصة في العائلات ذوات الشبان
غير المتزوجين.
وعندما ظهر في الأفق
الشاب شديد الثراء الوسيم، الذي اشترى
العمارة الضخمة المجاورة، وسكن هو وأسرته في
إحدى شققها المطلة على مسكنهم.. أصبح هو قرة
العين. كان بالفعل أروعهم وأغناهم وأفضلهم.
وأسرعت الأم هي وفتاتها بزيارة أسرته،
وتصادقت العائلتان. ولكن الشاب لم ينبهر كما
هو منتظر بالفتاة المتحذلقة المرسومة،
الأشبه بعروسة المولد كثيرة التردد عليهم.
بل هفا إلى أختها المتزنة، والتي يرى نشاطها
في خدمة البيت طوال اليوم، أو وهي تقرأ ساعة
الفراغ، والتي لم تزرهم أبداً. وتقدم
لخطبتها.
ويصيب الزلزال
الجميع.. جاء بالهم والغم للأسرة خاصة
الأبوين اللذين "جاء نقبهما على شونة" –كما
نقول في مصر- بعد طوال السعي والتدليل
والتضحية.. فاضحاً حمقهما وجشعهما وظلمهما
أيضاً للابنة الثانية فلم يعدلا معها. وكالا
بمكيالين للابنتين. أما الفتاة الكبرى فقد
هوت من حالق وتناثرت شظاياً،
بعد
أن لم يقع عليها الاختيار. وقد كانت تظن أنها
بحسنها وأناقتها ورشاقتها فوق الجميع.. خاصة
شقيقتها. وإذا بكل ماتملك مجرد قشور، تخفي
تحتها الفراغ والقبح والادعاء والأنانية،
التي لاتغيب عن النظرة الفاحصة. وتسقط في أول
امتحان جاد. أما أختها التي تُرك مصيرها منذ
وقت طويل في يد الأقدار، فقد انزوت مع
استسلامها داخل نفسها، تعاني مرارة الإهمال
والإغفال، مغرقة آلامها الداخلية في العمل
الذي أحبت أن تقوم به.. فهي تريد أن تكون يداً
مثمرة تترك أثراً صالحاً. وكانت تحلم كأية
فتاة ببيت العدل، حلماً متواضعاً ولو كان
حجرة واحدة ورجلاً فقيراً. فواقعها الصعب
أبعدها عن أن يشتط بها الخيال، فاكتفت بأبسط
الأماني. والتي ظنتها مع ذلك بعيدة لن تنال
بسهولة. فحتى الشاب الفقير يتطلع إلى
الغنية، ولا تملك إلا الصبر والدمع في
المآقي. وذلك لم تصدق أن تكون هي محط إعجاب
هذا الشاب الممتاز الثري.
وإذا كان التغيير قد
ألمّ بالأبوين والصغرى، فقد ظلت الابنة
الكبرى سادرة في غيّها وأوهامها وأحلام
العظمة الكاذبة، التي دفعت إليها الأثرة
وتفضيلها على أختها. لم ترعو وتعد إلى رشدها،
بل انساقت أكثر في غيّها.. وضعت همّها في
شقيقتها تسخر منها وتشتمها وقد حظيت بالعريس
اللقطة. واستمرت أعصابها تغلي حتى انتهى بها
الأمر إلى الجنون.. ومع ذلك عاملتها الصغيرة
بالحسنى، مدركة بشاعة الصدمة التي منيت بها.
ولقد كانت رحمة
الأنوثة عنصراً أصيلاً في تكوين عالم إلفة
الإدلبي، فهي لاتجعله مقتصراً على جنسية دون
أخرى أو وقت دون آخر، بل هي تشمل الجنسيات
والأوقات جميعاً، في زمن السلم وزمن الحرب
على السواء. وتصور "النصر الغالي"
المناخ الأخير ودمشق تعيش حالة الحرب مع
العدو الصهيوني. والعاصمة تتعرض لقذف
الطائرات الإسرائيلية. في وسط هذا الهول
الذي أصبح عادياً، يتنفس الناس حياتهم
اليومية.
اضطرت الأم أن تخرج
وتترك وحيدتها الطفلة في البيت مع جدتها،
ولم يكن في إمكانها أن تصحبها معها وهي في
سبيلها إلى زيارة شقيقها، العائد من الميدان
جريحاً في المستشفى. ورغم تشبث رندة بها
وبكائها والإلحاح عليها شأن الصغار، إلا
أنها أيضاً شأن الأمهات لم ترضخ لتوسلاتها.
وغادرت الدار وقلبها مشغول بجريحها. ولا
تكاد تمشي قليلاً حتى تدوي صفارات الإنذار
وتقوم غارة. يُلقي العدو قنابله وتصوّب
القوات المسلحة قذائفها. وتزلزل الأرض
ويكفهر الجو وتتلبد السماء، بينما غامت
الأشياء واختفت معالم الأبنية، وتسرع إلى
أقرب ملجأ وقلبها يرتجف وعقلها ينزف على
أحبائها. وتنقشع الأتربة ويصفو الجو، لتنقلب
ثانية إلى بيتها. ولا تكاد تقترب حتى تتبين
هول المفاجئة، وقد أصبحت الدار كومة من تراب.
ومن بين الأنقاض ظهرت ضفيرة شعر رندة.
وتتمزق
الأم، وتتهم نفسها بمسؤوليتها عن فقد فتاتها،
فلو كانت استجابت لها وأخذتها معها لما
فقدتها. ومتابعةُ التفاصيل الدقيقة للحادث
ولوعة الفقد ومواساة الناس، وأجواء الحرب
التي جعلت من الاستشهاد واجباً يومياً، لا
يقتصر على العسكريين وحدهم بل يشاركهم فيه
المدنيون.. جعلت روح الوطن ترفرف على الجميع،
وتخفف عنهم آلام الثكل. وتكون رحمة الأنوثة هي
بلسم الأحزان.