مجلة الموقف الأدبي - مجلة أدبية شهرية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - العدد 373 أيار 2002
Updated: Tuesday, September 23, 2003 03:31 AM
فهرس العدد فهرس الدوريات
 

أبو حديد ـــ قصة: أحمد سويدان

عندما كان عائداً إلى بيته في أزقة مخيم اليرموك عادت إليه الدوخة وخفّ رأسه، وجفَّ حلقه واجتاح جسده الفراغ. كأن شيئاً يأكله ببطء. فسَّر الحالة بأسباب التعب وقلة النوم وشدة الحر (الوقت في أواخر آب).‏

كان يحمل كيساً من القنب عن ظهره وصندوقاً من الخشب على خاصرته.‏

بدأ سيره المائل والمتأرجح من "الميدان الفوقاني" وبسبب الونى كان يجر حذاءه فتحيط به غمامة من الغبار والرمل الناعم والورق البالي وأعواد القش.‏

بدا في شرواله البلدي الذي يكاد سرجه يصل الأرض، وبالشال المعقود على خصره والذي يوشك الدخول إلى أمعائه. بدا كأنه قادم من ضباب القرن الماضي.‏

جاءته الدوخة هذه المرة قوية. لم يبق أمامه سوى زقاقين وعطفة خالية من الظل، ويصل البيت. سوف يصب على جسمه ماء بارداً من "البربيج" مباشرة. تحت الدالية في الجنينة المظللة، وبعدها يجلس على الديوان في الصالون.‏

لم يأكل الآن لقمة واحدة.‏

من عادته أحياناً -وهذا نادر- أن يتناول من الفرن المجاور رغيفاً ساخناً، ومن محل الفلافل عدة أقراص. يلف الرغيف عليها مع قرص من البندورة وبصلة وقرن فليفلة، ويأكلها مقرفصاً وبعدها يشحذ صوته وينادي:‏

-أبو العيال: البندورة بـ 75 قرشاً. الباذنجان بليرة. تعال يا أبا العيال.‏

الرصيف الذي يحتله أبو حديد يحاذي زقاق "أبي حبل" في الميدان الفوقاني، وأمام حانوت أو بايكة غير مشغولة، ومغلقة الباب دائماً مما يسمح لصاحبنا بحرية الحركة ونشر بضاعته. هو يتحرك طولاً مسافة عشرة أمتار، ولا تميل الشمس نحوه إلا وقد باع ما لديه وانصرف.‏

إنه محسود من قبل باعة الأرصفة قبالته الذين تغمرهم الشمس، وتنهرهم أصوات أصحاب الدكاكين وتزحمهم العربات المدفوعة بأيدي الباعة الجوالين.‏

يتساءل "الدوماني" الذي يبيع تحت أشعة الشمس قبالته:‏

-من يحمي هذا الأبو حديد؟‏

يردد ذلك أكثر من مرة وهو يكز على أسنانه يروح ويجيء ويدور حول بضاعته.‏

يسمعه جاره "الصحناوي" وقد مال يفرز حبات البندورة. الحمراء الغامقة على جهة. المتماسكة في ناحية. نصف الحمراء في ركن. وكل منها له تسعيرته، فيخاطب جاره دون توقف عن عمله.‏

-دورية البلدية لا تقترب منه. أصحاب الدكاكين لا يضايقونه. كما أنه لا يسدد إشغال رصيف.‏

-انظر إليه كيف يدور حول بضاعته. مبدياً شماتته. يمسد طرفي شاربه ينفث الدخان. إنه يبيع ما لديه قبل الظهر، أما نحن فنستمر إلى العصر. نتعرض للتوبيخ وابتزاز شرطة البلدية، وللخسارة.‏

تساءل وهو يزداد إنهاكاً، وتثاقلاً وارتخاء، كما غطت عينيه غشاوة:‏

-أيقف قليلاً، ويقرفص سانداً ظهره إلى الحائط، وقد أنزل الكيس والصندوق؟‏

وأجاب نفسه: -نعم. هنا مكان مناسب. لكنني لن أدخن. عندما أصل البيت سأغتسل ثم أشرب السوس.‏

قرفص أمام بناء لا يزال دون إكساء. يشعر أن رأسه بلا توازن.‏

كل يوم يعود إلى بيته مغادراً رصيفه. يسير على نفس الدرب. من أبي حبل إلى البوابة ثم يسير بين المقابر تطل عليه الشواهد تدعوه إلى السلام عليها. بعدها يأخذه شارع حي القاعة آخر أحياء الميدان المزدان بمحال بيع الأنقاض الخشبية، والنجارين وبعض السباكين. نهاية هذا الشارع يبدأ صاحبنا بدخول المخيم. ومن هنا يسير أكثر من نصف كيلو متر عبر عشرات الأزقة والدخلات ليصل إلى حارة "الشوام" التي يسكن أبو حديد أولها.‏

هذه العيشة يا أبا حديد كأنها ليست عيشة. لقد امتلأت تعباً وجوعاً وملاسنة وكفاحاً وإنهاكاً.‏

منذ أذان الصبح يمضي إلى سوق الهال. يدق بابه ابن أخيه "كاسم" الذي يعمل على "طرطيرة". هناك يقتنص البضاعة الرخيصة التي يتحاشاها أصحاب الدكاكين في أحياء الأغنياء والميسورين، والتي يقصدها باعة الأرصفة في الأحياء الشعبية، والباعة الجوالون.‏

-أنا زبونك الدائم يا حاج.‏

-هذه الأكياس ملأى بالكوسا الجيدة، هي ليست مضروبة ولا مرصوصة.‏

-إنها غالية. أنا لي سعر خاص يا حاج.‏

-أنت غال يا أبا حديد.‏

-الله يديمك فوق رؤوسنا.‏

-خذ هذه الصناديق من البندورة بـ 40 قرشاً.‏

-كم عددها؟‏

-عشرون صندوقاً.‏

-أعطنيها بثلاثين.‏

-صلِ على النبي.‏

-اللهم صل وسلم على سيد الخلق. محمد.‏

يتدفق باعة المفرق بالمئات على سوق الهال الواقع بين "ساروجا" شمالاً و"المناخلية" شرقاً و"السروجية" و"القلعة" جنوباً وساحة "المرجة" غرباً يحملون بضائعهم بالطنابر أو الطرطيرات أو الهوندات.‏

يعود أبو حديد ببضاعته إلى رصيفه عن طريق باب "الجابية" فباب "مصلى" وهو في الطرطيرة محشور في زاوية الرزق يأتيه ملك النوم. يطرق بابه فيغفو مع شروق الشمس، ولا يصحو إلا قرب رصيفه عندما ينادي عليه ابن أخيه.‏

ما ألذ هذه الإغفاءة يا أبا حديد. يتمنى لو يطول الطريق... ولكن هيهات!‏

يشمر ويبدأ بهمة بإنزال البضاعة. يفتح الأكياس. ويوجه كل نوع في مكان. يضع صناديق البندورة فوق بعضها تاركاً عدداً منها أمام الأعين. وهو كذلك يشعر بوجع الجوع وخواء المعدة. لكن الوقت يداهمه. يحمل الميزان من عند جاره التنّاك.. ويتوارد المشترون رجالاً ونساء. وهكذا يشد تكة شرواله على معدته وينسى جوعه ونعسه يدخن سيجارة بلهفة، ويأخذه العمل وتلبية الطلبات.‏

استقر أبو حديد في هذا الرصيف بفضل تبني المختار للموضوع، وأخذ موافقة رئيس المخفر الذي يتردد على مضافته. وبعد ذلك لم يعد يهمه كلام الحساد. لقد حصل بذلك على عمل مضمون وأمَّن بذلك قوت عياله.‏

الخضروات التي يشتريها ليست جيدة. طبعاً ليست من النخب الأول وليست من النخب الثاني إن الناس في هذه الأحياء بالأكثرية المطلقة تعيش على باب الله.‏

أبو حديد يكوِّر صوته. يجمعه. يمنع توزعه. ثم يطلقه بتؤدة في البداية. ثم قوياً. متماوجاً. منغماً. التفافياً... ويروح يدور حول بضاعته. يمشي على مساحة الرصيف كالديك أمام الخم. كأنه يريد أن يقول: "-أنا هنا.‏

تقول أم حديد: -الحمد لله يا رجّال. هذا الرصيف نعمة من عند الله. لقد أراحك من العتالة. صرت في عمر لا يسمح بالتعب والعناء. يريد الله أن يستر آخرتك.‏

يقول له الشيخ سامح مؤذن جامع "مازي":‏

-لا أراك في الجامع أبداً يا أبا حديد. عيب. أمثالك يجب أن يدخر أمراً صالحاً.‏

-والله. إن الفقراء، والذين على باب الله، ولا يملكون سوى قوة عملهم لهم الآخرة، ولهم ملكوت الله ولو لم يصلوا. عملهم هو ذخرهم، وسلوكهم هو ما ادّخرت أيديهم.‏

-هذا لا يكفي.‏

-عند الله يكفي. إن الله يريد بنا اليسر، ولا يريد لنا العسر.‏

-أنا أهديك إلى التي هي أحسن.‏

-وأنا أشكر لك ذلك. إذا وجدت وقتاً سأمضي إلى الجامع. إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر.‏

-أنا أعرف أنك تعرف. لذا أذكِّرك.‏

-الشكر الجزيل لك يا شيخ سامح.‏

وهكذا راح أبو حديد يواظب على الصلاة ما أمكن. صلاة الفرد وصلاة الجماعة.‏

نهض من أمام البناء بصعوبة. حمل الكيس على ظهره. قابضاً على فمه باليد اليسرى. كما أسند الصندوق على خاصرته وقد ثبته بيده اليمنى.‏

لم يكن ينقل خطواته بسهولة، وبعد عدة خطوات وقف كأنه لم يعد قادراً على الحركة. بل كأنه ود لو طلب المساعدة من المارة. لكنه وجد في طلب المعونة أمراً أهون منه الموت.‏

وقف قليلاً. ثم استمر واقفاً كأنه صار بلا كيان، ولم يعد قادراً على نقل قدميه، والتحرك نحو الأمام. آخر عهده بالعتالة مر بهذه الحالة. لكن السبب ذلك الحمل الثقيل الذي هز أركان ظهره وزعزعها.‏

-كأن سفوداً من الحديد المحمي يخترق لوحَيْ ظهري يا أم حديد.‏

-إصبر على كاسات الهواء.‏

-لم يعد لي قدرة على التنفس.‏

-خذ نفساً.‏

-لا أستطيع.‏

-كن شجاعاً.‏

-لعن الله العتالة. لم أرث عن أبي سواها. مات -رحمه الله- بين أكياس القمح في مستودع الحبوب.‏

-الحمد لله. على هذه الحال وكل حال.‏

-الكفر حرام، ولكن الفقر يا رب حرام.‏

-لا تكفر يا أبا حديد.‏

-الكفر حرام، ولكن الفقر يا أم حديد كذلك حرام.‏

-كفى -بالله عليك- يا أبا حديد.‏

-هناك من ينفق الملايين على القمار وعلى الموبقات، وأنا -كما ترين- أكدح طوال النهار وقسطاً من الليل، والعشاء خبز جاف أو بقلة وخبيز.‏

-إرادة الله.‏

-لا. إنها إرادة الإنسان. الله لا يريد الظلم. هو حق وعدل .‏

أيام عمله بالعتالة كان دوماً يتأفف ويحتج، وازداد ذلك يوم أصيب عموده الفقري وتعرض للبطالة. أما بعد تمكنه من رصيف "أبي حبل" وتعلمه أصول بيع الخضروات والتردد على سوق الهال، ومع هذا العمل الجديد بدأ الأولاد يكبرون، كما استطاع بناء غرفة ثانية في بيته كما اشترى براداً ومسجلة وتلفزيوناً. صار راضياً وقانعاً، ويحمد الله ويبوس يديه وجهاً وقفا.‏

الشيء الذي كان يقلقه هذه الدوخة التي تعود إليه بين آونة وأخرى وهذا الفتور، والشعور الملح الذي يلاحقه، ويحس من خلاله أنه بحاجة ماسة إلى النوم والراحة والتمدد قال له ابن جاره الطالب في كلية الطب، والذي يقف على أبواب التخرج إثر فحصه لأن الدوخة داهمته.‏

-أنت يا عم بحاجة إلى تغذية.‏

-لا افهم.‏

-يجب أن تتغذى.‏

-إنني آكل.‏

-أقصد بالتغذية أكل اللحم والنخاع وسودة المعلاق، وبعض العسل والزبدة.‏

لديك العلائم والدلائل التي تشير إلى فقر الدم.‏

-لا أقدر أن آكل سوى أكل البيت.‏

-يجب أن تذهب وتراجع طبيباً.‏

-الطبيب في السماء.‏

يقول له التنّاك أبو عبدو وهو يقدم إليه كأس الشاي:‏

-لون وجهك يميل إلى الاصفرار.‏

-إنني أسعل وأتقشع.‏

-يجب أن تقلع عن التدخين، وتأكل بانتظام أكلاً مغذياً.‏

-هذا صحيح. لكنني لا أقدر.‏

-اهتم بصحتك. سعالك ناشف.‏

-الذي يجيء من عند الله لا اعتراض عليه.‏

عندما ينقل بضاعته من الطرطيرة، ويصفها على الرصيف. وينصرف ابن أخيه. يجلس قليلاً وقد أسند ظهره إلى الحائط. يغفو. تهب النسمات من الزقاق عليه. ينشف عرقه. يتلاشى لديه تنميل المفاصل.‏

منذ يومين غفا مثل هذه الإغفاءة اللذيذة. ماذا رأى في المنام؟ رأى نفسه في جنينته الصغيرة يشوي معلاقاً، ويأكل من قطعه المملحة بنهم. كانت القطعة وهو يلوكها كأنها الفستق. أكل وشبع ومضى إلى عمله، ورأى نفسه ينام في جامع "مازي".‏

أذَّن المؤذن الظهر. أراد أحدهم إيقاظه فسمع الإمام يقول:‏

-دعوه. فهذا النوم المثقل بالتعب هو الصلاة الحقيقية.‏

إن مررت جوار رصيف "أبي حبل" رصيف اليسار المتاخم لفم الزقاق لا شك ترى أبا حديد وذلك بين حزيران 1967 إلى تشرين الثاني عام 1973، ولا يمكن أن تنساه.. إنه نحيل وطويل. انضغط خداه، وانمسحا. وارتخى جلد وجهه وتهدل، ولكنه بدا قوي العصب بعينين غائرتين فيهما بقية من تصميم. غلب عليهما الزوغان، وعدم الاستقرار. لا تنساه لأن "مشية البطة" ديدبانه، وصراخ الديك المذبوح المنطلق والمتماوج حول الرصيف والملتصق بأقفال "البايكات" هو موسيقى حياته، وأصل معيشته.‏

يناول الزبائن أكياس الورق الفارغة. ثم يأخذها إلى الميزان ملأى. يزنها. يقبض ثمنها، ويجري على دواليب القرفصاء. يذهب التنميل -إنه يختبئ- ووجع المفاصل. ليعودا -فيما بعد- أقوى، وأمضى. ينادي:‏

-أبو العيال. البندورة.‏

-ظريفة، ورخيصة، وحمراء، وحامضة.‏

-تعالوا خذوا "بلاش" بندورة للتبوّلة. للطبخ. للسلطة.‏

-"هون" أسعار الفقراء والمحتاجين. "شيلو بلا مصاري".‏

يعلو صوته على أصوات الآخرين، ويختلط بأصوات محركات سيارات الركاب، ويجندل شرابات بعض الطرابيش التي مازالت تنتصب فوق الرؤوس متحدية تطور الألبسة وانحسار الرؤوس. حول رصيفه شبه مظاهرة تمتد من الثامنة إلى العاشرة. حاشدة. متدافعة. متماوجة. هنا يزداد حماس أبي حديد. وتأخذه أجنحة خفية فتطير به وتحلق فوق المآذن وفوق هذا "الميدان الفوقاني".‏

عندما ينحسر الازدحام. تأتيه أم أسعد قادمة من بيتها الملاصق لمقبرة "الحقلة".‏

-أهلاً أم أسعد.‏

-الله يديمك يا أبا حديد.‏

-ما أخبار أسعد؟‏

-لم يزل في السعودية. لولاه لأكلنا الجوع أنا وأبو أسعد.‏

-ولد مرضي. الله يوفقه. ألا تبحثون له عن بنت حلال؟‏

-مجمع مما يرسله لهذه الغاية.‏

وهذا أبو حاتم يقبض على أذني "السيك" ويقف قبالة الرصيف.‏

-أهلاً. أبو حاتم.‏

-كيف الحال يا أبا حديد؟‏

-مستورة. إنشاء الله انفرجت.‏

-البنت بعدها عندنا، ولم تعد إلى بيتها.‏

-والله يا أبا حاتم- لا تؤاخذني- الحق مع زوجها.‏

-أنا معك. لكنه يصر على الطلاق. هما متزوجان منذ خمسة عشر عاماً. الطلاق خراب للبيت.‏

-بيني وبينك. الزوج مجروح. يجب أن تذهب إليه وتعتذر منه. أنت رجل عاقل هل من المعقول أن يذهب أخواها إلى بيته ويضربانه أمامها وأمام الأولاد وبتحريض منها. هل هذا عمل عاقل؟ الصهر مثل الولد. هو من أهل البيت.‏

-والله لا أعرف. كانوا سابقاً يأخذون برأي كبير القوم. أما الآن فالكبير خرفان الدنيا تغيرت.‏

-الناس تغيروا.‏

-كيف حالك مع هذا الرصيف؟‏

-ساترها ربك. نعمة كبيرة. لولاه كنت بالويل.‏

يوقظه من إغفاءته ضجيج محرك سيارة عسكرية. ينهض ملسوعاً خوفاً من مداهمة الوقت ليبدأ بفرز البضاعة. يجب تناول رغيف مشروح من التنور المجاور يمسح وجهه ببعض الحمص المطحون من عند جاره الحمصاني، ثم يقطِّع بصلة، ويغسل حبتين من البندورة ويتناول طعام الإفطار.‏

وعندما تمضي السيارة العسكرية يغرق شارع "السكة" بالصمت، ويلف المحلة ماراً بـ "بحرة الدفاقة" و "حمام الدرب" إلى مصطبة الشيخ "سعد الدين" يتخيل نفسه ذهب إلى الفرن وإلى عند‏

الحمصاني، وأنه أكل.‏

تصبح الساعة السابعة، وينشغل بفرز الرزق، ونشر البضاعة، ويتنقل منحنياً حيناً ومقرفصاً آونة بين صناديق وأكوام الكوسا والباذنجان والبصل.‏

يمر المختار.‏

-أنت حصان يا أبا حديد.‏

-أهلاً بمختارنا.‏

-الله يعطيك العافية.‏

-الله يعافيك.‏

وعلى هذه الحال يمضي الزمن مع أبي حديد.‏

يرتفع صوت المؤذن من جامع "مازي" يجيبه صوت مؤذن جامع "الدقاق".‏

يقف الحلاق بهيج أمام رصيفه:‏

-مرحباً يا أبا حديد. أراك على وشك الرحيل.‏

-نفَّقنا والحمد لله. كم الساعة؟‏

-ألم تسمع أذان الظهر؟‏

-صحيح. سأذهب للصلاة ثم أمضي إلى البيت.‏

عندما وقف أبو حديد أمام باب الدار كاد يقع على الأرض. لقد دارت به الدنيا والدور والأزقة والأرصفة، وتملكت عينيه غشاوة. حاول التماسك عندما واجهته ابنته ابنة الخامسة‏

-أحملت لي ولأخي الحليب؟‏

-نعم يا زينب.‏

-أبي أدخل.‏

-نادي أمك. أحضري كوباً من العرق سوس‏

-أبي.. أبي.. أمي. يكاد أبي يقع..‏

دخل بصعوبة. رمى خطواته على التوكل، وانطرح داخل الغرفة على طوله. كان يرى الينابيع تنبجس من أعماق الأرض: نبع الفيجة. نبع الخضرة. نبع بردى. وكان يرى كذلك أطياف مدن. رأى مرة حلب، واجتاز أخرى حماة، وكان يتوق لزيارة الساحل ليكحل عينيه بزرقة البحر والأمواج.‏

كم هي محرقة الشمس! ريقه ناشف. شفتاه يابستان. يريد ولو جرعة ماء.‏

رأى نفسه يركض عبر الشوارع بلا خطوات. بل كان يركض مقرفصاً.. ورأى أبنه نبيلاً‏

قادماً. سأله:‏

-متى جئت من "الجنوب"؟‏

-الآن وصلت.‏

-أجئت بإذن؟‏

-طبعاً.‏

-أعندكم استنفار؟‏

-جئت لأراك لمدة أربع وعشرين ساعة.‏

قالت أم حديد وقد أسندت رأسه إلى صدرها:‏

-إشرب قليلاً من الليمون.‏

وأجهشت زينب: -أبي شاركنا شرب الحليب.‏

لكن أبا حديد كان يلاحق الأرصفة. وكأنه سمع هذا الحوار:‏

-رصيف أبي حديد لمن سيكون؟‏

-المختار لن يعطيه لأحد.‏

-إذن سوف يبقى شاغراً.‏

-إنه موقع هام. سوف تُفرض عليه ضريبة إشغال رصيف بعد أبي حديد.‏

-ماذا تعني؟‏

-الأرصفة الهامة أصبحت غالية.‏

-تعني لها "فروغ".‏

الحوار يسد أذنَيْ أبي حديد الذي كان سمعه يتلاشى شيئاً فشيئاً.‏

الحوار، يتغلغل في زقاق "أبي حبل" ويرتقي أدراج المئذنتين ثم يدخل حانوت الحلاوة الطحينية المقابل للرصيف، والعائد لأبي أحمد راعي البلها. والذي كان يردد بأسى ولوعة:‏

-عليك رحمة الله يا أبا حديد.‏

-محسود على رصيفك.‏

"الورثة كثر...."‏

لكن أبا حديد لم يعد يسمع شيئاً.‏

كان المسكين قد مات.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244