مجلة الموقف الأدبي - مجلة أدبية شهرية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - العدد 373 أيار 2002
Updated: Tuesday, September 23, 2003 01:45 AM
فهرس العدد فهرس الدوريات
 
العروض متى نحميه من التغريب؟.... ـــ ميشيل أديب

العروض متى نحميه من التغريب؟.... ـــ ميشيل أديب

"اللَّحنُ " بداية الخطر:

من يرجع إلى كتب التراث، وكثير من الكتب الحديثة المتأثّرة بأسلوبها، يجدْ أنَّ في الكثير منها، كمَّاً كبيراً من الكلام، لا طائل فيه، وأنَّ الفائدة المستفادة من هذا الكمِّ، كان يمكن أن تحملها سطورٌ قليلة.

وعندما نقول: البلاغة في الإيجاز، إنّما نعلن عن رغبتنا في "الزبدة" لا بما تضمُّه الجرّة الكبيرة من اللَّبن. وإذا كان بعض الكتب لا يضيرها التّطويلُ والإسهابُ والاستطراد، لبعدها عن الغرض التعليمي، فإنَّ كتباً كثيرة، وبخاصة ما كان منها متَّصلاً بعلوم اللغة العربيَّة، يثقلُها  مثلُ هذا الاستطراد، فتنفّر قارئها، وتتعبه وتضيّق عليه أنفاسه، لافتقارها إلى المنهج، ولأنَّ في مقدّمة أهدافها الإبهار لا النفع، والاعتبار، حتى ليصحَّ القول عنها: إنَّها "خزائنُ" للمُسْتظرَف في كلّ فنّ، أو أدب، مستطرف(1). وأكثر الكتب التي جاءتْ في تراثنا، لتسجيل نشأةِ النحو والعروضِ ومسائلِ الخلاف... من هذا النوع؛ فحين يرجعُ المرءُ إلى مراجعَ ومصادرَ تعينهُ على معرفة هذه النشأةِ(2)، فسوف يجد أقوالاً، قلما دلَّ كثيرٌ منها على الوفاق والائتلاف، بينما يبيّن الكثير منها، ما بين العلماء، من المفارقة والاختلاف.

وقد تقرأ صفحاتٍ كثيرةً دون أن تصل إلى رأي صحيح ودون أن تبلغ حقيقة تؤدي إلى علم نافع أو معرفة صريحة. وعندما يطلعك الباحثون على ما قاله الخلفاء والأمراء والحكام في ما بدا لهم من خطر اللَّحن(3). بعد أن سمعوه على ألسنة الأعراب، وأحسَّوا بخطره، بعد أن وصل إلى خطب المنابر، وقراءة بعض آيات القرآن الكريم، يقصّون عليك الأخبار وينقلون لك الروايات.

عن أسباب وضع "النحو" وعمّن وضعه، أهو "أبو الأسود الدؤلي" (-69هـ/688م). أم الإمام علي (-40هـ/661م)،  وعلى كثرة هذه الروايات واختلاف هذه الأخبار، فإنَّه، من المقبول، أن نقول: "إنَّ للإمام علي، وهو المفكر، والعالم، والشاعر، والأديب البليغ.... فضلاً كبيراً في دفع أبي الأسود في هذا "المنحى" وما كان يخفى على عظيم مثل علي، شأنُ عالمٍ مبدعٍ، مثل أبي الأسود، ولنا في وضعه، أسس تنقيط القرآن الكريم، لتسهيل قراءته، وحمايته من اللحن، والاختلاف في القراءة، خير دليل  على نبوغه بوضعه رموزاً لحركات الإعراب بهذه النقاط...

لكنَّ تلميذَيْ أبي الأسود: نصر بن عاصم (-89هـ/707م)، ويحيى بن يعمر (-129هـ/ 746م) خلقا، بوضعهما، النّقاطَ للحروف الخمسةَ عشرَ، المعجمةِ، إشكالاً(5)، ومصاعبَ، جعلت القراءة أمراً عسيراً.

ثمَّ ظهر الخليل (-175هـ ظناً/791م): وعندما ظهر الخليل في البصرة، تحرّكت الحياة العقلية، بشكل ملموس، بسبب التنافس الشديد، بين مدرسة البصرة، التي مثَّلَها الخليل(6)، بغزارة علمه وتنوّع معارفه، وسعة اطلاعه، واشتهار حلْقته، وبين مدرسة الكوفةِ، التي نبغ بين علمائها، الرؤاسي(7). (مات أيام الرشيد). وانتشر علم الخليل وانتفع به الكثيرون، ودلَّ على عبقريته، ما أملاه(8) على تلاميذه من لغة وشعر ونحو، وكان من ثمارها "كتاب" سيبويه(6)، (-183هـ ـ قيل 188هـ،803م)، أوّلُ كتاب مكتمل النَّضج
في النحو، جمع  بين صفحاته آراءَ الخليل النحوّية(10). وقد بلغ إعجاب أئمة اللغة والنحو، به درجةً عاليةً، دفعت الإمام اللغويّ والنّحويّ والعروضيّ، أبا عثمان المازني (-249هـ/863م)، إلى القول(11): "من أراد أن يعمل كتاباً كبيراً في النحو، بعد كتاب سيبويه فليَسْتَحي.". لقد شُغِل الناسُ "بالكتاب. وفُتِنوا بهِ، وحرص العلماء على قراءته والاطلاع عليه، والانتفاع بشواهده الشعرية(11). ومع أنّ الخليل وضع أسس  أوّلِ معجم عربي، باسم حرف "العين" إلاَّ أنَّ أهمَّ إنجازاته في خدمة اللغة العربيَّة، هو وضع الصورة الأكثر كمالاً، للنّقط، وللشَّكلْ(12)، برموزه المعروفة اليوم، فيسرَّ الكتابة والقراءة، وحرَّرهما من أية أسباب للخلاف في هذه القراءة والكتابة.

وبعد هذا الاكتشاف العظيم، أصبح الطريق مُمهَّداً للخليل، كي يقدّم معجزته، على مرَّ الزمن، علمَ العروض، الذي يتّصل بأصول "فنّ الشعر" و"أسرار الإيقاع الشعري"، فضبط بذلك قواعد النظم، كي لا يخرج الشاعر، ولو فقد سلامة طبعه، أو اضطربت لديه سليقتُهُ، عمَّا سلكه الآباء والأجداد الشعراء، من هذه الأصول والقواعد.

كان لزاماً علينا أن نبدأ بهذه المقدمة التي ربّما بدت لبعض قرائها طويلة، لوضع الخليل في بيئته العلمية فنعرف علوّ طبقته في علوم اللغة والشعر كافَّةً، ونرفض، بقناعة تامة، كلَّ محاولة للانتقاص من علمه، حين نقبل، مثلاً، ادّعاء الأخفش (-215هـ/839م)، بأنه استدرك (13) على الخليل، البحر السادسَ عشرَ، وسمَّاه، لزهوه وتعاليه "المتدارك". ولنقصي
عن أذهاننا، كلَّ قول أو اتِّهام يروِّج، لقبول فكرةِ تأثُّر الخليل بالأصول السنسكريتية واليونانية والسريانية... لقوانين الشعر في هذه اللغات قبل وضعه العروض (14).

إنَّ الخليل، كما سنحاول توكيده، هو أحد الرياضيين العباقرة وأحد العلماء الجبابرة، الذين أدَّوا للعربيّة وللعرب أعظم عطاء، فهو الذي صنع لها علامات إعرابها، وضبط لها نقاط حروفها ووسائل قراءتها من رموز ونحو، فلولاه، لما تيسَّرت لنا قراءة سليمة، لنصوص الدين، والفكر، والعلم والفلسفة وسائر ضروب الكتابة وأجناسها  الفنية والأدبية والعملية، ولولاه، لما عرفنا علم العروض الذي ضبط به أوزان بحور الشعر، فمكّننا من قراءة الشعر ونظمه، إنه بتثبيت "الوحدات الصوتية" التي بلغت ثمانياً، على محيط خمس دوائر، استطاع أن يحفظ، خمسة عشر بحراً من الضياع، إلاَّ أنه لم يشرح للدارسين عمليته الرياضية التي أوصلته إلى اختراع هذه الوحدات، التي لم تقوَ الأيام على الانتقاص منها أو الزيادة عليها(15). ممّا دفع كثيراً من العلماء القدامى والمحدثين إلى الاعتراف بأنَّ علم العروض وُلِدَ كاملاً بين يدي الخليل. وعلى الرغم من التبدّلات التي تطرأ على هذه الوحدات، بسبب الزحاف، فإنَّ ثماني التفعيلات، التي وزعها، كما توزّع، "نوطة" الألحان، على دوائره، لتفكّ منها أوزان البحور، قد استوعبت كل  الصور التي تأتي بها، عند تقطيع الأبيات، وقد أحصى أكثر من عالم هذه الصور، فبلغت أربعاً وثلاثين في آخر تفعيلة من الشطر الأول (16) ـ اسمها العروض ـ وثلاثة وستين ضرباً ـ آخر تفعيلة في الشطر الثاني ـ ومع ذلك لم يختلط بحر ببحر.

وأكثر ما يعيب كتب العروض القديمة والحديثة، أنها، على الرغم من مظاهر العبقرية، التي لم يكشف الخليل عن أسرارها، لم تحاول تحليل العملية الذهنية التي مكَّنت الخليل من بلوغ هذه القمَّة الرياضية التي لا تتأتَّى إلاَّ للأفذاذ.

وقد أبدى الشاعر مصطفى جمال الدين، شعوره بالضيق من هذه الحال، في مقدمته لكتاب الدكتور محمد طارق الكاتب "موازين الشعر العربي باستعمال الأرقام الثنائية". حين قال(17): "..... وقد كنت أعرف، كما يعرف أكثر المتتبّعين للنظرية، أنَّ العروض بقي كما وضعه الخليل في القرن الثاني، يتدارسه الناس، دون أن يفكّروا في طريقة لتسهيل صعبه، بل دون أن يضيفوا شيئاً على ما وضعه الخليل له من دوائر  ومصطلحات... "ثم راح العلماء، يحاولون وضع الألقاب العروضية لهذه الجوازات، ويختلقون للكثير منها، الشواهدَ.... وبدافع نزعة الكثيرين من هؤلاء العلماء إلى التصعيب، كي يقلّ منافسوهم فيكثر الإقبال عليهم، جعلوا الألقاب العروضية، دون تمييز بين حسن وصالح ومستقبح، فاتحة لفصول كتبهم في العروض، فنفّروا بذلك عدداً كبيراً من الدارسين والمدرسين(18).... وقد صوّر هذه الصعوبة خير تصوير،  الدكتور إبراهيم السامرائي، حين قال(18): "...... أقول من أجل هذا العسر في الوصول إلى هذه المادة، حاول غير العرب  من المستشرقين أن يجدوا ضوابط أخرى، غير الموازين العروضية التي قال بها الخليل....".

ومن يرجع إلى مادة "عروض" في دائرة المعارف الإسلامية، يجد مقالاً للمستشرق Weil الألماني، يبلغ عشر صفحات، جاء به في ثلاثٍ منها، حديثٌ طويل من مصطلح النبر، وجاءت كتابة هذا المقال، بعد عامين من وضعه لكتاب بالألمانية سنة 1985(19)، ولا نظن أن  Weil  وقبله المستشرق الفرنسي م.س.غويار(20)
(-1884م/1302هـ)، والكثيرين من المستشرقين، قد استطاعوا فهم خصيصة الدلالات الصوتية بحسب موقع الحرف العربي، أو عرفوا البنية الصوتية، لكل مقطع في التفعيلة، من حيث عدد الحروف المتحركة قبل الساكن فيها. وفي مقدمة ما خيّب الظن في كثير من دراسات  المستشرقين والمتأثرين(21) بهم من علمائنا المحدثين، هو تعاملهم مع الشعر العربي، فوضعوا لـه مصطلح النبر والمقطع القصير (الحركة)، والمقطع الطويل (المتحرك +الساكن)، أي أن فعولن، هي : فَـ+عو+لن.... وهكذا أدخل المستشرقون مصطلحات جديدة لا تمتُّ إلى العروض العربي بصلة، بل هي منقولة من الشعر الغربي... والمتأثرون بالمستشرقين وهم كثر، ينتقدون القدامى لأنهم أهملوا هذه المصطلحات في دراساتهم، ويأخذون عليهم أنهم قبلوا بأصوات الحروف بحسب حركات الإعراب، لأنها حركات ناقصة.

إن أسلوب الأعاريض الأوروبية مختلف كل الاختلاف عن نظام البناء الصوتي الدقيق في الشعر العربي. وإن العجز في فهم "نظرية" الخليل الرياضية التي لم يعلنها نظرياً بل صوّرها بدوائره الخمس تصويراً، بقدر ما تتيح هذه الدوائر لظهور الوزن بحسب واقع الشعر العربي، دفع المستشرقين وسواهم إلى طلب العروض العربي بأدوات الشعر الغربي ومصطلحاته. والكلمة الفصل في هذا الموضوع: أن عروض الخليل، وإن ظنَّ ابن فارس (-395هـ/1004م)، أنه علم قديم أحياه الخليل(22)، لا تدرك أسراره إلا بالعودة إلى الشعر العربي الذي عاد إليه الخليل، قبل أن يستنبط قواعد علم العروض وأصوله.

فالخليل، بذهنٍ رياضيٍّ فذ، استطاع أن يضبط نظام تتابع الحركات والسكونات في جميع الشعر العربي، وأن يضع لذلك، بعبقرية معجزة، "وحدات صوتية"، تجمعها كلمات، سمّيت الأجزاء وسمّيت التفعيلات(23)، إنها : مُسْتَفْعِلن، فاعلاتن، مَفْعولاتُ، فَاْعلن، فعولنْ، مفاعيلنْ، مُفَاعَلَتَن، ومُتَفاعلن(24)، ثم أضيف إليها "فَعِلن" في المحدَث ـ البحر السادس عشر ـ ومن يرجع إلى الشعر العربي، وبخاصة ماكان منه في المعلّقات يجد أن الكلمة في البيت الشعري، تلتزم بترتيب حركاتها وسكوناتها، بحسب ماجاء في إحدى  ثماني تفعيلات الخليل." وهذا أقوى توكيد على الصلة الوثيقة والعلاقة المتينة بين عروض الخليل وبين أصول الشعر العربي.

ـ هل للخليل كتاب في العروض:

بذلت جهداً جاهداً، أثناء ملازمتي، زمناً طويلاً، لمكتبة الظاهرية بدمشق عند إعداد رسالتي عن الحلي (752هـ ظنا/1351م)،  قبل أكثر من ربع قرن، للوصول إلى مخطوط كتاب في العروض، للخليل، أو لحديث قارئ لهذا المخطوط، أو لذكره في مخطوطات التراث، فلم أُفْلِحْ. كذلك كانت نتيجة بحثي الشاق عن ذلك، في مكتبة ميونخ وباريس. وكل ما صادفته هو عنوان لمؤلّفِيْه "الإيقاع والنغم" في معجم الأدباء لياقوت الحموي (-626هـ/1228م)، ولدى بروكلمان (1956م/1376م)،  الذي يبدو أنه نقل عن ياقوت اسم الكتابين، بينما لم يرد سوى ذكر أحدهما، الإيقاع، في وفيات الأعيان لابن خلِّكان (-681هـ/1282م).

وعلى كثرة ما ذكر العروضيون اسم الخليل، عند حديثهم عن العروض، أو عمَّا يتّصل به من شؤون، لم يقل واحد منهم، أكان من القدامى أو المحدثين، إنه اطّلع على كتاب "في العروض" للخليل.

حتى الأخفش (-215هـ/830م)، وهو قريب عهد من الخليل، كان يقول مثلاً(25): سألت الخليل عن سبب تسميته للبحور، ولم يقل: قرأت في كتاب الخليل، كذلك، لايذكر ابن عبد ربّه (-328هـ/939م)، أنه اطّلع على عروض الخليل، مع أنَّه، شغل حيّزاً واسعاً من كتابه "العقد الفريد" بأرجوزته الطويلة التي وصف بها دوائر الخليل، وتحدث طويلاً في جزء خاص منها، عن زحافات الشعر وعلله وألقاب ذلك كلَّه(26).

وابن رشيق (456هـ ظنا/1063م) حين يتحدّث في باب الأوزان من عمدته، يذكر أن للخليل كتاباً في العروض، وأن الناس ألّفوا بعده، حتّى وصل الأمر إلى أبي نصر اسماعيل بن حماد الجوهري (-395هـ/1004م)، فبيّن الأشياء وأوضحها في اختصار وإلى مذهبه يذهب حذَّاق أهل الوقت وأرباب الصناعة(27)، وعندما تحدَّثَ ابن رشيق عن علاقته، بموضوع "ألقاب الشعر"، قال: "ذكر أبو القاسم عبد الرحمن بن اسحق الزجاج (-316هـ/928م)، اختلافَ الناس في ألقاب الشعر، فحكى عن الخليل شيئاً أخذت به اختصاراً وتقليداً، لأنه أوَّل من وضع علم العروض وفتحه للناس....".

وليس الجوهري أوَّل من اعترض على كثير ممّا جاء به الخليل في العروض، فقد روى ياقوت الحموي في معجم الأدباء، أن لبرزخ العروضي، أحد معاصري الخليل، كتاباً في العروض، نقض على الخليل عروضه، وأبطل الدوائر والألقاب والعلل التي وضعها ونسبها إلى قبائل العرب، ولعلَّ الحموي اطّلع على ما ذكره ابن النديم (-385هـ/995م)، عن برزخ.... وممّا قاله عنه دون تفصيل (28): "..... إنه رأى له جلودَ كتابِ  معاني العروض على حروف المعجمِ...".

نخلص ممّا تقدَّمْ، إلى القول: إنَّ المصادر القديمة لم تسعفنْا بمعرفة دقيقة وأمينة، لما يتضمنه، كتاب عروض الخليل ـ إن وجد، أو قرئ ـ من معارف وأصول، كانت تملأ ذهنه عندما بدأ بنشر علمه ـ ربما على تلامذته من العلماء في حلْقته ـ لكنه احتفظ بها ولم يعلنْها تلميحاً أو تصريحاً.

وسيلة الخليل التعليمية:

لئن ظلَّ الوصول إلى كتاب في العروض للخليل، أمراً مستحيلاً إلى يومنا هذا، فإن الكثير من أبحاث هذا الكتاب الهامة كالدوائر والأوزان التي تنفك عنها والتفعيلات التي تتركّب منها، والألقاب العروضية، قد انتقلت إلينا... بينما غاب الكثير ممّا قاله عروضيون كثيرون، في كتبهم(29). وتبقى الدوائر، في عصرها،  علامة العبقرية والذهن الرياضي العجيب، وعلى الرغم ممّا وُجِّهَ إليها من تهم وأوصاف سلبية، الوسيلةَ التي استطاع بها الخليل أن يحفظ حتى نهاية الدهر، أوزان البحور بثماني وحدات صوتية موسيقية. وقد بدت الدوائر لكل من حاول وصفها أو شرحها عسيرة وصعبة.
ومن السابقين إلى وصفها، ابن عبد ربه، يقول فيها(30):

دوائر "تعيا على ذهنِ الحذِقْ

 

 

خمسٌ عليهنّ الخطوطُ والحلَقْ

 

 

 

وبسبب صعوبة فهم أسرار هذه الدوائر، حتى على العلماء القدامى، دفعت بعضهم، كالشنتريني (550هـ/1155م) إلى تغيير رموز الخليل على دوائره، وإلى توزيعها توزيعاً جديداً، بحسب شروط، لم تستقم له في دائرة "المشتبه"،  ثمّ يبدي عدم رضاه عن توزيع تفعيلات الخليل على محيط دوائره، فيكتب تحت صورة دائرة "المشتبه" لديه ـ في معياره ـ فيقول(31): "فهكذا كان ينبغي أن تُرتَّب الدوائر، فيبدأ بدائرة الخماسي، ثم دائرة "السباعي"، ثم المركّب منهما، غير أن الخليل قدَّم ما كثر استعماله وزادت حروفه أو حركاته، والكلُّ قد اجتهد فيما إليه قصد وعليه اعتمد...".

إن كلام الشنتريتي وكلام كثيرين قبله وبعده، عن  صور أفضل لتوزيع تفعيلات الخليل على محيط الدائرة، يدل على نقص في الفهم، وربّما على خطأ فيه، حين لا يدركون أن هذا التوزيع على دوائر الخليل، جاء نتيجة لعمليَّة رياضية معقَّدة، استنبطها الخليل بعد تأمَّل وتفكير في أسرار بناء الإيقاع في الشعر العربي، ووصل إلى "نظريّة" لم يقلْها، لكنه استطاع بها أن يصل إلى ما وصل إليه، من اختراع "التفاعيل"، التي ضبط بها أوزان الشعر العربي.

وعلى كثرة من تناول عروض الخليل، ونافسه فيه من العلماء، لم يستطع أ حد أن ينتقص من قدره أو أن يبدل فيه، أو أن يأتي بمثله، وأكثر المستشرقين الذين حاولوا أن يفسّروه أو يسهّلوه، أو يضيفوا إليه مصطلحات غريبة عنه، كمصطلح النبر... لم يصلوا إلى ذلك، لأنهم طبّقوا في أكثر محاولاتهم ومقالاتهم وكتبهم، هم ومن تأثَّر بهم من العلماء
العرب، قواعد النظم ومصطلحاته في الشعر الغربي(32).... إنهم  لم يوفقوا في فهم بنية الشعر العربي، من حيث تتابع أجزائه في نظام إيقاعي، تضمنته مقاطع وحدات الخليل الصوتية في... تفعيلاته".

الرموزعلى الدوائر:

كانت أوزان الشعر واضحة في ذهن الخليل، عندما وضع لأصوات مقاطعها في هذه الأوزان، رموزاً، تدلَّ على تتابع حركات البيت وسكوناته، بحسب نظام دقيق، جاء ثمرةَ تحليلٍ رياضيٍّ رفيع المستوى، وقد وصفها ابن عبد ربه في أرجوزته: (33):

فمالَهاَ من الخطوط البائنة(1)

 

 

دلائلٌ على الحروف الساكنة

والحَلقات المتجوِّفات(5).

 

 

علامةٌ للمتحرّكات

 

 

 

وعندما نظر العلماء إلى ماجاء في الأوزان التي تنفكُّ من الدوائر، بحسب هذه الرموز، وجدوا أن الكثير منها، حمل "تفعيلة" زائدة، أو مخالفة لصورتها في واقع الشعر، ولأنهم لم يعملوا العقل في تفسير ذلك، ظنّوا بالخليل الظنون، وها هو ذا ابن عبد ربه يتبرَّأُ، ممّا خالف به الخليل القول القديم، فيقول:(34):

وقد أجاز ذلك الخليل

 

 

ولا أقولُ فيه ما يقول.

 

 

 

ومن حقَّنا أن ندافع عن الخليل فنقول: "إنَّ الذي سبّب وجود مخالفات في الأوزان، هو النظام الذي اختاره الخليل، وماكان لهذه الدوائر أن تقدّم صورة أفضل، لهذه الأوزان.

والعروضيون الذين تناولوا علم الخليل بالشرح والتفسير، قصّروا في خدمة هذا العلم، حين قبلوا، دون تأمّل أو تفكير، هذا النظام، على مخالفاته، ثم راحوا بدافع النزعة إلى التصعيب من أجل لقمة العيش، يختلقون الفرضيات ويصطنعون الجوازات والعلل الوهمية(35).

ويتعاملون مع الشواهد الشاذة والنادرة... فبدا علم العروض على أيديهم، صعباً، وظلَّت تزيده الأيام تصعيباً لسوء فهمه ولعدم ابتكار وسائل لعرضه... يقول الدكتور فخر الدين قباوة محقِّق كتاب "الوافي في العروض والقوافي" للتبريزي (-502هـ/1108م):"يكثر ذكر الدوائر العروضية في كتب القدماء، ويكاد يقف القارئ حيرانَ عاجزاً عن فهم ما يوردونه حولها من شروح. أما حلّ الدوائرِ العروضية، نفسِها، فأصعب من الشرح الذي يورد (36)....."، وللتأكيد على صعوبة هذا العلم، أشاع أصحاب نزعة التصعيب، حكايات كثيرة، صدقها حتى العلماء، على الرغم، ممّا فيها من مبالغة وغرابة تدلان على الاختلاق... حتى إنّ العلاّمة الدكتور عبد الله عبد الدائم، كرّر، في بحث له، قصة رواها ابن خلِّكان (-681هـ/1282م)، تقول
(37): رُوي أن يونس بن حبيب (182هـ ظنا/739م)، كان يختلف إلى الخليل بن أحمد يتعلم منه العروض، فصعب عليه تعلّمهُ، فقال له الخليل يوماً، من أي بحر قول الشاعر:

إذا لم تستطعْ شيئاً فدعْهُ

 

 

وجاوزْهُ إلى ما تستطيعُ

 

 

 

وبعضهم روى أن الخليل، ضربته سارية في المسجد، لأنه كان يعمل فكره بتقطيع بيت من الشعر.

ورائحة الوضع بيّنة في الروايتين، فحبيب عالم لغوي جليل، لازمه أبو عبيدة معمر بن المثَّنى (-210هـ/825م)، أربعين عاماً يملأ ألواحه من علمه وحفظه(38). والخليل، لا يمكن تصوُّرُهُ يجد عناء في تقطيع بيت من الشعر.

الرموز في أكثر الكتب الحديثة:

نستعين بتفعيلات الخليل، لتحديد موازين الشعر، لكننا، بوعي منّا أو دون وعي، نجتهد في اختراع رموز لأصوات الشعر، من حركات وسكونات، غير التي وضعها الخليل، فبعض الباحثين  والمدرسين في المدارس الثانوية  والجامعات، اختار صورة الواحد مائلاً (/) للحركة، والحلقة(0) للساكن وهذه الرموز هي الأكثر شيوعاً في الكتب المدرسية، وبعضهم اختار "النون" رمزاً للحركة، و(سا) رمزاً لمتحرك وساكن، وممّن وضعوا رموزاً مخالفة لرموز الخليل من القدماء الشنتريني فجعل الفاء الواقفة
(  ) رمزاً للحرف المتحرك، والواحد (ا) رمزاً للساكن، ومع أن أكثر القدماء، ومنهم التبريزي والزمخشري وضعوا على دوائرهم رموز الخليل، لكنَّهم عند تقطيع الشواهد قطّعوا حروف البيت بأصواتها لا برموزها والدعوى إلى الكتابة العروضية ثم إلى ترميزها، لتقطيع رموزها، ليست سوى "بدعة" و"فذلكة"، روّجت لها كتب التعليم الرسمية في الثانويات والجامعات وأكثر كتب الدارسين والمدرسين(38).

سرّ توزيع الأبحر بالصورة التي حملتها دوائر الخليل:

قلنا: إن الخليل عرف أوزان  بحور الشعر، ولو لم يعلن ذلك، قبل أن يضع دوائره؛ وكانت الوظيفة الأولى لهذه الدوائر، حفظ ترتيب تفعيلات هذه الأوزان على محيطها. فهو، دون ريب، كان يعرف أنَّ أحد البحور "المتقارب"، تتكرّر فيه "وحدته الموسيقية "فعولُنْ، أربع مرَّات في كل شطر... وأن اجتماع هذين المقطعين "فعو" وَ"لنْ". غير متحقِّقْ، كل هذه المرَّات في أي مجموعة من البحور التي وزَّعها على أربع دوائر، لذلك وضعه في دائرة خاصة. ولأن مقطعه الثاني "لن" لا يصلح بدايةً لأيِّ وزن شعريّ معروف، كتب تحته "مهمل"، وقد فسَّر ذلك ابن عبد ربه، فقال:

وبعدَها خامسةَ الدوائر

 

 

للمتقارب الذي في الآخر

ينفكُّ منها شطرُهُ. وشطر

 

 

لم يأتِ في الأشعار منه الذكرُ

 

 

 

قصة بحر المتدارك:

لم يعرف بحر شعري اسماً لم يضعْه له الخليل إلا هذا البحر. وعندما أُعلِنْ عن استدراك الأخفش (-215هـ/ 830م)، على الخليل، البحر السادسَ عشرَ، وسمَّاه "المتدارك" لم يحاول أحد من العروضيين، استنكار هذا الادعّاء، لأن هؤلاء العروضيين، على مرّ الزمن، لم يدركوا أنَّ الأخفش، فكَّ هذا الوزن، منطلقاً من مقطع "لُنْ" "المهمل" ، فألَّفَ هذا المقطع مع "فعو" في بداية التفعيلة بعده، فتكوّنت بين يديه أربع تفعيلات: "لُنْ فَعُوْ =فاعلن...، ثم أعلن مفاخراً، أنه، وجد "بحراً جديداً وأنه سمَّاه، "المتدارك".

وإذا كان يدهشنا ألاَّ ينتبه عالم أو باحث إلى سذاجة هذا الادعاء وسهولة فضحه ورفضه، فغير الأخفش كالتبريزي مثلاً، عدَّ بحور الدائرة الأولى خمسة، بينما هي ثلاثة... لقد أضاف إلى الدائرة بحرَيْنْ مهملين: المستطيل والممتد، دون ادِّعاء بأنه أبدع أو اخترع. بل إنَّ  التبريزي، حين لم يجد شعراً منظوماً على "فاعلن" المكرورة أربع مرَّات. في دائرة المتقارب، اختار لـ"فاعلن" صورة "فَعْلن"... فوصل إلى بحر جديد سمَّاه "المحدَث" ثم قال: "إن شئت قطّعته على ثمانية أجزاء "فَعْلن، وإن شئت جعلت تقطيعها على "مفعولاتن" على أربعة أجزاء(40)، وأنشد فيه للإمام علي:

حقَّاً حقَّاً حقَّاً حقَّاً

 

 

صِدْقاً صِدْقاً صِدْقاً صِدْقاً

 

 

 

وأنشدوا فيه أيضاً:

 

إنَّ الدنيا  قد غرَّتْنا

 

 

واستهوتْنا واستلهتنا...

 

 

 

سرّ الدوائر:

وبنظرة سريعة إلى صورة الدائرة التي يختصّ بها المتقارب، لدى ابن عبد ربه، والتبريزي والزمخشري والشنتريني، يتوضَّح لنا ما قلناه عن "قصة بحر المتدارك".

 

 

وعندما وجد الخليل، أن بعض الشعر العربي، يتجاوز فيه مقطع "ثلاث المتحركات قبل الساكن"، مع المقطع ذي "المتحركين قبل الساكن"... ومقطع "المتحركين والساكن"، مع المقطع ذي "ثلاث المتحركات والساكن"، وضع لهما التفعيلتين: "مُتْفَاْعِلُنْ"، و"مُفَاعَلَتُنْ". ثم وضعهما في دائرة واحدة، دون أي بحر آخر، لأن البحور جميعها، سوى بحر الكامل وبحر الوافر، تخلو من المقطع، ذي ثلاثة المتحركات قبل الساكن. وسمَّى ابن عبد ربه الدائرة التي ينفكّ منها الوافر والكامل: "الثانية" بينما سماه التبريزي والشنتريني "المؤتلف" و"الزمخشري" سمّاها "المؤتلفة":

 

وبما أن الكامل هو في الأصل ست تفعيلات "مُتَفَاعلن" مكرورة في الشطرين، كان لابد من مجيء الوافر بست تفعيلات، لأن "مُتَفاعلن"، تتألّف من مقطعي "مَفَاعَلَتَنْ" في الوافر: = عِلُن متفا".

لقد كان الخليل مجبراً على هذا الترتيب بحسب نظام الدائرة، وكان من السهولة بمكان أن يقال هذا، ثم يطلب من الشاعر ألا يأتي بالتفعيلة الثالثة في الشطرين، إلاَّ "مفاعَلْـ =فعولن".

والذي حصل، أن العلماء  أجهدوا أنفسهم لاختلاق الزحافات، وألقابها، قبل أن يصلوا إلى "مفاعلْـ= فعولن".

ـ حذف "تن" في مفاعلتن، بعد تسكين اللام، يسمّونه "القطف"، وليس من "قطف" إلاَّ في مفاعَلَتنْ". -

إن اختيار الخليل لبحوركل دائرة، لم يأتِ اعتباطياً وبحسب المزاج، بل هوحصيلة عمليَّة رياضية معقَّدة، ونتيجة لهذه العملية التي لم تكن كاملة، لكنها كانت قادرة على ضبط البحور بأقل الأخطاء التي كان لابدَّمنها. وضعُ بحرِ "الطويل" و"المديد" و"البسيط" في الدائرة الأولى، كان نتيجة لهذه العملية، فمقاطع تفعيلات هذه البحور هي دائماً بمتحركين وساكن وبمتحرك قبل الساكن، وتشتمل عليها التفعيلات: فعولن مفاعيلن (في الطويل). وفاعلاتن فاعلن (في المديد) ومستفعلن فاعلن (في البسيط).

وهذه صور الدائرة:

 

 

والدائرة الأولى لوجود الطويل فيها، وهو أكثر البحور حروفاً، ويقاربه في الحروف البسيط، كان طبيعياً أن يجد المديد نفسه مضطراً لحمل تفعيلة زائدة في عروضه وضربه "فاعلن" ولخلومقاطع بحورهذه الدائرة من ثلاثة متحركات وساكن، جاءت عروض وضرب البسيط، "فاعلن" على خلاف الأصل، -فالأصل أن تكون فَعِلُنْ ـ

أما الطويل فقد جاء بعروض لا تأتي فيه إلاَّ عندما يكون مصرَّعَاً، فانفكَّ عن:

فعولن مفاعيلن فعولن مفاعيلن ـوعروض الطويل: مفاعِلن ـ أما الدائرة الثالثة فقد ضمَّت الرمل والهزج، والرجز: وتفعيلاتها المتشابهة: كانت: مفاعيلن، مستفعلن، فاعلاتن:
ولوجود الرجز والرمل فيها، بثلاث تفعيلات كان لابدَّ من مجيء الهزج، وهو مجزوء دوماً، بثلاث "مفاعيلن"، بينما هو في الواقع بتفعيلتين. والصحيح أن يأتي ترتيب البحور: الرجز، ثم الرمل، ثم الهزج، فمقطع الرجز الثاني: تَفْـ= فا، يصحّ بداية للرمل:

فاعلاتن فاعلاتن فاعلاتن.

 

 

ومقطع الرجز الثالث: علن = مفا، يصحّ بداية للهزج، ولا ينتهي في الدائرة إلاّ بثلاث تفعيلات: مفاعيلن، مفاعيلن، مفاعيلن أما أكثر التجاوزات والجوازات فقد ظهرت في الدائرة الرابعة بسبب "زحمة" البحور على محيطها ـ ضمَّت ستة بحور: المنسرح، الخفيف، المضارع، المقتضب، المجتث، السريع، بين هذه البحور، ثلاثة مجزوءة وجوباً ـ هي المضارع، والمقتضب، والمجتث ـ وفي أحد بحورها: المنسرح مفعولاتُ" إحدى تفعيلاته، مخالفة لسائر التفعيلات، فهي غير منونّة.

 

 

ونتيجة لهذه الزحمة، جاء "المضارع: مفاعيلن، فاعلاتن، مفاعيلن، أي بزيادة "مفاعيلن" في الشطرين. وجاء المجتّث: مُسْتَفْعِلُنْ فاعلاتن فاعلاتن. أي بزيادة "فاعلاتن" في الشطرين.

وجاء المقتضب: فاعلاتُ: "مُفْعُلاتُ"، مستفعلن، مستفعلن. أي بزيادة "مستفعلن"، في الشطرين وبسبب وجود: "مفعولاتُ"، في المنسرح، كتب المقطع المقابل لـِ"لات": تَفْعِ، في الخفيف، والمجتث، وفاعِ، في المضارع. وبسبب هذه الكتابة لِـ "مستَفْعِ لن"، ولِـ "فاَعِ لاتن". أضاف بعض الدارسين هاتين
التفعيلتين، إلى ثماني تفعيلات الخليل، ليجعلوها عشراً!(41).

الحلّي (752هـ/1351م): رائد التصحيح:

مرت خمسة قرون على اختراع الخليل لدوائره، وعلى كثرة ما ظهر من عيوب في نظام الدوائر، وعلى كثرة ما سبّبت من إحاطة علم العروض، بألوان المصاعب، وضروب الفرضيات الوهمية، لم تقو وسيلةٌ تعليمية جديدة على تخليصه من قيوده وتقديمه بصورة تقوم على التحليل والتعليل، ليظهر بعفويته وطبيعته، حتى كان صفي الدين الحلي، الشاعر  المحلّق واللغوي العالم، والموسوعي الذي أضاء بثقافته... عصوراً، عمَّ فيها جهل الحكام، وقلَّ فيها من يرعى الإبداع والمبدعين، فاستطاع هذا المطّلعُ، الواسعُ الاطّلاع، على علوم العربية أن ينقذ "تفعيلات الخليل"، من الغرق في مياه "الألقاب الشعرية"، والبحور الشعرية التي فكّوها من الدوائر، منطلقين من المقاطع "المهملة"، فكانت لهم ستة بحور جديدة هي (42)، المستطيل والممتد، والمتوافر، والمتئد، والمنسرد والمطّرد. فثبّت للشعر، أوزان ستّة عشر بحراً، بأوزانها الواقعية، وذلك في منظومته (43) العروضية التي جعل الشطر الأول فيها يتضمن اسم البحر، ووزنه، وجعل الشطر الثاني، تسمية لتفعيلة وزن هذا البحر، فحافظ بذلك على صور هذه التفعيلات وأصواتها.

ولسهولة هذه الوسيلة، ولاستقبالها بالإعجاب، عمّمها العروضيون والشعراء بعده، إذ نهجوا نهجَه واحتذّوْا حذوَه في "تقييد" الأوزان بنظمهم.

وعمّت وسيلة الحلي، فانتشرت في الكتب، وشرحت على الألواح، وحفظها الشعراء والدارسون والباحثون، ودارت على دوائر الخليل الدوائر، ولم يبق في ذاكرة المعنيّين بأمور الشعر إلا "منظومة" الحلّي.

ومع أن أشطار الحلّي تضمنت بعضاً من صور الجوازات، لعلّها أملحُها، إلاَّ أنَّها لم يكن بمقدورها أن تحمل كل الجوازات المستملحة، وإذا كان الحلّي قد سهّل طريق الوصول إلى علم العروض، إلاَّ أنَّه، لتقيّده  بترتيب البحور بحسب دوائر الخليل، لم يستطع أن يقدَّم وسيلة تعليمية مثاليَّة، لهذا العلم الذي بدا، لي، دائماً مثالياً، فكان لابدَّ من محاولة "جهاديَّة" لبلوغ هذه الوسيلة المثالية، دون إغفال لأهميَّة الحزم والحسم، في تخليص هذا العلم الرقيق الشفيف، من كلّ ما يعكّره، من آثار النزعات التصعيبية. فبدأْتُ بالدعوة إلى تسهيل "الزحافات والعلل". بالاستغناء عن كثير من الأسماء والألقاب لهذه الزحافات، ثم أتبعْت ذلك بحديث عن أثر هذه الزحافات في إضعاف الموسيقا الشعرية، قبل وضع "نظرية، تحلَّ اللغز العروضي"، وتقدِّمها كوسيلة علمية منهجية، تضبطها ثلاثةُ قوانين، تحوّل طريقة تقطيع الشعر، إلى متعة فكريِّة، تبهج العقل والروح.

الزحافات والعلل:

ذكرنا في صفحة سابقة، ثلاثة وستين مثالاً من صور تفعيلات الضرب في الشعر القديم، كذلك قلنا إن التبريزي(44). أحصى هذه الصور فكانت بعدد ما وصل إليه ابن عبد ربه: أي ثلاثاً وستين في الضرب، وأربعاً  وثلاثين في العروض. وعندما أحصاها الشنتريني، قال: إنها يجب أن تكون، دون المتدارك، اثنين وستّين ضرباً وثلاثاً وثلاثين عروضاً(45)....

وهذا يعني أن ألقاب الزحاف لكل هذه الصور ولغيرها ممّا قد يكون في الحشو، ستثقل كثيراً على الذاكرة، وستلفّ خاصرة العروض بأحمال من الأثقال، وقيود من المصاعب والأحمال. ومن عجيب الأمور أنَّ المصادر القديمة التي بحثت. في موضوعات الأوزان، كالعقد الفريد، والعمدة، والوافي والقسطاس والمعيار،  تبدأ أبحاثها العروضية بتعريفات لا طائل فيها، وتصدم قارئها بقائمة طويلة، من ألقاب الشعر، ما أنزل الله بها من سلطان...

ولعلَّ هذه الأسطر المقتطفة من الصفحات (67-79) من كتاب القسطاس تبيّن مدى الغموض والعسر في أسلوب هذه الكتب عند تقديم علم العروض:".... وكل مصراع يستوفي دائرته فهو التام، وإذا لم يأتِ الانتقاص على جميع جزئه الأخير، فهو، الوافي، وإذا أتى عليه فهو المجزوء، وإذا أتى على جزأين منه فهو المنهوك.والبيت المعتدل الذي استُوفِيَ مصراعاه من خير خُلف بين أجزائهما. والمشطور: الذي ذهب شطره. والمخلَّع: مسدّس البسيط. والمراقبة بين الحرفين: ألاَّ يجوز سقوطهما معاً، ولا ثبوتهما معاً، كما في سبَبيْ "مفاعيلن"، في المضارع...".

وقبل هذه الأسطر  بسبع صفحات، يعرض شواهد البحور بزحافاتها المختلفة.

"..... وأقدّم قبل أن أسوقها (أي الشواهد) ألقاباً شتَّى لابدَّ من الإحاطة بها... ثمَّ تقدَّم الألقاب للزحافات في كل بحر من البحور".

لقد تمسَّك العروضيون برواية بعض الأبيات الشاذة والخارجة عن المألوف من الوزن العربي، وافترضوا لها عللاً وجوازات وهمية... "فمفعولات" التي جاءت في الدائرة، مكان "فاعلن" في السريع، و"مفاعَلَتَنْ"، التي جاءت ثالثة مكان مفاعَلْـ =فعولنْ في الوافر تعاملان وكأنهما تفعيلتان أصيلتان، ثم يتوّهمون لهما الجوازات التي تردّهما، إلى "فاعلن ومفاعلْ (فعولن)". حين وضع "فاعلن" و"فعولن=مفاعَلْـ"، لعروض السريع والوافر وضربهما. فوفّر على الدارس وقتاً طويلاً كان لابدَّ من بذله قبل أن "ينقش" في رخام ذاكرته، الألقاب المختلفة لزحافاتهما.

إن الصعوبة التي رافقت التفسيرات  والشروح، لدوائر الخليل، وللمخالفات الشعرية التي لم يقوَ نظام الدوائر، على حماية الخليل من ارتكابها، هي التي دفعت الكثيرين، وبخاصة المستشرقين منهم، إلى محاولة إيجاد ضوابط وقواعد جديدة وحديثة، بحسب زعمهم(45). غير أنهم، كما أزعم، لم يصلوا إلى شيء، من التوفيق واليسر في كلّ ما قالوا... لقد حاموا حول علم العروض، وأكثروا من الكلام في وصفه، والحديث عنه، لكنهم لم يدخلوا إلى أعماقه، فجهلوا كل ما يتصل ببنيته، وخصوصيته.

لابدَّ من إعادة النظر:

عرفنا "من رواية لابن النديم"، أنه شاهد  جلود معجم في ألقاب العروض، لبرزخ العروضي، الذي عارض الخليل وأبطل دوائره والكثير من ألقاب العروض ـ هكذا تقول الرواية ـ . كذلك ذكر لنا ابن رشيق، صاحب العمدة، أن ابن اسحق، الزجّاج، لاحظ اختلاف الناس في ألقاب الشعر، وزعم أن الخليل إنما "أراد بكثرة الألقاب، الشرح والتقريب، ثم يتابع فيقول:"إن الناس بعد الخليل ألَّفوا واختلفوا حتى وصل الأمر إلى الجوهري (395هـ/1004م)، فبيَّن الأشياء وأوضحها في اختصار، وإلى مذهبه يذهب حذَّاق أهل الوقت وأرباب الصناعة(46)....".

نفهم من هذا كلّه: أن ألقاب الشعر وكثرتها، كانت في أكثر الأحيان، موضوع خلاف مع الخليل، وموضوع نزاع بين العلماء، لذلك صار من حقّنا أن نضع الأمور في نصابها، فنخلّص العروض من كلّ ما يمكن الاستغناء عنه من أنواع الزحاف، وذلك بعد العودة إلى المعلّقات وإلى دواوين أمراء الشعر العربي، لنستخلص ما استساغه الشعراء المطبوعون واستملحوه من الزحافات. فنرضي بذلك الشعراء، إذ نعرّفهم على المليح والصالح من هذه الزحافات فيستخدمونها، عند الحاجة، ويحمون ذاكرتهم وشعرهم من كل معرفة ليست مفيدة.

 

وقبل أن أقدم الصورَ المقبولة من هذه الزحافات، ليتمسّك بها الشعراء، رافضين كلَ صورَ أخرى، بينها المستقبح والمستكره، أتحدثُ قليلاً عن الإيقاع الشعري، في رأيي، لأبيَّن خطر التمادي في استخدام الرخص العروضية، والضرورات الشعرية (47)، في التخفيف من الرونق الشعري، وفي إضعاف موسيقا الشعر، حتى ليقرب من النثر.

كلمة في إيقاع الشعر وموسيقاه:

ممّا يدلّ على سذاجة الرؤية إلى علم العروض لدى كثير من العروضيين، أنهم ربطوا بين النغم والإيقاع في الشعر، وبين الأصوات التي يسمعها من يقصد سوق النحّاسين، فقبلوا أن يكون دافع هذا العلم لدى الخليل، أنَّه مرَّ  بسوق الصفّارين، فسمع وقع مطارقهم على الطسوت، فأداه ذلك إلى تقطيع أبيات الشعر(48).

وبرؤية أعمق، جاء في مقابسات التوحيدي (-414هـ/1023م): "يقال ما الإيقاع؟ الجواب: فعلٌ يكيل زمان الصوت بفواصل متناسبة، متعادلة"(49).

وأكثر من كاتب أو باحث أو دارس، ممّن تصدّوا لموضوع الإيقاع الشعري، ربطوا بين التلوينات اللفظية وبين التناسب بينها في البيت الشعري، كما ربط الموسيقيون بين النقرات في أدوارهم والإمساك فيها، وبين الفواصل الزمنية المتناسبة في هذه الأدوار؛ لذلك يقول السيوطي (-911هـ/1505م) في المزهر: "إن أهل العروض مجمعون على أنه لا فرق بين صناعة العروض وصناعة الإيقاع/. ولقوة هذا التشابه بين رموز العروض ورموز الإيقاع، وصف الكندي (-250هـ/864م)، السبب الخفيف في الإيقاع، فقال: نقرة وإمساك، ورمز له 0- (حركة وساكن عند الخليل 10) كما رمز للوتد المجموع (00-) وهو نقرتان وإمساك (حركتان وساكن عند الخليل 00/).

واسحق الموصلي (285هـ/898م)، عرّف الإيقاع بأنَّه حركات متساوية الأدوار، تضبطها نسبٌ زمانية محدودة المقادير على أصوات مترادفة في أزمنة تتوالى متساوية، كل واحدة تسمَّى دورا.". وفي الفصل الثاني والثلاثين: من المقدمة، جاء قول مؤلفها ابن خلدون (-808هـ/1405م)، أثناء حديثه عن صناعة الغناء:"هذه الصناعة في تلحين الأشعار، والموزونة بتقطيع الأصوات منتظمة معروفة.... يلذُّ سماعها لأجل ذلك التناسب...".

وعندما قرأ المستشرقون والمتأثرون بهم من العرب ما يعانيه دارسو العروض من مصاعب هذا العلم، وغموض دوائره وكثرة ألقابه، لكثرة زحافاته، ظنّوا أنهم مطالبون بتحديث العروض وإدخال بعض المصطلحات الجديدة على علم العروض، ممّا لم يذكره الخليل أو غيره من القدامى، كمصطلح النبر، الذي هو في الشعر الغربي، قوام الإيقاع فيه.

وإذا كان كتاب الأغاني، قد تحدَّثَ عمّا يشبه النبر، حين أشار إلى إشباع الألحان وتعديل الأوزان وتفخيم الألفاظ وتحسين مقاطيع النغم القصار (50). ... فإن العروضيين القدامى لم يتحدثوا في الشعر، عمَّا يشبه النبر، وإن سمحوا بإشباع الميم والهاء عند الحاجة فيُضاف إلى حركتهما سكونٌ يتطلبه الوزن، كما طلبوا إشباع حرف القافية دوماً، لأن أوزان الخليل في الضرب لا تكون إلا منتهية بساكن: فعولن، فاعلن، فعلن، فاعلاتن... وهذه النون الساكنة في آخر التفعيلة، علامة على ضرورة الساكن في آخر كلمة القافية، فالعروض يعني بأصوات الحروف، لا بصورها.

ويعتقد المستشرق Weil، أن الخليل كان عارفاً، بأهميّة النبر، حين منع مسَّ المقطع في الوحدة الصوتية: عندما يسبق الساكنَ فيه متحركان: فعو، مَفَا، مُفا، علا، علن.

لأن مثل هذا المقطع في التفعيلة هو ركيزتها ومحورها، في البناء الإيقاعي، للتفعيلة
(51).....

ومع أن تعريف النبر، ليس واحداً عند المستشرقين والمتأثرين بهم، إلا أن هؤلاء جميعاً أجمعوا على أنه نوع من التّشديد الإيقاعي على مقطع صوتي في الكلمة.

ونظن أن الكثيرين منهم قدأخطؤوا، حين نظروا إلى النبر على أنه ضرورة لتخليص عروض الخليل، مما هو فيه من نقص حجب عن العروضيين سبل الوصول إلى الإيقاع الشعري، لأن الإيقاع في الشعر العربي، لا يتأتَّى من الإنشادوالتشديد على المقاطع الصوتية، ومد أصوات الحركات بالإلقاء، دون أن تكون  هناك حروف مد.

إن الإيقاع في الشعر العربي آتٍ من ثماني التفعيلات  التي وضعها الخليل مطابقة لنظام تتابع مقاطع البيت الشعري بحسب بحره، إنه الخفق والنبض الذي يعلن صوت الحياة في الشعر.

إن تفعيلات الخليل أشبه بمفاتيح الآلة الوترية، فهي تشدّ الأوتار، وتتناغمْ بسحر عجيب مع تتابع إيقاعات المقاطع في كل وحدة صوتية من تفعيلات كل بحر دون تفريط بالزحافات، ودون تطرّفٍ في استخدام الرخص العروضية.

وكما تدوس أقدام الراقص أقدام من يراقصه، عندما يفقد "التناغم"، بينه وبين الأصوات الموسيقية التي تضبط حركة الأقدام وغير الأقدام من الجسد، وكما تتعثّر خطوات من يمشي على أنغام الموسيقا العسكرية حين يفقد "التناغم" بينه وبين هذه الموسيقا، كذلك يثقب آذان السامع المرهفة، أيّ شعر اختلّ فيه الوزن، بخروج تفعيلة أو أكثر عن أصول ترتيب المقاطع الخليلية فيها، وكصوت عودٍ تراخت أوتاره، يأتي الإيقاع رخواً مضطرباً، فيقرب بذلك من الكلام العادي. إن من يمارس الرقص يفهم الطريقة التي يتلاءم بها الراقصون مع أجسادهم. وإن موسيقا الشعر تتحقق عندما يكون الوزن متماسكاً ومشدوداً وسليماً خالياً من الجوازات غير المليحة والضرورات المؤذية لسمع المتلقي فلا يلذّ بما يسمع.

ومما يدل على أهمية الوزن، أن الزجل بأنواعه، حين يقرأ بأصول الوزن الذي يقوم عليه، يبدو ذا نغمٍ وإيقاع محبّبينْ ويقع في الآذان وقع الشعر الموزون، بينما هو يفقد هذه الخاصة، عندما يقرأ قراءة من يجهل ترتيب أوزانه وأصول إنشاده، فيبدو وكأنه لون من النثر. وكي يبقى إيقاع الشعر، لذيذاً في الأسماع، يجدر بنا أن نتقيّد بالوزن، وألاَّ تكون جوازاته إلا في مواقع مستحبَّة فيه كالتي استخدمها أصحاب المعلّقات  وأصحاب الطبع من أمثال البحتري، وهأنذا أوجز مواقع الزحاف المستملح.

عودة إلى الزحاف:

والزحاف في اللغة: زاحف زحافاً وزحف زحفاً، بمعنى مشى على ضعف...ثم استعمل في علم الشعر، بمعنى التغيير الذي يرخّص  للشاعر فيه، في مواضع مخصوصة من الشعر، ويخاطب ابن رشيق الشعراء بقوله (52): "ولسْتُ أحمل أحداً على ارتكاب الزحاف، وإلاَّ ما خفَّ منه وخفي... ثم ينصحهم إلى عمل الشعر:".... بالطبعِ، دون العروض، لما في العروض من المسامحة في الزحاف وهو ممّا يهجّن الشعر ويذهب برونقه...".

إن الزحاف نقص جائز لا يخصّ موضعاً من البيت. وقد لخّصناه بقولنا:

1 ـ يجوز في أيّ بيت من الشعر، حذف الحرف المقابل، للحرف الساكن، في أي مقطع، يسبق الساكنَ فيه حرفٌ متحرِّك، أيَّاً كان موقعه  من التفعيلة:

    فَاْ، تُنْ، مُسْـ، تَفْـ، لُنْ، عَيـ(53).

2 ـ يجوز تسكين الحرف الثاني في البيت، عندما يقابل الحرف الثاني من مقطع يسبقُ الساكنَ فيه ثلاثة حروف متحرِّكة: مُتَفَاْ، عَلَتُنْ، فَعِلُنْ(54).

3 ـ أما المقطع الذي يسبق الساكنَ فيه حرفان متحرّكان، فإنَّه لا يجوز حذف حرف متحرِّك فيه: فَعُوْ مَفَاْ،(55). عِلاْ، عِلُنْ.....

4 ـ تفعيلة العروض في البيت المصرّع(56). تأخذ صورة تفعيلة الضرب ووزنها، وتدلَّ على الصورة التي يجب أن يلتزم بها الشاعر في ضرب أبيات القصيدة كلَّها، بينما تعود تفعيلة  العروض إلى صورها المسموح بها.

5 ـ يجوز في تفعيلة  الضرب وحدها، أكثر مما يجوز في غيرها، فيحذف من آخرها مقطع كامل: لُنْ، تُنْ، عِلُنْ، لاتُ... فتأتي : فعولن، فاعلاتن، متفاعلن، مفعولاتُ:

    فعو، فاعلا، مُتَفَا (فَعِلا،مُتَفا) مَفْعولا(57)، (معولا، مَفْعُلا)، مَفْعو، مفْعَلاتْ.

6 ـ كذلك يجوز حذف الساكن الأخير وتسكين المتحرّك قبله في "عِلُنْ" مِنْ "متَفاعلن" وفي "مُسْتفعلن" فتأتيان : "مُتَفاعِلْ، مُتْفاعل"، و"مُسْتَفْعل، مُتَفْعِلْ"(58).

7 ـ يجوز في "فاعلن"، أن يأتي فاعلان (59) في مجزوء الرمل، و"مُسْتفعلن"، تأتي مستفعلانْ في مجزوء البسيط.

8 ـ ويجوز في "متفاعلن"، في مجزوء الكامل أن تأتي: متفاعلانْ، أو متفاعلاتُنْ(60).

أما الحذفان في مقطعين من تفعيلة واحدة: مُسْتَفْـ، مَفْعو، عِيْلن، فَاْ(علا)تُنْ.

أو تفعيلتين متجاورتين: فاعلاتُنْ فاعِلُنْ، عندما يسبب هذان الحذفان تتابع أربع متحركات قبل الساكن، فأمر مرفوض، وقد أشار إلى ذلك ابن عبد ربه، بمثل هذا الوضوح:

كلّ زحاف كان في حرفين

 

 

حلَّ من الجزء بموضعين

فإنَّه يجحف بالأجزاء

 

 

وهو يسمَّى أقبح الأسماء(61).

.... فذلك المخزول وهو يقبح

 

 

فحيثما كان فليس يصلح

 

 

 

ولأن الزحاف المزدوج، بمثل هذا القبح وهذا الاستنكار، فإننا ندعو إلى إلغائه، رحمةً بذاكرة الدارسين، وتخليصاً لعلم العروض من أثقال تكبّل حيويته وحريته.

لقد قدَّمنا وجهة نظرنا في إبراز العروض كعلم سهل ومحبّب، بعد إنقاذه ممّا علق به من معوّقات، ومنّفرات، ليقبل عليه الشعراء بشوق ويسر، على أن نحتفظ بالألقاب التي استخدمها العروضيون، في معاجم، تسهل العودة إليها كلّما احتجنا إلى تفسير ما غمض وصعب من هذه الألقاب في الكتب المختصة والقديمة.(62).

ثم كانت البداية الصحيحة: وفي مقدمة ما خلصنا إليه من نتائج الدراسة والبحث الطويلين للشعر العربي وإيقاعاته الموسيقية، أن الإبقاء على ترتيب أبيات البحر، كما جاءت في الدوائر، لا يؤدي إلاَّ إلى كلام كثير، دون تمكين الدارس من امتلاك هذا العلم، الذي عبث به العابثون، وتاجر به المتاجرون، حتى بدا في كثير من الأحيان، أشبه بسلعة للارتزاق، ووسيلة للتقرّب من الحكام، ومن يرجع إلى أسلوب شرح صور تفعيلات الخليل، في قسطاس الزمخشري مثلاً، يجد أكواماً من التفريعات، تقصم ظهر الدارس،  حتى إن إحدى هذه التفعيلات تصل تفريعاتها إلى خمسة عشر تفريعاً... ويأتي هذا التصعيب بعد تقديم الزمخشري كتابه إلى الحاكم بمثل هذا القول:"وقد لاحت لي ، ببركات الانتماء إلى حضرته، وميامين الانضواء إلى سدّته (عتبته) طريقة في باب العروض عذراء، ما أظنُّها، وطئت (سلكت) قبلي.....".(63).

ثم نسأل عن مكان تبرز فيه هذه الطريقة فلا نجده...

والحلّي، على ماقدَّمه من فضل، على علم العروض، عندما وضع وسيلةَ "منظومته"، التعليمية التي سيطرت على كل الوسائل، حتى على وسيلة الخليل، إلاَّ أنه لم يبلغ السبيل المنهجي الموصل إلى تسهيل تعليم العروض. أما نظرية الدكتور محمد طارق الكاتب، لتعليم التقطيع الشعري بالحاسوب، فإنها لمَّا تصلْ بعدُ إلى مجالها التطبيقي، ولا نحسبها ستصل، مادامت لاتخرج عن إسار مصاعب الدوائر ومخالفاتها، ولا تتخلص من زحمة الزحافات التي سببتها هذه الدوائر، ولا تحتاط لمواجهة بعض المواقع، التي يجب أن تشبع فيها الهاء والميم، وتخفف فيها "أنا" بحذف ألفها لتصير "أَنَ" كي يستقيم وزن الشعر العربي... فماذا يصنع قارئ، إذا صادف في أحد المراجع القديمة، حيث يكثر التصحيف والتحريف، بيتاً من الشعر، سقط منه حرف أو أضيف إليه حرف أو أكثر(64). وجاءت فيه "إن" مكان "إذا" أو خرج فيه الشاعر، بسبب الضرورة، عن القواعد والأصول. هذه الأسئلة وأسئلة  أخرى كثيرة، تجول في الخاطر وربما في كثير من الخواطر، دون أن تلقى جواباً، لأن مابين أيدينا من وسائل ومن كتب في العروض لا تغني ولا تسعف أي سائل.

وأخيراً وجدْتُ "النظرية" انطلقت في محاولتي لإيجاد طريقة تعليمية  تيسّر علم العروض، من مبدأ منطقيّ مقبول: وهو أن الوصول إلى فرضيّة الخليل الذي قادته إلى كشف "المقطعيّة" الشعرية، تقودنا، نحن أيضاً، إلى هذا الكشف، الذي استطاع به الخليل، دون إعلانه أن يضع "مفاتيح" بحور الشعر وتصنيفها، وبدا لي أنَّ الفرضية، كانت: العودة إلى هذا الشعر الذي قدَّم للخليل أسراره، والذي لابدَّ، أن يقدَّم لي أسراره، حين أطلبها بحسب نظرية علمية، وأزعم أنني كنتُ في الطريق الصحيحة إلى هذه الأسرار، حين استنبطت نتيجة لملاحظةِ وتأمُّلِ بدايات الشعر حتّى أوّل ساكن في البيت، ثلاث صور لهذه البدايات، فكان هناك:

1 ـ الساكن الذي يسبقه متحرّك واحد: إنْ، لَوْ، بَعـْ، يا، نا،قُمْ...

2 ـ والساكن الذي يسبقه متحرّكان: إذا، نُنا، نُغَذْ، بدا...

3 ـ والساكن الذي يسبقه ثلاثة متحرّكات: وَإِذا، وَشَدا، عَفْتِدْ....

وسمّيتُ، لتسهيل تقطيع الشعر، هذه الصور، مقاطع، وبهذه النتيجة التي قد تبدو "بسيطة"، وصلت إلى تقسيم أوزان الشعر السَّتةَ عشرَ، إلى ثلاث فئات بحسب بدايات  تفعيلات الخليل، وهذه البدايات، أتت بأحد أنواع هذه المقاطع الثلاثة.

وهذا التطابق بين  مقاطع الشعر ومقاطع التفعيلات، علامة على التوفيق في إيجاد هذه المقاطع، كما أنها توكيد آخر على أصالة علم العروض وعروبة مصادره.

وقبل أن أتحوَّل إلى المرحلة الثانية من مراحل، تأمّلِ وتحليل أسس بناء المقاطع في الشعر العربي، نظرت إلى مايمكن أن تصير إليه هذه المقاطع، في بدايات الشعر، من صور. بسبب الزحافات المسموحة فيها، فوجدت أن كل مقطع، يسبق الساكن فيه متحرّك واحد، ويقابله في بداية التفعيلة: فا، مُسـْ، يجوز فيه، حذف الساكن، وهذا زحاف مستملح يكثر في الشعر، فتصبح تفعيلة: "فاعلاتن" بعد حذف ألف "فا": فَعِلاْتُنْ. وتصبح تفعيلة "مُسْتَفْعِلن"، بعد حذف السين من "مُسْـ، مُتَفْعلن".(65). وهاتان التفعيلتان، بين تفعيلات الخليل، وحدهما تبدآن بمتحرّك وساكن، لذلك يسهل علينا الآن، أن نضبط صور المقطع الأول، في هذه الصور.

الفئة (أ)  : مقطعها الأول: فا، مُسْـ

الفئة (ب) : مقطعها الأول: فعو، مُفا، مَفا، مُتَفْـ       

الفئة (ج) : مقطعها الأول: مُتَّفا، فَعِلا،

وبهذه النتيجة الهامَّة جدَّاً، أصبحنا نعرف، بكل ثقة، أن المقطع الأول في البيت الشعري، يحدِّد "الزمرة"، التي ينتمي إليها، هذا البيت.

كما نعرف التفعيلة الأولى، في هذا البيت، فلمقطع المتحرّك والساكن، بدايتان: هما: فاعلاتن، أو مُسْتَفْعِلُن، ولمقطع المتحرّك والساكن. بداية واحدة، كي يكون أحد البحور المبدوءة بـ"مُسْتَفْعِلُن"، بعد حذف السين من أصواتها، وهذه البداية هي "مُتَفْـ"وتتمتها "علن"، وإلاَّ، فإن التفعيلة هي "فعولن"، أو "مُفَاعَلَتُنْ". أو "مَفَاعيلن". ولمقطع ثلاثة المتحرِّكات والساكن، بدايتان في "مُتَفاعلن"، أو "فَعِلاتُن". ـ أصلها: فاعلاتن ـ ومجموعة البحور التي تبدأ بـ"فاعلاتن"، "فَعِلاَتُنْ". ـ لنقل مجموعة الخفيف ـ هي:

1 ـ الخفيف:

يا خفيفاً خفَّتْ بهِ الحركاتُ

 

 

فاعلاتن، مُْتَفعلن، فاعلاتن.

 

 

 

2 ـ الرمل:

رمل الأبحرِ ترويهِ الثقاتُ

 

 

فاعلاتن، فاعلاتن، فاعلاتن

 

 

 

3 ـ المديد:

لمديد الشعرِ عندي صفات

 

 

فاعلاتن، فاعلن، فاعلاتن.

 

 

 

4 ـ المقتضب: ـ وهو مجزوء دوماً ـ.

اقتضب كما سألوا:

 

 

(مَفْعُلات) = فاعلاتُ مفتعلن

 

 

 

ومجموعة البحور التي تبدأ بـ"مُسْتَفْعِلُن، مُسْتَعِلن ـ بحذف الفاء منها ـ لنقل عنها: مجموعة البسيط ـ هي:

1 ـ البسيط:

إن البسيط لديه يبسط الأمل

 

 

مُسْتَفْعِلُن، فاعلن، مُسْتَفْعِلُنْ، فَعِلُنْ

 

 

 

2 ـ السريع:

بحر سريع ماله ساحل

 

 

مُسْتَفْعِلُنْ، مُسْتَفْعِلُنْ، فاعلن.

 

 

 

3 ـ الرجز:

 

في أبحر الأرجاز بحر يسهل

 

 

مُسْتَفْعِلُنْ، مُسْتَفْعِلُنْ، مُسْتَفْعِلُنْ،

 

 

 

4 ـ المنسرح:

مُنسرحٌ فيه يُضْرَبُ المثلُ

 

 

مُسْتَفْعِلُنْ، مفعولاتُ مُفْتَعِلن

 

 

 

5 ـ المجتَث:

إن جثَّتْ الحركات

 

 

مُسْتَفْعِلُنْ، فاعلاتن

 

 

 

وبتأمل دقيق، نلاحظ أن المقطع الثاني، بعد "فا" هو دائماً بمتحركين وساكن "علا" ـ لا يجوز أن يحذف منها حرف ـ بينما المقطع الثاني بعد "مُسـْ. هي تَفْـ ـ ولأنها بمتحرك وساكن يجوز حذف الفاء ـ وبحذف الفاء، يصير مابعد مُسْـتَعِلنْ أي أننا وجدنا السبيل إلى التمييز بين المجموعتين، فبالمقطع الأول "مُسْـ، فَا"، أخرجنا من الاحتمالات نصف البحور، والآن بالمقطع الثاني، تخرج نصفاً آخر، ويصبح القانون الأول في النظرية:

1 ـ كل بيت من الشعر، مقطعه الأول، من نوع المتحرّك قبل الساكن، هو حتماً من مجموعة الخفيف، وتفعيلته الأولى، هي "فاعلاِتن"، أو من مجموعة البسيط، وتفعيلته الأولى هي: "مُسْتَفْعِلن"، أو "مُسْتَعِلُن". فإذا جاء المقطع الثاني بمتحركين وساكن، يقابل "علا"، حكمنا بأن البيت من مجموعة الخفيف، وأنه الخفيف أو الرمل أو المديد، وهو من المقتضب إن كانت تفعيلته الثانية "مُسْتَعِلُن = مفتعِلُنْ". وإلاَّ فهو حتماً من مجموعة البسيط: وأنه البسيط أو السريع، أو الرجز أو المنسرح. وهو المجتث إن جاءت تفعيلته الثانية: "فاعلاتن، أو فعِلاتن".

وبأسلوب المقاطع نفسه، نصل إلى وضع البيت في وزنه وبحره ـ ففي زمرة البسيط، مثلاً، تتشابه في الرجز  والسريع التفعيلة الثانية، إنها مُسْتَفْعِلُنْ. بينما الثانية في البسيط فاعلن، أو فعِلُنْ، وفي الحالتين، لا تلتقي مستفعلن، مع "فعِلُن"، ويختلف مقطعها الثاني دائماً، مع "فاعِلُنْ"، أما التفعيلة الثانية عندما تأتي "فاعلن"، وبعدها مُسْـ، فإن ذلك يعني أنها تختلف عن مفْعُلاَت = فاعِلُنْ + تُ لأن "تُ" لا تقابل "مُسْـ"؛ لذلك يتبيَّن لنا أنه ليس من المنسرح ـ مفعولات في المنسرح، يجوز بحذف الفاء، الثاني الساكن، أن تصير "معولات ـ وفي هاتين الحالتين، لا تتفقان  مع "فاعلن"، في المقطع الثاني فيهما، وبحذف "الواو"، من "عو" تصير مُفْعُلات = فاعلن + تُ... وإذا كان البيت من زمرة الخفيف، وجاءت مقاطع تفعيلته.

الثانية: بتتابع مقطعي "مُتَفْـ عِلُنْ"، أو مقاطع "مُسْتَفعِلُنْ"، كان من الخفيف وإلاَّ فهو حتماً من الرمل، أو المديد، وفيهما تتكرر التفعيلة الثانية، لكن الثالثة هي التي تحدِّد البحر. ـ قلنا إن التفعيلة نفسها. تتكرر، بعد الأولى، في الرمل والمديد، لأن مقاطع: فاعلات، أو فعلاتن، تتتابع فيهما، ففي الرمل: فاعلاتن = فاعلن + فا في المديد ـ

2 ـ ثمَّ، وضعنا القانون الثاني، من النظرية فقلنا:

كل بيت من الشعر، مقطعه الأول، بمتحرِّكين، وساكن، ـ يقابل "مُتَفْـ" هو حتماً من مجموعة البسيط، إذا جاء مقطعه الثاني بمتحرِّكين وساكن ـ يقابل "عِلُنْ" تتمة "مُتَفْـ" ـ حذفت السين من مستفعلن في هذه المجموعة، فصارت: "مُتَفْعِلُنْ" ـ وإلاَّ فهو حتماً من مجموعة الطويل: وتفعيلته الأولى : فعولن أو فعولُ في المتقارب والطويل. ومُفاعَلَتَنْ. أو مُفاعلْتن ـ يجوز تسكين الثاني المتحرِّك في: ...... "عَلَتْن". في الوافر ـ، ومفاعيلن أو مفاعيلُ في الهزج، والمضارع. وهأنذا أعرض تفعيلات بحور مجموعة الطويل...

تاركاً للقارئ فرصة الكشف عن علاقات مفيدة في تحديد بحر  البيت حين يكون من هذه المجموعة ـ يرجع إلى كتابنا: نظرية في علم العروض وتعليمه، وإلى كتابنا خلاصة تطبيقية في العروض. ـ

1 ـ الطويل:

طويل له دون البحور فضائل

 

 

فعولن مفاعيلن فعولن مفاعيلن

 

 

 

2 ـ المتقارب:

عن المتقارب قال الخليل

 

 

فعولن فعولن فعولن فعولن

 

 

 

3 ـ الوافر:

بحور الشعر وافرها جميل

 

 

مفاعلَتن، مفاعلَتن، مفاعلْـ =فعولن.

 

 

 

4 ـ الهزج:

على الأهزاج تسهيل

 

 

مفاعيلن مفاعيلن

 

 

 

5 ـ المضارع:

تعدّ المضارعات

 

 

مفاعيلُ فاعلاتُن

 

 

 

ـ من أساليب الكشف عن بحر البيت:

مُفَا، موجودة في البدايات كلها: فعو = مفا ـ لكنَّ "عَلَتَن"،  لا يمكن أن توجد خارج الوافر إلاَّ إذا جاءت: فعولُ فَعُوْ، أو فعولُ مفا: لكن المقطع الذي يليهما هو "عِيْـ" في الطويل،

"ولن".  في المتقارب، بينما هو "مفا" في الوافر، وهكذا تقل الاحتمالات، فيسهل تحديد بحر البيت وملاحظة أخرى هي: أن "فَعُوْلُنْ مفاعيـ=فعولن فعولن"، لكن المقطع الباقي من مفاعيلن ـ في الطويل ـ هي "لن" بينما تأتي بعد فعولن مفولن. "فعو" وهكذا يكون تمييز المتقارب من الطويل، ومن الذكاء أن يقول قائل: إذا جاءت التفعيلة الثانية بعد "فعولن" أو جوازها "فعولُ" ـ بحذف الثاني الساكن من "لن"ـ: مفاعيلن(66). كان البيت حتماً من الطويل ـ إنه التحليل والتركيب، لا التجريب غير المسؤول ـ أمَّا القانون الثالث، من النظرية، فقد كان:

كل بيت يبدأ بثلاثة متحركات قبل الساكن ـ يقابل مُتَفا ـ ثم يأتي مقطعه الثاني بمتحركين وساكن ـ يقابل "عِلُنْ" تتمة "مُتَفا"، هو حتماً من بحر الكامل، وتفعيلته الأولى: "مُتَفاعلن"، ـ مُتَفا+علن ـ. وإلا فهو من "المحدَث".

وتفعيلته "فعِلن" إذا جاء بعدها مقطع بثلاثة متحركان وساكن، أو تفعيلتان بأوزان "فَعِلُنْ، فعْلن". أو من مجموعة الخفيف، وتفعيلته الأولى: "فَعِلاتُنْ"ـ. سبق لنا أن شرحنا الأساليب المتبعة لوضعه في بحره ـ ومن نتائج التحليل والتركيب في تقطيع الشعر، أننا نستطيع القول بثقة:

القصيدة التي تبدأ بـ"مُسْتفعلن"= مُتْفاعلن، هي من بحر الكامل، إذا جاء أي شطر في القصيدة بثلاثة متحركات وساكن ـ يقابل مُتَفا ـ وهي حتماً من مجموعة البسيط، إذا جاء أيَّ شطر فيها مبدوءاً بمقطع المتحركين قبل الساكن "مُتَفْـ". ـ مُتَفاعلن بجواز تسكين المتحرك الثاني تصير مُتْفَاعلن = مُسْتَفْعِلُنْ.

نكتفي بهذا القدر ممّا قدّمناه، عن علم العروض، لقد حللنا "لغز الدوائر"، وكشفنا أسرارها، لأول مرة بعد طول الانتظار، وعرضنا صورة مثالية للزحافات المستملحة، وأغنينا الدارسين، في مختلف مواقعهم، عن الترميز والكتابة العروضية، وما شابه ذلك، بتقديم نظريتنا، في فنّ تقطيع الشعر، وسلامة قراءته، والاعتماد على أسلوب المقاطع...

وأعفيناهم من "صخرة" سيزيف، حين نفينا عن ذاكرة الدارس، كل الألقاب الشعرية التي كانت تلقي أثقالها فوق رأسه، لا يكاد يتذكرها حتى ينساها، ثم يعود إليها ليتذكرها.

فلا يلبث أن ينساها... تماماً كما كان يفعل سيزيف، يحمل الصخرة إلى فوق، ثم تسقط إلى تحت، فيعيد حملها، ثم تعيد سقوطها.

 

r

¡ الهوامش والمراجع:

(1)ـ لبهاء الدين محمد الأبشيهي (830هـ/1446م)، كتاب بهذا العنوان.

(2)ـ يرجع إلى الصفحات من (10-28)، من كتاب النحو العربي للدكتور مازن مبارك (دار الفكر، ط2 1391هـ/1971م).

(3)ـ ص 34 من المصدر السابق: "فمن قائل، إنَّ عليَّ بن أبي طالب هو الذي أوعز إلى أبي الأسود بوضع النحو، ومن قائل، إنه عمر بن الخطاب، ومن قائل: إنه زياد بن أبيه... ومن قائل: إن ابنة أبي الأسود قالت لأبيها: ما أحسنُ السماءِ... فقال لها: نجومُها، لظنّها تستفهم.... وقيل سمع قارئاً يتلو، ]إنَّ الله بريءٌ من المشركين ورسوله[، وهذه الأسماء وغيرها تتكرر في كتاب "نشأة النحو"، لمحمد الطنطاوي (دار المعارف  1399هـ/1971م)، ص 16-31. ويقول أستاذنا المرحوم سعيد الأفغاني في كتابه، "أصول النحو"، ص 6: "ويعتبر اللحن، الباعث الأول على تدوين اللغة وجمعها، وعلى استنباط قواعد النحو وتصنيفها...".

(4)ـ يرجع إلى وفيات الأعيان لابن خلكان(981هـ/1282م)، ج6، ص 246، ويروي محمد الطنطاوي قصة هذا التنقيط، في ص 31، من "نشأة النحو"، ـ ويروي د.مازن مبارك القصة نفسها، ص12، من كتابه "النحو العربي"ـ: جيء بكاتب من قريش، لأبي الأسود، فقال له: إذا رأيتني قد فتحت فمي بالحرف، فانقط نقطة على أعلاه، وإذا كسرْت فمي فاجعل النقطة تحت الحرف، وإذا ضممت فمي فانقط نقطة بين يدي الحرف، فإن اتبعْت من ذلك، غنَّةً، فاجعل النقطة نقطتين، ففعل. وردت القصة ص 60 من الفهرست لابن النديم، ويقول ياقوت (-626هـ/ 1228م)، في ترجمة "أبي الأسود": "..... الأكثر على أنَّه أول من وضع العربيَّة، ونقَّط المصحف...".

ويكرر الطنطاوي قول ياقوت الحموي، ص 33، من كتابه، "نشأة النحو"، فيقول: "هو أول من ضبط قراءة المصحف بالتنقيط..."، وكذلك يفعل إبراهيم مصطفى في كتابه: "إحياء النحو". فيقول ص 10: "وكان ضبط كلمات القرآن، بنقط يكتبونها في آخر الكلمات، تدلُّ على حركاتها...".

(5)ـ حصل إلباس بين رموز الإعراب التي وضعها الدؤلي، وبين رموز الإعجام ـ تنقيط الحروف ـ ولم تعد القراءة بسبب ذلك أمراً يسيراً.

(6)ـ تلقّى الخليل العلم عن أبي عمرو بن العلاء (-154هـ/770م)، وعيسى بن عمر (-149هـ/766م)، وغيرهما. ثمَّ رحل إلى البوادي البعيدة، حيث الأعراب، غير المختلطين بالأعاجم، أو الذين لم تفسد سليقتهم لمجاورتهم هؤلاء الأعاجم بعد الاختلاط بهم، وعندما أعجب الكسائي (-189هـ/804م)، بالخليل سأله: "من أين أخذت علمك هذا؟ قال من بوادي الحجاز ونجد وتهامة. يرجع إلى ص 77 وص 115 من كتاب "نشأة النحو" لمحمد الطنطاوي ـ

(7)ـ لقّب بالرؤاسي لكبر رأسه، وإليه يرجع بدء النحو دراسةً وتأليفاً، وكتابهُ "الفيصل"، استعان به سيبويه، كما استعان البصريون ـ يرجع إلى ص 115، من المصدر السابق، ـ للطنطاوي ـ مات أيام الرشيد، ومات الرشيد
(193هـ/809م).

(8)ـ يقول د.شوقي ضيف في الصفحة (ألف) من مقدمة كتاب: "الإيضاح في علل النحو" ـ للمبارك ط2/1982 القاهرة ـ "غير أنَّ تلميذه سيبويه، ألَّفَ على هدى، إملاءاته "الكتاب"، فأحاط فيه بأصول النحو وقواعده كافة....".

(9)ـ مِنْ مَعاني كلمة "سيبويه"، رائحة التفاح...

(10)ـ وضمَّ "كتاب سيبويه"، فيما ضمَّ آراء حبيب بن يونس (-180هـ/796م)، وغيره من علماء المرحلة ـ وفي كتاب د.حسين نصار عن حبيب بن يونس ـ ط1968 ـ جاء ص 34: "قال أبو عبيدة: اختلفت إلى حلقة حبيب بن يونس أربعينَ سنة، أملأ كل يوم ألْواحي من حفظه ـ كذلك كان تلامذة حلْقة الخليل يفعلون.

(11)ـ بلغت شواهد كتاب سيبويه، ألفاً، وقد نسبها إلى أصحابها الجرمي (-225هـ/839م)، ـ قيل المازني (249هـ/863م)ـ وزاد على الألف خمسون شاهداً، غير منسوبة. وقيل إن الأخفش، أول من  قرأ الكتاب على سيبويه، وانتفع بقراءته له كثيراً، حتى إنه قرأه سرَّاً على الكسائي (189هـ/804م)، بخمسين ديناراً، وقيل لأهمية الكتاب، حتى عند الكوفيين، مات الفرّاء (207هـ/822م)، ـ وهو كوفي آخر ـ والكتاب تحت وسادته، ـ جملة المازني ترد ص 77 من كتاب الفهرست لابن النديم ـ.

(12)ـ يذكر ابن خلكان في وفيات الأعيان ج2 ص 246، كتاباً في "النقط والشكل"، كذلك يذكر له كتاباً في "العروض" وآخر في "النغم"، ويضيف ياقوت إلى الخليل كتاب "الإيقاع"، وعنه نقل "بروكلمان" (1956م/1376هـ)، لكتابه: "تاريخ الأدب ج2 ص 124"، ـ ص 53 في الفهرست لابن النديم، جاء ذكر كتاب في النقط للخليل: ـ

(13)ـ القليلون من القدماء، قبلوا بهذه التسمية. وابن رشيق (464هـ/1071)، في عمدته ص 100، يبيّن موقف الجوهري (395هـ/1004م)، فيقول: "يرى أنه مقلوب عن دائرة المتقارب، وهو الذي يسميه الناس: "الخبب"، بينما الشنتريني (550هـ/1155م)، يضعه في كتابه "المعيار"، ص 17، في دائرة "المتفق"، مع المتقارب، باسم "المتدارك"، ويقول ص 84: ".... وقد ذهب غير الخليل إلى أنه مستعمل، ويسمَّى: المخترع، والخبب، وركض الخيل، وليس عند الخليل، شعراً، ويروى أنه نصَّ على طرحه.

(14)ـ ابن الحجَّاج ـ أحد الصعاليك ـ (-90هـ/708م)، يذكر بأن السليقة هي ضابطة الأوزان، قبل الخليل، قال: قد كان شعر الورى صحيحاً، من قبل أن يخلق الخليل. وهذا الكلام القليل، بيّن أنَّ الشعر هو الذي دلَّ الخليل إلى أسراره، لا علوم الأمم الأخرى ولغاتها.. ومن غير المعقول أن نتصوّر العرب في صحاريهم وبواديهم، تعلموا أصول شعرهم، ممّن لا يمتّون إلى شعرهم بصلة.

ومن أقدم القائلين بتأثّر الخليل باليونان، الصفدي
(-764هـ/1362م)، فقد ذكر في شرحه للامية العجم، ص30، أن الخليل اطلّع على مقاييس الشعر اليوناني، ويروى أن للبيروني (-440هـ/1048م)، قبله نصَّاً جاء فيه أن قواعد العروض العربي واليوناني ترجع إلى أصول سنسكريتية، وأن الخليل قد اطَّلعَ على هذه الأصول قبل وضعه العروض. وقد ذكر الدكتور صفاء خلوصي في كتابه: "فن تقطيع الشعر". ـ ط بغداد 1964م ـ أنَّه قرأ هذا النص. ولأن الخلوصي قبل بتأثّر الخليل وإفادته من العرض السنسكريتي، انتقل من القول: إن الخليل أحد عباقرة الدنيا، إلى القول في المقدمة التي وضعها لكتاب "القسطاس". لجار الله الزمخشري (538هـ/1143م)، تحقيق الدكتورة بهيجة الحسني ـ ط/بغداد 1968م ـ: "فليس قليلاً أن ينقل عبقريّ نابه، نظاماً وأسلوباً من البحث من لغة أجنبية، ويطبّقه على لغته، ويتوصل إلى نتائج باهرة"، ـ يرجع إلى ص 460-464 من كتاب "فن التقطيع الشعري" ـ مكتبة المثنى، بغداد، 1964م ـ وكتاب "موازين الشعر العربي"، باستعمال الأرقام الثنائية "للدكتور محمد طارق الكاتب ـ مطبعة مصلحة الموانئ العراقية
(1391هـ/1971م)، هامش ص 38. وأنَّه لمن العجيب أن يرجع الباحث خالد محيي الدين البرادعي إلى ماكتبه البيروني، فيكتشف أن من يقول ما قاله الخلوصي، يأتي بعكس ما يريده البيروني، الذي يؤكد: "أن الهنود هم الذين قلَّدوا الخليل حين صوروا المتحرك والساكن، شبه ما صوره الخليل ـ الموقف الأدبي دمشق 1990 العددان 225 و226 ـ.

     وكل ما يقال عن التأثر بالفرس أو السريان، هو نتيجة الشعور بالنقص، والجهل بخصيصة اللغة العربية البنيوية، التي أبرزها الشعر العربي، قبل الفرس والسريان. ـ اللغة السريانية مثلاً: تسمح للشاعر أن يبدأ بساكن وأن يجاور بين ساكنين، مع العلم أنه لا أهمية للسكون. في هذا الشعر، والشعر الفارسي جاء متأخراً عن زمن الخليل، وكثير من أنماطه يحمل اسم بحور الخليل ـ.

(15)ـ يرجع إلى، مقدمة كتاب محمد طارق الكاتب: "موازين الشعر العربي....". ص11، وص16 (ط/بغداد 1391هـ/1971م)، وإلى كتاب الشعر للدكتور جميل سلطان ص 5 (ط/دمشق/1970)... وإلى مقال طه الراوي في مجلة الرسالة عدد 523 سنة 1943 ص 550 ـ.

(16)ـ لقب الشطر الأول من البيت: الصدر، وآخر تفعيلة فيه، لقبها "العروض"، والشطر الثاني من البيت، لقبه "العجز"، وآخر تفعيلة فيه، لقبها "الضرب"، وتفعيلات الشطرين، قبل العروض والضرب، لَقَبُ مكانِها: الحشو.

(17)ـ يرجع إلى مقدمة كتاب محمد طارق الكاتب: "موازين الشعر العربي...."، ص16 ـ فيها آراء للدكتور إبراهيم السامرائي (رئيس قسم اللغة العربية، في كلية الآداب ـ بغداد)، وإلى ص 53، من كتاب "العقد الفريد"، يقول ابن عبد ربه: (328هـ/939م): "واختصرت المثال الثاني في الجزء الثاني، في ثلاث وستين قطعة على ثلاثة وستين ضرباً....". وذكر التبريزي (502هـ/1108م)، صاحب الوافي، عدد الجوازات في تغيير صور  التفعيلات، فبلغت لديه العدد السابق نفسه (ص34)، أما الشنتريني صاحب المعيار (-550هـ/1108م)، فيراها ص 13 ثلاثاً وثلاثين عروضاً واثنين وستين ضرباً دون المتدارك، أما عند الأستاذ محمود فاخوري، فقد جاءت في "سفينة الشعراء". صفحة 110 و120، ثمانية وستين ضرباً وستَّاً وثلاثون عروضاً... ويبدأ الزمخشري حديثه في "القسطاس"، تحقيق د.قباوة ـ ط1- 1979 حلب ـ من أساس الشعر ص 25-66، وعن أسبابه وأوتاده، ثم يشرع بتفريع تفاعيل الخليل إلى صورها المختلفة، وما يطرأ عليها من زحافات وعلل، وأسماء هذه الزحافات والعلل... فلـِ "مستفعلن"، مثلاً: أحد عشر فرعاً: المخبون والمطوي والمخبول والمكفوف والمشكول.... ولـِ "متفاعلن"، خمسة عشر فرعاً... وتتوالى الألقاب، وبعضها ألقاب غريبة، يدل كثير منها عمَّا يستقبح من صور الإنسان والحيوان.... فيضيق بهذا التفريع صدر الدارس.

(18)ـ ص 16 من المصدر السابق.

(19)ـ يرجع إلى مقال الباحث "مسلك ميمون"، في مجلة الفكر، سبتمبر سنة 96 ص 187-
190-.

(20)ـ ترجمة: د.منجي الكعبي (الهيئة المصرية للكتاب)، يرجع إلى مجلة، "أخبار الأدب"، 24 نوفمبر 96...

(21)ـ من أمثال الدكتور شكري عواد ومحمد عوني عبد الرؤوف وسيد البحراوي والدكتور إبراهيم أنيس، والدكتور كمال أبو ديب وغيرهم...

(22)ـ في كتاب "الصاحبي"، ص 10، لابن فارس (-395هـ/1004م)، قول هام: "إن العربية والعروض كانا معروفين قديماً، ثم أتت عليهما الأيام وقلاَّ، جاء أبو الأسود فجدَّدَ العربية، وجاء الخليل فأحيا العروض..".

(23)ـ التفعيلات لأنها تتضمن جميعها حروف "فعل"، ـ لكن الدكتور إبراهيم أنيس، في دراسته "لموسيقا الشعر"، يخلص إلى نتائج مخالفة، لما نقول، فيقول (ص47): "ولكنه قد نهج في عروضه، نهجاً خاصاً، غير مؤسّس على الأسس العلمية من الناحية الصوتية، وأننا حين نحلّل ما سمّاه بالتفاعيل باحثين عن الأسس التي يخضع لها، يصطدم بأمور متناقضة...". يرجع إلى ص 89 من كتاب: "ابن فارس الرازي، تأليف الدكتور محمد مصطفى رضوان، دار المعارف ـ.

(24)ـ رتّبنا التفعيلات بحسب الابتداء، بالمتحرك قبل الساكن، وبالمتحرِّكين قبل الساكن، وبثلاثة المتحركات قبل الساكن. وممّن حاول أن "يستدرك"، على الخليل تفعيلتين هما: "مستفع لن، وفاعِ لاتن"، الشنتريني من القدماء، ومن المحدثين السيد أحمد الهاشمي ـ ص 7 من ميزان الذهب في صناعة شعر العرب، دار الكتاب العربي، السنة غير مذكورة ـ والدكتور عبد العزيز عتيق ـ ص 20 من كتابه علم العروض والقافية ط1967 بيروت ـ وبأسلوب الطلاسم يعقد الشنتريني فصلاً،  ص 14، من المعيار، تخلص حساباته فيه: "..... فصار الجميع أحد عشر جزءاً، واحد منها مهمل والباقي مستعمل...".

(25)ـ ص100 من العمدة، يرد مثل هذا القول: "ذكر الزجاج أن ابن دريد (-321هـ/932م)، أخبره عن أبي حاتم (-250هـ/864م)، عن الأخفش (-215هـ/830م)، قال: سألت الخليل... ثم يذكر جواب الخليل عن سبب التسمية للبحور جميعاً...

(26)ـمن ص 53 –89 ج4 ـ ط/ القاهرة
 1935 ـ

(27)ـ ص 99 من كتاب العمدة ـ ط1 1403هـ/1983م ـ "أول ما خالف به الخليل أنه جعل التفاعيل سبعة، بحذف "مفعولات".

(28)ـ ص 107 من كتاب "الفهرست" لابن نديم ـ دار المعرفة، بيروت: 1398هـ/1978م. ـ

(29)ـ يذكر ابن النديم ص 78 أنه كان للأخفش كتاب في العروض وللجرمي (-225هـ/839م)، كتاب في العروض (ص84). وللمازني (-249هـ/863م)، كتاب في العروض (ص85)، وللمبرد (-285هـ/898م)، كتاب في العروض (ص87).  وللزجاج (-311هـ/923م)، كتاب في العروض (ص91)،  ولابن درستويه (-330هـ/941م)،  كتاب جوامع العروض (ص94)...

(30)ـ العمدة ص 63 ـ ج4 ط/القاهرة 1935 ـ

(31)ـ ص 14 من معيار الأشعار ـ تحقيق محمد رضوان الداية ـ 1388 هـ/1968 بيروت.

(32)ـ يرجع إلى عالم الفكر سبتمبر 96 "النصف الثاني من الصفحة 199".

(33)ـ ص 63 و66 من كتاب العقد الفريد، لابن عبد ربه.

(34)ـ ص 63 و66 من كتاب العقد الفريد، لابن عبد ربه.

(35)ـ ص 11 من مقدمة الشاعر مصطفى جمال الدين، لكتاب "موازين  الشعر العربي...."، لمحمد طارق الكاتب.

(36)ـ ص 10 من  طبعة حلب 1390هـ/1970م.

(37)ـ مجلة  التراث عدد 13 و14 سنة 1984، روى القصتين ابن خلكان ج5 ص 207 وص 208. ـ ولماذا لا نقول : حصلت له هذه الحادثة لأنه كان ذا فاقة، على حين أن الناس انتفعوا بعلمه، ولأنه كان زاهداً رفض دعوة والي الأهواز سليمان ابن عم العباس السفاح، له لتأديب أولاده، وممّا قاله في أبيات أجاب بها، سليمان:

أبلغْ سليمانَ أني عنه في سعةٍ

 

 

وفي غنى، غير أني لست ذا مالِ

 

 

 

 (38)ـ  ويرجع إلى كتاب "حبيب بن يونس للدكتور حسني نصار"، القاهرة 1968م، لمعرفة قدر حبيب.. ـ.

(39)ـ  ص 20 و55 ففي كتاب جامعي للدكتور عبد العزيز عتيق ـ ط2 بيروت 1967 ـ وكتاب العروض المقرر تدريسه  في تونس، لنور الدين صمود 1987م. ص 14 و15 و16، وكتاب العروض لوزارة التربية في سورية، وكتاب سفينة الشعراء لمحمود فاخوري ـ ط2 ـ 1974 حلب ـ ص12.....

     وكتاب العروض الواضح لأميل عبيد ـ ط1 1952 ـ ص 12 ويعرض صورة ثانية للترميز  ص 13 ـ "للمتحرك" وـ "للمتحرك والساكن"ـ ...

(40)ـ الوافي ص 196، يقول التبريزي: ثم سكنوا العين وسمّوه الغريب، والمشتقّ والمتّسق وركض الخيل، وقطر الميزاب.... ثم يقول: إن شئت قطّعته على ثمانية أجزاء "فَعْلن"، وإن شئت جعلت تقطيعها على أربعة أجزاء "مفْعولاتن".

(41)ـ وقال نور الدين صمود ص 15 ـ كتابه مذكور قبل أربعة أسطر ـ ويقطّع بعض العروضيين "فاعلاتن، ومستفعلن"، هكذا: فاعِ لاتن ومستفعِ لن، لأسباب عروضية يطول شرحها! ـ..

(42)ـ يذكر ميزان الذهب للسيد أحمد الهاشمي  ـ دار الكتاب العربي ـ سورية. السنة غير مذكورة ـ ص 139. هذه البحور الستة ويقدم نماذج من الشعر منظومة على هذه الأوزان.

(43)ـ ينظر إلى الصفحة 621 و622 من ط1، صادر 1962 بيروت ـ 1382هـ ـ وجاء المحدثَ، وجاء بعد تسميته القول: ويسمّى الخبب والخلع وطرد الخيل...

(44)ـ ص 36 من كتاب الوافي  وص 54 ـ من ج4/ط 1935 ـ من العقد ـ وص 120 ـ في سفينة الشعراء يأتي العدد 68 ضرباً و 36 عروضاً.

(45)ـ يرجع إلى الإشارة رقم 18.

(46)ـ يرجع إلى الإشارة رقم 27، وإلى ص 114، من ج1، العمدة ـ ط 1934هـ/ تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد ـ.

(47)ـ الضرائر يراها الزمخشري عشراً، وبعضهم يراها مئة. وللزمخشري ص 50 من كتابه المفصل، حديث عن الشؤون الصوتية.

(48)ـ تحدث الزمخشري باختصار إلى الضرائر والمستقبح منها والوسط. وص 118 من العمدة: ومن الزحارف ـ وهو ضرورة ـ المستكره: "قبيح مردود"، لا تقبل النفس عليه، لقبح الخلق واختلاف الأعضاء في الناس وسوء التركيب، مثاله قصيدة عبيد المشهورة: أقفر من أهله ملحوب.

     فإنها كادت تكون كلاماً غير موزون: "ـ في الهامش وفيها يقول أبو العلاء المعري.

وقد يخطئ الرأيَ امرؤ حازم

 

 

كما اختلَّ في نظم  القصيد عبيد.

 

 

 

     وفي كتاب سيبويه ج1 من ص 26-32 يقول سيبويه مظهراً سخطه على الشعراء الذين أكثروا منها:"وليس شيء يضطرون إليه إلا وهم يحاولون له وجهاً...".

(49)ـ ينظر إلى الصفحة 193 من المقابسات (المختار من التراث العربي: 30 مختارات، د.إبراهيم الكيلاني).

(50)ـ ص197 من عدد سبتمبر من عالم الفكر 1996.

 

(51)ـ ص197 من عدد سبتمبر من عالم الفكر 1996.

(52)ـ ينظر إلى ص 113 من العمدة ج1 وإلى ص 128- وص 129.

(53)ـ لكلّ حذف من هذا النوع، اسم بحسب موقعه: فحذف الثاني: الخبن، والرابع، لقبه "الطي"، والخامس: "القبض"، والسابع "الكف"، وهو حذف لا يرضي الخليل: "وكفُّكَ للطويل، فدتْكَ نفسي، قبيحٌ ليس يرضاه الخليل. يرجع إلى ص 63-75 من كتابنا: "نظرية في علم العروض وتعليمه".

(54)ـ جاء ص 119 من العمدة ج1 عن الخرْم: "وأكثر ما يقع في البيت الأول، وقد يقع قليلاً في أول عجز البيت ـ الشطر الأول، لقبه الصدور والشطر الثاني. لقبه العجز ـ ولا يكون إلا في وتد ـ لقب مقطع المتحركين والساكن ـ  وقد أنكره الخليل لقلته، فلم يجزه، وأجازه الناس... والخرم في اللغة: ذهاب بعض الشيء، وخير ما يفضح  أصحاب نزعة التصعيب، أنهم خلقوا لهذا الخرم المرفوض من الخليل والذي قد يكون سببه سقوط الواو والفاء من بداية الصدر أو بداية العجز من البيت الأول في القصيدة. فأية فائدة لعلم العروض  ولدارسة تسمية "عولن: أثلم، و"عولُ: أثرم"، فإذا دخل الخرم"مفاعلتن"، قيل له: "أعضب.. فإن دخل : فاعلْتن، قيل له: "أقصم. فإذا دخل مفاعيلن (فاعيلن)، قيل له: أخرم. فإذا دخلها بعد الكف: فاعيل، قيل له: أخرب، فإذا اجتمع الخرم والقبض فذلك هو الثرم...

     والزحاف المزدوج كله قبيح مستكره، وتسمياته تدل على ذلك: فالخرم في الأنف، والثرم في الفم... يقول ابن عبد ربه ج2 ص 62، هذا جميع الخرْم لا سواه، وهو قبيح عند من سمَّاه ـ والخرم كله قبيح ص 77 من العمدة ـ

(55)ـ يرجع إلى ص 111-113  من كتاب "نظرية في علم العروض وتعليمه": مكتبة "نوبل"، دمشق.

(56)ـ  جاء تعريف "التصريع"،  ص 149 من العمدة ج1: فأما التصريع  فهو ما كانت عروض البيت فيه تابعة لضربه".

     ويعرّف الشنتريني ص (15)،  المصرّع فيقول: "هو ما غيّر وزن عروضه، للإلحاق بضربها.".

(57)ـ حذف "تُ" لقبه الكسف، وطرح: "لات"، لقبه الصلم ـ الصلم قطع الأذن ـ وتسكين التاء "تْ" القصر. وإسقاط "لن، تُنْ": لقبه الحذف. وإسقاط "علن"، لقبه "الحذَذْ".

(58)ـ حذف الساكن في آخر "علن"، وتسكين المتحرِّك قبله، لقبه: "القطع".

(59)ـ زيادة "تن" لقبها: "الترفيل، هي مجزوء الكامل والبسيط وزيادة ساكن "نْ". في مجزوء  الرمل، هو التسبيغ، (فاعلاتان)، والتذييل هو زيادة ساكن (نْ). على: متفاعلن، مستفعلن، فاعلن.

(60)ـ زيادة "تن" لقبها: "الترفيل، هي مجزوء الكامل والبسيط وزيادة ساكن "نْ". في مجزوء  الرمل، هو التسبيغ، (فاعلاتان)، والتذييل هو زيادة ساكن (نْ). على: متفاعلن، مستفعلن، فاعلن.

(61)ـ الخزل يكون في متفاعلن، بتسكين التاء (الإضمار) وبحذف الرابع الساكن، الألف (الطي).

(62)ـ ذكرنا هذه الألقاب، كي تتبيّن ما يراد بها عندما نصادفها في أحد المراجع..

(63)ـ ص 19 من "القسطاس" للزمخشري (ط1 1397هـ/ 1977م)،  تحقيق د.قباوة، حلب ـ

(64)ـ ص 72 و73 و74 نجد في كتاب العمدة، لابن رشيق، مثلاً، هذه الأبيات، بالصورة التي نصادفها بها:

فما لي عن تذكرك إمتاع

 

 

ودون لقائك الحصن المنيع

عينيَّ كيف غررتما بقلبي

 

 

وأبَحتماه لوعة الحب

وشربت من خمور العيون تعللاً

 

 

فإذا انتشيْت أجود جود المرزم.

 

 

 

     ففي البيت الأول: زيدت الألف في "امتاع"، و"عينيَّ"، جاءت: عيني، ولنقل عيني! و"خمور"، جاءت مكان "خمرُ".

(65)ـ أحصيت جوازات "مُسْتفعلن"، "التفعيلة الثانية في الخفيف"، في معلقة الحارث بن حلزة ـ 88 بيتاً ـ (الحلّزة القصيرة، ويقال البخيلة)، وفي عدة قصائد أخرى، للأعشى ـ رقم 7 و63 ـ ولبشار ـ ص 107 –143 من ديوانه ـ وللبحتري ـ صنت نفسي ص 12 و13 و108 ج1ـ ... فوجدت أن "مستفعلن"، جاءت بنسبة عالية جداً، "مُتَّفْعلن"، عند هؤلاء الشعراء جميعاً. أما "فاعلاتن"، فإنها تأخذ صورة "فعِلاتن" كثيراً ..ـ مما يدل على أنّ زحافهما هذا مستملح.. ـ.

(66)ـ وعندما حاولت إحصاء الصور التي استساغها ذوق الشعراء، في بحر الطويل، "فعولن، مفاعيلن"، وجدت صورة "فعولُ" كثيرة الاستعمال ـ لا يخلو منها بيت قصيدة من الطويل والمتقارب، إلاَّ قليلاً ـ ومعلَّقتا امرئ القيس وزهير، حملتا صورة "فعولُ" كثيراً، لكنَّ صورة "مفاعلن"، في الحشو، كانت  قليلة، إنها في البيت: 8، 9، 24 ،70 من معلقة امرئ القيس البالغة 76 بيتاً، وفي البيت رقم 8 و22 و27 لدى زهير، وكثير منها جاء: "مفاعيلن"، في رواية أخرى، أو بتعديل بسيط لا يسيء، إلى المعنى، كما في الشطر الثاني، من رقم 27 عند زهير، مثلاً،  كأن نضع "ليوم حسابٍ، أو"مكان ليوم الحسابِ، أو..".

والبحتري، قلّما استخدم "مفاعيلن"، بغير صورتها التامة كما في القصيدة البالغة 45 بيتاً في الصفحات 2 و3و4، والمعلقات وقصائد البحتري وسواه تلتزم بـ"مفاعلن"، في العروض والضرب من الطويل، ما عدا الأبيات المصرعة، فإن عروض البيت المصرع، تأخذ صورة الضرب، وبينما يلتزم الشاعر بقافية الضرب: مفاعيلن، أو مفاعلن، أو مفاعي، في أضرب القصيدة كلّها، يعود إلى صورة "مفاعلن"، في أعاريض القصيدة كلَّها...

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244