مجلة الموقف الأدبي - مجلة أدبية شهرية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - العدد 363 تموز 2001
Updated: Tuesday, September 23, 2003 04:41 AM
فهرس العدد فهرس الدوريات
 

عبدو القش في الجنة ـــ قصة: كلاديس مطر

نام السيد عبدو القش وهو يحلم بالعبارات و(الإيفيهات) التي سيخرج بها عن النص في العرض التالي للمسرحية التي يلعب الدور الرئيسي فيها. كانت الساعة تقارب الثالثة والنصف صباحاً حين أخذت الكلمات المبتكرة الجديدة تتدفق كأبيات شعر الصباح الباكر عندما تمتلك المرء موهبة الربع ساعة النادرة قبل الغطس في النوم مجدداً. آه لو كانت لي القدرة على تسجيلها لولا هذا النعاس القاتل.... سوف لن أنساها.... سوف لن أنساها.... هكذا كان يفكر وهو ممدد على جنبه وثانياً ركبتيه وعيناه نصف مغمضتين تقاومان خيوط الضوء الرفيعة المتسللة من ثقوب النافذة.‏

حين انتهى العرض تلك الليلة وقف الممثلون جميعاً يحيون الجمهور بانحناءات وتصفيق متواتر... أما عبدو فكان طائراً فوق الجميع بمكياج وجهه وثياب الدور الملونة وإحساس لذيذ بالجدوى والنجاح. إنه يعيش في مجتمع دون رقابة. إنه قادر على أن يعيد صياغة مشاعر الجماهير ودفعها في الاتجاه الأبقى والأفضل... إنه قادر على أن يقتلع هذه الأفكار الغريبة وتلك الأمراض التي تتسلل إلى جسد عشيرته فيعيد لها العافية وذلك من خلال تلك العبارات الرائعة الهزلية التي يجعلها تدوي كل يوم في أرجاء مسرحه الجميل.‏

لا يزالون يصفقون.... أما هو فقد خرج مرتدياً معطفه الطويل وحيداً سعيداً مستمتعاً بالهواء البارد الجليدي الذي يلف الأجواء. ومشى مسرعاً تدفعه الخطوات باتجاه الجسر الفاصل بين شقي المدينة حيث ينساب النهر شبه الهائج بمياهه المخضرة. وبدأ يدندن بأغنيته المفضلة (.... بتسأليني بحبك ليه... رالا ..... لالا.....) وهو ينحدر باتجاه الشارع المؤدي إلى المنزل. وفي الطريق كان يرى العشاق يحققون أحلامهم بهدوء ودعة في سكينة تلك الليلة النادرة حيث لا وجود لبوليس المهمات السرية أو الثوار الصغار يلهون بلصق المناشير الساخنة.‏

كل شيء على ما يرام في هذا المجتمع. البارحة فقد احتفل السكان في الساحة الرئيسية للمدينة بالقضاء على آخر فقير فيها. كان المختار ورئيس البلدية والمحافظ والوجهاء يلبسون ثيابهم الرسمية ويجلسون تحت الخيمة الضخمة المزركشة المنصوبة بينما جلس في الصف الخلفي‏

الضباط ورئيس الشرطة وبعض الأعيان أما عبدو القش فقد متع ناظريه برؤية (للوس) الفقير يتقدم بثياب مستعارة نظيفة إلى المنصة ليستلم جائزة (اللوتو) الأخيرة.‏

(يا فرحتي.... يا فرحتي.... يالهذا النهار البديع ـ هكذا كان يفكر ممثلنا السعيد ـ أي شعر عظيم يمكن أن يصف ما يحدث وأي عبارات يمكن أن تقال... أي لوحة يمكن أن تمجد في ألوانها هذه اللحظة الحاسمة وأي أغنية يمكن أن توازي في إيقاعها دقات القلوب الفرحة.... يالسعادتي ويالأماني..... إنه حلم الأحلام. فلأخلع قبعتي إذا ولأُدِر ظهري إلى الجمع الغفير وأنحنِ أمام هؤلاء الرسميين على المنصة محبة مني وتقديراً. من غير الفنان يمكن له أن يبارك تدليل المجتمع ويستمتع بهذه الحريات التي يمنحها لنا محافظ نائم تحت مراوح السقف في مكتبه أو مختار يلعب طاولة الزهر أمام الباب؟ إنهم ينامون ويلعبون كي يغضوا الطرف عن هذه الحريات المتداولة... إنهم يفعلون ذلك، ولله، بدافع من حكمتهم العميقة وإحساسهم الجم بضرورة تقدم هذا البلد.... لأنحني أمامهم كما أنحني كل يوم أمام جمهوري العظيم الذي يغني الميجانا والعتابا من الصباح حتى المساء فرحاً وغبطةً...... لأنحني..... لأنحني.....!).‏

ما زال عبدو القش يتمشى على الجسر وهو يعيد بعقله تلك الأفكار اللذيذة.... وفي طريقه كان يلتقي بقطافي الورد وشمامي الهواء وبالوجوه السعيدة الباحثة عن السهر والسمر. من هم النيام في هذا المجتمع العظيم؟؟ إنهم الأطفال ومن أنهكتهم متع الدنيا وبهجة النجاح وسهولة العيش! أما الفنانون والممثلون فلهم المجد من أطرافه... خذوا هذه العبارات الموحية البديعة التي تفوه بها عبدو القش من على مسرحه. كان عبدو يمثل دوراً كوميدياً لجلاد في سجن المدينة من ثلاثمائة عام تقريباً وكان الدور يتطلب منع أن يقوم بتعذيب أحد السجناء ولكن بطريقة كوميدية من أجل الإبقاء على مناخ العرض المرح وحتى لا يشعر الحاضرون بالكآبة والضيق.‏

بينما كان ينهال عليه بالضرب كان يدور الحوار التالي:‏

عبدو الجلاد: (صارخاً) إنك وغد وتحتاج إلى عقاب يا أبا كوكو.... كيف تتجرأ على مخالفة أوامر الحاكم العظيم!‏

أبو كوكو السجين: .... أنا.... أنا لم أخالف أحداً..... والله العظيم...اهيه.... اهيه....‏

عبدو الجلاد: لم تخالف.... وماذا تسمي عدم شرائك ثياباً جديدة تليق بالاحتفال المقام من أجل عيد الحاكم...!!!...‏

أبو كوكو: اشتري..... اشتري..... ولكني لا أملك مالاً حتى لشراء طعامي!‏

عبدو الجلاد:... لا تملك مالاً...! هذه غلطتك إذاً (يضحك الجمهور هنا)... لماذا لا تملك مالاً.... ها... هيا قل أيها الغبي (يجلده مرات عدة بطريقة مفتعلة والجمهور يواصل الضحك)، والله سأنزل حالاً إلى الصالة وسأجمع لك ثمن هذا الثوب اللعين...(يغمى على الجمهور من الضحك!!!!)...‏

حين كان عبدو القش يتابع سيره باتجاه المنزل تلك الليلة كان يفكر في هذا المشهد بالذات ويعجب بعبقريته التي أبدعت وجعلت مثل هذا الجمهور المتخم سلفاً بالسعادة والفرح يضحك من صميم قلبه.... بل إنه سمع في الخارج سيارات الإسعاف القادمة لحمل المغمى عليهم والحبالى يخرجن مع أزواجهن خوفاً من وضع مفاجئ.... أما كبار السن فقد رأهم بأم عينه يحملون على نقالات المشفى وقد عاجلهم الضحك بنوبات قلبية غير متوقعة.‏

إنه المضحك المبكي بعينه... أوف... حتى في مثل هذه المجتمعات لا يمكن للمرء أن يرتاح.... ولكن على الأقل يموت الإنسان هنا من شدة الضحك أما في المجتمعات الأخرى والعياذ بالله فلا أعرف كيف يعيش البشر ولا كيف يموتون؟.. هكذا أكمل عبدو القش هواجسه، أحلامه، أضغاث أحلامه... كوابيسه عندما أيقظه ابنه الصغير وهو يعبث به من الخلف مانعاً إياه من الاسترسال في سمفونية سعادته الأخيرة.‏

كان عبدو لا يزال في وضعية الانثناء ذاتها... أما مؤخرته التي كان يديرها إلى جمهور الفقير الأخير في المدينة وجمهور مسرح المسرات فقد لاقت مصيراً متوقعاً.‏

ما أفظع الاستيقاظ قبل أن تسدل الستارة على المشهد الأخير من حلم الأحلام... عندها لن تنفع كل محاولات تجديد النعاس أو إطباق العيون قسراً ولا حتى اللجوء إلى الحبوب المنومة... سوف لن ينفع بالتأكيد شد اللحاف إلى أعلى الرأس والصراخ ولا حتى الجلوس على حافة السرير والأخذ بالنحيب وبالبكاء.... لا لن تجدي هذه الأمور بشيء.‏

سوف لن يكون على عبدو القش شاء أم أبى الاستيقاظ ثم الذهاب إلى مسرحه محاطاً برعاية رقباء مدينته العزيزة، أما جل ما يمكن أن يفعله في ذلك المشهد الذي يحاول الخروج منه على النص، أن ينهال بالضرب المبرح الحقيقي على ظهر أبي كوكو لأنه لم يكن لديه المال لشراء ملابس الاحتفال بعيد الحاكم... سوف يكون بإمكانه، إن أراد، أن يخترع صيغاً لا نهائية من الشتائم والألفاظ النابية لإظهار الحب العارم تجاه الأعياد القومية والغيرة عليها... عندها سوف لن يصفق الجمهور من شدة الضحك وإنما التيه وسوف لن تمتلئ المستشفيات بالمغمى عليهم من الضحك، وإنما مصحات الدول العقلية بالمختلين.‏

لقد أمكن لهذا الممثل العظيم أن يوقع شعباً بأكمله في الالتباس. أما هو فلن يعد بإمكانه أن يتنزه على جسر المدينة مدندناً بأغنيته المفضلة (بتسأليني بحبك ليه)، خوفاً من مضمونها الحر وسيبدلها بأخرى أكثر حداثة (أمرك حبيبي... أمرك)، التي سيفضل أن يغنيها من الآن وصاعداً في حمام منزله‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244