|
||||||
| Updated: Tuesday, September 23, 2003 01:42 AM | ||||||
| فهرس العدد | فهرس الدوريات |
السمو
والتنامي الفني في
ذاكرة عبد الكريم الناعم النهرية
ـــ عباس حيروقة
أربعون
عاماً ونيفّ وشاعرنا عبد الكريم الناعم
ينادم الأيام، الأيام التي تصحو عنده على
تراتيله الشعرية ولا تغفو إلاّ على حنين
الربابة لأنامله المتعبة فتسافر به تجاه
عوالم لا مرئية كما يسافر بنا عبر تضاريس
الوجع، التضاريس المألوفة لنا نحن أبناء
الأرياف والتي ما زالت ذاكرتنا تنوح عند كل
جنازة تُعلن ونَدْبك ونرقص في رحى دارٍ رُزق
صاحبها بمولود جديد.
أربعون
عاماً والناعم يدّق الدّن.. يرفعه ويشرب نَخب
مَنْ جاءَ مَنْ رحل.. يُراهن على انتصار
الفرات بماء الوجوه وحنوّ الضفاف إلى كل
ظامئ. أربعون ونيفّ وهو يُسّرح بالماء
بوادينا العِطاش ليجدل بالنخل والماء
والضفاف وأصوات الحداة الضائعة خمس عشرة
ضفيرة أو أكثر وكل واحدة ترفل بالنواح
وبالعويل وبالماء السارح عن عتبات قرانا
الحزينة وبنواح ربابة عند الظهيرة وغناء
هودج حين المساء.. فتموج السماوات بالغمام..
الغمام الذي لم يُفارق مجموعاته الشعرية
قاطبة ليضفي عليها رطوبة وظلالاً تقي
أطفالنا من قيظ الواقع.
عبد
الكريم الناعم الشّاعر الحاضر في نصّه حتى
أقصى درجات الغياب، يقظٌ في ذروة الشرود،
صامدٌ، صلبٌ في زحمةِ الانكساراتِ، مُحافظٌ
على ذاكرتِه في أزمنة اللا ذاكرة هذا بعض ما
نجده في آخر إصداراته الشعرية المعنونة "من
ذاكرة النهر" الصادرة عن دار ورد للطباعة
والنشر والتوزيع دمشق عام 1999 قطع وسط /220/
صفحة والمجموعة مكتوبة بخط الشاعر.
إن
الشّاعر الناعم يَعملُ على أن يكون دائم
الحضور في بُنى نصوصه كافة وبشكل مكثّف إلاّ
أنّه في كلِ قصيدة يَعمدُ إلى أن يقف جانباً..
وحيداً ليهتف لنا بأن ما بين اليومي
والتاريخي جدلية قائمة يصعب معايشتها
والنظر بها، لكنّه رغم ذلك يدعونا لمعايشتها
والعمل على الإيغال والإمعان في بُناها
التحتية، على ما قائمة عليه..؟! إلى ما ترتكز
وتتكئ؟! لفك رموزها وتحليلها وإعادة تركيبها
وفق منهجية تخدم الآني اليومي والمستقبلي
المقبل.
هذا
الهاجس القادمْ بمفردات خاصة وشخوص بقسمات
مجهولة وشارات وحركات تراكمية تحتاج
استحضار كافة قوانا وحواسنا واستنفار
قدراتنا الحركية وغير ذلك لمواكبة تبدلات ما
قد يطرأ:
إني أعرف يا أمَّاه
أن مرار الدِّفلى صعب
ص132
وأنا مُذ أرقني حُلمُ الأمةِ قلتُ
سأترك في الأنباء على الأسماءِ
نضاراً من أحلام قد تتجدد
ص147
مجموعة
من ذاكرة النهر تضجُّ بالمفردات الريفية
والريفية الحقة، هذه المفردات التي قلّما
يشعر بحقيقة معناها وضرورتها في النص وما
تمنحه له. إلاّ مَنْ عاش في الريف وعرف ما
تعنيه له فتتجسد في ذاكرته فور قراءتها
وترتسم على الشاكلة المراد إيصالها لنا:
القيصوم، الشيح، الشوفان، الزيوان.
ذاكَ "كُلاَلْ"
يَحْمِلُ سُمْرَتَهُ البدويَّةَ
والوَشَم الأزرقَ
والخُطُواتِ العَجْلى
يا ذاكرةَ البابونجِ والصّفصافِ
العالي،
وترابِ السّهلِ النّاشِفِ من ظَمَأٍ..
الخ
ص 197
إن
قراءة هذا المقطع قراءة متأنية وتصور ذاك
الرجل البدوي بسمرته والوشم الأزرق وخطواته
العجلى.. فَمَنْ عاش في البادية تحضره فوراً
صورته وكيف أن البدوي قلّما يمشي على مهل..
وصولاً إلى البابونج هذه العشبة ذات الرائحة
العابقة بالتربة…
التي تنمو في البرية وعلى الأسطح
الطينية، وشجر الصفصاف العالي الذي يحضن كل
مساء مئات العصافير وظل ظهيرة يظلّل رجالات
تَعْبَى.
أما
تراب السهل الناشف من ظمأ. إنها صورة عابقة
بالصدق والعفوية والشعرية، صوره يصعبُ
شرحها لغير مشاهدها فالتراب حين يعطش يتشقق
رويداً رويداً ليؤول إن طالَ عطشه إلى شروخ
كبيرة تتسّعُ لدموع نساء قرانا الحزينة
إضافة إلى مقاطع ذات بُعدْ ريفي أخّاذ.
إن
الصورة الشعرية في نصوص الناعم مدهشة تَتسمْ
بالجدّية والفنيّة العالية تضجّْ
بالانزياحات الدلالية، بعوالم شعرية، ناتجة
عن مخيلة مديدة تمنحُ الساكن الحركة والحركة
قدرة على التجاوز تجاوز المألوف.. صور تمنح
من بيئة وأجواء ريفية حقّة
دَرَجٌ يَصْعَدُ والخُطْوَاتُ
مُبَلَّلةٌ
بعذاب الصّمتْ
بينَ الخطوةِ والأخرى زمنٌ يَقْرَعُ
وَحْدَتَه بغبارِ الصَّوتْ
ص 165
هناك
أحلام تتراءى لنا.. يطرحها الشاعر.. أحلام
الطفولة وما بعدها لتشكل حيزاً نصيّاً يتسع
جداً، عكسته توقةُ الشاعر إلى ألوانها
النورانيّة، الألوان التي لا تتلاءم مع
سوداوية واقع متشظّ متحوّل، واقع بألوان
متنافرة مع الذات الشاعرة والذوات البدئية
التي عاشها ويعايشها الشاعر.. هواجس جمة
تتراكم لتترك خلفها ذوات قنوطة نسبياً.
آهٍ يا أمي
بعضُ مراراتِ العَكَرِ المجنونِ يَطولُ
الوقتُ عليها حتَّى تَصْفو
فَالتَمسي سَرَباً لأنين الرّوح
خَفيّاً
إني أخشى أنْ ينهار الجُرْفُ
ص 166
أحلام
الشاعر لا يتوانى عن سردها بشخوصها
ودلالاتها المتعددة أحلام وأحداث من واقع
عاري من كل شيء إلاّ الطيبة والصدق والحب
والعفوية وبشكل مكثّف أيضاً. حضوره دائم كما
قلنا بلبنات نصّه والنصوص بها هاجسه وتكوين
مناخات تكاثرية تناسلية للصورة الشعرية
والفنية النصية.
أَشْعَلَني فشِهدْتُ النارَ تطال
يقينَ القلبِ، ويَسقُطُ طيرٌ في
جُبٍّ مهجورٍ، لا يدري أيَّاً مِنْ أيَّ
مِنْ أينَ، وكَيف؟/ الظلمةُ تُفزِعُهُ
فَيفرُّ وراءً في ظلماءَ تُطاردُهُ/
يزَقو من آلامِ الكرْبِ
فيحمِلهُ موجُ الأصداءْ
ص 187
إن
الصورة الشعرية عند شاعرنا الناعم جاءت نشطة
فطرية، جاءت كطريقة من طرائق التعبير الشعري
لا هدف أي لا كما عند البعض يسعون إلى إيجاد
الصورة ويلهثون وراءها فقط من أجل الصورة،
بهدف تراكميتها لإيهام الآخر بجدية التجربة
حينها تكون بنائية هشة وبلا وهج شعري أو روح
أو إيقاع ظاهر وباطن.
صور
الشاعر تدلّنا على تلك القدرة التي خرّجتها
السنوات العديدة والخبرة الجمّة الشعرية
قدرة التصوير للعادي واليومي بمشهدية شعرية
متألقة. إنها عملية الخلق الشعري، عملية
تحويل العادي واليومي إلى ألق الدّهشة
الشعرية وسمّوها فنياً بنسيج شعري شفاف
وحياكة دقيقة جداً عمل الشاعر ويعمل على
تناميها وتوهجها بمناخات عديدة معتمداً في
معظمها على الدرامي وفق رؤية متشعبة ما بين
الواقعية واللاواقعية.
ما
بين اليومي الآني والماضوي والمستقبلي
التخييلي. وهذا ما يدل على سموّ الحس الفني
عند الشاعر.
قُلتُ للحفَّارِ: "خلِّ قَبْرَها
جوارَ مَعْنٍ، /رُبَّما،/ قَدْ يُؤنِسُ
الإِخوانَ قُرْبُ القبرِ
رُبَّما تَعَارَفا"
ص 182
وأنا والجَمْرُ ضِرامٌ، أَشْعَلَني،
لِنَسيسِ النّارِ كلامٌ في مئذَنَةِ
اللّهَبِ
الصَّاعدِ من مَجْمرَةِ الحُزنِ،
العُمرُ: جُروحْ
ص 186
يُلحظُ
أن تجربة الشاعر تتّسم بالثراء الشعري الفني
شكلاً ومضموناً، هذا الثراء الذي كدّسته
ورسّخته تجربته ونتاجه الشعري والنقدي الذي
تجاوز الخمسة عشر مؤلف.
فالناعم
في مجموعته هذه يحرص على إعادة بناء أو تشكيل
الملامح الواسمة للنص المفتوح الدلالات
فنياً وجمالياً عبر لغة عفوية صادقة عميقة
يُميزّها إيقاعها الموسيقي الذي لم يشكّل
عائقاً أبداً أمامَ خيالاته الإبداعية
اللامتناهية وأفكاره الرؤوية المديدة. كل
هذا وضع نصوص شاعرنا أمام إمكانية التأويل
الجاد والفعلي وتفعيل الحواراتْ بينها وبين
المتلقي.
*إيقاعية
النص وموسيقاه عند الشاعر:
إن
الإيقاع في قصيدة الناعم يتواشج مع المعنى
ويَفسحُ أَمامه أَمداء جديدة وإيحاءات
عديدة، إضافة لِسعيه تشكيل علاقة مشتركة ما
بين الحواس ككل، وتفعيلها للوصول إلى حيوية
المعنى بطرائق تمدّه طاقه وألقاً خاصاً وهذا
قلّما نلمسه عند كتّاب قصيدة العمود أو حتى
التفعيلة. إذ نَلحظُ أنَّ الإيقاع عند
الناعم يمنحُ النصوص حيوية وإيحاءات ماتعة
تنقلنا من رتابة المعنى حيناً إلى حيويته
وألقه وهذا ما يؤكّده الشاعر في حواراته
ويسعى إلى تجسيده نصّياً كشرط أساسي من شروط
الشعر لديه.
|
وكانَ يُرجي لها من
زَهْوها ثَمرُ |
|
مَا لِلْعناقيدِ جَفَّتْ
في نَضارتِها |
|
كَفُّ المعاني على
مينائِها صُورُ |
|
في أيِّ جيلٍ أتْينَا حينَ
قيَّدَنا؟. |
|
حتّى كَأن الشَّجى في
عُمرنا قَدَرُ |
|
هذا التَّصَدُّعُ أنّى
قيلَ ذا أَملٌ |
|
يا حُزْنَ ما أنبَتَتْ
كفّاك يا مُضَرُ ص 163 |
|
أَرْبى على حُلُمِ الآتينَ
من مُضَرٍ |
كما
يتّضح جماليات الإيقاع الخليلي في مواضع
عدَّة عند الشاعر مما يُعيد طَرح التساؤل
القديم الجديد في أن الوزن والقافية تحدَّان
مِنْ أَمداء وآفاق المعنى والرؤى والرؤية.
|
تَشَعَّبَ الخمرُ في
كَرْمٍ مِنَ العِنَبِ |
|
بعضُ الملامحِ تبدو في
البعيدِ كما |
|
كَمَا تَداوَى من الأوهامِ
بالرّيبِ ص92 |
|
أَضَأْتُ سَعْفَةَ ما في
الحُلمْ عنَدهمُ |
|
هذي الغوايةُ عن فيضٍ من
الحُجُبِ |
|
ماذا سيبقى سوى حُلْمٍ إذا
انكشَفَتْ |
من
يقرأ الناعم منذ أمد يُدرك كَمْ يُعاني مِنْ
الغربة والعزلة والوحدة الجوّانية، إنه
الشاعر الذي يرى نفسه بالغريبة حتى في أرضها
وبين أهلها. الشاعر الذي يَجدُ نفسه دائماً
على أرداف أوراقه ونهودهن.. يَعوم.. يَهيم في
عوالم روحية من أجل إيجاد الذات التائهة
التي تعودُ إلى متاهاتها فورَ خروجه من
صومعته أو معبده الخاص لتجد نفسها "الذات"
بين مَنْ يُبحر في براثن الخرابْ والشتات
فيقف جانباً بحزن وقلق شديد غير قادر إلاَّ
على البكاء والبكاء المرّ هذا ما يزيد نصوص
الناعمْ الشعرية شفافية ويَعملُ على تعميق
مفهومها فنياً، مما يدّلُ على تمكّنه من
أدواته وتملّكه مقدرة على ترجمة نبضه وشهيقه
وكل تفاعلاته وتواتراته الداخلية في حالات
معينة إلى بنائية نصيّة شعرية إيحائية
أخّاذة خلاّقه قابلة للبقاء والديمومة في
شاهدنا الشعري العربي
فيا مَنْ قُلْتَ لإبراهيمِ
صَدَّقْت الرُّؤْيا../ وفدَيْنَاه
ادفَعْ عنّي رمزَ الآتي إنى أَدفَعُهُ
بدمٍ لا رمزاً فيه
خَوفٌ
تتقطَّر في قارورةِ روحي/ والأفعالُ تكادُ
تبوحُ قُبَيَل زمانٍ/ الفعلِ، /فَيَا ربُّ
ادْفَعْ عن هذا العبدِ،/ كَفَاهُ صدوعاً،/ يا
حاملَ نَوح في فلك الرحمة/ يا منجيه/ ادفع
عنّي هذي النّارْ/ فالوقتُ: ضرارْ ص207
إن
الناعم في مجموعته هذه أوقد كل شموع المعابد
وأجلسنا جانباً وجلَسَ قَبالَتَنا، أحنى
قامته تجاهنا مدَّ زراعيه نحونا وفتح أنامله
ليقول لنا هذا أنا إقرأوني بَعد أنْ كانت
أزمنة الطفولة والشباب من فرح وحزن من جوعٍ
وفقرٍ من غربةٍ واغترابْ قَدْ خطّتْ سِيرته
لكلِّ طارئ أو طارق أيام الطفولة والجري في
البرية حين السماء تعجُّ بالقبرّات
وبالشموس التي أرضعتنا السمرة والصلابة،
أيام الأحزان الطويلة والسفر والترحال نحو
شمال القلب وما بعده نحو أَمداء تمتدُّ
بحثاً عن وطنٍ أو ذات أو حتى ولو شاة لم تُذبح
أو تُساق إلى المسلخ.
بعد
قراءة المجموعة يمكننا الاستشفاف بأن هناك
سيطرة واضحة لتلك اللغة لغة السّرد القصصي
في بعض المكامن النصيّة للقصيدة. لغة القصة
التي واكبت الشعرية التكثيفية حيناً
ومنحتها ألقاً خاصاً وأحياناً تُجبر
الشعرية على التكّور على رؤاها الخاصة لتسلك
طريقَ العودةِ أو الوقوفِ فاسحةً المجالْ أو
الطريق للقص السردي أو السرد القصصي مما
أصاب نصوص شاعرنا بشيء من الخطابية أحياناً.
عَرَفْتُ أنَّ الأمرَ ليس مثلما
يُقالُ أو نُريد
فيا إلهَ الوَردِ والحديدْ
إبنانِ لي في الحَربْ
خُذْ واحداً،
أو.. خُذْهما
لا تذلّنا يا ربّْ" وأجْهَشتْ ص170
كما
أن إتقان تدّجين النص الشعري بتلك الفنية
بلغة السرّد أو القص تحتاج إلى مقدرة وفنية
وخبرة في استجرار الفنون كافة لخدمة نصه.
فالشاعر استفاد من فنية السرد القصصي أو
الحكائي وتناميه مما أضفى على شعريته
المعهودة شيئاً من المشهدية الدرامية
بتطورها متكئاً على تتالي الصور كأداة
للوصول بالبناء الشعري إلى ناصيته. الصورة
كأداة لا كهدف وهذا أيضاً أضفى على النصوص
سمات الحيوية الإبداعية تخيلية وبإيحاءات
مدهشة دهشة التنامي الفني لا الدهشة من أجلِ
الدهشة فقط.
1- يا قومُ وإني لا أَكْذِبكُمْ
2- أُصمُتْ
1- إني أشْهَدُ ما تحملُهُ الأيامُ
السوداءْ
2- إخْرسْ
1- ألرائِدُ لا يَخْدَعُ مَنْ أرْسَلَهُ"
2- "هذا رجلٌ أَفْقَدَهُ السُّربُ/
بصيرتَهُ، فَلْيُخْرجْ،
لاَ، فَسَيُقْلقُ أَهْلَ الحيِّ
3- فماذا نَفْعَلُ"؟
2- نادِ اثنينْ".. الخ
ص112
أما
اتكاءات الشاعر وتضميناته شكّلتْ تنوعاً
جديداً وفريداً وجديراً بالوقوف أمامه،
الاتكاء على الموروث بما تعنيه من معنى
وانحيازه إلى الديني منه سواء المحكي أو
المدَّون إضافة إلى اتكاءات موفقة على
الأسطورة مثلاً فلقد صوّرها وأَعاد خَلقها
في نصٍ شعري متألق.
إذاً
عدّة اتكاءات واستخدامات لرموز تاريخية
وتضمينات عديدة جميعها تدّلُ على ذاكَ
الكَمْ المخزوني المعرفي الشعري عند الناعم.
هذه المخزونية التي خَمّرتها التجربة
بإصداراته النوعية تتضح ملياً وجلياً في أدق
التفاصيل في العديد من نصوصه التي تزداد
تطوراً ونمواً فنياً وفكرياً.
-أَهَلْ
"سَبْعَةٌ" مثلما قيلَ عنها عجافٌ
ص98
-فيا
مَنْ قُلْتَ لإبراهيمْ/ صدَّقْتَ الرُّؤْيا/
وفَدَيْنَاه ص207
-لَيْلٌ
في الجُبُّ/ وليُوسُفَ أحزانُ البئرِ
المهجورةِ/
ص95
-يقومُ
الحسينُ إذا نامتِ السّاهراتُ
ص101
إضافة
إلى استحضاره شخصيات وأحداث ورموز تاريخية
"يوسف، الحسين، حمزة عم الرسول (ص) علي
عليه السلام، معاوية، كلب الأحبار.
وكذلك
إيراده بعض الأماكن بمسمياتها مثل "البلعاس،
العاصي، حماة، الميماس، يافا، فاس" وما
ميّز الشاعر في هذه المجموعة وزاده ألقاً
وحضوراً متمايزاً تلك التضمينات الموفقة
جداً كالأمثال والأهازيج والمواويل التي
تَغنّى بها وبعض أبيات الشعر المحفوظ لشعراء
رموز
-والنيّةُ
أَصفى من عَينْ الدّيكِ ص140
-وتمَسكَنَ
كي يتمكَّن ص116
|
مَنِ اللّي جَرَى وجاري |
|
-ابجْي وأهِلّْ
الدّمِعْ |
|
ما يَعْرِفْ بناري ص70 |
|
غِيْر اللّي حَطّْ
الوَجَعْ |
|
أتتَهُ الرّزايا من وجوهِ
الفوائدِ |
|
إذا كانَ غيرُ اللهِ
لِلمرءِ عِدّةً |
وأعود
لأقول أن عمليات التضمين التي تفنن بها
الشاعر مَنَحتْ النَصْ بُعداً جمالياً
مغايراً مما زاده قابلية في التشويق
والمتابعة عند المتلقي.
إن
بين الشاعر ومكانه علاقة حميمية تواصلية
تواشجية، قائمة على الحنين للآخر وفق علاقة
تبادلية جدلية. يُمعن بالجزء المكاني لتشكيل
حوارية روحانية معها وما أن ينتهي من
الجزئية المكانية ليتواصل مع المكان
الكلِّي، المكانْ الذي يضجُّ بشغب الطفولة
واليفاعة.. يتواصل بتوق شديد لإعادة اللعبْ
بدورة الزمن.. الزمن الذي شكَّلَ بذاكرته
محطات وعوالم لا متناهية.. الزمن زمن الفاجعة
بإيحاءاتها وبناها.. زمن الروح وأزمنة أخرى
قد لا تجيء أزمنة ينتظرها شاعرنا بتوق شديد
وهو ممدد أمام بوابات أيامه المقبلة بعد أن
قام على حزنه المستقيم كرمح.. توكأ عمره..
توضأ فيه السنان.. ففار الحنان بكفِّهِ.. هذا
ما وصفه لنا في أول ردهات الذاكرة في زمن لا
معلوم لدينا.. معلوم عند الشاعر فقط.. هذا
الزمن الماتع جداً عندَ الكل زَمنْ الجري
واللعب في البراري زَمنْ الوجوه التي
توجتّنا بفيض الوفاء.. القرى، البذار، الخير.
أقوم عليه، أراجعُ بعضَ دفاترِ
عمري: الذّهابُ إلى أوّلِ الخيلِ
فَجْرَ الصِّدام، /البراري،/ الوجوهُ
الّتي تَوَّجَتْنا بفيضِ الوفاءِ
ورسَّتْ
على ضفّتينا ورُودَ الأماني،…
الخ ص7
تمتاز
قصائد الشاعر بتلك النفحات الصوفية التي
نتلّمسها بين نص وآخر، تلكَ الصوفية الخاصة
جداً صوفية محب ساعٍ للوصول إلى الحبيب
الغيبي المطلق الكوني من خلال حالات تواترية
خاصة تنتاب الشاعر، يسعى لتشكيل علاقة غيبية
مع عَالمْ غيبي لحبيبٍ غيبي أيضاً.
تلك
النفحات التي تذكّرنا بنصوص الحلاّج
والسّهروردي وابن عربي أحياناً. إنه التوق
الشديد إلى الخلاص، الخلاص المطلق السرمدي
لكن الخلاص الذي يسعى إليه ليس فردياً
ذاتياً لا بل خلاص جمعي خلاص الذاكرة
الجمعية أيضاً من التشويه والتشويش مؤكداً
ذلك من خلال صور ذات طابع حسي مجرّد حيناً
ومركبة أحياناً أخرى. صور تضجُ بالمفردات
الفكرية، الفلسفية، الرؤيوية، وهذا ما
يمنحنا حركية نشطة ومدهشة في ذهنية المتلقي،
بعيدة عن المباشرة والبدء بمكاشفة الذات
الأنا مع الذات الكونية العُليا سعياً
للوصول إلى المُطلقْ أو محاكاة المُطلق
الغيبي.
أحياناً يَدنو الغيبُ فيكشِفُ عِبرَ
الحلم نوافذَهُ في هيئةِ رمز،
ولَقَدْ أُقِرئتُ وكانَ الرمز شفيفاً،
أحياناً كانَ المرموزُ الرمز، وإني
أَخْشى،… الخ
ص206
لم
يستطع شاعرنا في مجموعته هذه من التحرر من
الأيديولوجية.. أدلجة النص الشعري كيف وهو
الذي يؤرخ مرحلة تاريخية معلومة عند الجميع
وعند الشاعر. مرحلة محدّدة كان الشاعر معجون
بها، يحياها بتفاصيلها، فاعل فيها، متفاعل،
فحين العبور عبر بوابات الذاكرة في أمداء
الزمن الفاعل والمفعول أصرّ على تفعيل نصّهُ
بها.
-هو
البعثُ يَدْخُلُ دَوْرَةَ هذي البلادِ/ هو
البعثُ تلكَ الورودُ وآجرُّ روحي، ص8
-وزمانَ
الوَحدةِ بين دمشق/ وقاهرة الأجداد ص147
-إنّ
(العصَر) وقد عَبَرتْهُ جحافلُ هذي/ الأمةِ
من طرفين يُعيدُ لأهلِ الأرضِ.. الخ ص 160
إنه
الزحام من الانكسارات والانهيارات التي
مَرّتْ على زمكانية شاعرنا على امتداد رحلته
أو محطاته فكَانَ ينزُّ ألماً وشعراً
وسباباً على واقع هزائمنا المرّ. وكذلك كان
يرقص طويلاً ويَدبُكُ أَمام كلّ البذور التي
تنبت بهدوء وشموخ لتؤول سنابل تسدُّ المكان
بهجة وحنطة وسروراً
بلادٌ تنامُ على ذِلَّةِ الانكسار
وتأبى القنوط
تُلَمْلمُ أبهى الغناء شجيّاً
تُعلّقُ في أعالي النخيل وتَرقُصُ في
الغاشياتِ السّقوطْ ص151
بلاد تقول ما لا يقال…
وإذا داهمتها المخاطر ترنمي كلاماً..
يظلُّ
كلاماً، وتَكْتُبُ غيرَ الذي تَدَّعيهِ
جهاراً على صُفْرةٍ في القُلوبْ.
الخطابية والفتور الشعري.
رغم
الزخم الشعري والوهج الفني في هذه المجموعة
ورغم الاتكاءات والإيحاءات و…
الخ.
مما
ساعد على جعلها بين المجموعات الشعرية
العربية القليلة القابلة للمتابعة الشّيقة
والديمومة من حيث شهيّة القراءة.. رغم ذلك..
فإننا بين قصيدة وأخرى تنتابنا حالات من
القلق والنفور البسيط لتلك النقلات الغير
موفقة.. من المدهش واللا مألوف إلى العادي
جداً عبر مشهدية حكائية ساذجة
و.. فجأةً تراجع الأخ الكبير،
أوقف القتال
فأنَّت المياه في القنال
ودارت الرحى
في جبهة واحدة على الشمال ص162
إن
هذا المقطع فيه من السردية الحكائية ما
يبعده تماماً عن الشعرية لا شكلاً بل
مضموناً، لكن تَلحظُ ذَاك الألق والوهج
الشعري المعهود في المقطع الذي يليه تماماً.
ما للعناقيد جَفّتْ في نضارتها…
الخ
وكذلك
هناك بعض الحوارات التي فيها وما فيها من
الفنية "فنية القص الشعري" زادها ألقاً
إلا أننا أيضاً تلمسنا بعض الفتور والتخلّي
عن الشعرية المتوهجة مستسلماً إلى السرد
حيناً وإلى الأيديولوجية والحدث أحياناً.
-هه.. كُلال/ -ها الأستاذ كيف الحال/ -خبّر/
العمة قروح/ -وضحة؟/
-لم تتزوج/ -عاشقها/ -مات العام الماضي وهو
الآخر لم يتزوج ص 198
صحيح
أن الشاعر في مجموعته هذه أرّخَ محطات
ومراحل تاريخية مَرّ بها ومرّت عليه إلاّ أن
"وبرأيي طبعاً" لم تشفع له تلك الحالات
حالاتْ الخروجْ عن الشعرية الخلاّقة التي
يتمتع بها وخصوصاً في مجموعته من "سكر
الطين" يتَضحُ الألق والوهج الشعري صورةً
وإيقاعاً.
رغم
بعض الحالات النادرة في هذه المجموعة حالات
الانتقال العفوي من لغة الشعر إلى لغة
الخطاب أو السرد الحكائي.. تبقى مجموعة من
ذاكرة النهر للشاعر عبد الكريم الناعم من
المجموعات الشعرية القليلة حقاً والتي
عَجَّتْ بالفنية وبالانزياحات والإيحاءات
الدلالية وآمل أن أكون قد وُفقت في هذه
المقاربة
النقدية وآمل أيضاً من السادة النقّاد
الاختصاصين إيفاء هذه المجموعة حقّها وأن
تلقى وتَحظى بالدراسة، لما فيها من حالات
تجديدية جديدة نحتاجها في عوالمنا الشعرية
العربية الحديثة المعاصرة.