|
||||||
| Updated: Tuesday, September 23, 2003 02:21 AM | ||||||
| فهرس العدد | فهرس الدوريات |
|
التشكيل الموسيقي...في بناء الصورة الشعرية ـــ د. وليد مشوِّح ... ولأن الكثيرين فهموا الحداثة فهماً خاطئاً؛ فقد عملوا على تحطيم الكثير من القيم التي قامت عليها القصيدة العربية، أما القيم التي أردناها هنا؛ فهي البُنيات الحيوية التي أشادت عمارتها. ولسنا هنا بصدد التفصيل في البنيات الكلية والجزئية؛ إنما أردنا تناول إحداها ونعني التشكيل الموسيقي الذي يعتبر من أهم الأسس التي قامت عليها عمارة الشعر. لقد وقع البعض في وهم المعنى الحداثوي، فظنوه- عن جهل- إلغاء التشكيل الداخلي والخارجي في معمار القصيدة، فألغوا الإيقاع، وأسكتوا الصوت في دلالتيه الشعورية والإحساسية، في تعبيريته وتركيبيته، وبالتالي أغلقوا كل سالكة الطرق أمام الحراك النفسي للمبدع والمتلقي في الوقت نفسه، وما عاد أمام الشاعر المعاصر أي مجال لاستعمال الموجات النفسية التي تحملها موسيقا الشعر، لأن "الشعر الحديث في صورته الموسيقية يعتمد الموسيقا التعبيرية أكثر من اعتماده على الموسيقا التركيبية". وهكذا يفقد الشعر عناصره شيئاً فشيئاً وبالتالي ينحسر تأثيره، ويفقد ألقه، وتتأثر ثقافتنا العربية لأنها فقدت الجذر الوجودي لها. ولأن الموسيقا وجدت قبل اللغة على رأي أوتوجسبرسن- فإنها من الأسس الهامة في تشكيل القصيدة العربية الحديثة. ولما تحدث الخليل بن أحمد عن علاقة الأوزان الشعرية بأحوال النفس الإنسانية؛ قدم نماذج من الشعر القديم، وسحب تأثيرات الموسيقا على النفس من خلال تشكيلها في القصيدة، ومن خلال تساوق الحروف في اللفظة، وتساوق الألفاظ مع المعنى، وسيرورة المعنى في موضوعة التشكيل. وفي هذا يقول الدكتور عز الدين إسماعيل: "... ولما كانت القصيدة بنية موسيقية متكاملة؛ كان من الطبيعي أن يلتفت الشاعر في تشكيله لهذه البنية إلى هذه العناصر التي تحقق الانسجام بين مفرداتها... ومع أن جزءاً كبيراً من قيمة الشعر الجمالية يُعزى إلى صورته الموسيقية، بل- ربما- كان أكبر قدر من هذه القيمة مرجعه إلى هذه الصورة الموسيقية. وكثير من النقاد يعزون ما نجده في الشعر من سحر إلى القيمة التي تؤسسها الصورة الموسيقية. (التفسير النفسي للأدب). لذا أوجد النقاد معايير نقدية على أشكال مختلفة لظاهرة التشكيل الموسيقي. ولما كانت قضية التشكيل الموسيقي من أهم القضايا وأخطرها في الشعر الحديث، فإننا نرى وجه الخطورة يتأتى من جهتين: أما الجهة الأولى فتكمن في كون هذه القضية (التشكيل الموسيقي في الشعر) من أبرز الأسس الداعية إلى رفض هذا الشعر. أما الخطورة القادمة من الجهة الثانية، فتتمثل في توهم بعض الشعراء أن الشعر الجديد خلو من ضوابط الأوزان والقوافي؛ لذا نظموا دون قانون يرتكزون إليه، أو بحور يعتمدون عليها ويتقنون النظر فيها، فجاءت أشعارهم صورة من الفوضى، وضرباً من النظم المؤذي للأسماع، المربك للعقول، وما دروا أن القصيدة الجديدة لها شروطها الدقيقة ومعاييرها الصارمة التي نراها تتلخص في معيارين رئيسيين يلخصان إرادة ضبط الإيقاع الموسيقي من أجل تكامل التشكيل في القصيدة. وأول هذه المعايير ما يتصل بالوزن، فالقاعدة الكبرى التي يقوم عليها وزن الشعر الجديد هي التفعيلة ضمن الإطار الموسيقي له، أي حينما يختار الشاعر بحراً لينظم عليه قصيدته؛ ينبغي أن يكوّن تفعيلة ذلك البحر في جميع أسطر القصيدة، وللشاعر الحرية في أن يختار العدد المناسب من التفعيلات داخل السطر الشعري الواحد. أي قد تقتصر القصيدة على تفعيلة واحدة أو أكثر حسب الحالة النفسية التي أهَّلت الشاعر للإبداع ودفعته لأن يصب دفقاته الشعرية في نص واحد. وهنا لا يجوز للشاعر أن يستخدم تفعيلة بحجة التجديد أو حرية الإبداع أو هدم المألوف أو التمرد على السائد أو (ما جاءنا مستورداً من دعاو بحجة الحداثة لهدم القيم وإزاحة الشعر عن ملكوته عبر تعويم الرديء في حمأة الفوضى وغياب الضوابط)؛ لأن ذلك يؤدي إلى اختلاف النغمة الموسيقية مما يؤذي الإحساس، ويشتت الشعور، ويخلط الأبحر في القصيدة الواحدة، وقد لاحظنا (هذا الخلط) عند شعراء كثيرين زعموا إرادة التجريب، وأعطوا الحق لأنفسهم في أن يفعلوا في الشعر مثل هذا الفعل الشنيع. أما المعيار النقدي الآخر فيتصل بالقافية كونها النغم الأساس في موسيقا الشعر، أي الإسناد الجوهري للتساوق النفسي مع جماليات القصيدة. فالوزن والقافية هما الأساسان الفنيان الثابتان في الشعر قديمه وحديثه، لكن الشعر الجديد طور في شكل القافية، وأدخل التعديل المناسب عليها، ونحن نعرف أن القافية في الشعر- حسب الفراهيدي- هي الحروف ما بين الساكن الأخير من البيت، والمتحرك قبل الساكن قبل الأخير، بينما الروي؛ فهو الحرف الأخير الذي تنسب إليه القصيدة. (نظرية في علم العروض- ميشيل أديب). إذن فالقافية شيء، والروي شيء آخر، والشعر الجديد ألغى الدور الموسيقي الرتيب لحرف الروي، لكنه ظل محافظاً على القافية. وعن القيم النقدية البارزة في فهم دور القافية في الشعر الحديث؛ إدراك العلاقة بين صورة القافية- كتشكيل موسيقي- وبين الحالة النفسية والشعورية، كون الموسيقا تتحكم في صورة الانفعال المرتبط بها، ومن ثم في اختيار الكلمة الأخيرة المناسبة لذلك الانفعال، وإلا فقدت القصيدة وحدتها الصوتية المتماسكة وترابطها الواضح. ولعل حصيلة الشاعر اللغوية ومقدرته على اختيار المناسب من الألفاظ يسهم إسهاماً واضحاً في خلق حركة فنية تجعل نهاية الأسطر الشعرية تتشكل في سياق فني منتظم من جهة، وغير رتيب من جهة أخرى. إذن فالتجديد لا يأتي من فراغ ليقع في فراغ؛ إنما هو يقع في سياق تاريخي يتوافق وتجدد حيوات الناس في زمانهم ومكانهم، والعرب جعلت من الشعر موضوعة هامة ساهمت في حراكهم الحياتي، لذا وسمت السطر الشعري بيتاً، والبيت فيءٌ للسكن والطمأنينة، فإذا بدأ البيت بالكهف ثم تطور إلى (بيتِ الشعر) ومنه إلى بيت اللبن ومنه إلى الخان وإلى الحجر المحلي ثم البلوك الإسمنتي، من غرفات متقابلة تتوسطها فسحة سماوية (حوش الدار) إلى غرفات متقابلة بينها صالون مسقوف إلى بناء طابقي إلى شقق متساوية المساحات وعدد الغرفات إلى بناء برجي يحمل عدة شقق مختلفة المساحة وعدد الغرفات وهكذا... ولكن المسكن ظل يوسم بـ/البيت/ تطور وتجدد بتطور وتجدد الزمن، وتفنن بُناته في طُرزه بتطور ماهيات مكانه، لكنه ظل ضمن التناغم بين الإحساس بمتعة السكينة، ومعنى الاستقرار والطمأنينة في وسط المعطى الحضاري للعصر المعيش. فالتجديد- على هذا- ليس هدم القائم وخلق الفراغ في المكان والتصور الواهم بالسكن في فردوس يصنعه المعول كما تمليه (مغنطة) الفهم الخاطئ للحداثة، أو سطوة الشهوة في التقليد، وصنع الجبل النافرمن النفايات المستهلكة... إنه مجرد رأي، يمثل قناعة، ويظل الاحترام للرأي الآخر قائماً في أعماق القناعة الذاتية... وهكذا نختلف، فنتحاور، فنتفق... |
|
| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |