مجلة الموقف الأدبي - مجلة أدبية شهرية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - العدد 373 أيار 2002
Updated: Tuesday, September 23, 2003 02:56 AM
فهرس العدد فهرس الدوريات
 

نافذة الضوء ـــ قصة: لينا نعمه

ينتظرها خلف النافذة وكأنه لم يزل هناك منذ آخر لقاء. تأتي مهرولة، ثم تبطئ قليلاً عندما تقترب. تقطع المسافة مرةً كل أسبوع، تستقل الحافلة مهيئةً نفسها لاستقبال –يوم من حياتي- هكذا تسميه.‏

تشرب الضوء في هذا اليوم وتستمتع حتى بالضجيج. تعودت أن تنظر جيداً إلى الأشياء والوجوه بينما تعطي أذنيها للآخرين، تنصت إلى أحاديثهم بفضول ثم تعود للحظات إلى البيت.‏

-الأفيال تعزف الموسيقى... القراءة السابعة للخبر.‏

-انفصال الممثلة فلانة عن زوجها... القراءة –ربما- العاشرة فالخبر قصير وقريب من حافة النافذة.‏

-فتح باب الادخار من أجل السكن... رقم القرار...‏

بقي خبر أسفل الجريدة تتظاهر بنسيانه... الباندا في حدائـ... اختفت الكلمات واصفرّ الورق تماماً في هذه المساحة ببقع زيت القلي وبخار الطبخ. انتبهت إلى أن اللبن الذي تحركه على النار قد غلى بينما هي تقرأ الجريدة الواقية للنافذة.‏

-لن أنسى تغييرها عندما أعود، لا أظنها ستمتص المزيد.‏

ينزل أحد الركاب فيندفع هواء بارد يذكرها بالمغادرة.‏

-2-‏

يجلسان في الغرفة الكبيرة، يدخل الضوء من نافذة واسعة متخللاً أوراق شجرة النارنج المرتفعة من حديقة الطابق الأرضي. تقطع أحاديثهما في الصيف ضوضاء الشارع فيبديان انزعاجهما بتقطيبات قصيرة، وعندما يعلو أكثر زمور بائع المازوت أو طَرْق الحديد المُنَغَّم الذي يثيره بائع الغاز، عندها يصمتان وينشغلان بتحضير القهوة ريثما يجتاز البائع الشارع وينعطف في آخره ليتابعا حديثهما.‏

يقرآن مقاطع أعجبتهما في كتاب بينما يقوم هو بتبديل نظارتيه عدة مرات للقريب والبعيد. حركاته هادئة، بطيئة، متأنية. بالرغم من أن ظهره لن ينحني وكتفيه لم يتهدلا كثيراً.‏

-3-‏

عرفت رحلتها إليه البرد والحر. كانت مع الأيام تكتشف أنها باتت تنسى فتحاول الانتباه أكثر إلى الإيماءات التي يقوم بها كل فصل ليعلن عن حضوره مقترباً على مسار السنة الإهليلجي.‏

تدرجات الأصفر في الخريف، بينما ينتشر اللون الأخضر المورد في الربيع مع تفتح أزهار الخوخ والجانرك والكرز. تقرر أن الحر الذي أصبح مزمناً في أشهر الصيف لا يمكن أن يُنسى، وأن الشتاءات الشحيحة لا تزال رائعة.‏

-للفصول إجراءاتها، كما للمواسم بصماتها.‏

في كل زيارة كانت المدينة تنطرح أمامها بتفاصيل جديدة مهمة –على الأقل بالنسبة لي- تقتنع. فبعد غياب تزداد عناقيد الثوم المعلقة في الشرفات، وبعد غياب آخر تلاحظ السجاجيد والأغطية الصوفية المغسولة والمدلاة من الدرابزينات تنتظر الرفع في السقائف، أو تتزين الحبال في فترة أخرى بصداري المدارس وبذلات الفتوة زيتية اللون بدلاً من مناشف السباحة.‏

البائع الذي يقف على زاوية مبنى البريد، يُبدِّل البضاعة فوق عربته حسب المواسم، شراب التمر هندي قبل وبعد رمضان، شراب التوت، الفول النابت، مكسرات، موز، ليمون، زبيب. تتغير حمولة العربات المسطحة من أكياس البصل أو سحّارات القرنبيط أو السبانخ أو الحصرم.‏

تحب تلك التفاصيل. تعتبرها كموجز عمّا جرى ويجري. ولكنها لا تستطيع أن تنسى أنه تكرار الفصول ينْسُلُ الزمنَ في غفلةَ منّا حاملاً معه أجسادنا إلى النهاية بهدوء بينما نراقب الغيمات الغربية.‏

-4-‏

بعد عودتها إلى بيتها –في كل مرّة- تُخرج صورة قديمة لمجموعة من الطلاب الجامعيين يقفون منذ عشرات السنين على تلةٍ خضراء في هيئة استعداد للتصوير. كانا متباعدَين ولكنهما في برهة التقاط الصورة الْتَفَتا معاً باتجاه بعضهما. يظهران في الصورة وكأنهما يُتِمّان حركة مضحكة، ولكنها على يقين من أنهما كانا ينظران كل منهما نحو الآخر. –تتذكر كيف كانت عيونهما تلتقي بسرعة فقد أحسا ببعضهما مبكراً ولكن القدر منعهما بأساليب مدروسة من الاقتراب حتى البوح، ثم توج تدخلاته بفراق صريح، ربما لأنه نذرهما لآخَرَين.‏

عادا ليلتقيا بعد دهر كصديقين. طُوِيَت حكايات وانتهت أعمار، وكان يمكن لِما لم يبدأ أن يبدأ، ولكن (هي) لم تقبل بالخطوة التالية للصداقة لأن السنوات علمتها أن منح ثقتها لرجل ووضع حياتها رهن إشاراته هو أسخف ما تقوم به امرأة عاقلة. و(هو) لم يخطُ تلك الخطوةُ - ليس لأنه لا يحبها- ولكن لأن عادة الوحدة تمكنت منه.‏

-5-‏

عندما تغادره تكون في لهفة لتقرأ كتاباً معيناً. عندما تغادره تكون مفعمة بنشوة روحية تملؤها بالرضا فتهادنها الحياة لأيام قليلة تنسى فيها ما تتذكره دائماً من أسى الماضي، ولكن ما يلبث أن يتسرب إليها ذلك الإحساس الكريه بعبثية الأشياء، فيأخذ حماسها بالفتور قليلاً. عندما تغادره كانت تتقافز في خطواتها كصبية، وتقطف كل الياسمينات على الطريق، وتنتبه إلى زهور شجر الأكاليبتوس في الربيع، أشياء هكذا –تتخيل كفها مكورةً وهي تصفها له في الزيارة القادمة- مكورة لها شكل باقة جميلة.‏

تستعيد في البيت أحاديثهما لتؤكد لنفسها أن ذاكرتها لا تزال جيدة، ولكن أفكارها لا تلبث أن تتبدد بضجيج حفيدها وضحكاته لساعات، لتعود قبل النوم إلى استدعائها مع تفاصيل أخرى من الماضي.‏

تفكر –تَقَدّم بهما العمر، ومالت صداقتهما إلى الهدوء متجاوزةً بهما إحراجات سوء الفهم، والطروحات المبكرة الفجة.‏

كانا يمضيان الوقت في الكلام. تروي له أحداث أسبوع فائت- كلمات قليلة تبادلتها في الهاتف مع ابنتها، ثم لا شيء سوى أعمال البيت، والقراءة، وانتظار مجيء ابنها في إجازات متباعدة، أو استقبال ابنتها الأخرى وحفيدها الصغير.‏

كان يهز رأسه ويبتسم عندما تحكي له عن البراعة المكتسبة وغير المعني بها للنساء تتذكر:‏

-كنت أحرك الطبخ على النار بيد وألملم الأواني النظيفة باليد الثانية... تعودت أن أسلسل الأعمال وإلا اختلطت الأمور فريثما يُنقع الرز ينضج الطعام الآخر وأنهي غسل الأطباق. أبلل الشبك المعدني لنافذة المطبخ، ثم أمسح الأرض، وعندما أعود إليه يصبح تنظيفه أسهل. أما التعقيم اليومي للحمام فهو مهارة مذلّة؛ كانت تفكر بعد إنجازها بأنها ستفقد قوتها يوماً، فهل سيُنجزون هذا العمل لها بطيب خاطر كما فعلتْ.‏

تبتسم بسخرية وهي تخبره استنتاجاتها: -في الحياة مظالم كثيرة مقنعة بالواجب. فهم يهتمون لأمر تنظيف المرحاض، أو إخراج أحشاء دجاجة نيئة وتقطيعها، بينما يأنفون من فعل الشيء ذاته.‏

-تعوّد الآخرون على خدماتي، واستغرقوا فيها حتى إنهم لا يفكرون لحظة كم كبرت.‏

-6-‏

تكابد في مواسم الكآبة فكرة الموت. تلحّ عليها حتى تكاد تزهق أنفاسها، ثم تطردها بعد أيام من رأسها ببصقة وشتيمة والتفاتةٍ إلى ناحية أخرى. تقرر بنزاهة أن الغد لم يعد يحتمل أية مشاريع كبيرة، ولا يتسع لشيء من أحلام. زمان. الغد القريب ينتظرها هناك في نهاية ممر شاحب الإضاءة حيث نافذة تطل على غموض، على خواء يُعَنوِنُهُ الموت بخط أصفر مخضر.‏

أما في مواسم الزهد فتشعر برغبة مُلِحّة في الموت كتجربة أخيرة تختتم بها أفراحاً قليلة وأحزاناً كانت أوفر من أمطار السنوات الأخيرة، ومَلَلاً أكثر فيصبح الموت احتمالاً لعالم أفضل. في تلك الأوقات تتخيل نفسها تطير قريبة من الغيوم، بثوب أبيض وأم كلثوم تغني:‏

الرضا والنور والصبايا الحور‏

تأخذها رجفة فتبكي، وتهرول إلى سجادة الصلاة التي فارقتها منذ دقائق.‏

-7-‏

تقعد في عتمة المساء منهكةً من النهار، منتظرةً أن يرن جرس الباب، أو الهاتف ويتذكرها أحد الأبناء. تتخيله في بيته؛ عجوزاً وحيداً يجلس على كرسيه المشدود من القش، متدثراً بغطاء السرير الصوفي مقابل مدفأة الحطب المعدنية العتيقة، يقرأ وينعس، أو يبحث في الرفوف عن كتاب تذّكَرَه.‏

بصعوبة تلغي فنجان القهوة من الصورة، فهو لم يعد يشربها إلا معها –مرة واحدة في الأسبوع.‏

تُدهشها حركته عندما يلتقيان. كان يُحَضِّر أحياناً فطوراً جميلاً ملوناً يشبه لوحة. تضحك كلما تذكرت كيف يرفض بعنادِ طفل أن تقوم بأي عمل. كل يُسرع نحوها بخطواته البطيئة، ويدفعها بلطف إلى الكرسي:‏

-إجلسي. سأقوم بكل شيء.‏

تتعثر ضربات قلبها وهي تعاني رغبةً قوية في البكاء، ويغلبها شعور عذب بالامتنان، فذاكرتها تعجز عن استدعاء تصرف مشابه من شخص آخر.‏

-8-‏

تغفو فوق كتاب تقرؤه، وعندما تصحو بعد دقائق تُفاجأ بالفكرة التي سبقت إغفاءتها تقفز إلى ذهنها بسرعة وتستمر دون انقطاع.‏

-لم يبق للأيام سوى إخراج الماضي من رفوف الذاكرة، واستعادة صورٍ أصبح بعضها باهتاً. حتى الندم بات مملاً لا معنى له. تتراءى لها مشاهد لأمكنة وأشخاص بوضوح كبير مخيف، وفي أحيان كثيرة تختلط الذكرى بالحلم فيصعب عليها التأكد.‏

عندما تصحو من غفوتها الثانية على صوت الباب يغلقه ابنها، تدرك أنها تقترب أكثر من نافذة الممر الشاحب. تجرجر جسدها إلى السرير وفي ذهنها صبية تغني وترقص مبتعدة عن النافذة إلى درب آخر ينفتح على مدن صاخبة، وبيوت جميلة تمنت أن تسكن أحدها، وموسيقى غيتار تسمعها من مكان ما أمام بحر واسع. تتلألأ في أفقه أضواء سفينة مسافرة. تشم رائحة عشب مندى وطحالب ومطر شتائي، وثلج يفاجئ الناس في الصباح. تطير بها أرجوحة، ويحضن‏

عشبٌ ربيعي جسدَها فوقه... وبعد قليل... آه... سيحضنها تحته بين الجذور والتراب. تتساءل:‏

-ترى هل ستسمع هناك هدير السيارات وحفارات الإسفلت، أم ستنصت بوضوح أكبر إلى هسيس النار وهي تصعد شقوق الأرض.‏

تُنهي أفكارها الكئيبة هنا... فقد ملّت السبات والتشاؤم، وتلك الرغبة الغبية بالتدحرج السريع نحو نافذة الموت وكأنها تنهي أمراً بسيطاً. تبدد أفكارها بيدها. وتنهض مصممة قليلاً على الحياة. تسجل خواطرها على ورقات بيضاء، تغلق الكتاب، ثم تهيئ تلقيمة –بُن- وحفنة من السكاكر، وتلملمها مع خواطرها في حقيبتها. مقررةً بإرادة كاملة أن تذهب إليه في الغد قبل موعد لقائهما الأسبوعي، وهي على يقين بأنه سيكون هناك، خلف النافذة، في انتظارها.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244