مجلة الموقف الأدبي - مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - العدد 352
Updated: Tuesday, September 23, 2003 04:21 AM
فهرس العدد فهرس الدوريات
 

قصص " العدد الماضي " ـــ محمد قرانيا

ضمّ العدد /351/ من مجلة الموقف الأدبي تموز عام 2000 ثماني قصص قصيرة لكتّابٍ من ثلاثة أقطار عربية، والشيء الطريف أنها تتلاقى في الهمّ الاجتماعي، وكأن معظم هؤلاء الكتّاب على موعد مع بعضهم، واتفاقٍ على موضوعٍ متقاربٍ يأتي على جانبٍ من الحياة اليومية العربية، المحمّلة بعذابات الفكر والنفس، ولها تقريباً الرؤى والتطلعات نفسها.‏

إن هذا الالتقاء الذي فرضته المعاناة الحادّة التي يمرّ بها المجتمع العربي، تذكّر القارئ ببدايات النهضة القصصية في سورية بصورةٍ خاصة، وتعيد إلى الأذهان تداعي الكتّاب والأدباء في الخمسينيات من القرن الذي ودّعناه إلى تشكيل رابطة الكتّاب التي أصدرت كتابها الأول "درب إلى القمة" وقد صاغت هذه الرابطة أهدافها بما يشبه أهداف قصصنا هذه الأيام التي لم تبتعد قيد شعرة عما جاء في البيان.‏

"نحن كتّابٌ تقدّميون بكل ما في هذه الكلمة من خصبٍ، تقدّميون لأننا نستهدف أبداً أن نمشي إلى أمام حيث يتلامح هدفنا. إننا نؤمن بأمتنا، ونؤمن بأننا نستطيع خدمتها، وأننا لن نكون كتّاباً إذا لم نعش حياة أمتنا.‏

إن هدفنا أن نعمل للشعب، لأننا منه. ولأن الفن الصحيح هو الفن الذي ينبع من حياة المجموعة، إن الآثار العظيمة الباقية هي الآثار التي غيّرت وجه الحياة فأغنتها، وأكسبتها أشياء صالحةً جديدة. لم يعد هناك كما يقول بعضهم من فنٍ للفن. إن الفن -هو- للناس..‏

نحن تقدّميون قبل أن نتصافح ونتحد، ولكنا الآن أكثر اتصالاً بالفكرة، لأن الرفقة تشجّع وتنير، ولقد أردنا أن نرسم هدفاً نسعى إليه أبداً، فما وجدنا أنبل، ولا أغنى من هاتين الكلمتين: الحرية والسلام: إذ تلخصان قصة الإنسانية المجهدة التي تعمل لعالمٍ أفضل...".‏

وفي قصص العدد ما يعزف على نفس الأوتار التي عزف عليها كتاب الرابطة منذ نصف قرن،‏

فهناك قصة عن الحرية لزياد علي، وهناك البقية التي تبحث عن قيمةٍ لهذه الحرية في مجتمعٍ يعاني أفراده من أزماتٍ متلاحقةٍ. كما يتبين لنا خلال العرض الآتي:‏

أولاً: من حكايات الوالد. قصة. د. زياد علي:‏

تخالف هذه القصة قليلاً- في أسلوبها- القصص السابقة التي قرأتها لهذا الكاتب الليبي المبدع، على الرغم من التفاته إلى التاريخ القريب، على غرار قصص الكفاح الوطني العربية، وهذا الخلاف يعود إلى الأسلوب البسيط الذي ابتعد فيه عن الشاعرية ولغة الحلم، واعتمد على واقعيةٍ عادية تقترب من فن (الحكي) اليومي، وتستلهم من التاريخ المعاصر (لقطةً) أو (حكايةً) جسّدها السرد الوصفي الذي دخل عبره إلى العالم النفسي لإحدى شخصيات القصة الهامة (شخصية الطفل الصغير "علي") بأسلوب سلس جذاب، استطاع أن يضئ جوانب الأزمة التي بُنيتْ عليها القصة.‏

إن هذه القصة (من حكايات الوالد) تعود إلى التاريخ الوطني القريب، وتقف عند حادثة طريفةٍ، تؤكّد أن جميع أبناء الوطن (الليبي)- شأنُهم في ذلك شأنُ بقية العرب في الأقطار الشقيقة التي كانت تعاني من الاستعمار- يشاركون في النضال الوطني، ويجاهدون ضد المستعمر الإيطالي. نضالاً- كما يتضح من القصة- يقوم على الاستعداد للكفاح منذ نعومة أظفار الإنسان، والتعبئة النفسية، في مرحلةٍ حرجةٍ من مراحل قتال الأجنبي، فيسعى جاهداً للمساهمة بما يخدم الثورة، ويضحّي من أجلها بالغالي والنفيس، ويلعب الشعور الديني دوراً إيجابياً هاماً في هذه التعبئة النفسية، والإعداد الوطني، ويدفع بصاحبه إلى التفاني في قتال الأعداء، ويجود حتى بالولد والمال.‏

يتّضح هذا الشعور الديني في القصة حينما يمدّ الصبي يده إلى زيتون الشيخ (سيدي عبد السلام الأسمر) ليقطع غصناً يصنع منه سوطاً في فترة استراحةِ قافلةِ الجمالِ الذاهبةِ لنقل التمرِ للمقاتلين.‏

"تستور يا سيدي عبد السلام الأسمر" وواضحٌ ما في هذه العبارة من قيمٍ دينية كانت تعمر نفوس المجاهدين، فالزيتون وقفٌ للشيخ، والوقف له في النفوس مكانة التقديس.‏

تحاول القصة في التفاتتها التاريخية النضالية أن ترصد حركة التعبئة العامة والمشاركة الجماعية التي يشارك فيها الكبارُ والصغار من أجل دفع الثورة إلى الأمام، ويسير الطفل (عليّ) بجملة مع القافلة، بإيعازٍ من أبيه الغائب مع المجاهدين، وفي فترة الاستراحة يشرد جملة على الرغم من تقييده، وفي ذلك إشارة إلى الحديث الشريف "إعقلها وتوكّل".‏

"وكان حرص الطفل يدفعه إلى تقييد رجليه الأماميتين، ولا يكتفي بتقييد واحدة، كما يفعل غيره".‏

وحين يقتفي القوم الأثر، يصلون إلى مزرعةٍ كان الجملُ قد صعد ساترها الترابي واخترق سور التين الشوكي حولها. يمتنع الحارس عن ردّ الجمل لأنه أكل بعض المزروعات.‏

ويخرج صاحب المزرعة مع عددٍ من الخدم المستعدّين للضرب فلم يأخذوا منه حقاً ولا باطلاً، مما جعلهم ينصرفون عنه، وذهب قائد القافلة إلى زعيم في المدنية شكا إليها صاحب المزرعة، فانزعج الزعيم، واستدعى صاحب المزرعة ووبخه.‏

"اسكتْ يا كلب! مجاهدين يعلم الله بحالهم، بدل ما تساعدهم تسرق جملهم. كانت عيناه تقدحان‏

الشرر.. وكان الرجل يرتعش لم ينطق بأكثر من‏

- حاضر سيدي‏

- حاضر يا بي اللي تؤمرْ بي‏

وأمر الشيخ الزعيمَ بإعادة الجمل إلى صاحبه وبجملٍ آخر يذبح للإطعام رجال القافلة.‏

كان الفرح يغمر الجميع لأن القافلة أدّت مهمتها وعادت بالتمر، وكان الطفل أكثر الجميع فرحاً لذلك راح يردّد شيئاً من شعر والده المجاهد، وفي نفسه تعتمل بذور الثورة والشجاعة وحب المغامرة، لينهي القصة بقوله: "اللي يخاف مش راجل".‏

ولعل القارئ العربي، لهذه القصة البسيطة والجميلة، لا بدّ أن يقف قليلاً عند الحوار الذي جاء بعضه عامياً، أو عامياً مُفصحاً، وربما يتساءل السؤال القديم عن ضرورة (عامية) الحوار لمشاكلة الواقع.. وهذا السؤال على الرغم من وجاهته، ومما قيل في الردّ عليه، فإنني شخصياً لم أستطع فهم كلمة "السانية" لو لم تفسّر بصورة غير مباشرة - في النصّ- بالمزرعة، أو ما يشبه ذلك. وكذلك الأمر بالنسبة لكلمة "تستور" التي يفهم منها بأنها تعني (السماح) وهذه الكلمات وسواها لا تغير القصة في شيء إذا هي وردت فصيحةً، بل ربما أدخلت الراحة أكثر إلى نفس القارئ العربي، الذي لا يهمّه في عصر السرعة أن يتوقف عن القراءة ليتساءل عن معنى الكلمة العارض، لأن الوقفة تقطع تسلسل الجذب والتشويق الفني في القصة الجميلة.‏

ثانياً: سينو قاضياً قصة أحمد سويدان:‏

تروي القصة حادثة، أو مجموعة أحداثٍ صغيرةٍ ترتبط بشخصيةٍ فريدة هي شخصية (سينو) (الحميماتي) الذي يقع منظره في النفس بين الأبله والعاقل. الأمر الذي يثير اهتمام الآخرين به، الكبار والصغار.‏

إن القصة تأخذ بتلابيب القارئ، ليتلذّذ باللوحة الشعبية العفوية التي تصور عالم (الحميماتية) بكل أبعاده الغثة والسمينة، حين يشارك في إدراك البعد النفسي، والعقلي الذي أراده الكاتب والذي تحقّق عبر تلك الصيغة والصلة النفسية المؤثرة التي تمسّ المشاعر والأحاسيس، وتنمّ عن تمكّن الكاتب من فنه أولاً، ومن الموضوع الذي سلّط عليه الضوء، ليخرجه في لوحةٍ بالغة الرهافة. ترسم ملامح شخصية (عاشق الحمام) المتطوّرة غير النمطية المعهودة في الذاكرة الشعبية، مما يدفعنا إلى القول: إن هذه اللوحة القصصية تظهر قدرة الكاتب الفنية، وتدلّل على مكتسباته الثقافية التي وعت الحالة الكلية لأبناء هذه الحرفة أو الهواية، التي تميّز عشاقها بخصوصيةٍ نادرةٍ في عالمهم الفريد.‏

إن موضوع القصة عاديٌّ جداً، لكنّ الجميلَ في هذا العادي استطاعةُ القاص استغلاله وتوظيفه، ليكون متألقاً، وأكثر من عاديّ يوميّ مستهلك.‏

إننا في كل مدينةٍ وقريةٍ نشاهد كل يومٍ رفوف الحمام، ونسمع صفير (كشاشي الحمام) ولكننا لم ندرك ما أدركه الكاتب حين توقف ملياً أمام هذه الشريحة التي لا توليها الفئات الاجتماعية كبير أهميةٍ، وتبعاً لذلك فإن المصادر الذاتية للقصة أهمّ بكثيرٍ لدى كتّابها من المصادر الخارجية، ومن هنا كانت القصة بغنى‏

موضوعها الإنساني، وأسلوبها الرشيق، وتحليلاتها الذكية، النفسية للشخصية الرئيسية، ذات قيمة فنية عالية، وقد ازدادت غنى عندما تغلغلت بعد ذلك إلى أعماق الشخصية، ووقفت على جوانبها الداخلية من عالمها النفسي، وعقليتها الفريدة، والشديدة الخصوصية. وقد نجح الكاتب في جعل الشخصيات الثانوية تعمل في إغناء هذه الشخصية بحديثها عنها وملاحقة أخبارها وتصرفاتها ونمط حياتها.‏

"نادراً - نحن الأطفال- رأينا سينو يرتدي حذاءً مقبولاً، أو لباساً نظيفاً. كان طويلاً. وكان يبدو من خلال طوله مترنحاً دوماً، ويمشي جارّاً رجليه.. رخو الكلام، ولأقلّ منظرٍ، أو إثارةٍ، يضرب كفّاً بكفّ، ويضحك ويميل وربما تقع على الأرض، وينهض، وهو مستمر في الضحك، وعدم التماسك، هذا في حالة الانشراح والضحك، أما في حالة الغضب، فإن الزبد يؤطر فمه، ويصل إلى ذقنه.. هو دوماً أشعث الشعر. طويل اللحية، أما ثيابه، فممزقةٌ دوماً، ومدلاّة ومهلهلة.. فإذا نظرت إلى قدميه كأنك تنظر إلى خفّ جملٍ، باطنهما قاسٍ ومشقّق..".‏

وفضلاً عن رسم أبعاد الشخصيات الطريفة بصورة غير مباشرة، فإن القصة تعمد إلى إقناعنا بأن الإنسان - أيّ إنسان- مهما كان تحصيله العلمي والتربوي، ومهما كان وضعه الاجتماعي، يمكن أن يصل إلى المرتبة التي يتسم فيها مكانته اللائقة إذا أخلص لها.‏

لقد حذق سينو أصول مهنته، واجتهد في كل ما من شأنه أن يخدم هذه المهنة والمشتغلين بها، فعرف أنواع الحمام، الأبلق، والبربريس، والدلم، والقرباطي.. كما وقف على أسرار المهنة، والعلاقات العامة التي تحكمها، فسرقةُ الحمام من مكان المبيت ممنوعٌ، يعاقب عليه الفاعل، أما جذبها من الجوّ، وهي تحلّق مع الحمام، فأمرٌ مباحٌ لا غبار عليه.‏

وقد كانت شخصية سينو بولهها بالمنهة، واهتمامها الكبير بالحمام، مثار إعجاب الجميع، من أبناء المهنة ومن غيرهم. مما دفع بـ (الحميماتية) لاختباره نقيباً لمهنتهم، وقاضياً يقضي في الخلافات التي تنشأ بينهم، ويحلّ مشكلانهم بروح تنمّ عن المقدرة واليقين، وقد فعل ذلك، في مخاصمةٍ فاستحوذ على رضا الجميع.‏

ولقد وُفّقَ الكاتب إذْ جعل هذه الشخصية بمثابة اللازمة، يعود إليها في مقاطع القصة الأربعة عن كل بدايةٍ جديدة، ليؤكد على تعميق صورة هذه الشخصية ويدلّل على أهميتها في وسطها الاجتماعي المهني فالسارد ما يفتأ يردّد كل مرة:‏

"نلاحق سينو - نحن الصغار- كما نلاحق بائع الحلوى، وهذا السينو لم يكن مجنوناً على الإطلاق، بل كان مولّعاً بتربية الحمام...".‏

ثمة أكثر من تساؤل يبرز بعد قراءتنا القصة. كأن نعيد استفسارنا القديم:‏

- هل القصة، تكتب للمتعة؟‏

- وما القضية الكبرى التي يطالعها القارئ في قصة (الحميماتية)؟‏

إن القصة على الرغم من متعتها، وتسليطها الضوء على هذه الشريحة الاجتماعية التي كتب عنها حسيب كيالي قبل أكثر من أربعين عاماً في مدينة إدلب وقراها، واستغلها الأديب عبد الفتاح قلعجي وسواه في أكثر من مسلسلٍ تلفزيوني في مدينة حلب وريفها.‏

هذه القصة أو هذا الموضوع الذي تعالجه، على الرغم من أنه موضوع عاديّ لكنه صيغ بأسلوب جميل، ومعالجةٍ واعية، يبدو لنا إذا ما أسقطنا عليه بعض قضايانا المعاصرة، وجدناه يحمل العديد من الرموز، والدلالات التي تجعل من نقابة أصحاب الحمام دولةً عصريةً يحكمها نظام خاصّ وتسودها تشريعات تنظّم أمور أفرادها وتحدّد علاقاتهم، ولكننا نمضي إلى أبعد من ذلك، فالحمام في التراث العربي، كان وما يزال رمزاً للحب، وعلامةً للسلام، وناقلاً للرسائل بين الأحبّة والملوك، ومفرّغاً لهموم الشعراء، ورمزاً للحرية، كما في قصيدة أبي فراس الحمداني التي خاطب بها حمامةً سمعها تهدل على شجرةٍ، أمام نافذةٍ زنزانته في حصن خرشنة ببلاد الروم:‏

أيا جارتا لو تشعرين بحالي‏

أقول وقد ناحت بقربي حمامةٌ‏

وقد استغلها الشعراء الفلسطينيون المشردون، فحمّلوها الأشواق، ورسموا لها وحولها الأحلام، ولكنها في القصة كانت مغايرةً للموروث العربي، وقد انتقل بها الكاتب إلى عالمٍ واقعي معاصرٍ، تدور حوله أحداثٌ وأشجان، وتتعلّق به شريحةٌ اجتماعية، لم تعد قاصرة على الطبقات الفقيرة، لها رؤاها وعلاقاتها التي تراها مسوّغة مرغوبةً، في حين يراها الآخرون، هوايةً لا طائل من التعلّق بها.‏

ثالثاً: أيها الشرقي التعس: قصة: د. أحمد نزار صالح.‏

يتساءل القارئ بعد مطالعة هذه القصة عن الهوية العربية للشاب الذي يعمل في الغرب، لأن هوية أشخاص القصة، وجغرافيتها، إذا كانتا عربيتين فإنهما لا تكفيان لإعطاء القصة الصفة العربية، التي تتصرّف بها الشخصيات القصصية تلقاء الحوادث والأفكار التي تعمر رؤوسهم، والمشاعر التي تجيش بها نفوسهم، لأنها (يجب) أن تكون منبعثةً من صميم الطبيعة العربية الخالصة، والتي لا تتجلّى في هويات الأشخاص، أو جغرافية الأمكنة، بل في سلوك شخصيات القصة، وطريقة معالجتهم للأمور فيها، بالتأثير الذي يفرضه الكاتب بأسلوبه وطريقة تناوله للحدث، مع الصدق، والإخلاص في التعبير، بعيداً عن كل افتعالٍ، وتصنّع، يحول بينه وبين حسن التأثير في القارئ، فإذا صدر الكاتب مخلصاً عن سجيته، فإنه سيجد أن شرطي الهوية، والمكان العربيين، الذين كان يظنهما، ضروريان للقصّ، قد غدوا ثانويين، وفي ذلك يقول الدكتور عبد السلام العجيلي، وقد التقى مع (جوّ) هذه القصة في كثيرٍ من أدبه، إن القاص "العربي يكتب قصة تجري حادثتها في فنلندا لا يمكن إلاّ أن يكتب قصةً عربيةً، إذ كان مخلصاً في نفسه ولأدبه، ولو كانت أرض الحادثة فيها مكسوّة بالثلوج في أغلب أيام السنة، وكان أسماء أبطالها (يان، وبيركو، وفيرنا) وإذا جاز لي أن أستشهد بما كتبتته أنا كقاصّ، فإني أذكر رأي مارون عبود في بعض قصص (قناديل إشبيلية) إذّ كتب في نقده لها "لا تغرك قيافة الدكتور العجيلي الفرنجية (قناديل إشبيلية) فهو يخفي تحتها بداوةً، قلما تجد لها نظيراً في الصحارى، وكما لم تختفِ بداوة المتنبي في شعره، بعدما عاش في القصور، كذلك لا تختفي بداوة العجيلي حتى في أشهر العواصم الأوربية التي عاش فيها".‏

هذه المقولة تكاد تنطبق على قصة (أيها الشرقي التعس) للدكتور أحمد نزار صالح، فقد حافظ فيها بطل قصته على شرقيته وعروبته، وإن كانت هذه الشرقية، والعروبة على مقاس الشخصية - غير المستقرة- التي جعلت هاجسها (المرأة، والجنس، والمال) كمعظم الشخصيات القصصية العربية المهاجرة، التي جسّدتها القصة العربية والرواية، حيث جعلت من الغرب الأوربي ميادين تجري فوقها الحوادث،‏

وتتحرّك في مرابعها ومنتجعاتها الشخصيات، نجد ذلك جلياً - منذ البدايات الروائية والقصصية- لدى شكيب الجابري، (قدرٌ يلهو) و(نهم) والطيّب صالح (موسم الهجرة إلى الشمال) وتوفيق الحكيم (عصفور من الشرق) والدكتور سهيل إدريس (أصابعنا التي تحترق) وفاضل السباعي (ضيفٌ من الشرق) وسواها كثير.‏

إن بطل القصة الذي هرب من بلده في الشرق، ليتخلص من الفتيات الثلاث اللواتي كانت له معهن علاقات عاطفية، (وقد أكلن وقته، وقتلن قلبه) ثم ابنة خالته الثرية المتعلمة التي يهرب منها، قد اصطدم في الغرب بهذه الفوضى الجنسية التي تلاحقه، في كل مكان. الطبيبة المقيمة معه في المستشفى، والإسبانية (جانيت) الأرملة أو المطلّقة التي رغبت أن تقيم معه في السكن مع ابنتها الصغيرة، لقاء (عشق دائم) ثم هناك عاهرات شارع البيكاديلي، وقد افتنع عنهن جميعاً، لا لتعفّفٍ، ولكن لحسابات كثيرة، وليقع بين براثن الفتاة التي قدمت إلى المستشفى مريضةً، للتشخيص والعلاج فإذا به في أثناء المعاينة يقع في حبائل جسدها، ويضغط على ثدييها. يطيل الضغط، لينصرف عن التشخيص، ويدخل عالم المتعة متناسياً قسم أبقراط لأن لمساته "لم تكن طبيةً، بل شيطانية، وحيوانية، أراد بها إثارة طفلة بريئةٍ، فتاةٍ في التاسعة عشرة من عمرها.. انتهى الأمر، لا، لم ينته، ستقرّر المحكمة..‏

- أنت الآن في المصيدة، كأيّ فأر جبان!‏

- أيها الشرقي التعس..‏

لقد تميّزت القصة بقدرةٍ فائقةٍ على تصوير الأجواء الغربية من منظور شخصيةٍ شرقية مثقفة، لم يكن همّها العمل وخدمة الإنسان بقدر ما كانت تحرّكها شهوتا الإثراء والجسد. وقد تجلّت هذه المقدرة في المنولوج الداخلي الذي استطاع أن يدير فيه بمهارة حواره، ومناجاته النفسية المتصارعة، ليعقد مقارناتٍ سريعة حسّاسة بين:‏

1- الانغماس في الوسط اللندني المترف، وبين وسط أمته، حيث تعاني من الصراع مع العدو الصهيوني.‏

2- بين واقعه الحالي في الغرب، وبين الحال الذي عهده في بلده- من خلال العمل.‏

3- بين المرأة الغربية المتهافتة على الجنس، وبين المرأة العربية التي تخاف على سمعتها فإذا ما أقامت علاقة فإنها تكون سريةً، كما في علاقة شخصية القصة الرئيسية مع الفتاة التي كان يلتقيها في غرفة الملابس، وقد ضبطه رئيس المستشفى وهو يقبّلها، بينما الأطباء والطبيبات في لندن يقيمون الحفلات الراقصة، ويشربون الأنخاب، وتدعو كل طبيبةٍ عاشقةٍ، عاشقها إلى غرفتها، لتقضي معه بقية الليل.‏

إن معظم القصص العربية التي كُتبت عن الغرب، كانت تركّز غالباً على احتكاك الشرقي بالحضارة التي أنجبته، وهذا الخطر المترّقب قد اتخذ في القصة العربية شكلاً رمزياً محدّداً، هو المرأة الغربية، فهي تختصر الآثام والشرور، والعقد النفسية والجنسية وتكثّف حول جسدها متعة الشباب.‏

إن المرأة الغربية في القصة العربية غالباً ما تمثّل لوناً آخر من الحب /الجنس، لأنها تنظر - حسب رأي أحد النقاد- إلى الرجل الشرقي في المجتمع الغربي، نظرةً مغايرةً لابن جلدتها، والعلاقة مع الشرقي تحقّق لها وجداً صوفياً، وعالماً رومانسياً أثيراً، افتقده الغرب الماديّ الصاخب، لكن قصة (أيها الشرقي‏

التعس) سعت لأن تقيم توازناً مقنعاً في نفسية بطلها، وقد تركت علاقاته مع بنات بلاده الثلاث أثراً في دفعه إلى المحافظة على جانب من التوازن الخلقي، والسلوكي، لكنّ النفس الأمارة بالسوء ما تلبث أن تتمرّد على العقل العارض - والمنطلق، فيقع الطبيب في مغريات الجسد، عندما لم يعد يحتمل الضغوط النفسية والكبت. والإغراءات المثيرة، التي تلاحقه في كل مكان في غربته.‏

لقد كان أثر الغربة واضحاً في النفس الشرقية، فلم تتخل عن الحنين الجارف إلى الأهل والبلد، لكن ذلك كان بالتلميح وليس بالتصريح يستشفه القارئ من الحوار النفسي المتسارع، والذي غُلّف برومانسيةٍ شعريةٍ جميلة، أظهرت أثر المعاناة، وخوفَ صاحبها من نتائجها الساحقة، تعمّق هذا الخوف صراعات حادّة بين الحنين إلى الوطن وإغراءات البقاء:‏

- هل أنت خائن للقضية؟‏

- من قال ذلك؟‏

- أنت هنا من أجل القضية‏

- ستعود إلى بلدك، وقد ازددت علماً. نضجاً لتسهم في بناء الوطن‏

- هراء‏

- ما أنت إلاّ صرصار كاذب، تجرجر وراءك هدير الراديو‏

- وعويل التلفزيون‏

لقد حولت الغربة بكل (كافكا) إلى صرصار، كما في هذه القصة، وقد تحوّل قبل قليلٍ إلى (فأر جبان)، وكما سيتحول إلى صرصارٍ مرةً أخرى في قصة ثانية من قصص هذا العدد.‏

رابعاً: أرض العشر. قصة: نزار نجار‏

منذ أكثر من ربع قرنٍ، ونزار نجار يكتب القصة والدراسة، والمقال الصحفي وأدب الأطفال، وهو في كل ما يكتب يصدر عن فكرٍ أصيلٍ مستنير، يجاري المعطيات الاجتماعية والسياسية، ويرصد حركة البلد والحي والشارع والسوق، وما يعتمل في هذه الزوايا من حبٍ وكرهٍ، وحياة صاخبة، ورحيلٍ، ونماءٍ وجمودٍ، وتغيير وتبديل وسوى ذلك مما يضفي على نصوصه الإبداعية لمساتٍ إنسانية، لفتت إليها الأنظار، فترجمت إلى أكثر من لغة حيّة.‏

في قصة (أرض العشر) يرحل نزار بخار إلى آفاق محليةٍ محببة، نتذوّق فيها نكهة التاريخ ونرى فيها بسمة المعاصرة، لكنها المحلية الاجتماعية الشاعرية التي تقترب كثيراً من محلية نجيب محفوظ في (أولاد حارتنا) في القاهرة أو سهيل إدريس في (الخندق العميق) في بيروت، وحنا مينه في (المصابيح الزرق) في اللاذقية، وفاضل السباعي في (ثم أزهر الحزن) في حلب، وكثير غيرها من الروايات والقصص التي تبعث التاريخ الشعبي القريب حياً في الأذهان.‏

إن (نزار نجار) يقبس في قصته هذه، لوحةً حارّةً من الأمكنة الشعبية التي عرفتها (حماه) في الخمسينيات والستينيات، حيث البساطةُ في الأمكنة والبراءة في الوجوه والنقاء في النفوس، وحيث الحبّ والوجدَ والتواصل والتوادّ، وحيث جمالية المكان تترافق مع جمالية الأخلاق، ونضارة الوجوه، حتى لكأن‏

الإنسان في تلك الآونة، كان يقبس من كنوزٍ لا تنضب لها ذاكرة يعبق منها سحرٌ لا يوصف.‏

تُظهر القصة مدى ما أصاب المدنية الجميلة من تغييرٍ وتبديل في الأزمنة والأمكنة والسلوك البشري، في الآونة الأخيرة، فتعقد مقارناتٍ عفويةً، غير مباشرة. خلال السرد، بين ما كانت عليه من حبّ وبساطةٍ، وبراءةٍ جمالية، وبين ما آلت إليه من كتلٍ اسمنتية صمّاء، وعلاقاتٍ تجارية لاهثة وراء المادة، لوّثت النفوس حتى أتت على كل شيءٍ، فأزيلت الزوايا الجميلة، وقُتلت الخضرة المنعشة، وازدهرت مكانها الملاهي التي انجذب إليها الناس، لتقتل البراءة التي كانت تسم المدينة الطيبة القديمة.‏

"انظرْ أمامك... انظرْ إلى الأرض من حولك.. العمارات تنهض حجارتها تشهق بالبياض، وتنهض.. حجارة منحوتة مصقولة، وأسطحة من قرميد.. وأبواب عريضة تفتح ذراعيها بصمت.. أحلام الفقراء تنكسّر. هنا ملعب للهواة، هنا صالة للرياضيين.. هنا حدائق مصطنعة تهب الناظرين دموعاً غير منتظرة.. هنا مقصف.. وملهى.. وقاعات للأعراس والرقص.. وصوت ينداح بالقدود الحلبية.. هذه أرض العشر..‏

إن صيغة الأمر التي ابتدأ بها المقطع (انظر.. انظر) كانت لازمةً فنياً للفت النظر إلى ما كان من جمالٍ وحبّ، ثم إلى ما هو كائن، وسيكون من جمادٍ معماري يسلب كل ما يربط الإنسان في هذه البقعة بذكرياته وأحبته ومراتع صباه وطفولته.‏

لقد تجلّت مسؤولية الكاتب عبر معالجة الموضوعين: الجمالي والاجتماعي في إطار إنساني عام، يكشف عن أصالةٍ، وإشراق، يسعفه في ذلك أسلوب ناصع. يشفّ عن ولهٍ صوفي، وشاعرية مرهفة، تنبض بالحياة، وتجرؤ على تجسيد دلالة الأمكنة وتنقلها بسهولة ويسر إلى القارئ، وهو يعاين حركة الشارع، ويرصد أهواء الناس الذين يتحرّكون فوقه، ثم يعمق في معاينة الأحاسيس التي تبعثها ضغوط في النفس أصواتُ الباعة، وحركة الناس ممن يعمر بهم سوق (الكندرجية) وسواه.‏

وتبدو الأحاسيس معبأة بالقهر الإنساني، ممتزجاً بتبعة التغيرات الحادّة التي ابتعثتها ضغوطات الحياة الجديدة، فغيرت الملامح على الرغم من تميّزها وتفرّدها، فالمنادي (عفشة) يعلن عن موت الأحياء، فيبعث في النفوس رهبةً وروعةً، ويدعو الإله، فيردّد الناس خلفه بأصواتٍ خافتة، ونغمةٍ فطرية: "نحن على بابك يا كريم..."‏

إن الكاتب ينحاز - بصورة جلية- إلى البسطاء الأنقياء، كما ينحاز إلى جمالية المكان، ونكهة الحب والسحر المنبثقة من زواياه وأركانه، ومن أجل ذلك نجده يتكئ على التراث الشعري، إذ يبدأ القصة بتناص مع المعري:‏

"هذه أرض العشر‏

خفف الوطء فوق أرضها.. أو لا تخفّف‏

صار المعرّي يخرّف بما لا يعرف‏

حكمته باليةٌ، وكلماته سخيفة.."‏

وينهي القصة بالتناص نفسه، مع شيء من التحوير:‏

"خفّف الوطء، أو لا تخفّفْ‏

وعلى الرغم من أن وصله جديدةً ستبدأ‏

والسماء من فوق تنتظر‏

ولا تقول شيئاً"‏

وما بين البداية والنهاية، ثمة العديد من التناصات مع الموروث الديني، والمخزون التراثي الشعبي، من الأدعية المأثورة، والعبارة الجاهزة المحفوظة، ونداءات الباعة، استغلها القاص، ووظفها لصالح القصة، فأغنت الحدث، وزادت من دلالاتها، وأضفت عليها جواً (صوفياً) جميلاً، بتنا نفتقر إليه في عصر الضغوطات المادية التي قتلت الروح في الإنسان، وحولته إلى مجرّد جسدٍ مُجردٍ من العواطف الخيّرة، في معظم الأحوال.‏

إن (أرض العشر) تسترجع الذكريات الجميلة في المدينة، عبر صورٍ مختزنةٍ في الذاكرة من الطفولة الحيّة، لتضارع بها الصور الاجتماعية الجديدة، وتُظهر المفارقةُ مدى دلالاتها الفكرية من زاوية فنيةٍ مدروسةٍ بعنايةٍ فائقة، قد جعلت منها براعة الكاتب لوحةً وجدانيةً عامرةً بالقيم الأصيلة.‏

خامساً: إلى الجحيم. قصة: سمير الشحف.‏

في زحمة الحياة المعاصرة، وزخمها، وفي نطاق متطلباتها الكثيرة، تبرز صيغة السرد في أسلوبٍ يمزج بين الحلم والواقع، والرؤية والحقيقية، للتعبير عن انسحاق الفرد وفجيعته بالحياة، عبر المستوى المقبول للحادثة، أو الحكاية، وتعدّد زوايا النظر، والتلاعب بالأزمنة والمفردات، وانتقال القصة إلى تفاصيل ذاتيةٍ خاصة، وعامة، تمسّ شريحةً محدّدةً من المواطنين.‏

إن (المناضل) الذي يعمل على تغيير الواقع السياسي والاجتماعي ثم لا يجد صدى لنضاله، سوى الاصطدام بواقعٍ مرير، يصاب بالإحباط القاتل، ويُعاقب على نضاله سياسياً بالسجن، واجتماعياً بضياع الزوجة، شريكة العمر.‏

وللسجن حيّزٌ واسع من الإبداعات العربية الحديثة، بدءاً من مسرح أبي خليل القباني وحتى روايات عبد الرحمن منيف، الذي عمل على إبراز السجن السياسي، والقمع الفكري، مصوّراً في (شرق المتوسط) حال سجناء الرأي، في معتقلات الاستبداد، ثم عمل على زيادة الإضاءة، فسلّط الأنوار الكاشفة على الأقبية الرطبة، والزوايا المعتمة في روايته التكميلية (الآن هنا.. أو شرق المتوسط مرةً أخرى)‏

وإذا كان عبد الرحمن منيف قد ركّز فكره على شهوة فضح أساليب القمع، وتعذيب السجناء، ثم ملاحقتهم بعد الإفراج عنهم، فإن الكاتب في هذه القصة، ينأى عن ذلك قليلاً، ويحصر اهتمامه في نتائج النضال السلبية، بعد خروج بطل القصة من السجن، وغربته في الشارع وفي السيارة التي تنقله إلى بيته، ثم غربته أمام زوجته وأولاده.‏

تتكثّف أبعاد القصة جميعها، من سردٍ قائم على الوصف، وحوارٍ، ومنلوج داخلي، وعالم نفسي، ولهفة ولقاء.. تتكثّف كلها، وتُختزل في نهاية القصة، عند وصول الزوج اللاهف، الخارج من السجن لتوّه، إلى زوجته سلمى، وهو يتصوّر للقائها عشرات الرؤى العذبة: "ستزغرد سلمى. سأضمّها، سوف نضئ الأنوار الخافتة كي يؤجل الجيران مجيئهم. احتفال عائلي.. سوف نرقص، ونأكل ونشرب، ونغني .."‏

لكن ما إن يراها تطلّ من الباب حتى يجدها تفرك عينيها بتكاسلٍ وتستقبله بترحيبٍ لا حماس فيه، متجنبةً النظر إلى عينيه مباشرةً: "هو يريدها أن تصرخ. تزغرد. لكنها خذلته.. حاول أن يضمّها، فتخلصت منه، وتهالكت على الكرسي..".‏

وحين يسألها عما إذا كانت تعاني وضعاً صحياً، ويحاورها قليلاً، يسمعها تطلق عبارةً كقذيفة مدفع:‏

- طلقني!‏

تتجلّى في القصة هذه اللقطة البارعة التي ترصد البؤس الإنساني، وتدلّل على مدى ما يعنيه (النضال) للآخرين.‏

من الواضح أن غياب الحكم الأخلاقي، والمعيار القيمي للعمل النضالي، هنا لا يؤدي إلى غياب وعيٍ خلقي فحسب، وإنما إلى نوعٍ من اجترار الألم. والخنوع لواقعٍ لا ينفع معه تمرّد، ويصبح (النضال) مجرّدَ عملٍ منقطعٍ عن مجتمعه، ليس له أيّ صدى حتى لدى أقرب المقربين إلى صاحبه. مما يخرج بالطبيعة الإنسانية إلى نقيضها، وتحوّلها عن معناها التي وُجدت من أجله.‏

لقد استطاعت القصة أن تشدّ القارئ منذ البداية، وكانت خاتمتها المحكمة الحبك، أشبه ببيت القصيدة في الشعر، أو هي الضربة القاضية على حلبة الملاكمة.‏

سادساً: رغبة حائرة. قصة: ممدوح القديري:‏

الحياة الزوجية التي تقوم على شراكةٍ عادلة بين الذكر والأنثى، تنقلب جحيماً عندما لا تتمخض هذه الشراكة عن أطفالٍ يملؤون البيت لعباً وضحكاً، وحركاتٍ تضفي على الزوجين لمسات السعادة والحب.‏

تعالج القصة مسألةً هامةً على الصعيد الاجتماعي الأسري، نجد فيها الزوج سلبي الوظيفة، في عطائه الذكوري، بينما المرأة إيجابية، وهي تتلهّف إلى طفلٍ يملأ عليها حياتها أمومةً وعطاءً، ويفجّر ينابيع الفرح والسعادة في نفسها.‏

هنا ينبثق سؤال هامّ مؤداه أن الزوجة، إذا كانت عاقراً فإن الزوج يمكنه أن يتزوج ثانيةً، تقرّ له بذلك الشريعة، ويعترف له المجتمع، لكن، كيف يكون الحال عندما يكون الزوج غنياً أو غير صالح للإنجاب؟‏

إن القصة تسلّط الضوء على قضيةٍ حيوية، في مسألة العلاقة الزوجية، والشراكة بين الذكر والأنثى. فالزوجة تصاب بخيبة أملٍ كبرى، وهي ترى زوجها كل ليلةٍ بعيداً عنها، وتكبر هذه الخيبة، حينما ترى أطفال جارتها يتحركون أمام ناظريها وأمهم تشكو كثرة الخلف، وكثرة الهمّ.‏

إن معاناة الأنثى/ الزوجة، تظهر هنا على أشدها، لانصراف الزوج عنها، وجلوسه على كرسيه يتابع تأليف روايته. وهذا يدفعها إلى الاهتزاز والضعف، فتحاول أن تخرج من قوقعتها، وسجنها الباهت، وتعمد إلى قتل فراغها الموحش، وتحريك سكونها الرتيب بالتنقل بين الشرفة والحديقة لكنها عندما تسمع مواء القطط تتمنّى لو أنها تلعب مثلها مع زوجها لعبة التكاثر، ثم تنصرف إلى التلفاز، تقوم معه بسياحةٍ بين المحطّات الفضائية، "تتوقف عند واحدةٍ تبثّ برنامجاً عن الزواج العرفي، فتاة في مقتبل العمر تدافع عن حقها في أن يكون لها زوجٌ بهذه الطريقة الخفية، يقاطعها أستاذ جامعي معروف قائلاً: من الأفضل أن‏

يكون الزوج معلناً حسب الشريعة.."‏

تنتقل إلى محطة تبثّ فيلماً إباحياً.. تشعل سيجارة تمدّ يدها إلى الهاتف تدير أرقامه، إنه الملل الذي تسببه العزلة الزوجية، ووحشة البيت الذي يبدو فيه الزوج غائباً على الرغم من وجوده، لكن الإيجابي في القصة، والذي يفارق ما أرهصت به منذ البداية، وحتى السطور الأخيرة، هو إحساس الزوجة بشيء يتحرك في أحشائها، وتتساءل: هل حدثت المعجزة؟‏

إن المرأة لا يمكن أن تجد نفسها إلاّ من خلال الرجل- وهذه سنة الله في خلقه- كما تجد نفسها عبر بيتها وأطفالها، وقد استطاع الكاتب أن يجسّد هذه الرؤية الإنسانية بكل أحاسيس الأنثى، ومشاعرها العاطفية.‏

سابعاً: حصاد الدفلى. قصة: جميل سلوم شقير‏

عام الذكورة والأنوثة البشرية ملئ بالعجائب والغرائب، كما هو زاخرٌ بالعادي المتعارف عليه. فهناك أهواء، ونوازع ورغبات، وهناك آمال وأمانٍ تعتمل في نفوس البشر، منذ أن تبدأ المسيرة في رحلة الخطوبة، وحتى تنتهي رحلة العمر، إلى غير ذي رجعة.‏

الغجرية، وريثة شهرزاد في ذكائها وبراعتها وأنوثتها وخبثها استطاعت أن تروّض بعض طباع شهريار، فهي الزوجة الرابعة، والوحيدة التي استطاعت منع (واكد) من ضربها "واستطاعت أن تفرض عليه احترام النساء، والسلوك الذي كان مستهجناً آنذاك، حيث أجبرته على اصطحابها، والسير بجانبها في الشارع العام، أمام عيون الناس ونظراتهم التي كانت تفترس لحم كتفيها العاريتين، وتنهش سفحي وادي صدرها، وتتركّز فوق فخذيها المسكوبين من عاج..".‏

لكن المرأة الشهرزادية على الرغم من تأثيرها الكبير عن سلوك الزوج، فإنها ظلّت عاجزة عن زحزحته عن شيئين: الأول: تعلّقه الشديد بعباءته المقصبة‏

والثاني: تمسّكه بشاربيه المعكوفين.‏

وظلّتا نقطتي علاّم تقضّان مضجعها، وتتمنّى لو تسمح لها الظروف للنيل منهما لكن تمسّك الزوج، وإصراره على لبس العباءة، حتى لحظة وفاته، وتربية الشاربين قد جعلها تيأس، وتصبر على مضض. فإذا ما انتهى الأمر، وتوفي الزوج عمدت إلى الانتقام، فجعلت العباءة كفناً له، تندثر مع شاربيه اللذين لم ترتح لمنظرهما طوال حياتها معه.‏

تركّز القصة في النهاية على (الدفلي) ابنة الزوج، لتقف على نموذج آخر من الأهواء النفسية للأنثى، وقد حاولت الغجرية -من قبل- تزويجها من سليمان، لكن مزاج الأب، حال دون تحقيق هذه المحاولة، وبعد وفاة الأب، تستقدم (الدفلى) سليمان، وتطلب إليه أن يعيد عباءة أبيها المقصبة من قبره، مهراً لها.‏

وفي صورة ذاخرة بالسخرية، ينهي القاص لوحته النفسية الجميلة، المعبّرة عن نماذج من أهواء المرأة وتطلعاتها، وتسلطها، وأنوثتها، وتأثيرها في الرجال، بلقطةٍ شديدة القسوة على النفس الإنسانية.‏

إن القصة تنتهي بمنظر سليمان وهو ينبش القبر، ويخرج الجثة، ثم يعمل على نزع العباءة المقصبة منها، لكن الجثة المتخشبة، لا تمكنه من العباءة إلاّ بعد أن تكسر ذراعها الأولى، وعند نزع كم الثانية،‏

يتلقى منها لطمةً على وجهه، قبل أن تهوي على الأرض في مشهد مثير، يذكّرنا بأفلام الرعب التي أخرجها المخرج السينمائي الفريد هيتشكوك والتي تقوم على الإدهاش والإثارة الحادّة، وتنوّر جوانب من زوايا بعض أصحاب النفوس المعقدة.‏

ثامناً: كن صديقي، قصة: بهجت الحوش‏

تغوص هذه القصة في عالم غريب، عالمٍ تعيش فيه الأقزام والعناكب مع الإنسان إلى جانب العقول الألكترونية، عالمٍ يرمز إلى المعاصرة بزخمها وتفجر عطاءاتها، التي تضطهد الإنسان نتيجة المعاناة الساحقة التي يمرّ بها في عصر الأرقام والمادة الآلية.‏

تمثّل القصة لوناً جديداً يمزج بين الغرابة والحداثة، بين الفانتازيا والحلم، وبين الواقع ومعطياته، وتعيد إلى الأذهان موضوعات القصص التي تحدثت عن النفس البشرية وعقدها وأمراضها، كما في القصص الأوربية الشهيرة التي طلع بها في القرن الماضي كولن ولسن في (ضياع في سوهو) والبيركامو في (الغريب) وجان بول سارتر في (العبث)، وسواها من الروايات والقصص التي صورت غربة الإنسان في بلده، وزمنه، واصطدامه بالمعطيات المدنية التي دمرت الروح في نفسه، وسلبت حريته، وجعلت منه (مسخاً) كافكاوياً، أو رقماً في حسابات الإنترنيت.‏

لقد استطاعت القصة بموضوعها الرمزي -الغرائبي، أن تدخل الرعب في قلوبنا. هذا الرعب الذي تعامل معه الفلاسفة على أنه يؤدي إلى الموت، أو (الموات) الإنساني، والذي لا خلاص منه إلاّ بالبحث عن (الروح) المفقودة، وانتهى فيه الإنسان العربي إلى إسقاط جميع أزماته النفسية المدنية، على الآلة، ووجد أن الخلاص منها يكمن في الإيمان، لكن عقلنة التفكير البشري، في هذا العصر، نأت بالإنسان عن الروح والإيمان والحرية، فأين يكمن الخلاص إذن؟!‏

يقول القاص على لسان إحدى شخصياته: "الحرية، لا تكون بالتفكير. فأنت حرٌّ قبل أن تعرف ما هو التفكير... جميعنا نولد أحراراً، لكننا نقيّد أنفسنا ونقزّمها، وننساها في صحارى بعيدة، كل البعد عن هذا الزمن، ونخلق لها مدناً متحجرةً نزينّها بعقولنا الفارغة.."‏

تعرض القصة لبعض المواقف المفارقة للواقع، والآراء المناهضة للمنطقي المعقول، عبر عرضٍ لأحداث يومية غريبة... وقد عرفت قصتنا السورية والعربية جانباً من هذا اللون الواقعي اليومي المخيف، في قصص زكريا تامر، وليلى بعلبكي، فالأخيرة تقول -مثلاً- في رواية (أنا أحيا) يخيفني سقوط الشمس كل يوم، في الأفق البعيد، وترعبني الأشباح التي يغرسها الليل في كل زاوية، وعلى الجدر، وفي العيون. حاولت مرةً أن أقاوم خوفي فتركت نور غرفتي مضاءً...‏

وينتابني خوفٌ قاتل، وأقول: ربما لن أفيق في الصباح، وفي كل صباح، ربما سأموت في تلك الحفرة..."‏

ويقول الكاتب: "كلما جعت أرى نفس العنكبوتين يتدلّيان نحو مضجعهما خلف الطاولة، أخشى من اليوم الذي أتحوّل فيه إلى عنكبوتٍ قزمٍ يتدلّى رعباً. غربةً. ولا يقوى على فك وثاقه. أخشى أن أفقد أمي. ولا أجد من ينحدر معي في الطرف القاتل، فانحدر حتى البحيرة السوداء..."‏

وفي مثل ذلك يقول كافكا في (المسخ): "ما إن أفاق "عريغور ساما" ذات صباح من أحلامه‏

المزعجة، حتى وجد نفسه، وقد تحول في فراشه إلى حشرةٍ ضخمة... وفكّر قائلاً في نفسه: ما الذي أصابني؟!...".‏

إن عالم القصة ملئ بالغرابة والدهشة التي تجسّد معاناة الإنسان الحادة، وتجهض كل رغبةٍ للبحث والتفتيش عن ينابيع الخصب والإيناع في الجنس البشري.‏

إن الإنسان الذي (يتقزّم) في القصة، يغدو أشبه بآلةٍ مؤلفةٍ من مجموعة أزرارٍ، وأسلاكٍ معقدة، يفقد إرادته، وحريته، وإنسانيته، ومنطقه بعد الولادة، إنه الصورة القريبة جداً من الصورة التي رسمها (ألدوس هسكلي) في (عالم جديد جرئ) يلتهم فيها الناس أقراص (الصوما) ليتمكّنوا من الاستمرار في عالم مخبول. فقدَ جميعَ الأسس الخلقية التي تقيم إنسانية الإنسان في كينونته؛ إنه يستطيع أن يتناسى جميع القيم في سبيل الحدّ من شهواته، وإذا ما حدثت المعجزة، ومارس الإرادة، في أضيق حدودها -وهي جزء من حرية وجوده الخاص- فإنه يستسلم بسهولةٍ، ويستسلم وهو لا يعلم لماذا يستسلم، لكنه يدرك أنه يعيش في مجتمعٍ أشبه بالعالم الذي أطلقوا عليه مصطلح (أشباه البشر الفارغين) والوجود المزيف.‏

الكاتب يملك أسلوباً جديداً، ورؤيةً قصصية عالية، وهي على الرغم من رمزيتها وغربتها فقد استطاعت أن تجذب القارئ، وتضعه في خضم عالمها المثير والمدهش معاً.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244