مجلة الموقف الأدبي - مجلة أدبية شهرية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - العدد 373 أيار 2002
Updated: Tuesday, September 23, 2003 02:08 AM
فهرس العدد فهرس الدوريات
 

شرفة للسنونو ـــ شعر: محمد الفهد

في شرفةِ العصرِ الملوّنِ بالرمادِ،‏

على نحيبِ الشمسِ تأخذُ نورَها،‏

والريحُ تدمي نايَها فوقَ المدينةِ‏

ثم ترقى سلّما،‏

كي تأخذَ الأجسادُ رحلتَها‏

على شبقِ الكلامْ.‏

كنتُ التساؤلَ حولَ ما ترمي الطيورُ‏

مِنَ التغرُّبِ رحلةً،‏

هل تحتمي بالحبِّ؟!‏

أم أنَّ المساءَ يسيّجُ الأنثى‏

بصدرِ الشهوة الأولى‏

وما تركَ التواصلُ من غموضِ الوقتِ‏

في جرحِ الغمامْ.‏

كنتُ التساؤلَ:‏

هل يبيتُ الوجدُ في روحِ القصيدةِ،‏

أم يروحُ الشعرُ كي يبني‏

على الآجرِّ مملكةً‏

تضيءُ الكونَ أجساداً،‏

وما يرمي به الشعراء أسفارَ الخليقةِ،‏

ثم ينهشُ قلبَهم ذاكَ النزيفُ‏

وما تغرّبَ روحُهم فوق الظلام؟‏

كنتَ التساؤلَ‏

والسنونو يرجعُ الأصواتَ‏

في نزف شفيفٍ،‏

ذوّبتْ أصداءَه بُعدُ المسافةِ،‏

رحلةُ الأميالِ،‏

كي تبدو المعاني مثلَ نهدٍ‏

يكشف الأوقات صبحاً،‏

أو خموراً تحملُ الأسماءَ في ألوانِها،‏

أو مثلَ ناي يرفعُ الأحزانَ فوقَ البابِ‏

كي أمشي على جسدي المسيّجِ بالحطامْ.‏

كنت التساؤلَ:‏

كيف لي أن أُرجعَ الصوتَ المرخّمَ.‏

والمسافةُ ترجعُ الأصداءَ في صوتِ النحيبِ‏

ليعجنَ اليأسُ المبرمجُ خبزَ يومي،‏

أو شروخَ الظلِّ‏

ما ضاعتْ مدائنُ فوقَ أسوارِ اللجامْ؟‏

هذا السنونو العذبُ،‏

يرمي فوقَنا نوحَ الأحبّةِ،‏

أو غياباً، حين تأخذُهمْ منافي البردِ،‏

ينهشُ جلدَهم نوحُ الحنينِ،‏

وما ترامى مِنْ صهيلٍ،‏

فوقَ دمعٍ في الظلامْ.‏

عادَ السنونو اليومَ، إبراهيمُ،‏

كم مرَّ السنونو فوقَنا زمناً،‏

وأنتَ تجمّعُ الأسماءَ في زمنِ الشروخِ،‏

لتعجنَ الدمعَ الغريبَ بثلجِ ذاك الأفْقِ،‏

توقدُ جمرةَ الأحبابِ،‏

تذكرُ كرخَهم ونواسَهم،‏

وشموسَ بغدادَ الحنونةِ،‏

ثم ترمي نزفَكَ الأبديَّ،‏

قهوةَ صبحِك الثلجيِّ،‏

تجمعُ ما تكوّرَ في القدورِ،‏

فلا ترى غيرَ الدموعِ،‏

فتحتمي بالظلِّ في نغمِ الهزامْ.‏

مرَّ السنونو اليومَ. إبراهيمُ.‏

كي يرمي على روحِ التذكّرِ‏

ما تناثرَ من عطورِ المرأةِ الأولى،‏

وما نهضتْ حدائقُ في ممرٍّ العمْرِ،‏

حتّى صرتَ تشتمُّ السخونةَ عشبةً،‏

والبردُ يأخذُ من بياضِ اللونِ،‏

ما أسرّتْ مدائنُ في تقدّمِها،‏

وما جمعتْ سياجاً في انْسجامْ.‏

مرَّ السنونو اليومَ، إبراهيمُ.‏

لم يعتبْ على عينيكَ.‏

كنتَ الدمعَ في ظلِّ الخمورِ،‏

وما تهجَّى من حروفٍ،‏

ما تقوَّلَ في لسانِ الوجدِ،‏

ما نثرتْ زهورُ الأرضِ من حبقٍ‏

على رؤيا النوافذِ،‏

ما تجمّعَ من حنينِ يديك فوقَ الناي‏

والصوتِ المحرّجِ،‏

ما تبقى من شرودٍ،‏

حين يكسرُ ظلَّها عطشُ الشآمْ.‏

مرَّ السنونو اليومَ. إبراهيمُ.‏

حوّمَ حولَ أطرافِ الأصابعِ،‏

ثم دارتْ روحُه الذكرى‏

وما تركَ الرحيل على جراحِ الوقتِ،‏

كي يسري على أسماعِنا‏

صوتُ التساؤلِ:‏

أينَ إبراهيمُ كي يرمي على جنحي السلامْ..؟!‏

في شرفةِ العصرِ الجميلةِ،‏

كنت أرمي جرحَ هذا الوقتِ‏

في قلبِ التنهّدِ،‏

كي أٍسائلَ ربَّ هذا الكونِ،‏

أن يرمي على قلبي وداعَ الكونِ،‏

فالريحُ التي نامتْ على ورقِ الكتابةِ‏

ترسلُ الأحزانَ مبخرةً.‏

وهذي الأرضُ قد دارتْ على نوحِ‏

المغني دورةً،‏

حتّى يصيرَ الآنَ أعمى،‏

أو نزيفاً في الحطامْ...‏

في شرفةِ العصرِ الجميلةِ،‏

كان إبراهيمُ يرمي جرحَنا بالأسئلةْْ،‏

فأمدُّ قهوَتَنا بصوتِ الصبحِ فوقَ النخلِ‏

ما تركَ الشريطُ من المواجعِ صائحاً:‏

"عزاز والله عزاز، وشوقهم شوق الشواطي‏

لليل دجلة"‏

فيغيبُ إبراهيمُ في جسد القصيدةِ،‏

يرتدي المنفى شتاءً،‏

أو عويلاً في رئات الناي،‏

مصلوباً على كلِّ العراقِ،‏

وقد تهجّى نخلَه صوتُ المقام..!!‏

ذاكَ الصقيعُ يغرِّبُ الآنَ الصهيلَ‏

ودورةَ الأرضِ الجميلةِ‏

كي نؤاخي جرحَنا بالمقبرهْ..‏

فيصيحُ إبراهيمُ حتى تختبي دنيا القوافلِ‏

يسألُ النايَ التواصلَ،‏

يحتمي في أيِّ شيءٍ ساخنٍ،‏

علَّ الشموسَ تجيءُ ثانيةً،‏

حضوراً أو ظلالاً أو رؤىً،‏

فتعيدُ بغدادَ البعيدةَ جمرةً،‏

أو ضوءَ قنديلِ على هذي المنافي،‏

أو طيوراً فوقَ أروقةِ القصيدةِ،‏

كي يطيّرَها كتابْ...‏

لكنّها ترمي القصائدَ بالنخيلِ منَ البعيدْ،‏

ليدورَ هذا الروحُ في ظلِّ الصقيعِ مسافةً،‏

فيكونَ هذا القلبُ مأوى للحنينِ،‏

وما تدلّى من منافي الوقتِ،‏

ما جمعتْ طغاةُ الأرضِ من حقدٍ عليْ،‏

ليصيرَ إبراهيمُ رقماً فوقَ‏

أسئلةِ العذابْ.‏

ماذا أقولُ الآنَ؟‏

طُوبى للذي فتحَ النوافذَ‏

كي أجمِّعَ حزنَ هذا الوقتِ،‏

ما تركتْ بلادٌ يحكمُ الطاغوتُ‏

في أصواتها،‏

حتّى يصيرَ الليلُ أصغرَ من جراحي أنَّةً،‏

ويصيرَ إبراهيمُ ناياً فوق‏

أسئلةِ السراب؟!!‏

ماذا أقولْ؟‏

ناي يزملُني ينشرَني على بابِ المدائنِ،‏

كي أُلامسَ قوسَ نصرٍ‏

كُشِّفتْ أبعادُه صبحاً،‏

فصارَ القوسُ مرمياً على ضلعِ الصدورِ‏

ليصيرَ قوساً فوقَ جرحٍ في الربابْ؟!‏

ماذا أقولْ؟‏

أأسيرُ في نزفي مواكبَ‏

كي أُخبي جمرةَ القلبِ المسافرِ في الغياب؟!‏

ماذا أقول؟‏

ما زالَ في الصوتِ الجميلِ حريقُ هذا الروحِ‏

ضفةُ دجلةَ الدنيا،‏

وما عبرتْ شطوطٌ،‏

ما تنادى من جنونِ الشاعرِ المكسورِ‏

في ظلِّ المياهِ،‏

وما تصاعدَ في المقاهي من حنينِ‏

الماءِ نوحِ الأغنياتْ؟‏

لتقولَ أغنيةً وتسكرْ؟!!‏

"عبرت الشط على مودك"‏

فتلمُّ أعصابي حريقَ الوقتِ،‏

ما سكبتْ دموعٌ من صهيلٍ‏

فوقَ صدرٍ في المساءْ،‏

ونشيجُ إبراهيمَ مئذنةُ الكلامِ،‏

وما تقوّلَ في المدائنِ،‏

من ضياعِ النجمِ،‏

أو سهرِ الحريقِ على شروخٍ في الهواءْ.‏

ليصيرَ خيطاً واهياً‏

روحُ التذكرِ دربُه اليوميُّ،‏

أشعاراً غناءً،‏

كي يحاولَ أن يعيدَ الصوتَ‏

شكلَ الوجهِ، حافاتِ الخمورِ،‏

وشرفةً للنهرِ في ليل الأغاني والعبورِ،‏

وأن يمدَّ الروحَ نحوَ الروحِ أزهاراً،‏

فتغلقُ خمرةُ الباراتِ‏

أبوابَ المدائنِ،‏

ما تكسّرَ في الزمان وفي المكانِ،‏

وما تمازجَ فوق أسئلةِ الغيابْ.‏

ماذا أقولْ؟‏

متدثرٌ بالليلِ يخلطُ رحلةَ الشعراءِ نحو الماءِ،‏

بالسفرِ المسيّجِ بالأنينِ‏

ليتركوا من جمرهم قمصانَ نوحٍ‏

فوقَ أسرارِ اللغاتْ؟‏

متدثرٌ بلحافِ ما تركَ العراقُ‏

على فضاءاتِ القصيدةِ،‏

أو صراخِ الأرض في‏

مجدِ الحياةْ؟‏

فلتشربوا من مائها،‏

ما كانَ من دمعٍ،‏

وما راحتْ جراحٌ ترتدي أثوابَها‏

دوماً، صباحاً أو مساءْ...‏

ولتعرفوا بأس المرافي‏

حينَ يدركُ وجدُها لغةَ الطغاةْ.!!‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244