مجلة الموقف الأدبي - مجلة أدبية شهرية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - العدد 373 أيار 2002
Updated: Tuesday, September 23, 2003 04:58 AM
فهرس العدد فهرس الدوريات
 

الكتاب التذكاري للدكتور نعيم اليافي ـــ د.محمد جمال طحّان.

إذا كان للسلطة هيبةٌ تدعونا إلى احترامها، أو إلى الامتثال لأوامرها، بحيث نحسب لها حتى في غيابها المباشر، ألف حساب؛ فإنَّ للثقافة جلالاً يدعونا إلى تبجيلها، وإلى الإصغاء لحامليها بحيث تُفتح لهم أبوابُ الذاكرة لنتّعظَ ونعتبرَ ونتعلّم.‏

فما بالُك إذا كان المثقَّفُ يملأ الدنيا ويشغل الناسَ من حوله؟‏

ومابالُك إذا كان المثقَّف هو الأستاذ الكريم نعيم اليافي؟ كيف نواجه ارتباكاتِنا في حضوره؟‏

وكيف نجلس في حضرته المعطاءة وهو الذي قدَّم لهذا الوطن الشيء الكثير، وأرهق جسمه وفكره في سبيل نصرته، ولم ينتظر منه ردَّ الجميل. بل لقد قاسى من أبنائه، فدفعته صفات العالم ليزداد حباً به. وتعلَّقاً بمحبّيه. وهذا ليس غريباً على الدكتور نعيم اليافي وهو مثال الباحث الرزين، إذ لم يكن اختلافه الفكري مع الآخرين يحول دون إصراره على الموضوعية في الحديث عنهم، بل لقد كان الاختلاف عاملاً رئيساً لديه للإصرار على إنصافهم والانبراء للدفاع عن حقّهم الطبيعي بالاختلاف، والاختلاف مع الآخرين أمر لابد منه لدى الذين يعملون.‏

وبخاصة إذا علمنا أن الأستاذ الدكتور نعيم، باحث لا يكفّ عن طرح المسائل الإشكالية في الفكر العربي المعاصر، والتي ترتبط، بشكل مباشر أو غير مباشر، بالأحداث الجارية على الساحة العربية، وبالمسائل الفكريّة الحامية، في أوساط المثقِّفين. وهو يتعرض لمسائلَ إشكالية بأسلوب إشكالي، ويثير الفكر ويدعو إلى الحوار. بعضنا يتّفق معه في الرأي، وبعضُنا يخالفهُ فيه ولكنَّنا ـ جميعاً ـ لا نملك إلاَّ أن نحترم دأبَهَ وذكاءه وطلاقَةَ فكرهِ ولسانه، ولابد أن نشتركَ معه في منطلقاته العامَّة التي تنادي بالحرية وبالديمقراطية وبالتعددية وبالعقلانية.‏

بهذه المقدمة بدأت مساهمتي في الكتاب التذكاري للدكتور نعيم اليافي الذي ضم مقالات ودراسات لواحد وعشرين دارساً وأديباً تناولوا جوانب مختلفة من حياة اليافي وأدبه.‏

قدم الكتاب الدكتور عبد الكريم الأشتر مبيناً سعادته في تقديمه نظراً للعلاقة التي تربطه بالدكتور اليافي الذي امتلك القدرة على فهم الظاهرة الأدبية من خلال الربط بينها وبين حركة الفكر في سياقاتها العامة: الاجتماعية والثقافية والسياسية.‏

وقال عن د.اليافي خلال دراساته الأدبية "استعان بالفلسفة وبحقائق علم النفس وعلم الجمال، في تعميق هذا الفهم. فوضع هذه الظاهرة ضمن شروطها المؤثرة في درس نشأتها وتحولها".‏

ثم وضَّحَ د.الأشتر الأسباب التي نقلت د.اليافي من عباءة الأديب والناقد إلى عباءة المفكر والمصلح. حيث انشغل بقضايا التراث والحداثة والمرأة والمجتمع والتخلف والدين والسلطة، وعالج تلك المسائل بكثير من الجرأة والموضوعية.‏

كلمات التكريم‏

بعد مقدمة الكتاب جاء القسم الأول الذي ضم حفل التكريم متضمناً كلمة رئيس اتحاد الكتاب العرب الدكتور علي عقلة عرسان، الذي أكَّد حرص اليافي على المصلحة العامة ومكارم الأخلاق وقيم المعرفة، وتوجَّه إليه بالقول:‏

"لقد أكدت أهمية الحرية في الحياة والإبداع، وتوخيت الموضوعية في إبداء الآراء وإصدار الأحكام، ودققت في المصطلح النقدي والمدارس والمذاهب فكان لك رأي ورؤية، وناصرت الديمقراطية واحترام الحقوق والحريات، وناصرت المرأة وأنصفتها وقلت بتلازم العروبة والإسلام في الرؤية النضالية والحضارية، في وقت تعصَّب فيه كل من تعصَّب لكل من العروبة والإسلام أو ضدهما معاً، وكان لك اختيارك، ولكل اختيار ثمن".‏

بعد ذلك جاءت كلمة الأستاذ عبدو محمد رئيس فرع الاتحاد بحلب الذي تحدث باسم فرع اتحاد الكتاب العرب بحلب، فبيّن مآثر د.اليافي وتحدث عن وفائه وتفانيه في خدمة أبناء جيل كامل في الجامعة.‏

أما الأستاذ محمد قجة رئيس جمعية العاديات فقد توقف عند بعض الجوانب الإنسانية والأكاديمية لدى د.اليافي ملخصاً تلك الجوانب فيما سمَّاه الجدليات في شخصية نعيم اليافي، فتحدث عن ثنائيات: الأنا والآخر، الثبات والمرونة، الأصالة والمعاصرة، الرزانة والحيوية.‏

مشاركة الدكتور وليد مشوِّح، رئيس تحرير مجلة الموقف الأدبي، جاءت تحت عنوان: "الدكتور نعيم اليافي بين الاغتراب الذاتي والقلق المعرفي"، قدَّم فيها دراسة شاملة عن حياة اليافي وبعض أعماله، ورأى أن د.اليافي أعطى عمله الأدبي بعداً شعورياً ـ انفعالياً؛ أي أفرط في الحساسية الشعورية إذ تبدَّت في ذهنه قمة جمالية. لقد نظم اليافي برنامج العمل، إذ طمح إلى تخليصنا من المعوقات التي تعوق حركتنا باتجاه الهدف الذي نحسَّه ولا نعرفه، وقال:"مازال نعيم اليافي بعيداً في أفكاره، غريباً في إرادته عن مجتمعه الذي ينتظم ضمن أسرة ما يُسمى بالعالم (الثالث، النامي، المتخلّف)، سمّه ما شئت، وهنا يكمن اغترابه الذاتي، ويتأتى قلقه المعرفي".‏

ورأى أن الأستاذ الدكتور نعيم اليافي، شخصية متفردة، ومفكر متميز، يشعر بالعجز عن التجاوب مع الأوضاع العامة السائدة في المجتمع الذي يعيش فيه، و"الثقافة التي يفترض أن ينتمي إليها"، لذا اغترب نفسياً، وعاش قلقاً معرفياً، لأنه رفض القيمَ العامة، والخنوع الشعبي لها، كما رفض العلائق الواهية التي تسود الفرد والسياسي والاقتصادي ورجل الدين وتوقع الحيف على المرأة! بينما يتقبلها بقية أفراد المجتمع، الذي ألهته ظروفه المعيشية عن الالتفات إلى إصلاح واقعه الفكري، وتحصين عقله ضد الغيبية والأسطورية الخرافية والأمور الأخرى الذي أضحت بمنزلة القانون الناظم لتلك العلائق، وقد شكَّل هذا‏

الأمر قلقاً معرفياً لدى الدكتور اليافي فعاش بين هاتين المفارقتين...‏

ثم تحدث د.مشوح عن منعكسات الاغتراب والقلق على بعض أعمال اليافي حيث إن الاغتراب الروحي لدى نعيم اليافي شكَّلَ له قلقاً قيمياً انعكس على أدبه المطبوع، وقد كان هاجسه الدائم أن تسود القيم والأفكار الحضارية التي يؤمن بها.‏

ويمرر نعيم اليافي قناعاته على جذر في طيات مقولة صحفية جوهرها الوطن والحرية والشهادة، ليؤكد على أن فلسفة الحياة (يجب) أن تُبنى على الصوفية والوجدانية لأنهما يكملان بعضهما، من حيث المنحى الوجداني؛ فالصوفية وجودية إلهية لها إشراقاتها، والوجودية صوفية حضارية لها استشراقاتها، ويدعو إلى طاعة العقل في الإيمان وطاعة العلم في التعامل الكوني، وفي خواتيم مقولاته يترك نصه مفتوحاً، لتشاركه قلق التساؤلات، وقلق الإجابة في الوقت نفسه.‏

ويقترب د.اليافي من الخط الأحمر كثيراً، عندما يكشف عن سر تعثَّر الثقافة العربية وعدم انتشارها، ويرى أن غياب الديمقراطية هو المسبب الرئيسي لتقزيم الثقافة العربية، ووضعها في دارة الاستهلاكية الهشة والآنية.‏

إن طرحه هذا يسبب له مشكلات وجودية، فيتغرب جسدياً، ويُنفى فكرياً، مما يخلق المسافة القسرية بين انتصار أفكاره ومبادئه، وبين الجيل الذي يبحث عن مخلّصين من غيابة التضليل الفكري، وتيه العقل في مزادات الوعي الجماهيري.‏

وفي هذا نرى أن قلق اليافي قلقاً شمولياً جميعاً إشفاقاً وغيرة على مصلحة الأمة، فهو يشعر بغربة فكرية عن الإسلام الذي أراده البعض "كاثوليكياً" والقومية التي أرادها البعض الآخر "شوفينية"، فيها مغالاة وتطرف، لذا يرى أن لا صلاح لحال الأمة مالم تصلح مفهوماتها للإسلام الذي يعني الحرية والتحرر والانفتاح والتمثيل والاستيعاب، وللعروبة التي تعني الإنسانية والمحبة والتسامح.‏

إنه في أطروحاته الكبرى لا يعتمد على العقل فتأتي موضوعاته جامدة، فوقية، صارمة، ولا على الروح فتأتي أطروحاته رومانسية، مثالية، ذاتية، عاطفية، بل خص لهذا جانباً، ولذاك جانباً آخر.‏

فهو يتحدث عن الفوضى المجتمعية كممارسة آناً، وعن الانفتاح والتغريب والتقليد آناً آخر، عن العقائد والمعتقدات مرة، وعن المفهومات والموروثات والناتج الأدبي مرات.‏

ينعي حال الأمة وما آلت إليه ويشفق على مآلها في جانب؛ ويعبر عن أحاسيسه الذاتية تجاه موت قطته الوديعة في جانب آخر.‏

إذن فهو إنسان ذو إحساس متفرد، وإحساسه هذا جلب عليه الكثير.‏

إنه يؤمن أحياناً أن صلاح المجتمع لا يمكن أن يكون مالم تصلح الجامعة والمناهج، إذ حمل هذا الهم ومضى يبثّه هنا وهناك مقترحاً إصلاح الجامعة، وتنوير المناهج، وتفعيل الدرس الجامعي، وقد جلبت هذه الآراء كثيراً من المشاكل مع إدارة الجامعة حيناً، ومع السلطة احياناً. بيد أنه لم يتراجع عن عودته إلى الإصلاح، فحاضر هنا وهناك في مفهوم الجامعة.‏

كانت هذه المفهومات المضطهدة والمقموعة جزءاً من قلقه الوجودي وشعوره بالغربة عما يحدث في المؤسسة التعليمية العليا من ممارسات خاطئة في المنهج والممارسة، ولقد عبّر الأستاذ المتنور عن هذا‏

القلق والاغتراب صراحة في مطبوعته (مفهوم الجامعة).‏

أما د.ماجدة حمود فقد تحدثت عن د.اليافي "في محراب الفكر والنقد"، حيث رأت أنه يسعى إلى ربط الممارسة الفكرية بالممارسة العملية التي تحاول أن تسهم في النهوض بالواقع، لذلك لم يكتفِ بنشر أفكاره التنويرية، عبر كتبه ومقالاته ومحاضراته، بل تجده يرعى الأدباء الشباب وكذلك الباحثين رعاية أبوية، سواء بصفته أستاذاً جامعياً، أو من خلال موقعه في اتحاد الكتاب العرب، حين كان رئيساً لفرعه بحلب، أو مقرراً لجمعية النقد الأدبي، فقد كان يشجعهم على الحوار والكتابة، بل نجده بعد عودته من الكويت بات يساعدهم مادياً ليستطيعوا نشر أبحاثهم.‏

إنه النموذج للمثقف العضوي الذي ينشر الوعي والمعرفة أينما حل، محاولاً تحقيق حلمه بالتغيير، سالكاً من أجل ذلك طريق العلم والعمل، لذلك بدا لنا ممتزجاً بقضايا أمته، يريد أن يعبّر عن قضاياها وأحلامها، ليبحث عن طريق النهوض من مستنقع التخلف والذل.‏

لابد أن نشير إلى أن اهتمام الناقد نعيم اليافي لم يكن مقتصراً على النقد الأدبي، بل تجاوز ذلك إلى الاهتمام بالجانب الفكري والاجتماعي، كما فعل كثير من النقاد العرب، إذ إن مشروع النهضة الأدبي لا يمكن أن يُرى بمعزل عن النهضة الفكرية والاجتماعية، لذلك ألَّفَ عدة كتب في الفكر والثقافة والمجتمع ("رحلة إلى الأعماق"، "مرايا التخلف" "دعوة إلى الحوار"، "حركة الإصلاح الديني في عصر النهضة"، "وضع المرأة بين الضبط الاجتماعي والتطور"، "المرأة ضد المرأة"....).‏

وركّزت على أن د.اليافي يعلن أن أي مشروع حضاري لا يتمركز حول الإنسان القيمة ولا يجعل منه الغاية، ولا يوظّف قضاياه ومحاوره لخدمته، هو مشروع ناقص ونظرية باطلة، لأنه الأصل والصيرورة، والمبتدأ والمنتهى معاً. لذلك آمن د.نعيم بالمثقف العضوي الحيوي الذي ينشر الوعي ويتطلع إلى التغيير، إنه النموذج المنخرط دائماً بقضايا أمته، والمعبّر عن وجدانها وأحلامها.‏

وهو يلفت نظرنا إلى أن النقد لن يستطيع أن يمارس هذا الدور الحيوي والهام مالم يمتلك رؤية ومنهجاً، يستطيع عبرهما الناقد أن يضيف شيئاً جديداً، لذلك وجدناه يؤكد حاجتنا إلى الناقد الموسوعي أو المختص الذي هو أقرب إلى الفيلسوف منه إلى الدارس.‏

لهذا بدا معنيَّاً بتقديم العوامل التي تسهم في تطوير النقد، فرأى أن الحرية بما تعنيه من حق التعبير عن الرأي والبحث والتنقيب دون إعاقة أو مصادرة، والتعددية والحوار أي قبول الرأي المخالف للآخر، والحوار معه دون أي طمس أو قمع أو إلغاء، ويبين ضرورة المعرفية التي تبحث عن الحقيقة دائماً وتسعى نحو التقدم من غير أدلجة.‏

ولعل أكثر عاملَين تردداً في كتبه ومحاضراته وأحاديثه الصحفية: هما الحوار والتعددية، نظراً لافتقادهما في الساحة الثقافية العربية، مع أنهما أساس الفعالية النقدية في الفكر والأدب.‏

وقد حدد لنا أسس الحوار، فجعل العقل أساس كل حوار وواسطته وأداته في التعبير والبحث والإقناع، كما أكَّدَ على ضرورة الحرية الفكرية والتعبيرية.‏

والجانب الأبرز في هذه التعددية ظهر في النقد، وقد ظهر ذلك في كتبه الحديثة("مرايا المتخالف"، "الشعر والتلقي"..). إن النقد لديه محور الثنائية المتعارضة ووجهات النظر المتقابلة، وهو في هذه الدرجة أو تلك، وبسبب ارتباطه بالفلسفة والفكر مجلى لتباين الآراء، واختلافاتها وتعارضاتها، لذلك سنجده يقدم لنا‏

أوجه التعددية في ميدان النقد من عدة زوايا.‏

تتابع د.حمود القول: لعل الجنس الأدبي الذي نال اهتماماً أوفر من غيره لدى د.نعيم اليافي هو الشعر الحديث، فقد بدا لنا متحمساً له باعتباره أحد مظاهر الحداثة في الحياة، وأحد أدوات التعبير عنها، لذلك عُني بتحديد مفهومها وبيّن أن "الحداثة الشعرية هي حداثة الأسئلة، حداثة ما تطرح من قضايا، وما تثيره من مشكلات، هي حداثة التطور والتغيير من أجل الإنسان، مركز الحداثة وغايتها".‏

وقد رأى أن الصورة من أهم عناصر الشعر الحديث، بل لا توجد قصيدة قديمة أو حديثة إلا من خلال الصورة.‏

وهو يعلن أنه ليس ضد قصيدة النثر، لأنها أثبتت وجودها، باعتبارها مظهراً من مظاهر الحداثة، لكنه يقف ضد التشوهات والمزاعم الكثيرة.‏

ورأت أن د.نعيم يربط حركة الإبداع الأدبي والحركة النقدية بحركة الإبداع العام للأمة، ويبيّن أننا نفتقد الإبداع الحضاري، لذلك ما زالت الفعالية النقدية فعالية هامشية في حياتنا وفي أدبنا.‏

وقد لاحظ أن النقد مازال مقصوراً في مجال الشعر، لذلك تبدو حركة الشعر أنضج من حركة النقد التي تشدها أمور كثيرة، تمنعها من مرافقة الإبداع.‏

وقد بدا لنا مهتماً بتطوير هذه الحركة النقدية في كتابه "الشعر والتلقي".‏

وهو لم يكتفِ بدراسة ظاهرة التلقي الشعري على المستوى التنظيري، وإنما حاول أن يرصد ظاهرة التلقي على المستوى التطبيقي أيضاً، فبيّن لنا أبرز معالم تطور الحركة الشعرية في سورية ولبنان.‏

وهكذا حاول د.اليافي أن يقدم لنا أسس الحداثة الشعرية، لعله يسهم في بناء المفهومات الحديثة للشعر، وبالتالي يسهم في تواصل هذا الشعر مع المتلقي الذي اعتاد المفهومات التقليدية للشعر.‏

وقد حاول أن يقدم تجارب أعلام عصر النهضة في التعامل مع التراث الديني في كتابه "حركة الإصلاح الديني في عصر النهضة" حيث استطاع هؤلاء الأعلام الإصلاح الديني عن طريق ربط هذا التراث بالسياسة وبالتربية، مما خلق وعياً طليعياً ومتقدماً.‏

وقد وجدناه ـ تقول د.ماجدة ـ في كتابه "مرايا المتخالف" يخصص فصلاً لعلاقة العرب بالنهضة الأوروبية، وبين أن التفاعل بين الأمم يشكل ضرورة حضارية لابد منها، فنحن اليوم بحاجة للأخذ من الحضارة الغربية، كما أخذوا منا، لأن الفكر ظاهرة إنسانية لكن المشكلة تكمن في أن هذا الغرب كان وما يزال هو الغرب المسيطر الذي استعمرنا في الماضي ويطمح اليوم إلى استعمارنا سياسياً وفكرياً واقتصادياً... لهذا تحكم علاقتنا به حساسية خاصة، غير أن هذه الحساسية يجب ألا تمنعنا من الاستفادة من منجزاته وترك مالا يتفق وتطلعاتنا ويمحو هويتنا وخصوصيتنا.‏

ولاحظت د.حمود أن الدكتور نعيم اليافي يعدّ من دعاة المنهج التكاملي في النقد، إذ لديه رغبة في الخروج عن ضيق الأفق في تطبيق منهج واحد على النص الأدبي يراه الناقد هو الأصلح، لذلك نجده يحاول الاستفادة من المناهج الأخرى، داعياً الناقد أن يمتلك ثقافة موسوعية، تتيح له الفرصة للتفاعل مع النص، وانتقاء ما يناسبه من مناهج، وقد لمسنا تجلي الجانب التطبيقي لهذا المنهج في مجال نقد الشعر.‏

لعل السمة الأساسية التي نلمسها لدى د.نعيم اليافي المرونة في النظرة إلى النص الأدبي، وهذا نابع من تبنيه للمنهج التكاملي، أي تبنيه للنظرة المتعددة التي تقوم على الحوار.‏

إن امتلاك الناقد اليافي هذه السمات النقدية والمعرفية، كما ترى د.حمود، أتاحت له فرصة تطوير ذاته ومنهجه النقدي، فإذا كان قد بدأ حياته النقدية عبر الاهتمام بالصورة الشعرية، فإنه استطاع أن يتجاوز هذه الرؤية الجزئية إلى رؤية أكثر شمولية، ترى في الصورة جزءاً من اللغة، وبالتالي استطاع أن يتجه أكثر فأكثر باتجاه التكاملية في النقد.‏

كما أتاحت له هذه السمات، التي هي سمات المنهج التكاملي، أن يكون ناقداً تنويرياً، يربط عالم الأدب بهم الوطن والإنسان فيرى البديل عن هذا الواقع الآسن لن يكون إلا بالرؤية التكاملية.‏

بعد د.ماجدة حمود تطالعنا قصيدة للشاعر محمود علي السعيد بعنوان "تجليات فارس" مرفقة بإهداء إلى د.نعيم اليافي (أجمل صداقات العمر)، ومما يقوله فيها: (نعيم قلبي إذا شبَّت مواقده/ تصحو على همسات الدفءِ/ أعماقي. غرست في تربة الأجيال سنبلةً، تزجي العطايا/ إلى من ودَّه باقِ. مساكب الشعر في كفيك أغدقها/ مشتاقة الوصل، كم تهفو لمشتاقِ.... من طقس يافا/ حروف الاسم موسقها/ في بؤرة الضوء/ من وجداننا/ باقِ".‏

بعد ذلك نقرأ "بعضاً من ملامح في مشروع الدكتور نعيم اليافي النقدي ـ من التأصيل إلى التحديث" يقدمها الدكتور رضوان القضماني بقوله: "ينطلق تأصيل النقد وتحديثه عند د.اليافي من تأكيد الارتباط بالواقع، فالأصيل عنده هو ما ارتبط بمرجعيته في الحياة والنشاط الاجتماعي وحركة المجتمع".‏

ومن هنا فإن التأصيل عنده يأخذ أبعاده الزمنية الثلاثة: الماضي و الحاضر و المستقبل... والتأصيل عند د.اليافي يعني امتلاك الأدوات المعرفية اللازمة.‏

وهكذا حدد د.اليافي بدءاً من كتابه: (الشعر بين الفنون الجميلة)، الصادر عام 1968 أسس النقد التي تتوزع على مواقف ثلاثة: موقف كلاسيكي، وموقف رومانسي، وموقف معاصر. ويلتزم بهذه الأسس في كتابه الثاني (الشعر العربي الحديث)، الذي قسم الشعر إلى تقليدي، رومانسي، وشعر حر، والتزم ذلك في كتابه الثالث: (تطور الصورة الفنية في الشعر العربي الحديث)، فقد نظر إليها في الشعر التقليدي، وفي الشعر الرومانسي، ومن ثم في الشعر الحر، وقد انعكس ذلك أيضاً في كتابه الأخير (أوهاج الحداثة)، حيث قسم مسيرة الشعر العربي منذ حركة التنوير وحتى الوقت الحاضر إلى أربعة حركات هي: الكلاسيكية الجديدة، والرومانسية، وقصيدة التفعيلة، وقصيدة النثر.‏

وهكذا نجد دائماً أن تأصيل النقد عند د.اليافي يبدأ دائماً من تناول الكلاسيكية، وهو نقد يوازي عنده الموقف الإحيائي من الشعر أي: إنه موقف نقدي يعتمد المنهجية القائمة على بنية منطقية ونزعة عقلية ونزعة أخلاقية تنطلق من تصور مثالي لما ينبغي أن يكون عليه المجتمع، ويرتقي هذا الموقف ليصل إلى الاهتمام بكل ما يدور داخل الإنسان وحوله.‏

وتحت عنوان "د.نعيم اليافي الناقد المغامر"، يقدم لنا الأستاذ جمال عبود، دراسة تبدأ بمفهوم اليافي للقراءة النقدية فهو يرى في القراءة ذاتها مستويات مختلفة، فهناك... "قراءة الشرح، وقراءة الفهم، وقراءة الإسقاط، وقراءة التفسير، وقراءة التحليل، وقراءة التركيب، وقراءة التقويم.‏

فالدكتور اليافي يرى الناقد قارئاً من نوع خاص، متميز، جواب آفاق، يرود فضاء النص على جميع مستوياته بما أوتي من موهبة أو قدرة.‏

ومن المشروع لدى اليافي أن يقصر الناقد جهده ويكتفي أن يقنع بجانب واحد من جوانب النقد إذا كانت قدرته محدودة، وهذا يقود مجدداً إلى وجوب أن تتضافر الجهود النقدية، بما تقف عليه من خلاصات وتصوغه من أحكام، لتتكامل في سجل أو رأي، وإذا كان النص هو تجربة الفنان، بالقوة، فإن قراءاته هي تحويله إلى تجربة بالفعل، وهنا نقطة التقاء الناقد بالمبدع.‏

هكذا يتجسد مفهوم النقد في وعي الدكتور اليافي الذي يجعل من مغامرة النقد أقرب ما تكون لمغامرة مأمونة... وإن لم تكن مضمونة، فذلك أقرب سبيل لبلوغ الضفة الأخرى من النهر هي سبيل اجتيازه وليس السير بموازاته.‏

أما مداخلة كاتب هذه السطور فتمثلت بالحديث عن جوانب مختلفة لدى د.اليافي ففي كل مسألة ناقشها تجد له بصمة، وفي كل بلد عمل فيها، من مصر إلى الجزائر إلى سورية إلى الكويت، ترك آثاراً طيبة، وخلّف أصلاء يقفون إلى جانبه، ومزيّفين يحاربونه، وكلُّهم على اتفاق أن كلمة نقدية من نعيم اليافي هي شهادة حقيقية تؤكّد الإبداع أو تنفيه. إنه جامعة متنقّلة صيغت على شكل رجل وسمّيت نعيم اليافي، وهي جامعة متحضّرة صاغ معالمها في كتابه (مفهوم الجامعة) وجعلها تقوم على التعددية والحرية والحوارية والعقلانية والنقد والوعي، فغدت درساً بعد أن كانت دراسة. ولا ننسى أن الداعية الأوَّل للمنهج التكاملي الذي شرحه ودافع عنه وما يزال يوضَّح أبعاده ومعالمه، نظرياً وتطبيقياً معاً.‏

في الجامعة، كان من أكثر الباحثين الذين يثيرون الفكر، ويدور حولهم الجدال، ناقش كثيراً من رسائل الماجستير وأطروحات الدكتوراه، وأشرف على كثير منها... بما يعادل قرناً من الزمان، ونُدب إلى التحكيم في أهمّ المسابقات العربية، وكلنا نعلم أن دراسته عن الشعر المعاصر في سورية ولبنان تتصدر معجم البابطين للشعراء العرب.‏

في الأسبوع الأدبي، والموقف الأدبي، وصحف ومجلاَّت أخرى، كانت إسهاماته واضحة، وبصماتُه لا تنمحي.‏

في فرع اتّحاد الكتّاب العرب بحلب، له نشاط لا يمكن أن يُنسى، فحين كان يرأسُهُ استقدم باحثين من مختلف أرجاء الوطن العربي، وقدَّم كثيراً من الوجوه الجديدة التي أثبتت صواب حدسه وفراسته، وأتاح مجالاً للناشئة من الأدباء باستحداثه ما سمّاه "النشاط الموازي" في فرع الاتّحاد. وفضلاً عن ذلك كان مقدَّماً بارعاً، ولم يفوَّت أمسية من نشاطات الاتّحاد، بل لقد كان حريصاً على إدارة الحوار وإثارته، ممّا استقطب حشوداً هائلة من الحضور، فضلاً عن استقطابه مفكّرين حرصوا على المشاركة في منبر الاتحاد، الذي غدا ـ بحقّ ـ منبراً جريئاً لتشخيص أمراض الأمَّة، تمهيداً لعلاجها؛ ولم يكن الباحث اليافي يتوانى عن الكيّ كي يلأم جراح الأمّة، وهو الأب الروحي لأجيال متعاقبة تتلمذت على يديه.‏

بعد ذلك جاءت كلمة المحتفى به الدكتور نعيم اليافي حيث أكد على أهمية دور المثقف في كل آن، متمنياً على الساسة إدراك هذا الدور ودعمه، وبيّن أن مساهمة المثقف لإنقاذ الأمة هي حديث في الفكر السياسي وليس حديثاً في السياسة، وقال:"وأنا كنت ومازلت وسأظل مع الجماهير في قضاياها النبيلة".‏

وتحدث د.اليافي في كلمة مرتجلة مؤثرة حول معاناته التي كابدها بسبب جرأته على نقد الواقع مما تسبب بإقصائه عن الجامعة ومنعه من المشاركة في المحاضرات والندوات في حين أنه لم ينتسب لأي حزب ولم يتعمد مواجهة أي سلطة وكل ما فعله هو أنه تحدث بخطاب مثقف يريد تعرية مفاسد الواقع للنهوض بالإنسان العربي وتحسين ظروف وعيه وعيشه.‏

ثم تحدث عن مناصرته للحرية والتعددية وعن استرداد الحقوق وعلى رأسها حقنا في فلسطين المغتصبة. وشرح مفهومه للإسلام الحضاري، ورسالته الخالدة التي تؤكد ارتباط العروبة بالإسلام".‏

الدراسات المشاركة‏

في القسم الثاني من الكتاب تصدَّرت الدراسات المشاركة دراسة للدكتور سمر روحي الفيصل تحت عنوان "اليافي المنوِّر الجريح وخطاب التنوير" رأى فيها أن د.شخصية عامة ذات صفات معروفة، منها الجرأة إلى حدود التهوُّر أحياناً، والمعرفة إلى حدود الفلسفة غالباً، والمباشرة إلى حدود عدم تقدير العواقب عموماً، وقد حملت هذه الشخصية من طبيعتها السابقة ذلك الحرص على وضوح الجهاز المفاهيمي وتحديده وقدرته على احترام المتلقين وتثقيفهم وتنمية الوعي فيهم. كما حملت من الطبيعة السابقة نفسها الإخلاص في العمل، والإحاطة بالأشياء قبل الإقدام عليها.‏

ومن جانب آخر رأى د.سمر روحي الفيصل أن انصراف اليافي إلى الإعداد للقاءات والندوات والحوارات والمحاضرات استنفد وقته وجهده، فلم يبق لديه ما يعينه على تأليف الكتب التي تُبقي التنويري حياً متداولاً مؤثِّراً في القرَّاء، فقد استبدل بالكتب الحديث الشفوي والمقالات والدراسات القصيرة، لأنه كان يشعر بأن الزمن يلاحقه، والأحداث تترى حوله وحواليه. ولعله كان يعتقد بأن الحديث الشفوي أكثر حرارة وعفوية وارتباطاً بالمتلقين، وأضاف د.سمر: قائلاً: "ونتج عن ذلك ضياع بعض محاضراته المهمة، كما هي حال محاضرته (مستويات الوعي الديني)، التي اضطُر، بعد ذلك بسنوات، إلى اعتماد النص الذي دوَّنه الدكتور جمال الطحَّان عنها، ونشره في كتابه (مشاغبات فكرية). أقول: اضطرُ اليافي إلى استعارة النص من كتاب الطحَّان بعد استئذانه في ذلك لينشره في كتابه (مرايا المتخالف، مقاربات نقدية في الفكر العربي المعاصر)، ولولا صنيع الطحّان لضاعت المحاضرة ضياعاً كاملاً لا أمل بعده في كتابتها على النحو الذي أُلقيتْ فيه. قل مثل ذلك في التعقيبات والمداخلات والحوارات التي شارك اليافي فيها وقدَّم لها وأعدَّها".‏

بعد ذلك أشار د.سمر إلى إحدى مقالات د.اليافي (دعوة إلى الحوار) واستنتج منها أن خطاب التنوير لدى اليافي خطاب حواري. فهو يعدُّ الحوار وسيلة فضلى للوعي والمعرفة والإدراك، والسبيل الأمثل لاحترام إنسانية الإنسان المتمثّلة في فكره ورأيه ووجهة نظره.‏

وقال د.سمر روحي الفيصل: ولا أهمية، أخيراً، للتباين بين اعتقادي بأن اليافي منوِّر واعتقاده بأنه صاحب وجهة نظر في الكون والإنسان والحياة، ذلك لأن خطاب التنوير لم ينشأ. من فراغ، بل استند إلى طبيعة اليافي المنهجية في أثناء عمله في النقد الأدبي، ثم راح يؤسس عليها وينمِّيها في شكل خطاب تنويري ثقافي عام، يضم الفكر والثقافة والسياسة، ويسعى إلى تأصيل بعض الجذور الفلسفية. وهذا كله واضح في انتقاله من المنهج التكاملي في النقد الأدبي إلى المنهج التكاملي المتكثّر في تحليل البنيات الدالة والوظيفية في نصوص الفكر والثقافة والعلم والأدب والنقد".‏

أما عن الأسلوب اللّغويّ لخطاب اليافي فرأى د.سمر أنه تعبير عن تركيبته العقلية المنطقية نفسها. فاليافي معني حين يكتب بتقسيم الموضوع وتفريعه إلى نقاط، ثم الحديث عن هذه النقاط نقطة نقطة. ومن ثَمَّ أصبح التقسيم والتفريع سمة لغوية أسلوبية لديه، لا تفارقه في بحوثه كلها، جسَّدها في مفهومات الجامعة كما جسدها في أثناء الحديث عن التعددية وعن الحوار وعن الشعر والتلقي وعن الشعر في الكويت، وعن غيرها من الموضوعات، فعقله المنطقي كان يترجم نفسه دائماً ترجمة لغوية، فيجعل الأسلوب يتحلى بسمة التقسيم والتفريع، لا فرق في تجسيد هذه السمة بين مقالة قصيرة ودراسة طويلة.‏

وأما السمة الأسلوبية الثانية فهي التحديد اللّغويّ. وهذه السمة لازبة أيضاً في أسلوب اليافي. فحين تُقبل على قراءة شيء له فعليكَ أن تتوقَّع ابتداءه بتحديد المفهومات والمصطلحات، لأن هذا التحديد توضيح للمراد قبل الإيغال في الدراسة. ورأى أن السمة اللغوية الثالثة عند د.اليافي هي الوضوح والمباشرة. فاليافي يتجه إلى القارئ دائماً بلغة واضحة محددة، وهذا ما ضمن لأسلوب اليافي القدرة على الإيصال، إضافة إلى أن سمة تحديد المصطلحات ضمنّت له الارتقاء بهذا المتلقي ووضح المراد لديه.‏

أما دراسة د.عبد الإله نبهان فكانت بعنوان: "لمحات من الاتجاه التنويري في فكر الدكتور نعيم اليافي، "رأى فيها أن د.اليافي، فضلاً عن اتجاهاته النقدية، خاض مجال البحث في القضايا الاجتماعية والإنسانية. لذلك كان اتجاه اليافي أولاً إلى الإنسان...، الإنسان الذي يجب أن يصنع صناعة دقيقة ليُدفع دفعاً في التيار المقاوم للتخلف.‏

ثم لاحظ أن د.اليافي بعد أن وضّح مفهوم الحرية كما يراه نظر إلى المجتمعات المعاصرة في ضوئه وتساءل فيما إذا كانت مجتمعاتنا المعاصرة تحقق للإنسان قيمة وتجعله بالتالي غايتها المنشودة وتضع في خدمته وتحت تصرِّفه كل شيء..؟‏

وهنا يبرز الموقف الموضوعي للدكتور اليافي، فهو لم يفعل كما كان يفعل بعض مفكري عصر النهضة الأوَّل الذين يرون أن المجتمعات الغربية الأوروبية قد حققت للإنسان كل ما يصبو إليه، بل إنَّ الدكتور اليافي نظر إلى الغرب في ضوء وضع الإنسان فيه تحت مظلّة سيادة العلم الماديّ والتقدّم العملي والرفاه الاقتصاديّ، فوجد أنَّ الغرب جعل من الإنسان أداةً تدور في مركبته الصناعية الهائلة، لذلك يتساءل د.اليافي قائلاً: "فهل غريب بعد هذا كلّه أن نجد من الدارسين الغربيين من يتحدّث عن سقوط الحضارة الغربية والانحدار المتسارع للعالم الماديّ الذي بدأ يأخذ طريقه نحو الهاوية؟!!.‏

بعد ذلك تحدث د.نبهان عن أهمية الحوار لدى اليافي وآلية فهمه وممارسته عملياً ثم تساءل: ولكن أيَّ حوار يدعو إليه الدكتور ويُعلي من شأنه؟‏

ويجيب: لقد اجتهد الدكتور اليافي في وضع الأسس التي يراها صالحة ليقوم عليها الحوار، وتمثلت بما يلي:‏

1 ـ العقل: هو أساس كل حوار وواسطته وأداته في التعبير والتوصيل.‏

2 ـ الحرية: لا يمكن للحوار أن يكون حقيقياً بدون هذا العصر، "وإذا اعتبرنا الحوار معدوماً أو لا شيء، من دون الإنسان فإنه كذلك معدوم ولا شيء من دونه حرّية".‏

3 ـ الديمقراطية: وبالديمقراطية تتساوى قامات المتحاورين ومستوياتهم قبولاً ورفضاً أخذاً وعطاءً". إنهم سواسية لا فضل لأحد على أحد بما يخدم الفكر والإنسان ويطمح إلى خدمته.‏

4 ـ المعرفية: "وهي العلم والثقافة والوعي والإدراك على اتساع ذلك وشموله تنظيراً وتطبيقاً، فهماً واستيعاباً وأخلاقاً جيدة وموضوعية".‏

إنَّ الحوار يفصح عن وجهات نظرنا المتناقضة في مواضع لأننا ننظر إلى القضايا من زوايا مختلفة، فللحقيقة الواحدة أو المتكثرة زوايا متعددة للرؤية.‏

وقال: "إن حرص الدكتور اليافي على الدعوة إلى الحوار وممارسته إنما يستهدف أولاً وأخيراً محاولة انتشال المجتمع العربي من حضيض الاستبداد وسيطرة الرأي الواحد إلى بقاع الحرية والديمقراطية، وهو أمر ناضل رجال النهضة الأولى في سبيله نضالاً طويلاً".‏

ثم تحدث د.نبهان عن موقف د.اليافي من المرأة وقضاياها، وبيّن سعة أفقه ومنهجه الواضح في تناول مثل هذه القضايا المهمة.‏

بعد ذلك ألقى د.نبهان نظرة على موقف الدكتور نعيم اليافي من التراث ورأى أن د.نعيم لم يكن بعيداً عن التراث إطلاقاً على الرغم من أن أعماله المنشورة تقع ضمن دائرة الأدب الحديث ونقده، إلاَّ أن ثقافته الأساسية وثيقة الصلة بالتراث القديم من جهة وبتراث عصر النهضة العربية الأولى من جهة ثانية.‏

وهكذا رأى أن التراث مطلوب بقدْر ما يفيد الحاضر ويضيئه ويدفعه إلى الأمام، إنه مطلوب ضمن قراءة إيجابية جديدة تتسق مع الحياة المعاصرة ومتطلباتها وقيمها. ثم بيّن وجهة نظر د.اليافي بالغرب حيث يضع الباحث مستويين للعلاقة مع الغرب.... فهناك الغرب بوصفه مستعمراً والغرب بوصفه حضارة ناهضة قوية. فالعلاقة على المستوى الأول مستوى الاستعمار لابدَّ أن تكون تصادمية عدائية، أمَّا على المستوى الثاني فلابدَّ من لقاء "أو تلاقح بين ثقافة الأمة القوية المتكوّنة وبين الثقافة الإنسانية المتمركزة حالياً في الغرب.‏

أما "قراءة في أوهاج الحداثة" فقد كانت دراسة د.خليل الموسى، تناولت كتاباً نقدياً للدكتور نعيم اليافي صدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق، ضمن منشورات عام 1993م، وهو يتألف من خمس دراسات تدور حول القصيدة العربية المعاصرة. وقال: "تعتمد هذه الدراسة على ثلاثة أركان، وهي: التراث ـ حركة الواقع ومعطياتها ـ المثاقفة والتأثر والتناص، وهي تنبئ وتفضّل أن تسير حركة القصيدة المعاصرة متواشجة بين هذه الأركان".‏

ورأى أن الأصالة والمعاصرة أهمّ القضايا التي عالجها الكاتب في هذا العمل. ورأى أن مفهوم الأصالة في هذا الكتاب يميل إلى الماضي والتراث والخصوصية القومية، وهذا المعنى في الأصالة التي يتوخّاها المؤلف ضمن الفكر القومي، ولكنّ فيها أيضاً معنى الفرادة والابتكار، فالأصالة تعني أول ما تعنيه الإبداع، ومن هنا فالمعنى نوعي، والشاعر الأصيل هو الشاعر المبتكر المبدع الذي لا يقلّد أصوات الآخرين، ومن شروط المثاقفة والتناص الهضم والامتصاص والتحويل، فإذا تمّت هذه العمليات كان الأخذ أصيلاً، وإلا كان نسخاً وتقليدياً، والصلة بين الأصالة والمعاصرة في كل موضع من هذا الكتاب، فهي في استدعاء التراث واستلهامه وتوظيفه، وهي في التعبير بالتراث عن تجارب المعاصرة، وهي في قصيدة التفعيلة ذات الجذر التراثي، وهي في المضمون القومي إلى غير ذلك.‏

ثم رأى أن القضية الهامة التي عالجها المؤلف في هذا الكتاب فهي الحداثة والتحديث في القصيدة، وهكذا استنتج د.الموسى أن هذا الكتاب يتسم بسمات عميقة، أهمَّها:‏

ـ أن المنظور النقدي للمؤلف كلّي.‏

ـ إنه ذو رؤية تطورية واضحة.‏

ـ وإن الكتاب ذو طبيعة منهجية علمية، فالمؤلف يدخل إلى الدراسة، وهو يحمل معه أدواته وتقاناته ومصطلحاته وخططه ومنهجه، ورأى د.الموسى أخيراً أن هذا الكتاب من الكتب النقدية الهامة في هذا المجال، وهو كتاب غني في بابه وفي طروحاته وقضاياه، وهو دقيق في منهجه ومصطلحاته ومفهوماته، عميق في أبحاثه.‏

أما "الدكتور نعيم اليافي" والصورة المثلى "للأستاذ الجامعي"، فقد كانت دراسة قدمها د.صلاح صالح وابتدأ القول: لابدَّ من الاعتراف بأنَّ أي حديث لي عن الدكتور نعيم اليافي لابدّ له من اختزان مقادير من الحرارة، والتلّون بمقادير من الحماس الذي يبدو ـ من الناحية الظاهرية فقط ـ طمساً وخلخلةً لصرامة الموضوعية، وهذا ما يدفعني إلى الجهر بحرصي على التزامها مهما استبدّ بي الحماس.‏

ثم أضاف: "قضى الدكتور نعيم اليافي جلَّ حياته العملية في الجامعة، أي منذ تخرجه من جامعة القاهرة، متسلّماً شهادته الجامعية الأولى من جمال عبد الناصر شخصياً، بوصفه أوّل دفعته، وحتى الآن. فالجامعة هي بيته الأول، وليست بيته الثاني حسب تعبيره في عنوان أحد كتبه، وكانت ـ وما تزال ـ لديه دراسات وأفكار ومشاريع عملية لتطوير الجامعة والأداء الأكاديمي، إلى درجة أن بعض تلك الدراسات جرى مرَّة تداوله في الأوساط الأكاديمية السورية، على طريقة تداول المنشور السّري".‏

ثم اكتفى د.صلاح الصالح بإبراز نقطتين مازتا د. اليافي بين الرواد الأكاديميين، وعُدّتا ملمحاً شخصيّاً، ووسماً لجانب مهم من نشاطه ذي الطابع الأكاديمي، وهما حيازة المرجعية العلمية، والشعور بواجب الرعاية.‏

فمعروف أن مكتبته الشخصية المرجعية الضخمة التي تضم من الكتب والمراجع النادرة أكثر ما تضمه مكتبات بعض الجامعات، مفتوحة دائماً أمام من يحتاج، وقد يبدو التنويه بالمكتبة والاستعداد الدائم للإعارة المفتوحة نافلاً، أو ضئيل الأهمية، لكن الباحث الجاد يدرك معنى أن تكون هناك مكتبة ثرية بكل ما يحتاج إليه، وأنها مفتوحة أمامه وقتما يشاء، والمدة التي يشاء.‏

ومعظم طلبته يعرف أنه قدم لبعضهم ـ إن لم يكن لمعظمهم ـ مساعدات مالية لا يستهان بحجمها إطلاقاً، وامتدت المساعدة أيضاً لتشمل حيواتهم العملية بعد التخرج، فقد ساعد معظمهم على نشر نتاجاتهم العلمية التي ماكان لبعضها أن يرى النور لولا دعمه المباشر.‏

وفي الكتاب قصيدة عنونها د.صلاح صالح بـ(برزخ التيه الأرزق)، وهي مهداة إلى الدكتور نعيم اليافي يقول فيها:‏

ولعلَّ الخطوة تحت الفجر الآخر‏

تخفق تحت عذوبتها نسماتٌ أصفى‏

من زرقة فجر مغسولْ‏

ولعلَِّ مسيرة بعد الظهر يذوب بها الوقت وتمتدَّ أمام‏

هل نجترح العبرة بعد فوات العمر‏

وحين يصير العمر حطاماً؟‏

ما أقسى ألاَّ نحسن توجيه الدفّة إلاَّ‏

حين يجفَ البحر‏

وتخشوشن قبّته الزرقاءْ‏

أما د.أحمد جاسم الحسين فقد استهل دراسته (د.اليافي... كتابة المفكِّر وأخلاق العالِم)، بالقول: لن يكون منصفاً باحث يتحدّث عن تاريخ سورية في العقود الثلاثة الأخيرة إن لم يذكر د.نعيم اليافي سواء تحدث عن تاريخ النقد أو عن تاريخ الجامعة أو تاريخ الفكر أو تاريخ الدوريات والصحافة والنشر أو تاريخ اتحاد الكتاب.. أضف إلى ذلك سيذكر الباحث د.اليافي إن تناول أثر المحاضرات في الناس والدعوة إلى مجتمع مدني مؤسَّسٍ على الديمقراطية المؤمنة بالتعدّدية وسماع الصوت الآخر...‏

ولن يكون الباحث منصفاً إن لم يذكر ـ حين يتحدث عن المظلومين د.اليافي وإلى أن يوجد مثل هذا الباحث المنتظر الرصين الموضوعي الذي يهمه الابتعاد عن المهرجاناتية والسفاسف والاقتراب من حركة المجتمع و العوالم المؤثرة فيها.‏

ثم تحدث عن بعض مناقب د.اليافي عبر ثلاث قنوات: الأستاذ الجامعي، والمفكر، والصديق الإنسان، ثم رأى أن د.اليافي يتميز بصفات أساسية هي:‏

"الجرأة: نقداً وفكراً وواقعاً وقد دفع ثمنها غالياً غالياً كما لم يدفعه أحد منا.... ويرفض أن يحني رقبته رغم كل الضغوطات من جهة والترغيبات من جهة أخرى...‏

الموضوعية: تبدو في كتابته عن نصوص ذات سويات متباينة... يكشف غثها وسمينها، يصفها ويحللها ثم يدلي بدلوه فيها بغض النظر عن موقفه من مؤلفها.‏

التفاؤل: وهذه سمة المفكر المؤمن بقدرة مجتمعه وأمته والقارئ المتمعن لحركة التاريخ والمتعلّم من دروس الآخر وتجاربه".‏

يضم الكتاب التذكاري أيضاً دراسة د.أحلام حلوم تحت عنوان: (الصورة الفنية والنقد الحديث ـ د.نعيم اليافي نموذجاً)، درست من خلالها الصورة الفنية عند الناقد الدكتور "نعيم اليافي" من خلال كتابيه (مقدمة لدراسة الصورة)، و(تطور الصورة الفنية)، واتضح لها من خلال دراسة الكتابين أن الناقد يحكمه في عمله هذا منهج انتقائي تكاملي، ينطلق فيه من الدلالة الفنية البلاغية لمصطلح صورة ، مستفيداً من شتى الطرائق والنظريات، ولا تقتصر الدراسة على صورة محددة من فترة ما، وإنما تتناول طبيعة الصورة، وتطورها ينبع من طبيعة الفترة التي تشكلت خلالها نظراً لارتباط الشاعر بما حوله من أحداث، ولتأثره بنظرية الجمال السائدة، فلكل عصر ذوق جمالي خاص يحكم أفراده. كما يطوّع المفهومات النظرية عند التطبيق، فتتجاوز حدودها إلى مدى الدلالات المتاحة. ثم توقفت في دراستها عند مقولات أساسية تتلخص في:‏

1 ـ تحديد مفهوم الصورة ودوره.‏

2 ـ شبكة العلاقات المؤثرة في الصورة.‏

3 ـ المكون الخارجي (الثقافة الوافدة).‏

4 ـ النقد التطبيقي، ومسيرة التطوير.‏

واستنتجت من خلال دراستها النقاط الآتية:‏

1 ـ وضع المصطلح في بحر خضم من المعاني والأفكار (الفلسفية ـ الأدبية) التي تدور حوله، دون أن يقيده بحدود صارمة.‏

2 ـ كثافة المقولات والأفكار المطروحة بشكل يرهق معه القارئ.‏

3 ـ التأثر الواضح بالثقافة الغربية في مجال الصورة، والدراسات الفلسفية المتعلقة بها، ومحاولة تطبيقها على الصورة الفنية في الشعر العربي الحديث.‏

4 ـ طرح العديد من المقولات الفلسفية التي تحتاج إلى وقفة أو وقفات.‏

5 ـ قدم "الناقد الدكتور نعيم اليافي"، خدمة جليلة للدراسات النقدية العربية، ولدراسة الصورة الفنية بخاصة، عندما وضع ـ ولأول مرة ـ معجماً خاصاً بمصطلحات الصورة، جعله في كتاب مستقل في مرحلة مبكرة. وهو كتابه (مقدمة لدراسة الصورة الفنية). ولا نعدو الحقيقة إذا قلنا إن جُلّ الدراسات النقدية الحديثة التي أتت بعده، قد أفادت من هذا (المعجم النقدي).‏

وعن النقد التطبيقي ومسيرته لدى د.اليافي رأت د.حلوم أن الدراسة التطبيقية في مجال الصورة الفنية المكانة الأهم، في دراسة حديثة للدكتور "اليافي" في كتابه "أوهاج الحداثة". إضافة إلى العديد من الدراسات والمقالات المقدمة في هذا المجال.‏

يعتمد الناقد في تطبيقه على نصوص مختارة لشعراء يمثلون جيلين متداخلين: الرواد ومن تلاهم مباشرة. وتدور هذه النصوص في رأي الكاتب حول أربعة محاور هي:‏

(التوتر، والكشف، والتحول، والمصير)، وقد ربط بين نصوصه بتقنية وبراعة حيث شدّها إلى بعضها بخيط تشف عنه الدراسة التحليلية، مبرزاً دور المبدع، كعنصر متوتر فيه من التناقض والقلق والترقب، ما يمنح المتلقي الناقد حرية التجاوز، وقد تجاوز ذلك حقاً، بتخطيه لمعنى الإبداع كمحاولة بداية، أو انفصال عن الذي كان.‏

ثم بينت الدراسة أهم السمات التي تتسم بها الصورة الفنية في دراسة اليافي لها، وهي نتائج تخدم المكتبة العربية بعامة، والمكتبة النقدية السورية بخاصة، ويمكن تحديدها فيما يلي:‏

1 ـ الاهتمام بقضية المفهومات والمصطلحات، والأدوات المعرفية للناقد.‏

2 ـ ربط الظاهرة الأدبية بسياقها الثقافي والاجتماعي أثناء التحليل.‏

3 ـ ربط الظاهرة الأدبية المدروسة بالفكر الفلسفي للفترة أو الفكر العام.‏

4 ـ عدم فصل المكون الأدبي داخل النص عن سائر المكونات الأخرى التي تشكل البنية، فالصورة لا تُدرس في منأى عن نسقها الجمالي والنفسي واللغوي والاجتماعي...‏

5 ـ السعي الحثيث لإدراك القواسم المشتركة، أو النواظم للظاهرة الأدبية المدروسة، وعدم الوقوف عند المكونات الفردية لها، بل السعي إلى إدراكها ورؤيتها ضمن نواظمها العامة.‏

وأخيراً: رأت د.حلوم أن الدكتور نعيم اليافي أول دارس في الوطن العربي تناول الصورة الفنية بتقنية وبراعة، مطعّماً من خلالها الوافد الغربي بالأصل العربي، ببراعة ومقدرة فائقتين.‏

أما "الدكتور نعيم اليافي: الإنسان والمعلّم"، فهي دراسة قدمها الأستاذ حسان فلاح أوغلي فمن معالم الدارس النقدي عنده أن الأدب لا يمكن أن يدرس بعيداً عن الفكر والمجتمع؛ ورأى أن د.اليافي قد جمع بين الأدب والنقد وعلم الاجتماع والفكر: وليس أدلّ على ذلك من نتاجه سواء أكان كتباً أم بحوثاً أم محاضرات.‏

ومعلم آخر من معالم الدرس النقدي عنده هو أن الفنون عميقة التأثير بعضها ببعض، ولهذا ينبغي أن تكون نظرتنا لأي فن مستعينة بالفنون الأخرى، صحيح أن لكل فن أدواته، ولكنها تتقارض تلك الأدوات وتستعيرها أحياناً ويظهر شيء من أثرها بعضها في بعض.‏

ومعلم ثالث أيضاً عرفناه في دراستنا على يدي د.اليافي هو أن المنهج التكاملي ليس منهجاً تلفيقياً، ولاسيّما عندما يطبقه ناقد حصيف يعرف سمات كلّ منهج من مناهج النقد على حدة، ويعرف كيف يقرأ أي نص أدبي وفق منهج محدد، ولكن المنهج التكاملي يستطيع أن يفتق مكوّنات النص الكامنة ويميط اللثام عن عوامل عدة أثّرت في مبدع النص قبل لحظة الإبداع وفي أثنائها. والنقد في اعتماده على التحليل والتركيب لابد له من أن يعنى بذلك كله.‏

وكما أن المبدع يستوعب كلّ المؤثرات الفكرية والثقافية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية ويهضمها، ثمّ يعّبر عنها جميعاً في لحظة الإبداع، فإن الناقد أيضاً معني بهضم كل ذلك والاستفادة منه في لحظة الإبداع الثانية، لحظة النقد.‏

ثم تحدث عن السمات الإنسانية لدى د.اليافي المعلم الذي يرعى طلابه ويوجههم يراعة:‏

أما الدراسة الأخيرة فكانت للأستاذ عامر رشيد مبيض تحت عنوان: (د.اليافي موسوعي المعرفة والثقافة)، تحدث فيها عن بعض مناقب د.اليافي الذي يمتلك ناصية البيان الدقيق، واللغة المحدَّدة الفاعلة، وهو ذو موهبة فذَّة في إدارة الحوار، وإثارة القضايا الأكثر عمقاً وخطراً في أيٍّ من المجالات التي تخصَّص بها أو أحبها وأخلص لها.‏

على أنَّ دماثة خلقه وهدوءه واتزانه، فضلاً عن مخزونه العلمي والثقافي الكبير، الذي يوظفه كيف يشاء، ويستثمره، إلى أقصى حد، قد مكَّن له في النفوس قبولاً طيباً، وفي القلوب محبة واحتراماً كبيرين، على الرغم مما ينشأ من الاختلاف معه في الرأي.‏

ولا ريب أنَّ ما أخذ به نفسه على الرغم مما ينشأ من الاختلاف معه في الرأي.‏

ولا ريب أنَّ ما أخذ به نفسه من القراءة والدأب في طلب المعرفة، والإفادة من كل شيء له أكبر الأثر في تكوينه الثقافي والعلمي، الذي لم يقف به عند حدٍّ، وإنما يتنامى ويستمر، ويحيا بحياته ويدوم بدوامها. وهذا ما جعله بحق أحد المثقفين العرب الذين يتحدثون في الفكر مثل حديثهم في التراث، ويخوضون غمار الكلام في السياسة والنقد والأدب.‏

ورأى أن د.اليافي كان يُعنى بالتأسيس المعرفي والثقافي لكل ما يتناوله هو من موضوعاته وقضاياه أو لما يتناوله الآخرون من الكتاب والدارسين والنقاد، أو المبدعين على وجه الخصوص.‏

وفي حواراته ومناقشاته وكتاباته كان كثيراً ما يدعو إلى إعادة قراءة تراثنا قراءة واعية. لأن التأسيس لكل أدب أو فن لابد أن ينطلق من تراثنا، وقد يكون من تراث الآخرين، أو من الجمع بينهما. كما يدعو إلى التصدي ـ للغزو الاستعماري الثقافي للمنطقة، ولاسيما فيما يتعلق بمحاولة إحلال اللهجات العامية والإقليمية محل العربية الفصحى، أو الدعوة إلى التخلي عن البعض والاعتماد على العامية لغة علمية وأدبية وتدريسية وإعلامية.‏

وهو في دعوته هذه ـ وكل دعواته ـ لا يُنظِّرُ ولا يردد شعارات، وإنما يزج بنفسه أولاً، محققاً قوله بالفعل، ونظريته بالممارسة والتطبيق. كما أنه لا يقتصر على مجرد الدفاع الانفعالي العاطفي، ولكنه يحاول وضع الأسس الموضوعية الكفيلة بالمحافظة على اللغة العربية الفصحى وتبسيطها لتكون لغة المسرح والإذاعة والتلفاز فضلاً عن كونها لغة الأدب والشعر والفنون...‏

أما المشاركة الأخيرة في الكتاب التذكاري فقد كانت حواراً أجراه الأستاذ محمد الراشد مع د.اليافي حيث دار الحديث فيه عن حصاد التجربة الذاتية في عصر الضياع. وقد قدم الأستاذ الراشد للحوار بكلمات قال فيها: والدكتور نعيم اليافي باعتباره واحداً من أهم عمالقة الفكر والكلمة المسؤولة في العصر الحديث؛ ندب نفسه من خلال المنابر الثقافية للتنوير داعياً إلى إقامة مجتمع حضاري عربي تسوده التعددية الفكرية وقبول الآخر ليحقق شرطه الوجودي أولاً، وليُساهم مع مجتمعه العربي في مسيرة الحضارة الإنسانية مستقبلاً. ولعل اهتمامه بالمؤسسة الجامعية وقضاياها وعنايته بعلم المفاهيم والمصطلحات والمناهج والأدوات المعرفية، بمثابة التعبيد المبدئي لتوليد الإنسان الحضاري العربي.‏

وختم حواره بالقول: تُرى.. هل يهلّ زمن على أرض العروبة يستطيع فيه المثقف تحقيق حضوره المعرفي وشرطه الإنساني، بشكل يغدو فيه فاعلاً في المجتمع العربي أكثر مما هو منفعل كدأبة اليوم؟!..‏

ومما يجدر ذكره أن الكتاب محلّى بالصور الملونة التي تبين مسيرة د.اليافي وحياته العلمية، فضلاً عن بعض أغلفة مؤلفاته.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244