|
||||||
| Updated: Tuesday, September 23, 2003 04:54 AM | ||||||
| فهرس العدد | فهرس الدوريات |
|
جنوب القصَّة السورية "درعا " " عشرون قصة وعشرة قصّاصين" ـــ د.عادل الفريحات إن المجموعة المعنونة بـ "جنوب القصة السورية" هي نشر جماعي لعشرين قصّة كتبها عشرة قصاصين من محافظة درعا. وكان نصيب الواحد منهم في النشر متساوياً، فلكل كاتب قصتان فحسب. وقد نُشِرت هذه المجموعة بدار الأهالي بدمشق في العام 1998. وتطرح هذه المجموعة أسئلة كثيرة، لعلَّ أهمها العنوان المختار، فهل كانت هذه القصص تمثل حقاً الإنتاج القصصي في محافظة درعا كله؟ أم كانت تمثّل بعضه؟ وهل كان عشرة قصاصين من (درعا)، هم كلّ قصاصي هذه المحافظة، أم أن ثمّة آخرين لم ينشروا نتاجهم هنا؟ وفي الإجابة نقول: إن العنوان غير دقيق، وغير شاعري، وغير موفق. وكان بالإمكان اختيار ماهو أفضل منه. ثم إننا لا نشك في أن قصاصين أخر لهم نتاج قصصي لم يُنْشَِرْ هاهنا، وبالتالي فتمثيل الواقع الحقيقي في هذا الباب غير كامل. ومما يلاحظ أن كُتّاب هذه المجموعة قد تركوا أنفسهم غفلاً، لم يعرف أيُّ منهم بنفسه، ولو ببضعة أسطر، على الرغم من نفع هذا التعريف.. الأمر الذي يجعلنا في جهالة من أمر إنتاجه القصصي، وإرثه الإبداعي. ويبدو لي، وأنا على غير يقين، أنّ أغلبهم لم ينشرْ حتى اليوم مجموعة قصصية كاملة بتوقيعه، باستثناء (خلف الزرزور). وهذا ملمح لايعيب أيّ كاتب من كتّاب المجموعة، فالراسخون في هذا الجنس الأدبي كان لهم في البداية قصة أو قصتان، ثم طوّروا أنفسهم، وصاروا أعلاماً. بَيْدَ أن لغة بعض الكتاب هنا لا تنمّ على خبرة وتمرّس كبيرين، فقد شابها شوائب شوّهت جمالها وخففت من ألقها، وهذا ما سنعاينه بعد قليل. وثمّة سؤال ملح آخر يطرح نفسه، هو: هل مثّلت هذه القصص العشرون البيئة المحلية (جنوبي سورية): موضوعات وقيماً وفنّاً؟ أم أنها كانت، مثلها مثل أي قصص أخرى نشرت في قطرنا، بمحافظاته الخمس عشرة، تتناول الشأن الأشمل والهم الأعم في وطننا أولاً، وفي العالم من حولنا ثانياً؟ لقد وجدتُ هذه القصص ضربت في اتجاهات أربعة: المحلية من جهة، والقومية من جهة ثانية، والاجتماعية من جهة ثالثة، والإنسانية من جهة رابعة: فهذه هي الهواجس التي أرقت هؤلاء القصاصين، فكتبوا في آفاقها... ومن القصص ذات النكهة المحلية قصة الكاتب (موسى المسالمة) "كلانا على جانب الطريق". وهي قصة تفوح منها رائحة (درعا) وريفها في الخمسينيات، حيث الكتّاب، والخيزرانة، والبؤس، والتزاحم على بيضة مسلوقة مابين الأخ وأخته.. وحيث الإحساس الأخوي النقي الجميل الذي يفجّره افتراق الأخت المُنافِسة في طفولتها، عن أخيها بالزواج المفاجئ... مما يدل على أن العوز والفقر والحاجة لم يكن لها أن تعبث بمشاعر الأخوة، ومما يشي بعلاقات أسرية قوية العرى لم توهنها الأيام، أو يضعفها التطوّر الزائف. ومنها قصة (حمدي البصيري) "كيف ضاع العمر" التي تحكي أصالة الحب الريفي وصموده أمام إغراءات الغرباء الممثّلين بالخادمة (ناتاشا). فالرجل الخمسيني الذي كان يعمل في (زحلة)، في لبنان لم تفارقه صورة زوجته (فاطمة) في جنوبي سورية، حين دعته (ناتاشا) إلى الخيانة، لذا خارت قواه وعجزت رجولته، لأن صورة (فاطمة) الفلاّحة تلاحقه، وتشوّش ذاكرته، إنّ عطرها مزيج من رائحة الأرض الملقحة تواً بالمطر، والخبز الساخن، والعرق الذي يتلألأ على جبينها كلما خبزت- (ص101). ومنها أيضاً قصة (إبراهيم النجار): "مقتل القمر" التي جاء في مطلعها عبارات مستمدّة من اللهجة الحورانية المعروفة أمثال: "يا أخي طالع شوية وراجع.. بس بدي اكمل اللعبة منشان الله" (ص129). بَيْدَ أنّ الموضوع القومي والاجتماعي لم يغب عن هموم قصاصي درعا العشرة، فقد طرقه (حسين الكراد) في قصته "عجوز القلب" و(عبد الرزاق صبح) في "الزوجة العاشقة" و (إبراهيم النجار) في "العقدة الزرقاء". (فالكراد) يروي قصة الأستاذ (الراضي) الذي ثأر من "عسكر اليهود" بعد أن آذوه وضربوه، رغم وداعته ورقته، مما اضطره إلى أن ينقض على جنودهم، ويمسك بيديه عنق واحدٍ منهم، ويضغط ويضغط حتى الخنق (المجموعة ص60). وكذلك يفعل (صبح) حين يبرز إيثار زوجته لفلسطين عليه وعشقها لها، الذي يفوق أي عشق آخر... وهاهي ذي الزوجة أمام صائغ ذهب تطلب منه أن يصنع لها من الذهب الخالص قطعة أو (خريطة) يحدّها شمالاً الجليل، وجنوباً سيناء، وغرباً البحر الأبيض المتوسط، وشرقاً النهر، إنها (فلسطين) التي صارت معشوقة الرجال والنساء معاً -(المجموعة ص30). أما (إبراهيم النجار) فيتحدث في قصّته "العقدة الزرقاء" عن مجزرة (قانا) التي ارتكبها الصهاينة في جنوبي لبنان في العام 1996. والتي قُتلت فيها الصبية ذات العقدة الزرقاء، وقُتِل معها كثيرون من الشهداء الذين يقول عنهم على لسان أحد الأدباء: "سنراهم يقبلون يحملون رايات النصر، يقبلون عندما تشتد الظلمات وتعظم المصائب" -(المجموعة ص78). وجاء في بعض هذه القصص العشرين احتفاء بالبعد الاجتماعي أيضاً. وكان ممن أولى البعد الاجتماعي عناية خاصة القاص (خلف الزرزور) في قصته "الخيار القاتل"، بعد أن تحدث في قصته "حلم على أنقاض الحذاء" عن أطياف السجن السياسي التي بدت مثل كابوس أبهظ بطل هذه القصّة... أما في "الخيار القاتل" فقد جعل الكاتب بطله اليائس المظلوم (أبو عبد الله) يهجم على الدكتور المستغلّ السافل (عبد السلام)، ويطعنه بمديته مُمزّقاً أوصاله... وقد بسط (الزرزور) لقارئه كل التسويغات والمقدمات اللازمة لتفهُّم هذا العمل الصادر عن (أبو عبد الله)، فقد كان (عبد السلام) يسرق عرقه عنوة، ويجعل القهْر يسربل قلبه، وهو الأب لعشرة أولاد... كما نجح الكاتب في إحداث مشهدية مسرحية موفّقة لأحداث قصته وحواراتها. وقد استقر في نقد القصّة القصيرة أن تنمية الأحداث وإقامة المشهدية المسرحية عنصران هامان من عناصر القصة الناجحة على ألاّ يُداخِل ذلك تعسّف أو افتعال أو تصنّع، أو خلخلة... وكذلك فعلت (سعاد القادري) في قصتها "مدرّس الموسيقى". ففي هذه القصّة يقوم هذا المدرّس الحيي الخجول بضرْب طالبةٍ مِغناج تأخّرت عن درْسه عشرين دقيقة..! فيُفاجِئ ذلك الطلبة والطالبات! وقد أرادت الكاتبة من وراء هذه القصة أن تستنكر فظاظة الرجل، وأن تسخر من بدائيته التي قد يظن بعض الناس أنّه تخلّص منها..! وفي هذا الملمح غَمْزٌ رقيق من مفهوم الرجولة العنيفة التي تلجأ لاستخدام اليد بدلاً من اللسان... وتلجأ إلى العنف، رغم وجود مندوحة لها عنه. ولن نعدم في هذه المجموعة قصصاً تتحدث عن قيم أخرى إنسانية تتصل بالأصالة أو بمفهوم "القطري" و"الصنعي". وهذا ماعوَّل عليه القاص (ميلاد قندلفت) في قصته "الكلب الأدرد". فقد رُكّبتْ لهذا الكلب (بدلة أسنان صنعية) فأخفق، بسببها، في عضّ الذئاب التي هاجمت منزل صاحبه... وعندما راح صاحب المنزل يخاطب كلبه هذا قائلاً: اهجمْ يا (ريكس)، عضّهم، أجابه (ريكس) وقد أخرج أسنانه الصناعية من فمه، ورمى بها نحوه: خُذْ سلاحك الذي أعطيتني إياه، وعضّهم أنت -(المجموعة ص86). وفي العبارة الأخيرة سخرية مرة مما هو غير طبيعي وغير أصيل، ومما يناقض حقيقة الأشياء وفطرتها. وإذا وسَّعنا تحليلنا قلنا: لعل في الأمر سخرية من سلاح يُجْلَب جَلْباً، ويوضع في فم المرء، في الوقت الذي يُتَوخّى منه أن يملك سلاحه بذاته، وأن تكون قوته من نسيج جسده، تنمو وتتطوّر دون عون خارجي قد يكون مآله الضعف لا القوة، والعجز لا الإنجاز، وخاصة حين تهجم الذئاب على المنازل والديار. وواضح هنا أن الرمز جاء رمزاً شفيفاً لا كثيفاً، وهو شأن يختلف عن كثافة الرمز عند الكاتب (جهاد الخطيب) في قصّته "مدينة الشياطين" أو عند الكاتب (زرياف المقداد) في "الكل يحترق". ففي "مدينة الشياطين" ينشئ (الخطيب) قصّة رمزية فيها تنبت ذيول لأهل مدينةٍ لا تعرف اسمها ولا شيئاً عن سماتها، إمعاناً في توسيع دلالاتها، ولكن واحداً من رجالها لم ينبت له ذيل هو (شِقي أفندي). وعندما تُسْتشار العرّافة في هذه الحالة: تقول لشقي أفندي: إن سرّ لعنتك كامن في صندوق كتبك، وتقترح حرقه! ولكن هذا الحرق لايفيد، ولا يُنْبِت ذيلاً لذلك (الشقي) الذي استشرت فيه لعنة الكتب... إنَّ الكاتب يعبّر بهذه الأقصوصة التي لم تتجاوز صفحتين صغيرتين عن مناعة المثقّف ضد الجنون، على الرغم من أنّ شقياً بدا مجنوناً وشاذاً في نظر أهل مدينته المجنونة حقاً..! و(الخطيب) -كما لاحظت في قصته الثانية- وعنوانها "مجنون يتحدث عن نفسه"- يستغل "الجنون"، وصلته بالأدب قويَّة جداً، ليقول أشياء لايقولها العقلاء، فمتى كانت الكتب "لعنة"؟؟ إنها سرّ التعقل والتطوّر والتحضّر. ولكن حين يجنّ الناس حقاً تنقلب الأمور رأساً على عقب فيظنون العالِم مجنوناً والعاقل مخبولاً... فيا لها من مأساة حقيقية فعلاً.. أما (زرياف المقداد) فقد بدا في قصته (الكل يحترق) قاصاً محترفاً يُراعي تناظر العلاقات الداخلية في قصته، ويمزج الواقع بالأسطورة، ويربط مابين الفردي والجمعي، ويماهي مابين الهمّ الشخصي والهم الوطني، ويصطنع علاقة من نوع ما بين المرأة (أم محمود) التي سُجِن ولدها والأرض العطشى للخصب والنماء... ولقد بدا (المقداد) هنا مشغوفاً بالمطر والشمس والتراب. وهي ثلاثة عناصر من عناصر الكون الأربعة وفقاً للفكر الإغريقي القديم. ولكنه لم ينسَ العنصر الرابع فيها وهو "النار"، فقد ألقى بطل قصته تلك برسوم تلامذته في المدفأة، ولكنها لم تحترق، بل تحوَّلت إلى فراش ملوَّن لا يخاف اللهب... وإذا ساغ لنا أن نرى في رسوم التلامذة تمثيلاً لأحلامهم أولاً، ولأحلام الناس ثانياً، في الريّ والشبع والدفء والخصْب، ساغ لنا القول: إن أحلام الناس لا تحترق، ولا يجوز لها أن تنطفئ... وهذا تفسير يدعمه قول المعلّم لتلامذته: "أنا الأخضر في النار" بمعنى أنا الذي لا يحترق. وعلى الرغم من أنه رسم لطلابه من قبلْ مدفأة رؤوس لهبها كرؤوس أناس تحترق، فإنه لم يتبيّن معنى الاحتراق، ولم يكن يرسم سوى مايستنكره فعلاً، إنه يمزج هاهنا مابين الواقع والرؤية، فالواقع يحرق الأشياء والأفكار والقيم، ولكن الكاتب لا يحترق، ولا تحترق أشياؤه ولا أفكاره ولا قيمه. وعليه فرسْمُ المدفأة هو رسم للخارج وعدم رسم له في الوقت ذاته... وها هو ذا بطل القصة يقول في عبارة كاشفة: "أصبح الآن خارج خارطة جسده وداخله واحد... لا فَرْقَ بينهما... تماماً كداخل الغرفة وخارجها، أو كداخل المدفأة وخارجها... أحسّ أنه يحترق ولا نار ولا دخان، بل إن الكل يحترق ولا نار ولا دخان" -(المجموعة ص93)- وتحضر في القصة صورة (أم محمود) التي تكاد "تحترق" شوقاً لرؤية ابنها القابع في المعتقل حيث "يمسحون هناك ذاكرة الإنسان" -(ص94). لتتناغم مع خطاب الحريق في القصّة. وفي الوقت الذي نرى معلم الرسم يروم أن يشرح لطلابه فكرة مزج الألوان، نرى الكاتب يمزج الألوان في كتابته، فتختلط عنده صورة المدفأة، بصورة السجن، وصورة ابن أم محمود الغائب بصورة صديقه راوي القصة الحاضر، كما تتماهى صورة النافذة مع صورة الحرية، وصورة اللهب مع صورة النور، وصورة الخائف من النار، مع صورة عاشق النار. وقد مثّل الطرف الأول في المعادلة الأخيرة (أم محمود) ومثل الطرف الثاني (الفراش الملون) الذي لايخاف اللهب... إن قصة "الكل يحترق" قصة معجونة عجناً تفاعل فيها الداخل مع الخارج، والذاتي مع الموضوعي، من خلال نقلات مابين الخيال والواقع، فجاءت أثراً ثرياً وكثيفاً... وإذا تأملنا من جديد في عنوانها "الكل يحترق" فلعلنا نفهم من كلمة "الكل" الناس والأشياء والأفكار والقيم، ولعلنا نعي أن ناقوس خطر يدق فلنحذرْ ولننتبهْ.. ومن مزايا بنية هذه القصة أنها بنية مفتوحة تتيح للمتلقي أن يشارك في إكمالها وإعادة إنتاجها من جديد. وإذا كانت قصة (المقداد) السابقة عُنيت بشخصيتين اثنتين رئيسيتين هما (المعلم) و(أم محمود) فإنّ قصصاً أخرى في المجموعة قد حملت أحداثها ونهضت بها شخصيات أخرى تراوحت مابين عامل مغبون، ومثقف بائس، وفتاة، وجدة، وأب، وجنود وشهداء... إضافة إلى شخصيات من عالم الحيوان كما في قصص (ميلاد قندلفت). وقلّما استنطق كتاب هذه القصص أشياء جامدة كالرصيف أو الطريق أو المقهى أو البحر أو النهر... الخ. وقد بدا بعض الأبطال والشخصيات أناساً إيجابيين ثائرين منتفضين، كما في قصّة (خلف الزرزور) "الخيار القاتل" وبدا بعضهم أناساً ضعافاً مُسْتَلبين، كما في قصة (الخطيب) "مجنون يتحدث عن نفسه" وقصة (إبراهيم النجار) "شواء على نار نزقة" وقصّة (حسين الكراد): "قردة الأحلام". وبدت لي بعض هذه القصص وقد أثقلت بتفاصيل أبهظت كاهلها، وماكان يضيرها حذفها، كما هي الحال في قصّة "مقتل القمر" والتي أرى أنه يمكن أن تكتب بأسطر أقل، فتكون أكثر كثافة، وأقوى تأثيراً، فعلى الرغم من أن الكاتب وشّى مطلعها بعبارات عامية محلية أضفت عليها شيئاً من الحميمية، فإنّ هذا لم يشفع لما اعترى بنيتها من خلخلة ومجانية ، إنْ لم نجد أي تسْويغ لقتْل القمر الذي مثّله الشاب (علي) الذي أحب (نجمة)، فهل يكون ثمن الحب البريء قَتْلاً يقترفه صبية ثلاثة يتآمرون على موتٍ لا معنى له ولا غاية، وبعيد عن أيّ قيمة نبيلة، أو أيّ موقف شريف؟ نعم تمكّن (فيصل) من كشف الجريمة، ولكن هذا الكشف لم يهب القصَّة معنى كبيراً، أو مغزىً حقيقياً، فهو ابن الصدفة. وإذا كان هؤلاء القتلة الثلاثة أبناء (فلان) الزعيم، قد أُلْقِي القَبْضُ عليهم وسُجنوا بسبب جريمتهم كما في القصة فإن الكاتب لم يقدّم لاستنكار فعلتهم هذا، من الأحداث والأقوال مايكفي، ولم يُدِرْ حواراً بينهم يظهر سبباً مقنعاً من زاويتهم، وغير مقنع من زاويتنا لهذا القتْل المجاني، فارتطمت القصة بالمجانية وارتضت أن تقْصر متعتها على كشفٍ للجريمة جَلَبتهُ الصُدفة، ولم تدخل القبَّة التي تجمع الأدب والقيم الكبرى في صعيدٍ واحد... بقي لي، قبل أن أترك القلم، أن أشير إلى لغة هذه القصص، فقد لاحظتُ أن بعضها قد صِيَغ بيدٍ صناع ملكت ناصية اللغة، وصرّفتها في أنحائها الصحيحة، تراكيبَ ومفرداتٍ، ولاحظتُ أن بعضها دلَّ على أن كتّابها ضحَّوا بسلامة اللغة ونَحْوها. ومن أمثلة هذا الملمح الأخير أخطاء وردت في الصفحات التالية: (8، 10، 11، 17، 18، 19، 41، 48، 66، 74، 75، 94، 133) ومن شواهدها: قول أحدهم: "وحده اليمني عمر بن كرب الزبيدي" والصواب: "عمرو بن معد يكرب الزبيدي)! وقولـه: "كنا كذبة متملقون" والصواب: "متملقين"! وكذلك ردت في (ص17) عبارة قاصرة غير مكتملة. وذلك في السطور الثلاثة الأولى من القصة! وفي (ص41) قال الكاتب: "مازال شعره أشقراً"، والصواب: "أشقر"! وتكرّر تنوين اسم التفعيل هذا في (ص48) و(ص66)! وجاء في (ص74) قول الكاتب "يتحدث بعضهم إلى البعضٍ) والصواب "بعضهم إلى بعضٍ"!! وفي (ص75) ورد قوله: "تمركز سائقوا السيارات" والألف بعد الواو في (سائقو) غير صحيحة. فهذه الواو علامة الجمع، وهي تختلف عن واو الجماعة المتصلة بالأفعال! وجاء في (ص94) قول الكاتب: "وتذكر إحدى رسوم الأولاد...) والصواب: "أحد رسوم" لأن مفرد (رسوم) مذكر، وليس مؤنثاً! وورد في (ص133) قول الكاتب "هم قالوا لبعضهم"!! وهذا تعبير مغلوط وصوابه: "كان واحدهم يقول للآخر". وثمة هنات لغوية أخرى نعزف عن الوقوف عندها... ورغم ماسبق فإن بعض قصص (جنوبي سورية) قد أصاب حظاً من النجاح كبيراً وبعضها لم يصب هذا الحظ، وقد بدا على قسمٍ منها ملامح خبرة وتمرّس توحي بأن بعض الكتّاب أنشؤوا قصصاً أخرى غير المنشورة هاهنا، ولم يخرجوها للناس، أو أنهم أخرجوها، ولم نقفْ عليها كلها... ولكن قسْماً آخر أوحى بأنه ربما كان يُكْتَب للمرة الأولى أو الثانية، وأن كتّابه مازالوا في خطواتهم الأولى في هذا الجنس الأدبي، لم يتصلّب عودهم، ولم ترسخ أقدامهم بعد، لذا شاب نتاجهم صدوع فنية كثيرة، كالوصف النافل الذي يُخلّ بمبدأ التكثيف، والحوار الممطوط الزائد عن حدّه، وعدم استغلال النهايات استغلالاً حسناً، لتكون لحظة تنوير وكشف، كما هي الحال في قصص الكاتب (زكريا تامر)، وغيره من القصاصين. والإسراف في وضع عنوانات داخل القصة لا تخدم حبكتها، أو تواليها السردي، فبدت نوافل يمكن الاستغناء عنها بسهولة دون ضير... بَيْدَ أن مايستحق التحية والإكبار، هو الروح الجماعية الطيّبة التي كانت وراء نشر هذه المجموعة، والتي أرست قاعدة للتعاون والتفاهم بين أدباء طالعين، في الوقت الذي بذرت بذرة أولى يعتمد عليها النقاد، فيما بعد، حين يأتون ليؤرخوا كتابة القصة القصيرة في محافظة درعا، في قابل الأيام، أو ليؤرخوا للحركة الأدبية عامة في جنوبي سورية التي لايمكن النظر إليها، لغير غرض الدراسة، على أنها في معزل عن حركة التأثر والتأثير في مجمل إنتاج القطر في مجال القصة القصيرة. |
|
| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |