|
||||||
| Updated: Tuesday, September 23, 2003 04:23 AM | ||||||
| فهرس العدد | فهرس الدوريات |
|
تقرير الوفاة ـــ قصة: المحسن بن هنية فتح رحم الأرض... كان قبراً... كان حفرة في التراب... وكنت مأموراً بتشريح الجثة... بتحديد أسباب الموت... مرت أسابيع... ملامح الجثة لم تعد هي... سلسلة من العظام، الكفن اهترأ... الدود يملأ الحفرة... تسلق جوانب القبر... أو يحاول اختراق التراب والانتشار في أديم الأرض. سقط القناع عن وجهي صدفة... عاصفة من رائحة الموت حسب تقديري غزت جسدي... مادت بي الأرض.. ودارت الجبال... تلاحقت الأشجار هذه تطارد هذه... بعثرت القبور.. مزقت الصور.. نهض الموتى هياكل عظمية تعدو في اتجاهي، تطاردني، لعظامها طرطقات وفي أصواتها همهمات الرعب، سحاب يغشى المكان... الروح تبحث عن مخرج لتغادر جسدي... الوعي انحلّ وتناثر كالريش المنتوف... جمجمتي أفرغت مما علق بها من المعارف أو علوم الطب والتشريح... لعلني أصبحت واقعاً عليه فعل التطبيب ولم تعد عندي قدرة التطبيب بعد أن أهرقت مخزونات جمجمتي واندلق زادي من الوعي. تقتلع العاصفة أشجار الغابة وتحطم أغصانها وتجرف الأمطار التربة وتحفر في السهول الأخاديد. الأيام وحدها تعيد الأشياء إلى طبيعة قريبة مما كانت عليه. رممتُ حالي... تقاربت أجزاء الصور وتشكلت الأشياء، عدتُ إلى المكان، فم القبر فاغر.. عظام الجثة اكتست لحماً، استوى منها البنان ورف منها الجفن وركض فيها الدم بعد أن خفق القلب... وامتلأت الرئتان هواءً وارتفع الصدر بالشهيق والزفير استوى الميت حيّاً واستقر في فمه لساناً وفي وجهه شفتين وامتلك قدرة الكلام، خاطبني: "قرار قتلي أو دفعي إلى الموت كان يوم ولدت، وقرأت حيثياته يوم وعيتُ وأدركتُ. عندها حملت القرار في كفي وسرت أعرض جثتي. بيعت جثتي في سوق المضاربين وما قبضت الثمن وتقرر إعدامي قبل قتلي آنذاك احتفظتُ بروحي قبل قتلي ووزّعت حياتي بعد موتي وشرحتُ القضية: "إذا أعيتكم الحيلة وأعوزتكم الوسيلة أن تمسكوا بروحي وتبعثروا صوتي فلم تحصلوا إلاّ على جسدي فافعلوا به ما شئتم فلن تفلحوا في التخلص منه، وحاذروا أن تطمروه في التراب فقد يخرج من الميت الحي ملايين الديدان ثم بلايين الجراثيم ثم أملاح في التراب يحملها الماء إلى مساحات في الضياع فتمتصّها الجذور فأعود زيتاً في حبات الزيتون أو غذاء في حبات البقول أو عشباً يدر في الضرع اللبن أو لحماً في ظهور الأغنام. قد تدفعكم الحيلة إلى إلقائي في البحر، وذلك لي أظهر فيلتهمني الحوت. وقد يبتلع الحوت حوتاً فأكون بعضاً من نسيجه. وقد يموت الحوت فيأكله سمك وعندها ينتشر في بلايين الأسماك فيعظم شأني أكثر ولكن بعدها أعود لكم في صيدكم وأستوطن أجسادكم ويمر من دمي جزء لأطفالكم ولن تفلحوا حينئذ في التخلص مني. قد يدفعكم الحمق إلى حرقي وتحويل جثتي هذه إلى رماد تذروه في النهر أو في مهب الرياح وذلك أطيب لي رائحة وأسهل لي سبيلاً فأنتشر أكثر وأكون سماداً لأخصب الأرض وأعود فيها نباتاً أزكى. لما سكت عن الكلام سألته ما الوصية..؟ "بلغ قاتلي أني مازلت فيه حياً وأن قراره لم يأخذ مني شيئاً.." * * * كنت مطالباً بتقديم التقرير الطبي عن أسباب الوفاة، غير أني كتبت تقريراً في أسباب الحياة وأسهبت في شرح التحولات والتغيرات، ولم أمسك بحدود الوفاة أو تحديد البدايات أو مدى النهايات، ولم يكن علمي قادراً على تحرير التقرير. فكتبت سيرة الرجل الذي ترك جثته في سوق المضاربة وفر بروحه بعد أن دون أنفاسه على صفحات الرياح، وكتب على سطح الماء شيئاً من سيرته وأضاف متحدثاً: "في يوم مشمس خلعت ثياب الطاعة وتعريت كما خلقني خالق رحم أمي وتبولت في سرير الأيام الذي قبلت فيها المجيء... وتنخمت في مؤخرة الذي أدعى التحكم في جسدي وصفعته بلا. ثم: لا: حتى زلزل فتشبثت روحه بجسده وفيه تحصنت وبه اختلطت حتى تبلدت ثم تسلحت بالكبر فأصدر أمراً باتاً يقضي بشنقي وإخراج روحي من جسدي...". * * * نحن أصدرنا باسم الأمير الحكم التالي بعد جمع الأدلة القاطعة والحجج الثابتة والتأكد من ضلوع المسمى عبد الحق أبا الوفاء في جريمة شق الطاعة وتحريض الناس على التفريق بين أرواحهم وأجسادهم والاستخفاف بجثثهم. الأمر بشنق المذكور سابقاً شنقاً نافذاً بعد ختم الأمير. * * * قيل لي هذا ليس تقريراً وليس حجة لإثبات أسباب الوفاة، بل هذا هذيان لا يصدر عن عاقل. كان البوليس أكد أن عبد الحق أبا الوفاء هرب من زنزانته أو تسلل من شقوقها. والاحتمال الأكثر صدقاً هو تواطؤ السجانين معه أو إصابتهم بلوثة الخروج عن الطاعة واشتراء ضمائرهم بعد أن زرع فيها عامل الرأفة وإنّه الآن ملاحق ومطلوب لدى الدوائر بعد أن ختم الأمير نص الحكم وأقرّ أمر التنفيذ: * * * أثبت الزملاء أن الجثة المستخرجة من القبر بعد التأكد من فساد تحليلي، جثة امرأة وثبت فنيّاً أنها سيدة تدعى "عدالة" وأنها كانت امرأة طيبة على خلق عال وعقل راجح وكانت عطوفاً حنوناً وسيدة ولوداً ترضع الأطفال من ثدييها لبناً طبيعياً وأنها كانت محل احترام وعشق وتقدير من أهل الأرض كلّهم. اتسع السؤال وعمّ الغموض وجنّ جنون المحقق، أيختفي عبد الحق ويفرّ من العدالة وتشرح جثة عدالة ويثبت تقرير الطبيب الشرعي أن وفاتها كانت خنقاً وبفعل فاعل..!؟ لماذا لا يكون الانتحار احتمالاً وأن قتلها كان لإخفاء جريمة التستر على الهارب..!؟ سُئلت عن ضعف فحوى تقريري بعد أن وجهت لي تهمة إخفاء الحقيقة وتضليل العدالة، فكان جوابي: "إنّ جسد عبد الحق تحلّل في أديم الأرض وتسرّب في الزرع والعشب وإنّ عدالة سرقت الشمس روحها ونثرتها أشعة فوق سطوح القصور وفوق القمم". عندها ثبت لدى المحقق ضياع عقلي ورأفة بي وضعت في مصحة الأمراض العقلية وشددت الحراسة حولي مخافة انتشار العدوى. -تونس- سيدي بوزيد |
|
| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |