مجلة الموقف الأدبي - مجلة أدبية شهرية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - العدد 393 كانون الثاني 2004
فهرس العدد فهرس الدوريات
 

وماذا بعد احتلال العراق؟!! ـــ د.وليد مشوِّح

ربما يبدو السؤال القائل: لماذا احتلت أمريكا وحلفاؤها العراق؛ ساذجاً كونه يفرز عشرات الأسئلة التي تحتاج بدورها إلى إجابات كثيرة ومختلفة، وعلى مستويات فكرية متعددة.‏

للسطو على نفطه، لسرقة تاريخه، لإلغاء العمق الاستراتيجي لقوى المقاومة العربية للمشروع الصهيوني الاستيطاني التوسعي، لبناء جدار جغرافي هو الأكثر عنصرية وتطرفاً يمزق المجزأ المتبقي، لتمهيد الطريق أمام تسلل اقتصادي وسياسي وعسكري واستخباراتي إسرائيلي يفعل فعله (أو يحقق حلمه التوراتي الخرافي).. وليفعل كذا، وليحقق كذا... وهكذا تتوالد الغايات لتصبح الغاية الكبرى جاهزة التحقق، بل وممكنة التحقق، وتتمثل الغاية الكبرى في أمركة (عولمة) المنطقة من خلال النمط العراقي الذي ما برحت الولايات المتحدة الأمريكية ومن لفّ لفها تعمل على تصنيعه وفق المصطلح الأمريكي بكل مفهوماته الأحادية، ومن ثم إطلاق هذا النموذج كـ (كاسح) لدول أخرى مثل: المملكة العربية السعودية، وإيران، وسورية، ومن ثم الارتداد إلى بعض الدول الأخرى التي نامت مطمئنة على حرير الضمانات الأمريكية.‏

من العراق سيخرج النمط الأمريكي لما يسمونه بالديمقراطية والحرية إلى أصغر منطقة في الشرق الأوسط، ومن أفغانستان سيخرج النمط المماثل (في الغايات والأهداف) لبرمجة العقل السياسي والاجتماعي لدول أخرى مثل: باكستان، والهند، وجمهوريات القوقاز، ومن جورجيا ستنطلق الحربة الأمريكية ـ العولمية إلى دول البلطيق، وروسيا الاتحادية، وعلى الصين أن تفكر طويلاً قبل أن تغامر في موقف يضمن مصلحة شعبها الأكثر عدداً وحاجة إلى الغذاء في العالم، وهكذا لم يبق أمام الحصان الجامح إلا أن يقضم اللجام، ويخفف من حمحمته، وأقصد هنا دول الاتحاد الأوربي الطامحة بمكان ريادي أو شراكة فعلية في قطبية العالم، فالولايات المتحدة ما زالت تداري وتداور هذه المنظومة ريثما تحقق غاياتها الآنفة، لتلعب بعدئذٍ لعبتها معهم على المكشوف (أو اللعبة المجنونة كما يسميها مقامرو لعبة البوكر).‏

ومن ليس مع أمريكا فهو ضدها، إذن هو إرهابي بالضرورة، هو شعار أطلقه كبار ساسة الولايات المتحدة، وبحجة مكافحة الإرهاب، وضمان أمن الشعب الأمريكي (وليس ضمان السلام العالمي..!!) فالطريق مفتوحة أمام الغاية السياسية والاقتصادية الأمريكية مهما تدنت الوسائل؛ فإن المهم الوصول إلى الغايات، وكل الاحتمالات واردة قبل أحداث أيلول التي نستطيع بقليل من الجرأة أن نصنفها ضمن الوسائل التي سيقرر التاريخ مدى نظافتها أو قذارتها، لأن الأمر ما زال بين أخذ ورد المحللين والمطلعين والحقيقة تكمن في الملفات السرية لدى الـ /CIA/ ذات الماضي والحاضر المعروف لدى الساسة والمجتمعات.‏

ثمة حقيقة هامة يجدر بنا كمثقفين الوقوف عندها، والتمعن فيها، وتمحيصها، وتحليلها. ووضعها موضع الجدّ، لتكون منطلقاً لفهم جديد لما هو وراء الستارة (حتى الآن)؛ وهي أن الولايات المتحدة الأمريكية لا تخشى الأصولية الدينية كما يشير إعلامها (المُسيّر)، فهي التي ساهمت في صناعة بعض منعطفاتها، وشخوصها، وعملت على تغذيتها لمقاومة الشيوعية، وبعد سقوط الاتحاد السوفييتي وانهيار المعسكر الاشتراكي وجدت أن الأصولية الدينية باتت شريكة في صناعة القرار الأمريكي على الصعيد العالمي، وبدأت تعمل على كبح جماح (الأصوليات الدينية) خارج حدود الولايات المتحدة، لأنها باتت تتوجس منها شراً، خصوصاً وهي التي صنعت في العقود الأخيرة من القرن الفارط (ريبوتات) وضعتها في خدمة التكنولوجيا، ثم اكتشفت أن أي خلل في الشحنة أو سهو عن السيطرة فإن الريبوتات ذاتها بدأت تدمر القائم التكنولوجي، وبينما هي تحارب الأصوليات الخارجية، باتت تعاني من تورم الأصولية (الأمريكية) (وثمة أعمال إرهابية قذرة أودت بحياة المئات من أبناء الشعب الأمريكي قامت بها هذه الأصوليات، ولم تثور ثائرة الساسة الأمريكان، لأن هاتيك الأصوليات تمتلك القوة التي تؤهلها لمصادرة القرار السياسي الأمريكي، ناهيك عن الأصوليات (اليهودية ـ الصهيونية والحديث في هذا يطول كثيراً).‏

إذن، الولايات المتحدة لا تخاف الأصولية الدينية؛ وإنما (وأقولها جازماً) تخاف الوعي الفكري العربي، تخاف من المثقف العربي الذي بات يبحث عن خلاص مما تعاني منه أمته، وقد وصل بعض المثقفين العرب في رقاعهم (الجغرافية المترامية) إلى نوع من القناعة القائلة بضرورة تغيير الخطاب الثقافي، وإيجاد الصيغ الجديدة لأنماط تفكير جديدة تتواءم ومعطيات الزمن المعيش هذا، خطاب هادئ وشامل، يشمل فن الحوار والإصغاء بحرية مع التخلص مع الشعور بالدونية أو اللاأدرية، والابتعاد عن الهتاف التظاهراتي، والمظاهراتي، وتشكيل النواة من فكر متنور يقوم على ثقافة تأخذ علل المجتمع العربي ودوائه باعتبارها، تعمل على قراءة التاريخ، وتعصرن التراث، وتعقلن القيم، تعيد النظر بالمناهج، تكثر من البحث العلمي، تحوّل الجامعات إلى منارات فكرية تطلق إشعاعها لتعم الكون العربي بعيداً عن القطرية وتمجيد الحاكم.. على المثقفين (باختصار شديد) إعادة صياغة الحياة والمجتمع، وعلى هذا الأساس يوقد الصفوة (وهم المثقفون) شعلة الأمل في الذات العربية من جديد.‏

نحن بحاجة فعلاً إلى خطاب يعيد صياغة العقل العربي على أسس حضارية مدعّمة بالشروط الأخلاقية التي نصت عليها الديانات السماوية بعيداً عن التطرف والعنف في كل شيء، بدءاً من أساليب الحوار، مروراً بأسس التعامل، وانتهاءً بقواعد التفكير الصحيحة... ومن هذا كله أو من إمكان تحققه تخاف الولايات المتحدة الأمريكية...‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244