|
||||||
| Updated: Tuesday, September 23, 2003 01:57 AM | ||||||
| فهرس العدد | فهرس الدوريات |
|
سباق الوهم والجنون ـــ قصة: بسّام الطعان -يا الله ما أجمله.. إنه لي. صاحت زوجة البقال. -ولماذا لا يكون لي؟ أنا رأيته أولاً. قالت زوجة الفلاح بغضب. -يا محلوقة الشعر، كيف يكون لك وأنا التي حفظته أولاً؟ ردت عليها زوجة الحائك. صهيل الاحتجاجات والصيحات رج الفضاء، بدت العيون شرسة، انتفضت الأيدي واستعملت كل قوتها للظفر به، وقبل أن تبدأ مسابقة شد الشعر قالت إحداهنَّ: -لنذهب إلى (الملا علي) فهو رجل حكيم وعادل.. ليكن حكماً بيننا. في بيته كان الملا علي يمسحهن بنظراته ويقول في داخله أشياء كثيرة. قالت زوجة الفلاح: -كنا في البرية نبحث عن العكوب، وحين لمحت شيئاً لامعاً، قلت لهن -ويا ريتني ما أخبرتهن بذلك- أنظرن إلى هناك، ما هذا الشيء الذي يلمع؟ ثم هرعت إليه فوجدت هذا الخاتم الماس، إنَّه ثمين وهو لي ولن أتركه لأحد أليس كذلك؟ استقبلت زوجة البقال كلامها بسخرية واستهجان: -نحن الثلاث كنا معاً، شاهدناه معاً، هرعنا إليه معاً، وكل واحدة منا تريد أن يكون لها وحدها، لذلك جئنا إليك لتحكم بيننا يا ملا. هبت عاصفة مشحونة بالهرج والفوضى، وكادت تحوّل الجدائل إلى كومة من شعر الماعز لولا أن الملا سدَّ أذنيه وعاند عنفوان العاصفة: -القضية صعبة، ولا أريد أن أظلم إحداكن، لذلك على كل واحدة أن تقوم بعمل غريب حتى يكون الخاتم من نصيبها. أمسك عن الكلام لحظات وهو يلعب بسبحته، ثم أضاف بصوت مرح: -من تستطيع أن تخدع زوجها، تتغلب عليه، تجعله مسخرة بين الناس، وتقنعه بأنه واهم أو مجنون، سيكون الخاتم من نصيبها، والآن أعطني الخاتم، سيظل عندي، وبعد الامتحان سأقدمه لمن تستطيع تنفيذ ذلك.. اتفقنا؟ هيا إلى بيوتكن ولا أريد أن أرى وجوهكن إلا بعد ثلاثة أيام. ولأن الخاتم ثمين ولا تحلم به امرأة في البلدة كلها، صممت كل واحدة على أن يكون من نصيبها مهما كلفها ذلك من تضحيات. في الصباح قالت زوجة الفلاح لزوجها الذي كان يتدثر بجو دافئ ومنعش ويحلم بموسم وفير: -اذهب وتناول فطورك.. وضعته تحت تلك الشجرة.. أنا سأسقي الزرع ريثما تنتهي من تناول طعامك. كان الزوج يتناول طعامه بشهية ويستمع إلى طنين فرقة حشرات الأرض كثيرة الألحان، أما هي فكانت تنظر من حولها تارة، وإلى زوجها تارة أخرى، وحين تأكدت من أنه لا يبالي بها، بدأت مهمتها بسرعة، ثم حملت الرفش وكأن شيئاً لم يكن. عاد الزوج إلى عمله أكثر نشاطاً، فذهبت وجلست تحت الشجرة والخاتم الجميل لا يفارق مخيلتها، بينما نظراتها مثبتة على الزوج المشغول بالسقاية، ولم تمر سوى دقائق حتى ناداها بدهشة وهو لا يصدق ما يرى: -تعالي يا درة "تعالي.. تعالي" وشوفي هالشوفة. ولأنها تعرف تماماً ما هي "الشوفة" لم تتحرك من مكانها. -تعالي وانظري إلى الساقية فهي مليئة بالسمك! دنت إليه بخطوات رشيقة ناعمة وهي تقول بتعجب: -سمك؟ الساقية مليئة بالسمك؟! سبحانك يا رب هذه من عجائب الدنيا! بقي الزوج واقفاً في مكانه يسيطر عليه الذهول، بدت نظراته محايدة، فلا تشاركه راحة أو سروراً، نسي أفكاره عند حافة الحيرة، وفقد بغتة الإحساس بحواسه وكأنه مفصول عن ما حوله بسكين صدئة، بينما راحت الزوجة تلم الأسماك بسرعة وتنثر من حولها الكلام: -ستأكل غداءً شهياً.. إنها من نصيبنا.. رزقنا.. إياك أن تخبر أحداً بذلك لكي لا يتهمك بما لا تريد. في الطريق إلى البيت كانت همساتها تسقط في أذنها: "الخاتم لي ولن تأخذه غيري مهما حصل. ظل الزوج يسبح في سواقي الصمت والحيرة، بدا مثل من يقع في متاهات مظلمة، ذهب بأفكاره بعيداً، ولم يعد له هم سوى معرفة كيفية وصول الأسماك إلى الساقية. بدت الشمس أكثر نشاطاً، وكان جسمه ينز عرقاً ساخناً، شعر بشيء من التعب، فغسل وجهه، بلل شعره ورقبته وهو يهذي: "لحسن الحظ أن وقت الغداء قد حان... أفضل أن أعود إلى البيت". أسكت المحرك دون أن يكمل السقاية، واصل سيره بخطا بطيئة وذاكرة تلمع فيها الأسماك، خُيِّل إليه أنه يسمع صوتاً يقول له: "في كل صباح ستجد الساقية مليئة بالأسماك". هز رأسه وتمتم: "لا بد أنه صادق.. عجائب الدنيا كثيرة والله كريم يرزق من يشاء". كان يتناول طعامه بنهم، ومع كل لقمة كان يتساءل في داخله عن كيفية وصول الأسماك إلى أرضه، فكانت تهزمه الأجوبة ويرهقه التفسير، أما الزوجة فكانت تجلده بنظراتها الخبيثة وهي تقدم له قطع اللحم الناضجة. مسح فمه بباطن كفه، ثم تجشأ وطقطق رقبته: -سأرتاح قليلاً حتى يبرد الجو، ثم أشرب الشاي وأذهب إلى عملي. توارى داخل الغرفة، فنهضت الزوجة بخفة وراحت تلملم بقايا الطعام، ولم تمض دقائق حتى لم يبق منه أي أثر، ولكن بقايا البطاطا المسلوقة توزعت على الأرض. -الطعام كان لذيذاً أليس كذلك؟ قال الزوج وهو يشرب الشاي وينفث دخان سيجارته. -أي طعام؟ ردت وهي تمط شفتيها وتجعد وجهها المجعد. -ماذا جرى لك يا حرمة؟.. السمك المشوي الذي أكلناه قبل قليل! ضحكت ملء أشداقها فبانت أسنانها المصفرَّة، وبعد أن هدأت قالت بسخرية: -سمك؟! من أين لنا بالسمك؟! وهل تسمي البطاطا المسلوقة سمكاً؟ صوّب سهام نظراته إليها وبدا مثل من يسمع كلاماً عجيباً: -بطاطا؟ يا حرمة يا مهبولة ألمْ نجد سمكاً بين الزرع في الساقية؟ بسملت وحوقلت، ثم اندلعت زوبعة من الولولة تسبقها دموع ملونة بالكذب: -يا ويلي يا ويلي يا ويلي.. الحقوني يا ناس.. اسمعوني.. زوجي جن زوجي جن. وفي الخارج نزعت غطاء رأسها وراحت تلوح به وتردد أغنية زوجي جن.. أما زوجها فلحق بها وهو يردد: -أسكتي يا جنية.. فضحتينا.. سودك الله. لم تمض دقائق معدودة حتى تجمع من حولها كل من سمع أغنيتها، وقبل أن يسألها أحد عن السبب في صيحاتها التفت إليهم: -زوجي يقول إنه رأى سمكاً كثيراً في أرضنا بين الزرع، ثم يصر على أنني جئت به إلى البيت، ويصر أكثر على أننا أكلنا سمكاً مشوياً. تطلع أحدهم إلى الزوج الذي مزقته مدية الحيرة، ويبدو مثل قرية ضربها زلزال عنيف، وحين لاحظ أن الغضب يشع من عينيه المدججتين بالأسلحة الفتاكة خاف أن يتكلم. قال آخر وهو يبتسم بخبث: -رأيت الأسماك في الساقية.. بين الزرع؟! أنزل عن كتفيه حمولة القهر وقال بقلب مهترئ: -نعم وجاءت بها إلى البيت وأكلناها.. صدقوني يا ناس.. أنا لا أهلوس، وزوجتي هذه أصابها مرض جنون البقر. لطمت وجهها، ثم جعلت من غطاء رأسها ميكرفوناً وغنت مرة أخرى: -زوجي جن زوجي جن.. صب عليها ألف لعنة، وبحركة سريعة خطف عقاله النائم فوق رأسه، فصحا العقال وارتجف مذعوراً بين يديه، حاول أن يمسك بذراعيها، لكنها تحركت بخفة قطة مبتعدة عنه وتمترست خلف جارتها. حين أضحت في مأمن من عقاله الذي انتفض وتحول إلى ثعبان على شكل طريق إسفلتي باتجاهين قالت: -أرجوكم أدخلوا إلى بيتي، فإذا وجدتم فيه أي أثر للسمك الذي لم يدخل إلى بيتنا منذ ثلاث سنوات، حينها بإمكانكم أن تقولوا عني مجنونة ابنة مجنونة.. طعامنا كان بطاطا مسلوقة وهو يصر على أنه تناول سمكاً! دخل الرجال والنساء إلى البيت وبدؤوا يفتشون الغرف والصالون والمطبخ وقن الدجاج مثل كلاب بوليسية، فلم يعثروا إلا على بقايا البطاطا وهي متناثرة هنا وهناك. ظهرت امرأة في سوق البلدة برفقة رجل وهي بكامل زينتها ومباهجها واكسسواراتها على غير عادتها، تعمدت أن تمر مع الرجل من أمام دكان البقال ليراها وهي برفقة رجل غريب، كانت تشرّق وتغرّب، وفي كل مرة تظهر بشكل مختلف، مرة تشبك يدها في يده وتطلق الضحكات الخفيفة، ومرة تضع يدها فوق كتفه وتقول له النكت فيضحك بصوت عال، ومرة كفها ترتاح في كفه وهما يسيران كعاشقين صغيرين. ما إن وقعت نظرات البقال عليها حتى هب واقفاً كأن عفريتاً قد انبثق أمامه، لقد صعقه المنظر، جمّده، وحوَّله إلى كائن تستعد روحه لأن تهرب منه. كلما كانت تمر من أمامه، كان يشعر بالاختناق، وهو يتأمل المشهد بكثافة، بغتة استبد به الانفعال، غرق في بحر الوسواس، لكن وقبل أن يشتعل بنار الهلوسة تساءل بصوت كالفحيح: "معقول أن تكون زوجتي؟ وسمع قهقهة من داخله: "يا لعقلك الفارغ، هل رأيت زوجتك مرة وهي بهذه الغرابة..؟ ثم ماذا ستفعل زوجتك مع هذا الرجل الغريب؟ غابت المرأة ومن معها فعاد وجلس على دكة قلبه الطعين، ظل يتأمل المسافات السائرة أمامه بسياراتها وأشخاصها، بعرباتها ودوابها، بالوجوه السمراء والصفراء، بالأتربة المتطايرة في الهواء، التي تسد منافذ التنفس، كل شيء من حوله يتحرك وهو متخشب كالصنم لا يتحرك فيه شيء إلا غمازاته الحزينة. قبل أن تصبح حواسه كائنات خرساء وعوراء لا تفهم بعضها قال في نفسه: "يجب أن أذهب إلى البيت لأتأكد وأرتاح، فإذا لم تكن زوجتي في البيت فهي التي كانت مع الرجل.. نعم إذا كانت هي يجب أن أطلقها قبل أن تجلب لي الفضائح". ولكن قبل أن يهرول باتجاه البيت دخل إليه الرجل الذي كان برفقة المرأة. وزع نظراته في الأرجاء كافة وقال وهو لا يلتفت إليه: -من فضلك.. أريد علبة السمنة هذه. أراد أن يسأله عن المرأة غير أنه لم يجرؤ على ذلك، وبعد لحظات مريرة قال: -الصغيرة أم الكبيرة؟ التفت إليه الرجل وتساءل باستغراب: -وهل تحدثت إليك أنا؟ إنني أتحدث مع هذا الذي يجلس إلى جانبك. وأشار إلى الجهة اليمنى. ربط الارتباك لسان البقال، بينما أشباح ذاكرته المفجوعة تبعث رائحة عفنة، تلفت من حوله فلم ير من يجلس إلى جانبه، لحظتئذ تشبث بتلابيب صبر وهمس لذاته: "ماذا جرى لي اليوم؟ هل جننت أم أن هذا الرجل مجنون؟ أما الرجل فظل يسأل الرجل الآخر: -هذه العلبة كم سعرها؟ بغتة تفجر صبره وتناثرت شظاياه في كل مكان، اقترب منه والدمار والخراب يتحاوران في مخيلته، أمسك بكتفه وراح يهزه هزاً: -أنظر من حولك يا هذا، هل أنت معتوه؟ وهل ترى غيري في الدكان؟ تطلع الرجل من حوله، وفجأة انكسرت تعابير وجهه، عصر رأسه بكلتا يديه وقال بهدوء: -رأسي يكاد ينفجر، يبدو أنني بت أرى أشياء كثيرة في وقت واحد. ثم جلس على كرسي صغير في وسط الدكان وأضاف: -لا تؤاخذني يا أخي، فأنا بالأمس تعشيت (فجيّل)(i) ويبدو بسببه صرت أرى الشخص شخصين، لقد حذرتني زوجتي وقالت لي بعد أن أحضرته مع الخبيزة من البرية، لا تأكل الفجيّل، فإن من يتناولـه يرى في اليوم التالي الشيء اثنين، لكني لم أستمع إليها وصممت أن تطبخ لي الفجيّل. ثم خرج بسرعة ولم يدع له مجالاً للكلام. حين صار البقال وحيداً، انسكب في أعماقه شعاع فرح وهو يضيء كنيزك يخترقها وينيرها، أَقْنع نفسه بأنه كان قابعاً في قوقعة وهمية، أشعل سيجارة، سحب نفساً اشتاق له، فتح لنفسه (كازوزة) شربها على مهل وراح ينثر الكلام وكأنه يردد أغنية غير منسجمة الكلمات: "ها ها.. لذلك رأيت الرجل وكأنه يسير برفقة زوجتي.. الحمد لله لأنني لم أذهب إلى البيت، فلو ذهبت ولم أجدها لكنت طلقتها فوراً وهي بريئة بالتأكيد.. أنا أيضاً تناولت في العشاء (الفجيّل).. لعنة الله عليك يا فجيّل. إنك تدوّخ الإنسان، ولكن لماذا لم تخبرني زوجتي ما يفعله بالإنسان؟ لا لا.. كانت زوجتي، أنا متأكد من ذلك.. لا لم تكن هي". قبل أن يتمكن منه الوسواس الخناس أرسل بصره إلى الشارع وكأنه يريد أن يرى شيئاً مهماً، لكنه لم ير ما هو غريب، حينئذ ثبت نظراته على دكان جاره المقابل له، حدَّقَ فيه ملياً، فرآه لوحده خلف طاولته ويكتب في دفتره. لم يعد يدري ماذا يفعل، مرت عليه دقائق منفعلات، لكنه كبح جماحها، خبّأ الغصص المريرة وذهب إلى جاره اللحام، سأله عن الفجيّل ومضاعفاته، وبعد لحظات رجع إلى دكانه بجسد يطوقه الخجل، أما روحه فظلت ثكلى بدمع القهر مشغولة. طلبت زوجة الحائك منه بعض النقود لتذهب برفقة جارتها إلى المدينة لشراء حاجيات لها، وحين عادت صار الزوج خرقة بالية، ينام لساعات طويلة، وحين يصحو يشعر بسعادة غامرة، لكن سعادته لم تكن تدوم أكثر من دقائق، فسرعان ما يسقط في دوَّامة التوهان وينام من جديد. عندما أتمت مهمتها على أكمل وجه، جلست إلى جانب زوجها الغارق في بحر النوم، وحين صحا تثاءب مرات كثيرة، ثم أغمض عينيه الصغيرتين الناعستين للحظات، ثم جلس مع كسله وأسند رأسه إلى الحائط، ثم تطلع إليها وهو يتمطمط: -ياه.. أشعر بدوخة وجسمي كله متعب. -كفاك نوماً فأنت منذ البارحة نائم مثل التنابل. بعد أن شرب شايه خاطبها قائلاً: -سأذهب غداً إلى المدينة لشراء خيوط جديدة، فالتجارة رابحة هذه الأيام.. لقد بعت كل البسط التي كانت عندي. زجرته بنظرة قاسية وتساءلت باستغراب: -هل ما زلت نائماً وتحلم أم أنك خرّفت؟ متى بعت البسط؟ ألا تراها مكدسة فوق بعضها لا يسأل عنها أحد وكأنها برادع حمير؟ تطلع إليها برهة، ثم إلى البسط المكدسة، فرك رأسه قليلاً وتثاءب، ثم تمدد وهو يقول ببطء: -يبدو أنني كنت أحلم، يا الله كم كنت سعيداً وأنا أبيع البسط للنسوة وخاصة أنهن لم يجادلن في السعر أبداً.. لعنة الله على هذه المهنة التي لا تجلب إلا وجع الرأس، ياه أشعر.. وسرعان ما أغمض عينيه واستلم لسلطان النوم. شرحت كل واحدة للملأ عليَّ كيف وماذا فعلت بزوجها، وبعد أن فكر طويلاً قال وهو يبتسم: زوجتي هي التي تستحق الخاتم. i)) نبات بري يشبه أوراق الفجل، يؤكل بعد طبخه. |
|
| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |