|
||||||
| Updated: Tuesday, September 23, 2003 02:56 AM | ||||||
| فهرس العدد | فهرس الدوريات |
|
مكان أخضر ـــ قصة: نزار عبد الستار جلسا على مصطبتهما البيضاء المحاذية للسياج تحيطهما أكياس الإسمنت وتلال الرمل والحصى. كانت هذه الجهة من الحديقة المطلة على شارع السينما تبدو مع الكشك الخشبي وقوالب البلوك وأحواض خلاطات الإسمنت اليدوية الموشومة بشعار البلدية معزولة عن المساحات الخضر المحددة بشجيرات الآس المشذب، ولكنهما مع الأغاني الهندية المنبعثة من لوحة إعلانات الفيلم كانا أكثر شجاعة ويتمتعان بشيء من البهجة. قال الرجل الهزيل وهو يمسح عدسة نظارته ببطانة رباط عنقه العريض: -عليك أن تعتاد المكوث في البيت.. قالها ثم ضحك.. كنت مثيراً للسخرية. أردت أن أستجمع قوتي وأضربه بثاقبة الأوراق. انشغلت المرأة بإزالة الأتربة عن تنورتها. وضعت ساقاً على ساق بحركة رشيقة، استقام ظهرها. قالت: -سنتخلص من الأتربة.. إنه أمر لا يحتمل في الصيف، لكن الشتاء يخيفني أكثر. إنهم يفعلون هذا من أجلنا.. كل الفصول لا ترحم.. نعم، عليك أن تعتاد المكوث في البيت. رفع الرجل الهزيل نظارته إلى الشمس. اكتشف بصمة ندية، قال وهو يغمض عينه اليمنى: -أدواتنا المكتبية كبيرة الحجم وثقيلة لذلك نحن أفضل صحة من الموظفين الجدد ولا نموت قبل أن نصل إلى التقاعد. أخذت البلدية نصف عمري. أعرف كل حجر في ذلك البناء العتيق. كنت كالغريب وعبد الحميد جعل من نصف عمري لحظة. -أتريد أن ترجع البلدية عن قرارها إكراماً لك؟ قالت المرأة هذا وهي تعيد خصلة بيضاء إلى خلف أذنها. كان الرجل الهزيل يفكر بطريقة يزيل عن إطار نظارته دهن بشرته عندما رد بصوت كسره الحزن: -هو الفراغ.. قلت لنفسي إذهب واْسأل عن زملائك. عندما نتوقف عن ممارسة عاداتنا نشعر بوحشية الزمن. خجلت من طرح السؤال ولكنني أخطأت رغم حذري الشديد. سألته عن الحديقة. قال: ستغلق مؤقتاً. في الماضي كان الواحد منا يفرح بأهميته لأننا بحكم وظيفتنا نعلم ما يجهله العامة.. عليّ أن أغسلها بالماء والصابون. قالت المرأة وهي تدنو إلى شجرة صنوبر عالية، متيبسة: -هذه الأشياء لم تعد لها قيمة.. علينا أن نصبر على ما تبقى، لكنك عنيد وهذا يحزنني. قال بخيبة: -كنت كالغريب.. في هذه الأيام الوظائف الحكومية للنساء فقط. قلت لعبد الحميد إن هذه الحديقة هي كل ما تبقى لي، وقلت له أيضاً إنك لابد في يوم ما ستصادف هذا الإحساس ولكنني تذكرت أن له خمسة أبناء. سارعت المرأة إلى الكلام: -إنها أفضل طريقة لمكافحة العنوسة.. وقال لك أيضاً عليك أن تعتاد المكوث في البيت. نظر إليها: -كنت أظن أن الرجال عندما يصلون إلى الستين تتعمق صلتهم ببعضهم ويشعرون أنهم ينتمون إلى عالم واحد وقضية مشتركة ولكن عبد الحميد لا يفهم هذا.. لديه خمسة أبناء وفي بيته حديقة واسعة. استعملت المرأة سبابتها لطرد إبرة صنوبر يابسة وقعت في حضنها. تابع الرجل: -أخبرني أن الأمر لن يحتاج إلى الكثير من الوقت وقال بأنني سأمشي على أرض إسمنتية، هذا إضافة إلى التحويرات الجميلة الأخرى. تساءلت: -وصدقته.. متى سينجز العمل؟ -قال بعد شهر، لكن الحديقة ستغلق في مساء اليوم. -هل وجه عبد الحميد يشبه وجه البومة. -كيف عرفت؟ -لقد رأيته قبل قليل ينظر إلينا من كشك شرطي المرور الذي هناك. قال الرجل بصوت خافت: -إنه كشك مراقب العمل وهو لا يتسع لكرش عبد الحميد. ساد الصمت. مرَّ من أمامهما عامل الحديقة يدفع عربة بعجلة واحدة. راقبا العامل بعيون مفتوحة وهو يضع كيساً من الإسمنت في العربة ويعود متمايلاً. عاد الرجل ليتساءل: -ماذا سأفعل بعد أن تغلق الحديقة؟ -قلت لك يا رجل لا تذهب إلى باريس. نظر إليها: -هم الذين أرسلوني إلى هناك.. كان علينا أن نخطط لإنشاء الحدائق الكبيرة ونحصل على الخبرة. -لقد وقعت في غرام الروائح. -حازم فعلها ومات بسرعة، وعبد الهادي باع دكانه وجلس في البيت مثل الأرملة. أحست المرأة بنظرات العامل تراقبهما عن بعد. تساءلت: -وحسين؟ رد بانزعاج: -الأغنياء فقراء في الوقت. عاد العامل يدفع عربته محدثاً صريراً حاداً. توقف أمامهما. قال بهدوء: -هذا المكان لا يصلح للجلوس، الأفضل أن تنتقلا إلى مصطبة أخرى. قال الرجل الهزيل: -الهنود لا يجيدون غير صناعة التوابل. نهضا بتثاقل وانتقلا إلى أقرب مصطبة على الجانب المقابل. أعادت المرأة ترتيب ثيابها بينما أخذ الرجل يمسح نظارته ببطانة الرباط وقد تغضنت ملامحه بالغضب. قالت المرأة: -عليك أن تأخذ الراديو إلى شمعون. -هذه فكرتي أتذكرين؟ -أكره الأخبار.. إنها نشرة الموت. -أنا أعشق هذه الحديقة. -لم تكن هكذا قبل ذهابك إلى باريس.. سيمر الشهر بسرعة لا تقلق. نظر إليها: -لابد أنهم يخططون لبيع هذه الأرض. -هل قال لك عبد الحميد هذا؟ -لم يقل ولكنني أعرف كيف يفكرون. عاد العامل ليقف أمامهما. بدا عليه الانفعال. قال: -الأتربة تضر بصحتكما ونحن نريد أن نعمل. تركهما وذهب يدفع عربته باتجاه أكياس الإسمنت. قال الرجل الهزيل: -هذه هي الحديقة الوحيدة في المدينة وعبد الحميد يريد أن يغلقها. -الحدائق ضرورية جداً. هز الرجل رأسه موافقاً: -ولكن عبد الحميد يريد أن يبيعها. -بالأمس أخذ منك الكرسي واليوم يريد أن يسلبك الحديقة. -سأذهب في نهار السبت إلى البلدية وأضرب عبد الحميد بثاقبة الأوراق. -إنه يغار منك لأنك سافرت إلى باريس ورأيت الحدائق الجميلة. قال الرجل وهو يضغط بإصبعه على العدسة. -لقد أرسل هذه الآلات بسرعة كأنه يريد أن ينتقم. -لا ترفع صوتك.. إنه يجلس هناك في كشك شرطي المرور. أحدث العامل ضجة كبيرة بتوقفه أمامهما. ترك عربته وتقدم نحوهما. قال بصوت خشن: -لماذا لا تذهبان إلى البيت؟ شدهما الخوف. وضع الرجل الهزيل النظارة على عينيه وقال للعامل: -كنت أقول إن الحديقة بحاجة إلى تنظيم وتطوير وجهود الأستاذ عبد الحميد في هذا واضحة وتستحق الشكر والتقدير. نهضا بتثاقل واتجها نحو باب الخروج تودعهما ابتسامة العامل. |
|
| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |