|
||||||
| Updated: Tuesday, September 23, 2003 01:43 AM | ||||||
| فهرس العدد | فهرس الدوريات |
|
قصص العدد الماضي ـــ محمد قرانيا تتمحور قصص العدد (358) لشهر شباط (فبراير) 2001 كالعادة في هذه الآونة حول الهموم الاجتماعية والسياسية والتراثية، وما يصيب المواطنَ العربيّ من جراء التخلف والظلم في القديم والحديث وسوى ذلك مما يعتمل في الشوارع العربية التي افتقدت أرصفتها الحب والنقاء والطهر وازدحمت طرقاتها بالصخب والضجيج والقهر اليومي من أمن وجوع، والملفت للنظر أن الهموم فيها مشتركة بين جميع الكتاب ، مما يؤكد أن ما ينعكس على الشارع العربي إنما يمس الرجل والمرأة على السواء. ضم العدد القصص الآتية: 1-بيئة بحرية. قصة: محمد أبو معتوق. 2-البحث عن مهيار. قصة: نجلاء أحمد علي. 3-أوديب والعشيرة. قصة: ملك حاج عبيد. 4-الصباحات المريرة. قصة: د. جرجس حوراني. 5-قطار الصمت قصة: سهيل الشعار 6-اليوم السعيد لسعدون قصة: بسّام الطعان 7-سجون قصة: موسى المسالمة أولاً: بيئة بحرية. قصة محمد أبو معتوق: ينوّع محمد أبو معتوق في موضوعاته القصصية التي يقتنصها غالباً من البيئة الحلبية على الرغم من سيادة أسلوب قصصي واحدٍ، تميّز به القاصّ، مع أن القصّة لا تغرق في محليتها ، وإنما يمكن أن ينسحب ما يحدث في المجتمع الحلبي من مؤسسات وشوارع و منازل، على جميع المجتمعات العربية وشوارعها وإداراتها، وبصورة خاصة ما يعتمل بين جنباتها من قمع وفساد وتجاوزات باتت سمة المجتمعات العربية، وقد تزيّن النكتةُ السوداء السردَ القصصي، فتتأرجح بين ابتسامة المسؤول الصفراء والمرّة، وبين وجع المواطن، وانتفاضات قلبه المتسارع، حتى يمكننا القول إن قصة محمد أبو معتوق تنتمي إلى اللون الانتقادي الجادّ، لا تهادن ولا تتهاون في تصوير ألوان القمع وتصوير زبانيته، بأسلوبٍ ساخرٍ، يصل إلى مرتبة المضحك المبكي. تعتمد قصص الكاتب على الترميز الذي يُعَدُّ أهم عناصر فنّه القصصي، يسعى إليه مع سبق التصميم والإصرار، يتغلغل في ثنايا السرد، بحيويةٍ وفاعليةٍ تشدّ القارئ، فيلاحقه، ويتابعه بشوق وانجذاب حتى النهاية، وهو رمزٌ شفافٌ واضحٌ على الرغم من عمق أبعاده النفسية والاجتماعية والسياسية الأيديولوجية، يضفي على القصة آفاقاً توحي بدلالاتٍ قريبة التناول، تستقطب الاهتمام، وغالباً ما تتمركز حول القمع والظلم ومظاهر الفساد، والطغيان، وقد تجسد في هذه القصة في (السرطان) ذاك التوزّع الفوضوي لخلايا الدم في الجسم البشري، الذي هو في الترميز القصصي سرطان أكبر وأعمّ ينخر جسد المجتمع، وقد ابتلت به الشخصية القصصية المحورية التي كانت تبوح بما لا يمكن للإنسان أن يبوح به، حتى لو أتيح له ذلك، وقد اكتفى الكاتب حسب ما يقتضيه الرمز بالتلميح والإشارة، والإيماءة المعبرة، لكنها تلميحات وإشارات وإيماءات حادّة اللذع، شديدة الوقع على النفس، كما في حالة المريض الذي ذهب إلى الطبيب ليتداوى من سرطانه وأكل سرطانات البحر في كل وجبة. ثأراً وانتقاماً، فينزل الدرج إلى القبو. و(القبو) حيّزٌ مكانيّ يرمز إلى الرطوبة والدونية ومن ثم القمح الأمني، والتجاوز السلطوي، وقد أكّد ذلك بترميزاتٍ مؤثرة واضحةٍ. فغرفة القبو فيها طاولة خشبية، وعليها رجلٌ يمارس رياضة عنيفة، وهو يحمل أثقالاً، ويبالغ في الحركات الرياضية، حتى يتفصّد جسمه بالعرق. يرسم لنا الكاتب صورةً (بانورامية) لملامح الرجل الجسدية الخارجية، وحركاته المتسمة بالعنف وتعابير وجهة التي تفتقد الراحة والوداعة ثم ينتقل ليصوره من الداخل راسماً صفاته النفسية فيذكر أنه يفتخر بما أنجز خلال مسيرة حياته من حصوله على بطولة العالم في كمال الأجسام ومباركة الأمين العام للأمم المتحدة له بالفوز، وهو من أكلة الفول المدمس في دكان أبو عبدو الفوال مجاناً لقاء بطولاته في هرس رؤوس البصل للزبائن إذ كان يشمر عن زنده ويجمع قبضته وينهال على البصلة بضربة قاضية.. لكنه بعد عرض بطولاته المتميزة، وقدراته الفائقة في الضرب والهرس يجد نفسه مصاباً بالهزال، فيتخلى الناس عنه إلى الأقوى ملمّحاً، إلى أن لكل زمان دولة ورجالاً، فأزيلت صوره المعلقة على الواجهات بالأبيض والأسود، وألقيت في سلال المهملات لتتكدس فوقها النفايات، ولتحل محلها صورة جديدة بالألوان. ولما كان المسؤول في السلطة لا يحب أن تحجب عنه الأضواء ولا أن يأفل نجمه، يُنصّب من نفسه اختصاصياً ويفتتح عيادة ليعالج الخلع والكسر والفالج. وفي ذلك إشارة أليمة لضحاياه الذين سبب لهم عاهات دائمة أو مؤقتة، ويعرّض من خلال ذلك بالأطباء اللا إنسانيين "في حلب عشرة آلاف دكتور كلهم يحملون الألقاب ولا يحملون الأمانة وفي حلب بطل للعالم واحد هو أنا". وتتضخم (الأنا) كثيراً فيعمد إلى وضع لوحة كبيرة كتب فيها الخطاطون اختصاصاته الكثيرة، لكنه بعدما علقها سقطت فوق أحد المارة فقتلته. الأمر الذي أودى به إلى السجن الذي لا يخرج منه إلا بعد الانقلاب الأخير الميمون والعفو عن السجناء. إن الشخصية المحورية في القصة ومعها الشخصيات الثانوية، تتشكل صورها من الملامح الخارجية الجسدية والداخلية النفسية لتعبر عن مواقفها ومشاعرها بأسلوب يعتمد على الاستقراء في الانتقال من حالة إلى حالة أخرى ولتتمازج فيها عدة مذاهب فنية سريالية وواقعية ورمزية ووجودية، وهذه سمة (محمد أبو معتوق) الفنية إذ تلفت النظر في هذه القصة ومعظم قصصه القصيرة تلك النزعة السريالية للرؤيا المغلفة بالرمز الشفاف، والواقع المذري. تقدمها هذه الرؤيا مباشرة ومن دون مواربة. تقذفها عارية في وجه العالم. وهذا ما نلمسه على سبيل المثال في ثلث القصة الأخير، حينما يتفاقم السرطان في جسد الشخصية المحورية، فيقرر إطلاق النار على مكان الورم. وكأن العدالة الإلهية أرادت أن تنتقم لنفسها بنفسها، لكنه ما يلبث أن يعدل عن قراره بعد أن يغتسل بماء البحر وماء المطر فينتابه شيء من الصحو "لأن قتل النفس حرام" ثم ينحرف بقناعته كثيراً عن قاتل يرضى أن يطلق النار عليه. هذا الأسلوب (التعبيري) بكل ما تحمل هذه الكلمة من معنى هو التعبير عن مشاعر شخص محدد كانت له تجاوزاته وكانت له ضحاياه عندما كان يتسنم زمام السلطة. تجلت في التعبير عن حالات التهيج النفسي الهادئ والتوتر العقلي القاتل من خلال تعبير مباشر للعالم وإن كان للمجاز والرمز دوران مهمان فيه. إن شخصية القصة تتصرف بأسلوب عقلاني منطقي لكنه قائم على تخييل تصويري، وقد تضخمت ملامح الشخصية الداخلية والخارجية كي تعبر عن وضع خاص لأنموذج بشري محدد، وإن كان يمثل شريحة عريضة من العاملين في إدارات العالم الثالث. ولقد ساعد المحيط الذي تظهر فيه الهوة واسعة بين المسؤول والمواطن العادي على رسم صورة شخصية القصة التي تتحرك عبر ظروف أمنية وإدارية واجتماعية غير عادية حيث لا يمكن الاستقرار على شيء ولا يمكن التنبؤ بأي شيء، وكل شيء لا معنى له مع أن له معاني عدة ، ومن ثم فإن هذه الشخصية المتورمة والحيوية انكفأت على نفسها، فأخذت تتصرف بطريقة احتجاجية وتراجع حساباتها بعد أن وصلت حالتها المرضية إلى حد لا يطاق ولا يمكن معالجتها بأسلوب عقلاني. وكما كانت تدين غيرها، فهي في النهاية تدين نفسها. وتعالج مرضها بالأسلوب نفسه الذي أوجد لها الضحايا وسبّب للكثيرين العاهات. وهذا ما يؤكد أن اللامعقولية الأساسية تكمن في فلسفة القهر والظلم والتسلط التي أنشأت لتنفيذ العنف، وتفعل ذلك وفقاً لقواعد وضعية اخترعتها السلطة لنفسها. إن معظم شخصيات (محمد أبو معتوق) القصصية تدور في هذا الفلك المغاير للطبيعة الإنسانية العادلة حيث تنقلب التجاوزات على رؤوس مرتكبيها، وهم في النهاية لا يسعهم إلا أن يؤنبوا أنفسهم على ما اقترفت أيديهم وعقولهم من تصرفات وما صنعت من ويلات ولا يقف بهم الأمر عند حدود التبكيت والتأنيب وإنما يعملون على إيجاد حلول يقيمون فيها الحدود وينزلون بها العقاب على أنفسهم مما يذكرنا بقصة "يوسف إدريس" الطويلة (العسكري الأسود) وبعض قصص زكريا تامر. حين يجد بطل قصة محمد أبو معتوق نفسه وحيداً منبوذاً لا يتجرأ أن يقتل نفسه ولا يرضى أحد بأن يقتله، حتى ضحاياه حين عرض عليهم الأمر، لم يقبل أي واحد منهم أن يثأر منه، فلم يبق سوى السرطان ينخر جسده رويداً رويداً ليقوم بعملية القتل البطيء. "بعد خروجي من المشفى وحيداً دون سرطان.. بدأت في الليل تراودني الأحلام والتقلصات فأرى نفسي ممدداً على الشاطئ البحري ولا أب ولا أم ولا ولا في جواري. والمطر يهطل غزيراً والسرطانات البحرية النبيلة تخرج من جسدي". ولن تخفى على القارئ ترميزات السرطان، والبيئة البحرية، وتلون البشر بالأصفر والأحمر، أيديولوجياً. ومن ثم المطر الذي يرمز إلى التطهير والخصب. ولكن هيهات هيهات أن يعيد تطهير الظالم للمظلومين ابتساماتهم ولأصحاب العاهات أبدانهم السليمة. إن كثرة الترميزات في القصة القصيرة ذات المضمون الفكري الواحد، مكنت القاص من سبر أغوار الشخصية القصصية وجعلت القارئ يجابَه بالواقع المرير في صوره الحية للتعبير عن حالات إنسانية لها ارتباطات وشيجة بما قصده الكاتب عمداً بالبيئة البحرية التي كثرت فيها السرطانات وصارت تقدم وجبات في المطاعم. إن قصة محمد أبو معتوق - وهي كشقيقاتها السابقات - بعيداً عن المضمون تحتفل باللغة احتفالاً خاصاً يخرجها من معناها المعجمي إلى المعنى السياقي الذي يكشف عن الأبعاد النفسية والجمالية من خلال تحليلها ونصل إلى ما يكمن خلف السطور لحظة التشكل وما تعنيه بظهورها على السمت الذي تحققت عليه مما يجعل اتخاذ القاص نمطاً أسلوبياً يميزه من غيره كاشفاً عن رؤى، وأبعاد إشارية تختلف عنها لدى غيره من الكتاب كما يكشف عن طبيعة شخصية المبدع وآليات تفكيره. لقد اصطنع الكاتب أسلوباً متفرداً أختص به يجنح إلى السخرية اللاذعة والتهكم المرّ وهي سمة غلبت على فنه القصصي، والسخرية نمط من أنماط المفارقة لأنها تسعى في جانب من جوانبها إلى التهكم والازدراء أو الانتقاص من المواقف وهو ما يتحقق عن طريق السخرية الحادة التي يواجه بها الواقع بأسلوب ساخر عابث، غير مبال بتشوهاته وغير آبه بما يمكن أن يجره عليه ذلك حتى غدا ملمحاً رئيسياً من ملامح أسلوبه الذي يقترب كثيراً من أسلوب الواقعية السحرية التي هي كتابةٌ في إطار الواقعية وضدها والتي برع بها ماركيز وبورخيس وسواهما من كتاب أمريكا اللاتينية. ثانياً: البحث عن مهيار. قصة: نجلاء أحمد علي: تثير هذه القصة المغايرة لسمت القصص الأخرى سؤالاً مؤداه: -هل نكتب عن المناخ التاريخي بألوان صحيحةٍ كيلا يقول المؤرخ ذلك خطأ، وكي تبقى الذاكرة حية فلا تتبدد معالم التاريخ والأحداث؟ وللإجابة عن مثل هذا التساؤل يمكن للباحث أن يقرأ عشرات الإجابات المدونة في الكتب النقدية التي تصدرت للرواية والقصة التاريخيتين والتي تلح جميعها على ضرورة استلهام التاريخ ونبش الركام عن أحداثه كي تبقى الذاكرة حية والماضي موصولاً بالحاضر، ثم لأن المادة الأدبية المستمدة من التاريخ بحسب (جورج لوكاتش) "هي التي تقدم تاريخاً سابقاً ملموساً للحاضر" وهذا ما سعت إليه قصة (البحث عن مهيار) من دون أن تجعل التاريخ هدفاً بحد ذاته بقدر ما تجعله وسيلة أو مضماراً للخطاب القصصي الذي يحمل أبعاداً فكرية وسياسية واجتماعية يمكن إسقاطها على الواقع الراهن الذي يعدّ الوريث الشرعي لزمن الأجداد. تلتقط الكاتبة حدث القصة من بين أحداث العصر العباسي لكن ما يلفت النظر في القصة التاريخية بصورة عامة والرواية أيضاً أن مبدعها غالباً ما يبحث عن الجذور ليبتعد عن عالم معاصر مضطرب منهارٍ، فيلجأ إلى الحكاية الفنية ذات الأبعاد الإنسانية والفكرية يعيد فيها إلى الأذهان ما نفتقده في عالمنا المادي من قيم إنسانية تقوم على العدل والديمقراطية والحب، وهذا ما لم تسعَ إليه الكاتبة إذ أنها التقطت الحادثة التاريخية التي تبرز فيها الفوارق كبيرة بين الحاكم والمحكوم والسادة والعبيد والإخلاص والمكيدة التي تثبت للقارئ أن التاريخ العربي تاريخ حكام أولاً ومن ثم هو تاريخ يقوم على التآمر والظلم والاضطهاد. وهذا ما حدث لمهيار ثم لابنه من بعده الإنسان الطيب الذي هرب من موقع السلطة والمسؤولية لئلا يوقع الظلم على الآخرين، وهو في القبيلة الجديدة الإنسان الوادع الطيب ثم الزعيم العادل والحاكم الإنسان، يتنازل لمن ينافسه على السلطة طواعية، فلا يلقى سوى القتل في مؤامرة دنيئة، ومع أن الحادثة التاريخية قد تكون حقيقة واقعة إلا أننا كنا نأمل في حادثة تتفجر فيها القيم العربية الأصيلة، ونحن اليوم بأمس الحاجة للكشف عن كنوزنا التاريخية وقصصنا التراثية التي تزخر بالقيم الإنسانية الخالدة والأشواق الروحية التي ابتعد الجيل الجديد عنها إلى ثقافة تنأى عن التراث والتاريخ في كثير من الأحيان. إن "البحث عن مهيار" قصة تسلط الضوء على فترةٍ زمنيةٍ من التاريخ القديم وقد استطاعت الكاتبة أن تسرد أحداثها بأسلوب أهم مقوماته الشاعرية العذبة التي تدل على قلم واع سيال. استطاع أن يحشد الألفاظ المعجمية، ويبرزها في سياق فني آسر. يعكس المتن القصصي نسيجاً حكائياً راقياً قائماً على السرد والحوار العفوي المقصود بمنطق الكشف الشاعري، بحيث تبدو القصة بمستواها الزمني وحمولتها اللغوية (السيميائية) المتمركزة في مفردة (المعنى) تقترح أنموذجاً جديداً قديماً لمعالجة الحادثة التاريخية في إطار عصري، وقد تمكنت شاعرية اللغة من صياغة مفرداتها المعجمية صياغة شفافة تخدم الفكرة وتعبر عن الروح العربية. في تفردها وخصوصيتها "سيفه مثلوم، وقلبه مكلوم، ولايني يواصل زحفه الانتحاري إلى تخوم العشيرة الماجدة، متتبعاً بعر الأرام، ومبارك النوق، ومواطئ الأقدام، والطريق.. جاءت عليها زوابع الرمل ودواماته الكدراء، فعفت آثارها واستحالت بدداً.. سراباً.." إن الألفاظ الجزلة الفخمة جاءت متوائمة مع الحادثة التاريخية، فارتدت ثوبها القديم، ولكنه ظهر في حلةٍ قشيبة أنيقةٍ موشاة بألوان الماضي التراثي الذي حببته إلينا العبارة الشاعرية المستساغة، ليؤكد جمالية اللغة، وصلاحيتها لكل عصر وفن. وكان لتحلية الحكاية التاريخية بأبيات شعرية في المقدمة والخاتمة وقع جميل على النفس، ولم تخدم الفكرة القصصية، فحسب، وإنما جعلت الحكاية بأسرها تقوم عليها بفنية، داورت الحادثة التاريخية وحاورتها وعالجتها بأدواتها الفنية بأسلوب الأديب، لا بأسلوب المؤرخ ولهذا فهي تؤكد أن الكاتب المبدع يحرك ذاكرة الشعب حول تاريخه ولغته وثقافته وذلك باختزان ثروة رائعة من الفن الذي لا يمكننا سوى تخمين ما يتعلّق به من حينٍ إلى آخر، لتظلّ هذه الكنوز التاريخية التي فتحت الكاتبة لنا أبوابها المتوهجة، وخواصها الفنية مصدراً ثرّاً يفيد الحاضر ويغنيه، ولكن حبذا لو كانت نقيةً من الشوائب، غير مغرقة في السلبية، متألقةً في فرادتها وتوهجها الحضاري، وبعيداً عن الخيانة والتآمر، والقمع والتسلط على الرغم من يقيننا بأن جانباً من التاريخ، هو في الواقع على هذه الحال الدامية: "كان نزالاً كالخرافة. تصدّى لهم فيه عشرات قطّاع السبل، وقراصنة الرمال. عصابةٌ تخرج من رداء عصابة، مات الرفاق ببسالةٍ، وعاشور ينازل في دائرةٍ من المقنّعين. ظهره مغرزٌ للسهم. وصدره مثقبٌ للسيف يزحم سيفاً. والطعنُ جارٍ على قدمٍ وساقٍ، والجرحُ يفتح شدقيه بحفاوةٍ فيلتقم الحديد، وتتدفق الدماء في غير موضع. ظنوه مات. نبشوا في ثنايا ثوبه، وأثواب رفاقه. أخذوا ما أخذوه الأحصنة الناجية من الموت رفست كثيراً لكنها تبعتهم مكرهةً، حكم المأسور لدى الآسر". ثالثاً: أوديب والعشيرة. قصة ملك حاج عبيد. حين تكتب المرأة عن بنات جنسها، فبأيّ أسلوب تصوغ قصتها؟ وأيّ لغةٍ تجنّد لها؟ هل تغرف من مخزون تجربتها.؟ أم تتجاوز تلك الخصوصية إلى عمومية الأنثى الشرقية؟ وهل تستطيع أن تحقّق ذاتها، أو تحقّق لبنات جنسها ما صَبَوْنَ إليه من خلال القصيدة والقصة والرواية؟؟. هذه التساؤلات وسواها تستوقف الدارس دائماً ليتساءل عن شخصيات المرأة القصصية والأدبية، التي يمكن أن تستثار لدى مطالعة كل نصّ نسوي تبدعه المرأة الشرقية، المحكومة بسلطة الذكورة من جهة، وسلطة العشيرة من جهة ثانية. إن ملك حاج عبيد المتمرّسة بكتابة القصة، استطاعت أن تتوّقف عند خصوصية أنثوية تثير عدّة مسائل تتعرّض لها الفتاة في مجتمعاتنا العربية، كمسألة العنوسة، ومسائل حرية التعبير، والاختيار بالنسبة لشريك العمر، وحرية العمل، وحرية السفر، وسوى ذلك من الحريات التي تفقدها الأنثى في المجتمع الشرقي قياساً إلى الحريات المتاحة للذكر. شخصية القصة المحورية، عاملة في إحدى الدوائر العامة، التي تتربع على عرش إدارتها امرأة، ركبت الموجة، وأجادت فنّ القيادة على الرغم من تواضع مؤهلها العلمي (الشهادة الثانوية) وفي كنفها يعمل تسعة موظفين يحملون مؤهلات جامعية. لكن مؤهلها الآخر يغدو طافياً فوق السطح، مغطياً على ما سواه، لأنها الرئيسة التي "تملك ساقين جميلتين، وتنورة قصيرة.. يقولون بالتنورة القصيرة تستطيع أن تصل إلى كل شيء". وتبدو آثارٌ من غيرةٍ بين شخصية القصة المحورية التي تتفانى في عملها، وبين الرئيسة ذات المؤهلات العالية، تتكشف عن كيد الرئيسة التي تتهمها بتقريرها عنها بالتهرب من العمل، وعرقلة أعمال الناس.. إن هذا المدخل الانتقادي الخلقي والإداري يمهد لانتقال الضوء نحو بطلة قصتها ومعاناتها في مجتمعها الشرقي المرتبط ارتباطاً كلياً بأنظمة العشيرة، وهي ترى آمالها تحبط، كلما تعلّقت برجلٍ وتعلّق بها، ولعل الرجل الأول كان نقطة علاّم في حياتها، منذ البداية، حين كانت في التاسعة عشرة، وظلّت ترسم مسيرة عمرها حتى الرابعة والثلاثين. ساعة التقت به في اليوم الواحد أربع مرات، وعلى مدى هذه السنوات الطويلة من عمر المرأة يعترض حياتها أكثر من رجل. أندريه الفرنسي، وخلف العراقي الذي يعمل في انكلترة، وكلما تعلّقت بواحد تخيّلت أنها تنتقل معه إلى باريس ولندن، ولكنها تصطدم بنظام العشيرة التي تعارض زواجها وتضع العراقيل أمام قلبها. فأندريه المسيحي الفرنسي، وخلف العراقي و"بيتنا الصاخب المكتظ دائماً بإخوتي وأقاربي، والأصدقاء والزوار يشعرني بعدم الاستقرار، أريد بيتاً مستقلاً، أكون فيه سيدة الوقت، أتمنى انعتاقاً من البيت والعمل.." وحين أعلنت عن رغبتها في الزواج صراحة من أندريه "استنفرت العشيرة كلها، ولم يكن من خارج العشيرة فقط، بل من خارج الدين.." وتبدو المرأة في القصة مخلوقاً يبحث عن الحرية، ويحتج على كل من يتهمه بالضعف، ويجعل منه مخلوقاً ورقياً كرتونياً.. إنها تبحث عن ذاتها الضائعة بين أنظمة العشيرة وبين وعود الرجال، وتسعى لإنقاذ شباب عمرها من الضياع في عنوسة مقيتة، وتحقيق شيء من بقايا أحلامها المتلاشية بالتمرّد المحدود على مفهوم العشيرة، والرفض المحبط للتقاليد الاجتماعية التي ترى فيها أسراً وقيداً، لكنها ما تلبث أن تنتكس على نفسها حين تفكر بوعي في عاقبة التمرد، واللحاق بالحبيب خارج الوطن، وتخشى الإفلاس بعد ذلك من كل شيء. الحبيب خارج الوطن، والأهل داخله. وربما كان الخروج على المحيط الأسري مغرقاً لها في دوامة الضياع، والقلق، فتكون النتيجة التي لا تحمد عقباها. إن الرفض المحدود الذي سعت إليه البطلة تحاول به الخروج من قوقعتها والذي يبدو بعد كل شيء محصلة نهائية لموقف الرجل الأول في حياتها، الرجل الذي ضيعها بسبب تخليه عنها لا لسبب سوى تعلقه بأمه مما يعيدنا إلى خصوصية العنوان ودلالته الذي يشير إلى (عقدة أوديب) تلك العقدة التي رسمت بها شخصية القصة حبيبها الأول الذي يتعلق بأمه وينصاع لها انصياعاً كاملاً سبّب لها الانتظار الممضّ وأدخلها حرم العنوسة وحرمها متعة الزواج كبقية النساء في مثل سنها، وتبدو العقدة منتصبة في اندفاع الذكر مقابل عقدة العشيرة لدى الأنثى وكلا الحائلين (عقدة أوديب والعشيرة) يشكلان (تابو) اجتماعياً لا يزال يشبك أغلاله على النفوس، فالشاب المثقف الذي يحضّر للتخصص في شهادة عالية بفرنسا هو نفسه اليتيم المتعلق بأمه أكثر من تعلقه بأنثاه التي تعترف "أحببته بكل ما في الصبا من عنفوان، وخُرجت بكل ما في الصبا من كبرياء.. لأعترف أنه كان شهماً كان باستطاعته أن يستغلني. عواطفي كانت مجنونة. كنت مندفعةً إليه بصبوة الروح ولهفة القلب، وشوق الجسد. حتى كان جارفاً، وما أصعب أن تعود الأنهار إلى منابعها أن تُكبح بالسدود. أية قسوةٍ تعادل قسوة الهجران؟!.." تلح القصة بعد هذه الاعترافات الأنثوية الجريئة على تأثير العقدة الأوديبية على الشاب، واكتواء الأنثى بنتائجها، فتعود إليها في ثنايا القصة، كلما اشتطّ بها السرد، إذ أنها بعد بضعة عشر عاماً تلتقيه، لتصفعها الذكريات. ذكريات الحب الأول، فتتأكد من تهرّبه منها، وتسأله سؤال المستنكر العارف: "إذاً أين كنت طوال هذه السنوات؟ في أيّ قوقعةٍ كنت متخفياً. أصبحت يا أوديب في الرابعة والأربعين من عمرك، ولم تسمح لك أمك بالسفر أو الزواج؟!" والتفاتة الكاتبة إلى هذه العقدة من شأنها أن تضفي على القصة بعداً نفسياً، تتكامل معه أزمة الفتاة المحكومة بعادات مجتمعها الشرقي ومن ثم مآلها المعتم المهدّد بالعنوسة. إن عقدة أوديب التي أتت عليها الكاتبة، راعت النظرة الأنثوية بالنسبة للذكر، وهذا أمر له أهميته في ميدان النقد، إذا علمنا أولاً أن القصة القصيرة نادراً ما عالجت هذه العقدة، وثانياً، لأن الرواية العربية عالجت المسألة، ولكن بعيون (ذكورية) كما في (السراب) لنجيب محفوظ. و(ربيع وخريف، والثلج يأتي من النافذة، والشراع والعاصفة) لحنا مينة. و(ملكوت البسطاء) لخيري الذهبي. رابعاً: الصباحات المريرة. قصة: د. جرجس حوراني. يختلف أسلوب هذه القصة قليلاً عن الأسلوب الذي عهدناه في قصص الكاتب السابقة، ولعلها نزعة التجريب والتحديث التي دفعته إلى ذلك بغية التعبير عن حالةٍ نفسيةٍ تمتزج فيها الحقيقة بالحلم، ترتسم من خلالها الشخصية القصصية التي تعمّد الكاتب أن يظهرها بمظهر الضائع الحائر المتردّد، المحبط، المسلوب الإرادة. حيث يرى بأمّ عينه الاعتداء على ممتلكاته، ويحسّ بنفسه بالظلم يقع عليه، فتعتمل في داخله بوادر الثورة، لكنها ما تلبث أن تخبو وتتلاشى مرةً تلو مرةٍ في موقف سلبي لا يحسد عليه، لأنه حين يجدهم قتلوا حصانه، ثم بعد انتهاء رميه في الحفرة، ينتابه شعوران "الأول: أن أقتلهم جميعاً [كبار الضيعة] وأفدي بهم ذلك الذي اعترف بحبه لي بشكل متأخر. والثاني: أن أقتل نفسي أمامهم. لكنني على ما يبدو لم أمتلك الجرأة كي أنفّذ أياً منهما". وحين يرى ما حلّ ببستانه بعد اقتلاع أشجار الزيتون من جذورها. انتابه شعوران أيضاً لا يختلفان عن سابقيهما: "أولهما أن أقتلع هؤلاء [كبار الضيعة] كما اقتلعت شجراتي.. وثانيهما: أن أضحك. لكنني لم أفعل أيًا منهما". وحين تطلب إليه المرأة التي أحبته وأحبها، اللقاء والزواج، لم يمتلك الجرأة والإقدام.. وحين يُهدم بيته ويُلقى به في العراء ينتابه كذلك شعوران: "الأول أن أُفجّر رؤوسهم.. والثاني: أن أضحك. لكنني لن أمتلك الجرأة كي أفعل أياً منهما". وهكذا تتوالى عليه المصائب والكوارث فلا يملك حيالها سوى الانهزام السلبي، وقتل كل بادرة للثورة والتمرّد، مما يضع بين أيدينا نصّاً قصصياً مبنياً على الترميز. فالشخصية القصصية التي تتمتع بالطبيعة رمز للإنسان العاجز عن المقاومة، أو محاولة التغيير في الواقع السياسي وبصورة خاصة الواقع الفلسطيني الذي تتوالى الرموز مشيرةً إليه ومعبرةً عنه. يبرز من بينها المختار، وحوله كبار الضيعة ممثلين للسلطات المحلية التي يتلقى مواطنوها الضربات ، فلا تملك إزاءها سوى التسليم وتطييب الخاطر، كنصيحة المختار لمواطنه بعد اقتلاع أشجار الزيتون: "ارحلْ يا طيب. الجميع يرى أنك ستجلب الحظّ السيء لنا". وكذلك الرموز الفلسطينية المتمثلة بالبستان، وأشجار الزيتون، والضيعة، والتفجير، وهدم المنازل. والتهجير، والرفض والتمرّد والاستكانة والاستنكار، إضافة إلى الصباحات الحزينة التي حملت عنوان القصة ودلالاتها الموحية بالأسى على الرغم مما يخفي بطلها من ارتباطات حميمةٍ بالأرض، رمز الوطن، والبستان رمز الخصب والعطاء، والحصان رمز الفروسية العربية، وما حادثة قتله سوى قتل الأصالة والروح المتحفّزة المتوئبة. يحتدم جدلٌ انفعالي حيّ بين الشخصية القصصية، وهذه الأشياء الحميمة التي تربطه بالأرض، وتنمّ عن الانتماء والهوية.. والواقع المأساوي المعجون بالهمّ اليومي الوطني، المقموع والمتفكّك، وقد تمكّن القاص من تصوير جانبٍ عريض من الحالة النفسية التي تسكب عصارة حبها، وآمالها في بوتقة الهواجس الإيجابية، لكنها تتحوّل إلى السلبية نتيجة الصدام بالواقع المرير، والضغط، وتغدو الوقائع والحالات الإنسانية المدمّاة، لوحاتٍ قصصيةً حيّةً، تتلاحق في تسع مشاهد، يربط بينها خيط متين كخيط السبحة. يتداخل فيها الألم النفسي بالوجع الوطني، وكوابيس الحلم واليقظة بالواقع، وتذخر الرموز بحوامل سياسية تنقاد لمعطيات الواقع، على الرغم من شدّة سلبيتها، وكما انقادت شخصية القصة مع التيار الجارف، فإن اللغة انقادت أيضاً للكاتب، فجاءت لغة حلمية شفافة حيناً، وواقعية حيناً آخر لكنها مغموسة بالحزن، متشحة بالقتامة التي ترغم القارئ على التعايش معها، والتأثر بجوّها الحميم الذي يدين الإنسان العربي الذي يُجلد بموقفه السلبي الذي هو في الأصل إدانة للموقف العام. لكن ما يلاحظ على النصّ تسرّب بعض الألفاظ الناشزة بعض الشيء عن سياقها الدلالي، أمثال: "اعترف لي بشكل متأخر" و"جاء سؤالي بشكل غير متوقع" ولفظ "شكل" في هذين الموضعين غير سليم، والأفضل منه لفظ (صورة).. ومثلها عبارة "الشمس خجولة" ولفظ خجول، وخجلى أفضل، ثم إدخال (ال) التعريف على لفظ (بعض) ونبوّ علامات الترقيم عن بعض مواضعها، كعدم استخدام إشارة الاستفهام، والاكتفاء بإشارة التعجب بعد عبارة: "من قتله!".. وعودة الضمير على المتأخر رتبةً، كما في بدايات القصة. خامساً: قطار الصمت. قصة: سهيل شعار. يحار القارئ حين يجد نفسه في بداية قصةٍ قصيرةٍ، أمام تاريخٍ محدّدٍ، لأن الفضاء الزمني طوعته الرواية التي تتصدّى لفترةٍ تاريخيةٍ في حياة شعبٍ، أو نضال أمةٍ، أو مرحلة جيل، فيشتبك الزمان مع المكان، ليرسما أبعاد الحدث أو الأحداث الروائية، فماذا يقصد الكاتب في قصة (قطار الصمت) التي يبتدئها بهذا المدخل؟ "في اليوم العاشر من شهر أيلول.. وحوالي الساعة السادسة صباحاً، استيقظ زيدون.."؟ إن أول ما يتبادر إلى الذهن، أن الشهر التاسع الميلادي، هو أول أشهر فصل الخريف، وأن الساعة السادسة تشير إلى البكور الصباحي، ولكن لماذا اليوم العاشر على وجه التحديد؟.. هل هو تاريخ ذو علامةٍ فارقةٍ في حياة الكاتب؟ أم في تاريخ حدثٍ معين في حياة وطنٍ أو شعب؟ تشير معطيات القصة إلى الحالة النفسية لشاب ذي مزاجٍ معينٍ، يحمل حقيبته ويتجه إلى محطة القطار. والمحطة رمز للتوقف الزمني الذي يجسد وقفةً محدّدةً في حياة الإنسان، بينما يرمز القطار إلى السفر، والحركة، ورحلة العمر التي تبدأ من محطة، وتنتهي بمحطة. والشاب الذي يستقلّ القطار وقرر الرحيل رمز للبؤس والضياع الإنساني: "إلى أين؟.. هو نفسه لا يعرف حتى هذه الدقيقة". تعتمد فنية القصة على السرد الذي تنداح من خلاله الذكريات المتشحة بالكآبة والبؤس، كالحقيبة القماشية ذات النوع الرديء، والتوقيت الصباحي الذي كان "كثلاّجةٍ كبيرةٍ دون أبواب أو نوافذ" و"الطفولة المعذّبة" والخيبة في الحب "فقد أحبّ أكثر من مرةٍ ومرة، وكان حبّه ينتهي من أول لقاء". كان يمنّي النفس بأن تخلّصه رحلة القطار من عذاباته وخيباته، وها هي الفرصة تسنح مرةً واحدة. إذ يجلس مقابل فتاة جميلةٍ "ساحرةٍ في الخامسة والعشرين من العمر والحب، ولم يستطع زيدون أن يخفي إعجابه، واندهاشه بهذا الصباح المشرق المضيء كشمسٍ صغيرةٍ، إنما اندهاشه وإعجابه وأحاسيسه الحلوة، اختفت فجأةً حين حدّقت المرأة في وجهه قائلةً: -خير إن شاء الله. لماذا تحدّق بي هكذا؟ هل تعرفني؟!.." تزخر القصة بمفارقتين طريفتين، فاجأ بهما القاص قارئه آخر لحظة. الأولى: أن الفتاة الجميلة التي نهرته في البداية، قد مالت إليه، وربما أحبته في نهاية الرحلة.. والمفارقة الثانية أن تعلّق هذه الفتاة به، بعد خيباته العاطفية المتعدّدة، ما لبث أن تلاشى، حين وجدته (أخرس) وكانت الصدمة. وكي يوجد الجو الملائم للقصة، فقد أدخل الكاتب (الجدّة) في البداية، لتغني الفكرة فتكون مصدر الرعاية والتربية الوعظية الزاجرة: "لا تلعب قرب المحطة. فالقطار لا يميّز بين قطةٍ وطفل، لا يمكنه التوقف. إنه سريع جداً" وذكر الجدّة غالباً ما يثير في القصة الحنين، ولكنه حنين مرتبط بحالة الضعف الإنساني، والذكرى الشجية المترافقة بمرحلة الطفولة، وقد خدم وجودها الحدث، ورسم ملامح الشخصية، إذ كانت تلميحاتها متساوقةً مع فشله وخيباته المتلاحقة، وكان أسلوبها التربوي مرهصاً للخاتمة كي تتفجر عاطفةً، والتي انعقدت فنية القصة عليها، حيث عمدت إلى التفاهم معه بالإشارات وحركات الأصابع، من دون أن تثير حفيظة القارئ بمباشرتها، أو ترهقه في التنبؤ بحقيقة هذه الشخصية الشابة، ذات العاهة النطقية المؤثرة. سادساً: اليوم السعيد لسعدون. قصة: بسّام الطعان. عندما قال نابليون: "فتش عن المرأة" فقد لخّص بعبارته هذه فلسفة العلاقة بين الذكر والأنثى، والمعهود في الأدب، قصةً وشعراً وروايةً، وخواطر، أن المرأة منهلٌ عذب للجمال والحبّ، كما هي مصدر للخصب والعطاء، لكنّ غير المعهود أن تكون شرّاً مطلقاً، وشرّاً لا بدّ منه لدى بعضهم، كما هي عند بسام طعان، ولدى سعدون الذي لم يعرف السعادة إلاّ يوم دفن زوجته. لأن الأعوام الخمسة عشر التي قضاها معها تحت سقفٍ واحدٍ، كانت جحيماً لا يطاق، وأن "هذه المخلوقة لم تكن زوجة لي. بل أنا كنت الزوجة. كانت زفرة اللسان، زنخة الألفاظ. سيفاً مسلّطاً على رقبتي.. وطيلة هذه المدة كنت أمامها عاجزاً عن فعل أي شيءٍ.." تتعامل معه بالصراخ والصياح، توقظه بالممسحة ليصنع القهوة وينظّف البيت، حتى إنها عند حاجتها الجسدية النهمة إليه "كانت تقلب كياني فوقاني تحتاني، وعندما كنت أقول لها: لم أعد أستطيع، كانت تجعر في وجهي، وتقول: انقلع من قدامي، وجهك يقطع الرزق". جسّدت القصة حالة الرجل المضطهد من قبل الزوجة الطاغية، الذي فقد الراحة والاطمئنان بجوارها، وأظهرت الملامح البارزة لشخصيته الانهزامية الضعيفة، التي لم تتخلص من خوفها حتى بعد رحيل الزوجة... كما ضخّمت القصة حالة المرأة التي سامت زوجها الظلم والقهر، حتى جعلته يطلب من الشيخ بعد مراسم الدفن أن يطلّقها لئلا يلتقي بها ثانية في الآخرة. وتضخيم حضور المرأة ساق الكاتب إلى تقديم عدّة صورٍ غرائبية تذكّرنا بصور زكريا تامر الذي خالف الناموس القصصي العربي، فحرّك الأموات، وحاكمهم، وقلب الحقائق، وغيّر الوقائع بصياغات قصصية إبداعيةٍ متميّزة، عبر منظور منطقي متخيّل، تقترب منها محاولة (سعدون) الذي يرى النعش يتحرّك، وينطق ويستغيث استغاثاتٍ ممزوجةً بعبارات الاستنكار والاستهجان، ثم مع تحرّك الجثة، يبدو أنها تحاول أن تخرج يدها من النعش لتهدّد: "تريد أن تتزوج عليّ يا ملعون! والله سوف أجعلك تنسى اليوم الذي ولدت فيه!" إن هذه الغرائبية التي تقترب من (أجواء) زكريا تامر في مجموعة (الرعد) ظلت محافظة على منطقة العلاقات الواقعية مؤيدة بالموروث الروحي، ولم تحفل فنيتها المثيرة بما حفلت به قصص زكريا تامر التي تنقطع فيها التفاصيل الواقعية انقطاعاً سريالياً مباغتاً، ومع أن قصة (اليوم السعيد لسعدون) أعادت الزوجة الميتة إلى الحياة بعد الدفن، ومن ثم العودة إلى البيت والحركة داخله، وفق هيكليةٍ قريبةٍ من الهيكلية التامرية من حيث التجاوز والتعاقب، إلاّ أن غرائبية سعدون اقتصرت على الملاحقة من طرفٍ واحدٍ - هو الزوجة، في حين كانت معظم قصص زكريا تامر تجعل بطلها محاصراً دائماً بين فكي كماشة، كالسلطة والزوجة، في أسلوب تكثيفي نادر بين كتّاب القصة العربية، القصيرة، والقصيرة جداً. سابعاً: سَجُون، قصة: موسى المسالمة: يلفت العنوان الانتباه بلفظته المفردة المنقطعة عن التعريف والإضافة- إضافة إلى الدلالة المعنوية التي توحي بها، لأن لفظ السجن يعني في المنظور الثقافي مكاناً للاعتقال ورمزاً للقمع والكبت ومنع الحريات، ومصادرة الأفكار، وهو -كذلك- في القصة التي تزيح الغلاف الشفاف عن الواقع الأمني الذي يغرق المواطن في أوحاله، فلا يملك تجاهه سوى الانصياع والتسليم.. تعمد القاص أن يطعم القصة التي تسرد حادثة قمعية معاصرة بالحادثة التاريخية أو بالأسطورة التي تخدم الغرض وتوظفه بغية التأثير في القارئ ومن ثم تبيان ضخامة ما يُبتلى به الإنسان من ظلم على يد أخيه الإنسان، معيدة إلى الأذهان أن علاقة الكتابة الإنسانية بالأسطورة علاقة حميمة ترفع القارئ إلى مقام رفيع ليكون على تماس مع الأبطال الغابرين. وهنا تتجلى لحظة الإمتاع القصصي والمؤانسة التي يتجلى من خلالها ذلك الاتصال الصوفي الذي يبدعه الكاتب، ويوجده بين الألوان والمكان وبين الكلمات والمكان والزمان ذلك أن هذا التمازج والتداخل يمنح القصة آفاقاً واسعة ثقافية واجتماعية وإنسانية نظراً لما تحمله من دلالات، احتل أصحابها مكانة حاسمة في التاريخ ولأن شرارة الكتابة -كما يعتقد النقاد- لا بد لها من أصل يؤطرها ويجعلها تتألق شيئاً فشيئاً إلى أن تتسلل إلى ماهية العالم من أجل تحقيق خطوة واحدة لعل الكاتب يستطيع أن يزيل شيئاً ما من الظلم ويخفف بفكره شيئاً من معاناته. إن قصة (سجون) التي اختارت عالمها التاريخي الأسطوري والواقعي وقدمته في إطار الحلم والفنتازيا والماضي والواقع تثير مسائل متعددة تتعلق جميعها بحرية المواطن وأساليب التسلط والقمع، وتمزج بين التاريخي والوطني والقومي حيث يقبع الإنسان المسلوب الإرادة والحرية لتنعقد أمامه عدة تساؤلات دينامية أكثر تشعباً وتعقيداً لأنها تساؤلات جيل عربي بأكمله أو جيل مرحلة تاريخية بكل طموحاتها وخيباتها وآمالها وآلامها وأوهامها وانكساراتها بدءاً من الواقع الأمني المحلي إلى القمع الصهيوني للإنسان العربي إلى الانحراف الأمريكي عن الصراط الإنساني إلى الإرغامات الذاتية والجماعية والتاريخية والنفسية والأيديولوجية والثقافية والسياسية والاجتماعية وسواها من أشكال الإرغامات الأخرى الموازية التي يتعرض لها المواطن العربي من اغتصاب عذرية المرأة إلى اغتصاب حرية الرجل. "عندما كنت صغيراً لطمني جارناً الوقور. من يومها نسيت أنه مدّ يده إلى صدر جارته وهصره، ففتحت فمها، وفتحت فمي، هي لتتأوه، وأنا لأبكي، وصديقي الذي أخذوه من بيننا وقالوا إنه مدسوس ظننت يومها أنهم قالوا عنه ذلك لأنه اندس ليلعب بيننا. كان خائفاً، وهأنا أشيخ. ولم يعد سؤال وجواب، ومن يومها لم أجرؤ على أن أندس حتى بين أبي وأمي". إن القصة استطاعت أن تدخلنا إلى أجوائها الأمنية القائمة وأن توصل رسالتها إلينا كقرّاء يتعاطفون معها لأنهم لا يحبون السجون ولا المحققين وأساليبهم القمعية، ويحلمون بعالم يسوده الأمن والحب والعدالة. لكن تداخل التاريخي أو الأسطوري بالواقعي المعاصر يحتاج فنياً إلى وقفة متأنية من الكاتب وإعادة نظر.. |
|
| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |