|
||||||
| Updated: Tuesday, September 23, 2003 03:08 AM | ||||||
| فهرس العدد | فهرس الدوريات |
|
مجموعة الصقيع لـ عبدو محمّد ـــ زياد مغامس المجموعة شكلاً: تتألّف من مئة وستين صفحة من القطع الصغير، غلافها صقيل أزرق، محلّى بألوان الطيف، مصنوع بدقّة حاسوب عالية، اسمها واسم مبدعها ظاهران بجماليّة ووضوح، ترقد بين دفّتيها تسع عشرة قصّة تتراوح أطوالها بين صفحتين واثنتين وعشرين صفحة، وهي الطبعة الأولى لعام 1998 لدار الفكر بدمشق، وهي الدار التي منحتها جائزتها للعام نفسه. المجموعة من الداخل: آ-تعتمد قصص المجموعة أفكاراً محسوسة معاشة، ليست آتية من فراغ أو عدم، بل هي منتزعة من المحيط المعيش، بدقّة وخصوصيّة، ويستطيع المتلقّي إرجاع كلّ قصّة فيها إلى مصدرها لأنّها تقع تحت الحواس مباشرة، وهي تدمج بين المستوى المنظور كتابيّاً والحوادث المتفرّقة، المعبّر عنها بلغة تساعد على تمكّنها في النفس، وتحقّقها في الذاكرة بشيء لابدّ منه لإرجاع الحدث إلى صفحة الذاكرة بمحطّاته الحديثة أو المبكّرة، وتستشعر وهي في طور التشكّل الجنيني. ب-المجموعة حافلة، لا تفي بها عجالة كهذه، لذلك سنوجز القول في معظمها ونبوح بشيء من تفصيل في قصّة واحدة منها، رأينا أنّها تكفي لتكون دالة على المجموعة بخاصّة، وعلى صاحبها بعامّة، مضمون المجموعة زاخر خصب، وشكلها يحاول أن يجد نفسه ويجدّد ذاته في كلّ واحدة من القصص المحتواة. حـ-شيء في القصص: اً-الصقيع: القصّة التي تحمل المجموعة اسمها (4 صفحات) قصّة تلعب على ثنائيّة الحضور والغياب، حضوره وغياب أحبابه؛ الزوجة، الحبيبة، الأصدقاء، المسؤولون، الابن، ونتج عن ذلك اغتراب الرجل عن محيطه، وسيطر الصقيع عليه، في جوّ لا صقيع فيه. 2ً-حدث ذات مساء: تتألّف من (6 صفحات) وتتحدّث عن رحيل أخ ليس شقيقاً وتسترجع من خلال السرد الذاتي للأحداث (الضمير أنا) الذي يشعر كثيراً بالندم وعودة ذلك كثيراً واستقراره في ضميره وذاكرة الأخ الراوي. 3ً-بكاء الحجر: (7 صفحات) تسرد من خلال تداعيات وهذيان، يتمركز حول نقطة هامّة، تمثّل دعوة حارّة للاهتمام بآثارنا وأوابدنا التاريخيّة، وبخاصّة مئذنة الجامع الأمويّ، مع التعريج على محاولة ترميم المسجد الجديد. 4ً-الولادة (4 صفحات) تمثّل دعوة حارّة مخلصة، لإنقاذ مشافينا العامّة من الفوضى واللامبالاة التي تسيطر على كثير من العاملين بها، من خلال ترميز أنساق السرد، وإثارة الحوار، حول تفسير المضمون، وهي تتحدّث عن مكابدات امرأة بسيطة في رحلة مخاض صعبة حقيقيّة. 5ً-المواطن عبد الرحيم: (10 صفحات) عبد الرحيم هذا رجل صالح أفسدته شرور المجتمع، ولسان حاله يقول: لو لم يكن عبد الرحيم، لكانه لو كان الخيار عائداً إليه، وتحدّثت القصّة عن تحوّلاته وارتكاساته واغترابه عن مجتمعه، مع مقارنة بين الماثل والماضي. 6ً-رسالة إلى وزير الصحة: (9 صفحات) قصّة جميلة يستنجد فيها صاحبها بسيادة الوزير خوفاً من ملاك الموت الذي لا يفارق غرفته ويودع أحد مشافي الأمراض العقليّة، ولا يرى الذين خارجه أفضل حالاً من الذين يقطنون في الداخل، لم نشعر باغتراب صاحبها كثيراً لأنّه يعيش طقساً من طقوس الواقع الثابت الراهن. 7ً-الزحمة: (3 صفحات) مريض يتوسّد الرصيف، يموت ولا يبالي بموته أحد، في مجتمع المدينة التي تفقد كثيراً من القيم، ومضى الخير مع من مضى بعذوبة وشفافيّة، أمام جيل زحام لا خير فيه. 8ً-الجرافات (21 صفحة) يجذّر المتن الحكائي من خلال إسقاط تاريخيّ فيه مفارقة جارحة وشكّل خلفيّة للقصّة التي أسقطت معانيها. بمفردات مؤثّرة، وهي تدور حول جرف مقبرة الزعيم إبراهيم هنانو وتحويلها إلى مسجد. 9ً-المتقاعد وحديث الذكريات: (22 صفحة) سنفصّل فيها القول لاحقاً. 10ً-موت الوجيه رقم(2): (7 صفحات) قصّة في أصوات أربعة ترتبط مع قصّتنا المهزومة في تعدّد مستويات السرد. 11ً-عمّي حسين آغا: (9 صفحات) تدعو إلى الاهتمام بالتراث من خلال بائع الطرابيش الحلبي الوحيد، ويعتبره القاصّ من القيم التي يجب الحفاظ عليها. 12ً-شخير السيد المحافظ: (10 صفحات) حامل ومحمول في رحلة سفر، يتنكّر فيها المحمول لمن حمله في سفره ويجحد أخوّته بطريقةٍ تتنكر للصلات الإنسانية. 13ً-موزة (2 صفحتان) تكاد تكون قصّة قصيرة جداً، يبرز الإيثار فيها قيمة هامّة ممزوجة بلهفة وحنان وحب. 14ً-المصير: (2 صفحتان) كسابقتها تشكّل تنويعاً على الشكل القصصيّ، تظهر البكاء على الراحلين بكاءً على النفس التي تنتظر دورها. 15ً-هذه هي الحياة: (3 صفحات) تتحدّث عن انحدار القيم والساقطين معها كأوراق الخريف التي تذروها الرياح بشفافيّة وتداعٍ. 16ً-المشهد (6 صفحات) كيف ينام كثيرو الهموم وهي وصفٌ لتداعيات ذاتيّة قبل الخلود إلى النوم الذي لا عمق فيه، ويضيع بين أرقين. 17ً-قصّة عاديّة (7 صفحات) تعاشقا وافترقا بفعل الظروف، وبقيت نقطة بيضاء في كلّ منهما، تشهد على ما كان، يحاول استرجاعها لكن هيهات. 18ً-الهروب الكبير: (6 صفحات) إسقاط تاريخي، يمثّل محاولة إفادة من موروث القصّ المعاصر، تحاول استرجاع إنسانيّة الإنسان. 19ً-تداعيات امرأة: (10 صفحات)) امرأة غاب زوجها وعاد بعد أن مضى قطار العمر تتعلّق بنفس الحوامل الفنيّة والاجتماعية التي مرّت في القصص السابقة. د-المتقاعد وحديث الذكريات: فيها شيء من البوح الجميل نحاول أن نؤثّث به فراغ اللحظات القادمة: الوجه الأوّل: إنّها القلعة شاهد الإثبات، القلعة الشمّاء بحجارتها البنيّة الفاتحة وعنفوانها وخلودها، هو القلعة لكنّها متحرّكة، وهي ترى وترى، وهو يرى ويرى، ولكلّ منطقه ونظرته، هو آبدة أسريّة، وهي آبدة تاريخيّة، يناجيها من المقهى المقابل، يحاورها ويسمع هسيس جدرانها، يخاطبها، يبثّها شكواه، يروي لها عذاباته، وتكون شاهد الإثبات على تداعياته التي بلغ فيها حدّ التوحّد، وهو الهازئ بالأعاصير، حزين كحزنها، حزنها لإهمال أهلها وجفائهم، وكربه لجفاء أهله المقرّبين، حزينة بشموخها، وهو غريب وصادق ووحيد، يقضي أيّامه بثبات يشهد القلعة على ما أصابه من جحود ونكران، وهو المناضل الذي عايش هنانو وفرح لانتصاراته، وعاش الاستقلال، وفرح لأهازيج صباياه، وصفّق لعلم الوطن، وهو يرفّ عالياً في السماء، وعاصر الوحدة والانفصال والحروب، درس ونجح وتوظّف، أحبّ وخطب وتزوّج وأنجب وربّى وعلّم... كبر الأولاد.. طاروا في كل طريق، وكثر المتسلّقون وأتى من سيحلّ محله في الوظيف. دون وجه حقّ، فكره الحياة والناس معاً. أولاده طاروا: مجد وازدهار: مهندسان يعيشان خارج القطر. صادق : أعمال حرّة كثير النقود قليل الضمير. هدى : تزوّجت غنياً، وتعقّدت نفسيّاً. وآن لهذا القلب أن يرتاح، وارتاح على أريكة التقاعد الطوعي، وفي المقهى المقابل للقلعة يجلس ليحدّثها بمعاناته، وبعد القلعة أتى دور مقاعد الحديقة العامة، ثمّ أمّ الأولاد التي فشلت في مواساته، ثمّ النقود... لكنّ المدّخرات بدأت تنفذ، والرغبات بدأت تتقلّص، والوحدة بدأت تتجذّر، حوامل حكائيّة ناطقة بكثير من ألم، يعبّر عنها السرد القصصيّ بفجائعيّة. (ضايقني همسه، وأتعبتني تلميحاته ونظراته وطلباته، قيل لي: قد يهينك بطريقة ما(1): أين الأولاد؟ أين الهندسة؟ أين التجارة؟ أين الأخلاق؟ كلّ ذلك انقضى عهده، كلّهم ذهبوا، إلاّ هو، بقي صامداً كالقلعة، صامداً بحزنه، لكنّه لم ولن يتهدّم، سيظل صامداً إلى النهاية وشاهداً على انفضاض كلّ من مرّوا به، تماماً كقلعتنا الشمّاء، لم يبق حوله سوى أمّ الأولاد، المشجب الذي يعلّق عليه الهموم.. لكنّ هذا رأيه فيما فعله فيه هذا الزمن الصعب، ويبث القلعة الصامدة شكواه (أطلت عليك يا صديقتي فاعذريني، كثرة همومي هي السبب الأوّل، والثاني أعرف أنّك لا تبالين لو تحدّثت أمامك شهوراً، سأحكي لك يا صديقتي)(2). الوجه الثاني: *مجد : (عرض عليّ نقوداً مرّة ولم يلح (3)) كيف يفهم العزّة كيف؟ *ازدهار : (تقول لي كلّما أتت لزيارتي: (كان زوجي جيّداً يا أبي، لكنّ الطمع ركبه، والتجار أكلوا ماله)(4) وهي تعيش مع زوجها رحلة ترميم للمال المفقود! *صادق : (زعيم اللاهثين هذا الذي لا أكاد أراه لسرعة جريه)(5) عرض على أبيه أن يبيع البيت، الشيء الباقي له من الدنيا، وأن يضع معه المال، ويعمل معه في التجارة، ما أسوأ تربية جيل اليوم؟ وكيف غيّر الزمن النفوس؟ وجعل الأبناء والزمن يتكالبان على الأب، زمن كادت أن تتلاشى فيه القيم. *هدى : ركضت وراء الزينة والبهرج (ارتضت لنفسها زوجاً لا يملك إلاّ المال)(6) ليست مرتاحة، وتكابر، وتدّعي، وتصمت، ضاعت يوم زواجها الأوّل. *شريكة العمر : هي قلعة أخرى لكنّها أصبحت بعيدة قريبة (نظراتها الدافئة الحنون، صارت باردة جافّة)(7). *الأب يحدّث القلعة : (أرنو إليك كعاشق أمام بيت محبوبته، مرات كثيرة، أسائل نفسي: هل لهذا كنت أعلم وأحلم، أقول لنفسي: هذه هي الحياة، ولا أقنع بالجواب)(8). الوجه الثالث للقصة: ما مرّ مثل حالة الأب، لكن ماذا يمكن أن نقرأ على الصفحة الثالثة التي تحمل رأي الأولاد المختلف، المحمول على متن حكائي يروي القصّة وفق وجهات نظر أصحابها بطريقة تختلف عن وجهة نظر الأب كالتالي: **-مجد : يفلسف الأمور حسب ذائقته، ويراها من منظوره، ويسأل نفسه، هل أخطأ بحقّ والديه معاً، عرض عليهما نقوداً، والده أبى وترفّع، يعرفه صاحب أنفة، كيف يلحّ عليه، إنّه كالقلعة لا يريم، يعطي لوالدته المال خفية، والده يعرف هذا ويصمت، يسأل عنه في رسائله، تطمئنه أمّه وتقول: إنّه صامت وحزين، رسائله تشعرها بعدم النسيان تصرّفاته تبقى محمولة على الإيجابيّة (اشتريت بيتين متجاورين نسكنهما معاً، يفرح بكما أولادي كما فرحت وإخوتي)(9)، غداً سأعود وسيغفر لي والدي تقصيري، لأنّه عطوف لا يحمل حقداً. **-أمّا قالته ازدهار فهو اعترافها بذنبها تجاه والدها، تتحدّث وتبكي أمام القلعة الموصدة على حزنها تبكي ندماً، وتدسّ في جيب أمّها نقوداً كلّما سمحت الظروف بزيارتها، وسافرت لتعوّض الخسائر في التجارة ماذا بوسعها أن تفعل لأب هي بعيدة عنه، غداً ستعود إلى حضنه الدافئ، لكن متى تتحقّق العودة؟ (وهل تنتظر الأيّام؟ أقولها ولا أدري ماذا أفعل)(10). **-أمّا صادق فكان حديثه ينمّ عمّا يلي: والدي لا يريد أن يفهم أن الدنيا تغيّرت، أنّ الدنيا مادّة فقط، وهو لا يملك إلاّ بضعة ملايين، والده يعيش على قيم الماضي الذي انتهى، كيف سيفهم (أنّ الخطّ المستقيم ليس أقصر مسافة بين نقطتين دائماً)(11) والدي يسميني الثعلب وينسى أنّه إن لم أكن كذلك أكلتني الذئاب، ويختم بقوله: (أرى حزنه، حاولت مساعدته وإرضاءه، ولكنّه لا يرضى، ماذا أفعل)(12). **-هدى: بها شوق عارم لتلقي نفسها بين أحضان والدها، تقلّب جيوبه تودّ لو تعترف بفشل زواجها، لكن لا هي فعلت، ولا والدها ابتسم، في اللقاء الأخير ظلّ جامداً كصخر القلعة، لا تشك رحمة به، أين هو؟ أين إخوتها، أمّها، بمن نستنجد؟ (أولادك قد كبروا، فضعي ملحاً على جرحك، واسكتي يا امرأة، فما جرى قد جرى)(13). **-أم الأولاد: تسترجع حكايا حبّها وإنجابها، واستقامة زوجها، زوجها الذي ربّاها وأولاده على الاستقامة، لكن ضاع وتلاشى. هذا كلّه واختصرت الحاجات وتباعد الأبناء (ما يفعله الناس ببعضهم هي المحنة يا امرأة)(14) عندما زاحمه موظّف حدث على منصبه، كان يرى الانحراف ولا يقوى على تقويمه (كم هي وضيعة حياة الإنسان هذه)(15) كان يرتاح مع ازدهار، مجد يرسل إلينا مالاً نعيش به، يرفض مساعدة صادق، (هذا الولد ماله حرام، لا يحلّ أكله، أنت طالق إذا أخذت منه قرشاً)(16) هكذا تعيش بين المطرقة والسندان وتقول: (انظر حولي فلا أجد إلاّك، وأنت بمأساتك، وأتحامل على نفسي كي أواسيك ولكن إلى متى؟ أقولها لنفسي ولا أبوح بها)(17) وتبقى مفجوعة بالجميع ولا تفشي سرّاً لأحد، هي قلعة أخرى صامدة وصابرة. هذه هي القصّة التي بقيت مفتوحة الخاتمة، وقابلة لخاتمات، وهذا يفضي إلى الحديث عن شكلها، الذي يوجز بالكلمات التالية. هـ-شيء في الشكل: تعتمد القصّة تيار الوعي، أي العودة من نقطة تنوير يراها الكاتب مناسبة، ويعود منها بالقارئ إلى الخلف، وقد اختار القاص لحظة الجلوس في المقهى، أيام القلعة، ومناجاته إيّاها، والعودة عبر لحظة مهدوفة مناسبة، ويتأنّق في عرضها على نحو طبيعيّ هادئ، من خلال رحلة تيار الوعي المتنامي، السابر لكلّ لحظات الماضي بدقّة، كيف أحبّ وتزوج ونجح وتوظّف، وكنّا نحسّ به راجعاً إلى الخلف على لسانهن أو لسان زوجته عندما يحاول استرجاع ما مضى، بالرجوع بالمخيلة إلى الخلف ليكمل لحظات بلغت تمامها في ذاكرته وعلى الصفحات أمامنا. تظهر بطريقة القصّ التي اختارها الكاتب شكلاً لقصّته، أصوات عدّة تتصارع، صراعات عدّة مع نفسها، أو أشباهها أو محيطها وهو ما ظهر من صراع بين الأب والأبناء، وكلّ رأى الحدث، وعبّر عنه من زاوية رؤيته الخاصّة، ولا يكتمل الحدث إلاّ بتمامه وسماع أقوالهم جميعاً، وتبقى له بقيّة تتوجّب إضاءتها من القارئ المتلقّي، ولا بطل في هذا النوع من القصّ، كلّهم بالسويّة نفسها، مع ميزة بسيطة للأب، وهي طريقة تحدّث فيها (باختين) الذي كان يعتبر القصّة عبارة عن تبادلات حواريّة خفيّة أو محسوسة بين الشخصيّات المتصارعة، ولا تتركّز الأهميّة فيها على ما تقدّمه القصّة من حقائق وأفكار، بل على أهمية هذه الحقائق والأفكار المعبّر عنها بواسطة تنوّع الأصوات (الشخوص) وهل أهمّ من احترام الوالدين الأبناء، الأب والقلعة والأبناء، كلّهم بنفس الدرجة من الأهمية، القلعة اختارها الأب كموازنة يبثّها شكواه ويخبرها بما يحسّه حقيقة، كما ظهر تواز آخر يظهر بين المؤلّف والقارئ، دعمه فيها تركيز الخطاب الداخلي في لغة الشعور المحسوسة في فضاء النصّ، وفي مثل هكذا شكل لا توجد بداية محدّدة، أو نهاية واحدة يمكن الركون إليها، واحتمال عدم ورود الخاتمة أكثر وروداً كما في قضّيتنا الماثلة. ويبدو الكاتب متأثّراً بأسلوب جبرا القصصيّ، وجبرا متأثّر بتقنية غريبة كثيرة، منها الصخب والعنف "لفوكنر" الذي يروي قصّة تتقاطع مع هذه القصّة، يرويها إخوة ثلاثة، كلّ من زاويته، وكان أحدهم أعمى، ويتلو المؤلّف القسم الأخير من القصة، وتتفاوت المضامين، وتختلف الرؤى، وتتباين وجهات النظر، وإذا أردنا دراستهما معاً سنحصل على تقاطعات كثيرة، أهمّها الأسلوب الجديد في الطرح، وفي تركيب الصور، والاعتماد على استثارة الوعي والتداعي، وفيها كما في قصّة "عبدو محمّد" أخت حنونة عطوفة محبوبة، وبذلك يكون القاص "عبدو محمّد" قد طرق بنجاح إبداعات القصّة المعاصرة، وأثبت بطريقة غير مباشرة، أن قصّتنا العربية قادرة على استيعاب وتمثّل أيّ شكل قصصيّ وافد، كما أنّ ممارسيها قادرون على الإبداع الخاصّ المنبثق من بين ظهرانينا، وكلّ قاصّ يفلسف الموضوع تبعاً لرؤاه الخاصّة، وهي بذلك تتناصُ مع قصص أخرى ومتن حكائي معروف، كما أنّها تتجاوز البناء التقليدي للقصّة السائدة، أملاً في الوصول إلى شكل أكثر جدّة وحداثة. و:كلمات تسع في اللغة: I- نتّسم لغة المجموعة بالبراعة والجمال، ودقّة وقصر الوصف، وظهر فيها توظيف متقن للحوار، وتركيزه بطريقة الاسترجاع الفني المتناسب مع طريقة الخطف خلفاً، كما أنّه نحت المفردة بطريقة يقترب فيها من الرمز، وقدّم بذلك حواراً من نوع خاصّ منه: -تقول لي كلّما أتت لزيارتي حاملة هدايا جديدة، كان زوجي جيّداً يا أبي لكن الطمع ركبه، والتجار أكلوا ماله، وهو يبحث عن التعويض(18). -كيف ولماذا؟ تسألينني يا صديقتي ولا شك، سأحكي لك فاسمعيني ولدت في العشرينات من القرن الماضي...)(19). II- قدّم عواطف الأب تجاه الحدث بشيء كبير من الموضوعية، المنظومة في كلمات مشحونة بالمعنى إلى أقصى حدّ ممكن، بعض الشحن ناتج من نحت لغويّ وقصديّة وتكثيف جملي: -(إلى أين؟ ولماذا؟ لا تسأليهم، هم لا يعرفون، وأجوبتهم غبيّة متشابهة، مع أنّهم يدّعون الذكاء والفهم، المستقبل وهموم الأولاد وكثرة الحاجات، وهم صنعوا ذلك كلّه(20). III- راوحت جملة النصّ بين الطول والقصر متناسبة مع الموقف مثلاً: (كبرنا، كبر الأولاد، شباباً صاروا، كهولاً صرنا، وبدأت الأمور تتغيّر قليلاً قليلاً، والحياة التي كنّا نعيشها سعداء، راح يغزوها العكر، والغلاء يفسدها بإطلالته البشعة)(21). IV- في لغة القصّ بعض الأصالة، لكنّها أصالة لا تفصلها عن سياقها المعتاد المعاصر، وكان لا يكثر من الصفات، لأنّ الإكثار منها يذيب الشيء الموصوف، واتّضح هذا فيما مرّ من شواهد. V- لغة القصّة كانت أداة تحقّق بها الواقع (مضمون القصّة) وعرض مأساة الموظف الشريف بدقّة، وكانت معبّرة بدقّة عن الواقع وحملت كثيراً من مادّة الحقيقة، وكانت تربط بمتانة بين العالمين الذاتي والموضوعي المساهمين في بناء تشكيل لعبة السرد الفنيّ. VI- لم تظهر في القصّة مستويات لغويّة تتناسب مع الشخوص، بل ظلّ الأسلوب يسير على وتيرة واحدة، هي وتيرة "عبدو محمّد" التي يمكن أن يعرف بها بداية ونهاية، لا يوجد فيها تقعّر بل فيها أصالة، (وليس الأدب في نهاية المطاف سوى استغلال لبعض خصائص لغة ما) بول فاليري. VII- كانت تتغلّب الجملة الاسمية، وهي ترسم الانسجام في الأسلوب، ومنه (ليال كثيرة أجلس وحيدة- جامداً كصخرة -كسيفاً جاء- مرّة زارنا)(22) وأظن هذا ناتجاً من اهتمامه بالشخصيات، فالاسم أوّلاً والفعل ثانياً، لأنّ الأوّل مسبّب في حدوث الثاني، والأشخاص هم الذين يجترحون الأحداث ويروونها، ومن ثمّ يحدث الفعل، وتحديداً الماضي، لأنّ تقنيته تعتمد الاسترجاع، والعودة تجاه الذي كان، من خلال لحظة حاضرة، لذلك يتساوى الحاضر مع الماضي، وقد لا يظهر المستقبل قط، وقد ظهرت الأفعال التالية في مقطع واحد: (كان- جاءني- يبكي- قال- وصفوه- أهالوا- ألقى- راح- يبكي- مسحت- داسته- كان- ينشح- يرتجف- أراه- سألت- رحل)(23)، ذلك لأنّ القصّة قصّة أشخاص يروون استرجاعاً أحداثاً حصلت فيما مضى، ويشعرون القارئ المتخيّل بحرارة الحدث وقربه من النفس. XIII- هناك هنات لغوية قليلة أخرجت الجملة عن مقاييسها النحوية المتعارفة ولولاها لكانت متكاملة في هذه الناحية، وهي قليلة معدودة. XI- الكلمة اللغوية الأخيرة، تدور حول الغموض الذي لا يقاربه في قصصه وكان واضحاً تحدّث بلغته عن آمال يرجى تحقّقها، أو واقع يرجى تجاوزه كما في المقبوس التالي: (غريب ووحيد، أنا في بلدي وبين أهلي، أليس قاسياً ألاّ يجد الإنسان إنساناً يأنس إليه، فيلجأ إلى القلعة يحادثها؟)(24) و (هأنذا في نهاية العمر أجلس منتظراً النهاية، كم هو صعب أن يجلس المرء منتظراً النهاية). ز-جملة من الكلمات في المضمون: طزاجة الشكل الممتزجة مع جمالية اللغة، أخضعها القاصّ لتقنية أدبيّة خاصّة دالة، تحمل بصمة تدلّ على مبدعها، وكان أبطاله من النماذج البشريّة الفاعلة في محيطها (الأب- الأبناء) راقبها بوعي ولم يتدخّل في مصائرها، كانت هي تصنع مصيرها، وتبحث عنه، ويدعونا إلى مراقبتها بطريقة مباشرة مؤثّرة، ويقيم تناظراً فرديّاً بين عناصر القصّ، بحيث تتكوّن في الخيال بغية مجانسة ماهو في الواقع، والقصّة تمثّل دالّة على ذلك، وانبعاث القصّة من السرد الذاتي يكشف الذائقة الخاصّة للإنسان المتحدّث عنه (الأب عندما كان يناجي القلعة) واصفاً متاعب الحياة، واضعاً النواقص تحت المُجهِر بإضاءة مستديمة تظهر الكبت والحرمان والقهر والتسلّط، ويحاول بقصصه التي لم تعرف الفرح وأبطاله المأزومين غالباً أن يدافع عن حق الإنسان في الحياة حاضراً، وقلّما أشار إلى المستقبل مباشرة، بل كان يشير إليه بشفافيّة خلال حيرة الأب بعد انفضاض السامر من حوله. وإذا كانت نماذجه مختارة من الطبقة المأزومة التي طحنها واقعها الاجتماعي وهي الطبقة التي يعي واقعها ويعايشها جيّداً، وبذلك كان أميناً على طبقته وهادفاً في إبداعه، يسخّر كلمته ويطوّع فنّه ليقدّم فنّاً بطريقة مناسبة، وهي قصص منتمية إلى بيئته التي يقرؤها بعين دامعة واسعة، ووعي فكريّ واضح، وينبّه إلى ضرورة الاهتمام بالإنسان الفرد، بعد أن يكون قد أدّى دوره جيّداً في الحياة بعامّة (من خلال تربية صالحة وتقديم أبناء يشاركون في بناء الوطن، وفي الحياة الاجتماعيّة بخاصّة (من خلال الوظيف الذي قام به على أكمل وجه حتّى اللحظات الأخيرة (رغم كلّ المضايقات، وحصد النتيجة، جحوداً من أبنائه ومجتمعه ممثّلاً بالموظّفين المنحرفين الجدد، هذه الطبقة يدعو إلى الالتفات إليها وضرورة رعايتها نفسياً واجتماعيّاً لأنّها أوابد ستظل أرواحنا تنعم بدفئها وظلّها إلى ما شاء الله، إضافة إلى أشياء أخرى نقولها القصّة كضرورة الترابط الأسروي والعودة إلى الأصالة العربيّة التي بدأت تتعثّر في رحلة اللهاث وراء المال، وما نفع الإنسان إذا ربح العالم وخسر نفسه، والمقرّبين إليه، وأضاع بعض قيمه، كما عرّض بجشع التجّار وتلاعبهم بالبسطاء، وطرح من منظور آخر قضيّة الغربة التي قد لا تكون مثمرة دائماً، ويكون العمل في الوطن أكثر جدوى. هذا كلّه بتركيز جعل المتابعة أمراً ممكناً، قرب فيها الخيالي من الواقعي كثيراً حتى قاربا من التطابق، حتّى لتكاد تحسّ بفداحة الظلم الواقع على الشخوص القصصيّة نتيجة ممارسة الوعي بدقّة إبّان المخاض الإبداعيّ، الذي أتى دالاً على انعكاس الحدث وتأثيره في ذات المبدع، كأنَّ القصّة حدثت معه شخصيّاً، وهو ينزع إلى تحقيق شيء حضاريّ للوطن المملوء بالمنغّصات، وأخيراً قدّم قصّته وقصصه في جملة حافلة بالواقع والحلم، والحضور والغياب ونرى أنّه حقّق كمّاً لا بأس به من أهدافه بأصالة وعمق وخصوصيّة. |
|
| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |