|
||||||
| فهرس العدد | فهرس الدوريات |
|
حضور النص وغياب التمثيل في المسرح الشعري العربي ـــ إسماعيل بن اصفية- الجزائر المقدمة: لعلّ ما ميّز المسرحية عن بقية فنون الأدب وأجناسه أنها ألفت بقصد التمثيل في المسرح، وأن تأثيرها لا يبرز بشكل أساسي إلاَّ عرضت مسرحياً. وحين نستقرئ تاريخ المسرح العربي نلاحظ أنه نشأ مرتبطاً بالخشبة وبالتمثيل، فقد أقبل أولئك الرواد بدءاً بالنقاش ويعقوب صنوع وسلامة حجازي وجورج أبيض، ووصولاً إلى يوسف وهبي (مؤسس فرقة رمسيس) وفاطمة رشدي وغيرهم على تجسيد تلك النصوص المستمدة في معظمها من المسرحين الفرنسي والإنجليزي(1)، ولم تهتم تلك الفرق التمثيلية بدفع تلك النصوص إلى المطبعة بغية نشرها، لأن الثقافة المسرحية يومها كانت تحصر المسرح (النص) وتربطه بالتمثيل ولم تكن فكرة طبع النص أو إمكانية قراءته خارج الخشبة من مفردات تلك الثقافة. وعلى الرغم من أن مسرح توفيق الحكيم (1989-1988) عرف التمثيل والخشبة قبل أن يعرف المطبعة والكتاب، حيث مثلت له فرقة زكي عكاشة في مطلع حياته الأدبية ثلاث مسرحيات، هي "الخطيب" سنة 1924، و"علي بابا" والمرأة الجديدة سنة 1926(2)، قبل أن تعرف نصوصه المطبعة. وبحكم علاقته ببعض الفرق المسرحية التي كان يعد لها النصوص، ويحضر التدريبات، ويبدي رأيه في التمثيل، استطاع أن يكوّن رؤية عن الحوار، والمناظر، والديكور، والإخراج، والشخصية..، ساعدته على استكمال استعداده للتأليف المسرحي، إلاَّ أنه عدّ في نظر النقاد أبرز الأسماء التي ساهمت في اتساع الهوة بين المسرحية (النص) والتمثيل (الخشبة)، وذلك لاعتبارات اجتماعية وفنية، عبر عن بعضها في مقدمة مسرحية "بيجماليون"، وفي رسائله إلى صديقه "أندريه" (Antré) المنشورة في كتابه "زهرة العمر". وأبرز تلك الأسباب، ضعف فن التمثيل في الوطن العربي، واستخفاف المجتمع وازدرائه لكل من يمتهنه، والفشل المتكرر في إخراج مسرحية "أهل الكهف"(3). ويبدو أن لعنة الفصل بين المسرح والأدب المسرحي لاحقت المسرح الشعري وطاردته في مختلف الأقطار العربية. فحين نستعرض العديد من المسرحيات الشعرية التي قدمتها نخبة من هؤلاء الذين اقتحموا ميدان هذا الفن وغامروا بالكتابة له، باعتباره من أصعب فنون الأدب على الإطلاق، ولا يمكن أن يسلم قيادته إلا لفنان يمتلك موهبة شعرية ورؤية فكرية وحس درامي، لأنه فن يتشكل من الشعر والمسرح والتاريخ والصعوبة تكمن في قدرة الكاتب على خلق التفاعل بين هذه التركيبة الثلاثية، فلا يسترسل مع الشعر لأنه مسرحي وليس شاعراً، ولا يتتبع جزئيات الحادثة التاريخية وتفصيلاتها لأن تلك إحدى مواصفات عالم التاريخ. وحين نستعرض حركة التأليف لهذا اللون من الإبداع، نلاحظ ذلك الحضور الكبير على مستوى النص والغياب الأكبر من حيث العرض والتمثيل، مع أن الكثير من تلك المسرحيات –ولا أقول كلها- كان ناضحاً ومكتمل البناء، وعالج مشكلات اجتماعية وسياسية، من خلال القناع التاريخي، ولكنها لم تلق العناية والاهتمام، ولم يلتفت إليها المخرجون والقائمون على شؤون المسرح. وعلى نحو ما كان لشوقي فضل الريادة في الكتابة للمسرح الشعري، كان لمسرحه شرف السبق إلى الخشبة، والانتقال من حالة كونه نصاً أدبياً إلى عرض تمثيلي. ففي سنة 1929، حدث اللقاء الأول بين النص الشعري والخشبة، بين الكاتب والمخرج والممثل والجمهور وغيرها من المقومات الأساسية للعرض المسرحي، وذلك حين أقدمت فرقة فاطمة رشدي على تمثيل مسرحية "مصرع كليوباترا"، التي تقاسم البطولة فيها كل من محمد عبد الوهاب في دور "أنطونيو"، وفاطمة رشدي في دور "كليوباترا". وفي شتاء 1931 قدمت الفرقة نفسها مسرحية "مجنون ليلى"(4). ويبدو أن النجاح الذي حقَّقته المسرحيتان السابقتان، دفع بالفرقة –وللمرة الثالثة- إلى عرض مسرحية "علي بك الكبير". واشتد التنافس بين الفرق الفنيّة على تمثيل مسرحيات شوقي، فسارع يوسف وهبي (مدير مسرح رمسيس) إلى تقديم مسرحية "قمبيز"، وتوالى عرض مسرحية "مجنون ليلى"، و"عنترة"، و"مصرع كليوباترا" لمواسم مسرحية متتالية ولسنوات عديدة. فما الذي جعل هذه الفرق ليس في مصر فحسب، بل حتى في بعض البيئات المسرحية الأخرى، تتنافس على تحويل نصوصه إلى عروض مسرحية تلقى الرواج والإقبال؟ هل يعود ذلك إلى أن مسرحه يمثل يومها اتجاهاً جديداً في حركة التأليف للمسرح العربي الذي ظلّ يعتمد في جل عروضه على النصوص الأجنبية، في شتى صورها، معربة ومترجمة، ممصرة وتجربة الكتابة والتأليف لا تزال في طور الطفولة، والفرق المسرحية تشكو من غياب النصوص؟ أم مرد ذلك إلى اعتبارات غير مسرحية بالدرجة الأولى، لأن شوقي يومها كان أميراً على فن القول والحائز على تاج الإمارة فيه؟ وأيَّاً كان السبب، فإن خلق التواصل بين الخشبة والكتاب، وتجربة تحويل تلك النصوص الأدبية إلى عروض تمثيلية توقفت مع مسرحيات شوقي، بحيث لم يلتفت المخرجون إلى مسرحيات باكثير، على الرغم من توافرها على مقومات التمثيل من الناحية الفنية، وارتباطها بواقع المجتمع العربي من حيث المضمون، فتناول في مسرحية "همام في عاصفة الأحقاف" قضية تخلف المرأة العربية، ونقد طرق التعليم السلبية، وحمل على التواكل وحب المال، وغيرها من مظاهر التخلف الذي كانت تعاني منه منطقة شبه الجزيرة العربية. وخلافاً لباكثير نال مسرح عزيز أباظة بعض الاهتمام على مستوى الدراسة والإخراج حيث مثلت له أربع مسرحيات هي: "قيس ولبنى" 1943، و"العباسة" 1945، و"شجرة الدر" 1947، و"غروب الأندلس" 1952، من مجموع مسرحياته التي بلغت عشراً، قدمت جميع هذه العروض على خشبة دار الأوبرا، أخرجها للمسرح فتوح نشاطي(5) أحد الأسماء اللامعة في الإخراج خلال تلك المرحلة، ولكن البعض فسر هذا الاهتمام بمسرح عزيز أباظة بدوافع غير فنية "مسرحية" حيث ذهب أحمد الحجاجي إلى أن هذا الاهتمام يدخل ضمن ما أسماه "بالأرستقراطية الثقافية"(6). وحظي مسرح عبد الرحمن الشرقاوي (1922-1987)، وصلاح عبد الصبور (1931-1981) باهتمام خاص على مستوى القراءة والمطالعة والدراسة الأكاديمية، والإخراج أيضاً، حيث تسابق عدد من المخرجين على تمثيلها، مع أن بعضها (ثأر الله للشرقاوي مثلاً) كان مثار خلاف وجدل كبيرين، حيث رفض الأزهر الشريف تمثيلها على خشبة المسرح واعتبرها ديوان هجاء وتطاول على السلف الصالح، وتدعو إلى عقيدة مناهضة للإسلام، على نحو ما عبرت عنه المقالات التي نشرها الشيخ عبد الحليم محمود شيخ الأزهر(7). وكانت مسرحية "الوزير العاشق" النص الوحيد لفاروق جويدة الذي عرف طريقه إلى المسرح، حيث أخرجه فهمي الخولي عام 1984، ولقي رواجاً لم يعهده المسرح العربي، قام بالأدوار الرئيسية فيه نخبة من ألمع نجوم التمثيل في مصر، منهم عبد الله غيث، وسميحة أيوب، وعمر أبو بكر، وحسين الشربيني، واستمر عرضها لفترات طويلة، ونتيجة لذلك النجاح الذي حققته اختيرت لتمثيل مصر في المهرجانات الدولية، منها مهرجان الجزائر المسرحي 1984، ومهرجان جرش بالأردن 1985، ومهرجان قرطاج في السنة نفسها(8)، وبعد فترة حولت إلى التلفزيون، وقدمتها القنوات العربية، وعرضها التلفزيون الجزائري في مناسبتين. أما بقية المسرحيات جويدة وغيره من شعراء المسرح في الوطن العربي-والتي بلغ عددها العشرات- فقد ظلت سجينة كتب ومحبوسة في أدراج المكتبات والرفوف، دون أن تلتفت إليها يد المخرجين والقائمين على شؤون المسرح لتنقلها من الورق إلى الخشبة، ومن الرف إلى المنصة والإضاءة. ففي سورية، وهي البيئة الثقافية التي عرفت المسرح بعد بيروت، قدّم خالد محيي الدين البرادعي (1934-000) سبع عشرة مسرحية، جعلته أغزر شعراء المسرح في الوطن العربي، وترك عدنان مردم (1917-1988) ما يقارب هذا العدد (خمس عشرة مسرحية)، ولسليمان العيسى عدد من النصوص، ورغم ذلك فلا نعرف تمثيلاً لمسرحية شعرية في هذا القطر، وأول إخراج لنص شعري كان عام 1969 لمسرحية "لعلي كنعان"، ورمز بالسيل إلى العدو الصهيوني الذي خرب البلاد وألحق بها الدمار، كما يفعل السيل المنهمر أو الطوفان، والحل الذي تطرحه المسرحية يكمن في بناء سد منيع يقي الشعب ويحمي الوطن. أخرج المسرحية أسعد فضة، وبلغ عدد عروضها خمسة عشر عرضاً، وشاهدها قرابة الستة آلاف وخمسمائة مشاهداً(9). وكانت "مأساة جيفارة" للكاتب الفلسطيني معين بسيسو [1927-1984]ثاني نص مسرحي شعري يمثل على الخشبة في سورية، أخرجه لمسرح حلب حسين إدلبي. أما بقية المسرحيات الشعرية التي قدمها شعراء المسرح في سورية، فلم تعرف طريقها نحو الخشبة، ولا تزال تنتظر التفاتة المخرجين. وللتدليل على عمق هذه الإشكالية في المسرح العربي، نلاحظ أن المسرح في سورية لم يقدم على مدار عشرين سنة مسرحية شعرية واحدة، انطلاقاً من إحصائية تناولت العروض التي قدمها المسرح السوري منذ نكسة حزيران /جوان 1967 إلى نهاية الثمانينات، قدمتها الباحثة السورية حورية حمو في كتابها "حركة النقد المسرحي في سورية"(10). وهي المرحلة التي شهدت فيها حركة التأليف للمسرح بشقيه الشعري والنثري نشاطاً واسعاً. فعلى مستوى المسرح النثري، شهدت هذه المرحلة صدور مسرحيات علي عقلة عرسان وسعد الله ونوس وهما من أبرز كتّاب المسرحية النثرية، إلى جانب مصطفى الحلاج وممدوح عدوان، ووليد إخلاصي وغيرهم، وفيها صدرت جميع مسرحيات عدنان مردم بك وسليمان العيسى، ونصف مسرحيات البرادعي، وهم خير من يمثل حركة المسرح الشعري في سورية. فما هي الأسباب التي غيبت هذه النصوص عن الخشبة، ومن يقف وراءها؟ أهم الشعراء الذين فشلوا في تقديم مسرحيات جيدة تصلح للعرض والتمثيل؟ أم هم المخرجون الذين رأوا أنها نصوص تصلح للقراءة والمطالعة أكثر مما تصلح للتمثيل؟ أم أن الزمن تجاوز هذا النوع من الكتابة المسرحية، وأن التأليف له كمن يغني خارج السرب كما يقول المثل العربي؟ لأن المسرح الشعري –في نظر البعض- نص أدبي في حد ذاته وليس عرضاً تمثيلياً حتى يحول إلى الخشبة ويحقق نجاحاً أم مرده تغير في المفاهيم واختلاف النظرة، فلم يعد المسرح في هذه المرحلة أداة للتثقيف والتعليم، بل أصبح كأي بضاعة خاضع لمبدأ الربح والخسارة، والمغامرة بإخراج مسرحيات مثل هذه لا يعدو أن يكون مشروعاً ثقافياً خاسراً؟ كان معين بسيسو أوفر شعراء المسرح العربي حظاً، فهو الكاتب الوحيد الذي حوّلت نصوصه إلى عروض مسرحية. ففي سنة 1970، عرضت مسرحية "ثورة الزنج" على خشبة مسرح القاهرة، بصياغة وإخراج نبيل الألفي، أحد كبار المخرجين المسرحيين، الذي اختار لها كوكبة من نجوم التمثيل منهم عبد الله غيث، وسهير المرشدي، محسنة توفيق ونبيل الألفي(11). ويبدو أن النجاح الذي أصابه مع النص الأول شجعه على إخراج المسرحية الثانية "شمشون ودليلة" سنة 1971، فلقي العملان حفاوة وترحيباً كبيرين. وتوالى الاهتمام بمسرح بسيسو، فأخرج له حسين إدلبي سنة 1972 مسرحية "مأساة جيفارا"(12)، فكانت ثاني مسرحية شعرية تعرض على خشبة المسرح السوري، بعد "السيل" لعلي كنعان، بلغ عدد عروضها ثمانية عشر عرضاً، وشاهدها أكثر من ثلاثة آلاف وخمسمائة مشاهد(13). وعرضت له بالمغرب مسرحية "العصافير تبني أعشاشها بين الأصابع" على خشبة مسرح محمد الخامس بمناسبة احتضانها لمهرجان المسرح العربي، أعاد صياغتها وإخراجها خليل طافش(14). في حين أهملت نصوص أخرى لا تقل جودة لشعراء فلسطينيين آخرين أمثال سميح القاسم وهارون هاشم رشيد، مع أنها كانت أكثر نضجاً من حيث الأدوات الفنية، وأوضح فكراً من حيث الرؤية، من بعض مسرحيات معين بسيسو. فمسرحية "السؤال" لهارون هاشم تمتاز على رأي علي الراعي، بوضوح خطها الفكري والسياسي وتقف وقفة صريحة من الأحداث وتحذر من الإجهاض على الثورة وتحويل مجراها من حركة تحرير إلى سلطة وحكومة ومن حيث الحوار، فإن الشعر يجري عليها في سهولة وبغير تكلف، يرتفع في المواقف الحافلة بالعواطف، أو تلك التي تذكر بالماضي الأليم، وينخفض إلى لغة الخطاب اليومي، فهو درامي متعدد الطبقات يخدم المسرحية بغير بروز(15). ومسرحية "قرقاش" لسميح القاسم التي تدين ظاهرة تسلط الحاكم واستبداده وجبروته، ألم يكن المضمون مغرياً ومثيراً؟ ألم يستخدم فيها الشعر استخداماً درامياً، ننسى في بعض المواقف أنه شعر؟! مع أن أحداثها غير مرتبطة بفترة زمانية أو مكانية، على نحو ما أشارت إليه افتتاحية المسرحية: في كل زمان عاش في كل مكان عاش قرقاش/ قرقاش/(16). فما الذي جعلها لا تحول إلى الخشبة وتظل بين دفتي كتاب؟ والسؤال هو: لماذا انصرف جل المخرجين عن تمثيل هذا الزخم من المسرحيات الشعرية، في زمن يشكو فيه المسرح العربي من أزمة النص المسرحي؟ أم أنها أزمة مفتعلة؟ ما هي المبررات الفنية والموضوعية التي جعلت هذا النصوص تسجل حضوراً على مستوى النص،– وغياباً – أو تغييباً – على مستوى الخشبة؟ هل عائد إلى طبيعة هذا الفن الذي نقر بأن مجاله انحسر وضاق، ونجمه أفل أو يكاد ولم تعد له مكانة في حديقة الإبداع العربي، ولم يستطع أن يخلف لنفسه جمهوراً من القراء والدارسين فضلاً عن المخرجين؟ هل أهمل من لدن المخرجين لأنه عجز عن مواكبة التغيرات الاجتماعية والسياسية والفكرية التي عرفها الوطن العربي في الثلث الأخير من القرن الماضي؟ وغيرها من التساؤلات التي يمكن طرحها إزاء هذه الإشكالية، مع أننا في مرحلة كثر فيها عدد الفرق المسرحية، فهناك المسارح الوطنية (القومية)، أو الفرق القومية للتمثيل –حسب التسميات- التي تتبع وزارات الثقافة وتتولى رعايتها مادياً ومعنوياً، ويتفرع عن هذه فرقة مسرحية للتمثيل في كل ولاية (محافظة) تابعة هي الأخرى لوزارة الثقافة، وهي التي ترعى العاملين فيها. وهناك فرق للتمثيل في المعاهد والكليات، وفرق لمسرح الهواة والجوال. مع كل هذا يلقى المسرح الشعري الصدّ والانصراف، أم أن هذا الانصراف لا يعدو أن يكون وجهاً آخر من أوجه أزمات المسرح العربي، الذي يشكو غياب النص الدرامي الجيد، والكتاب المهرة الذين يكتبون وهم على دراية بقواعد العمل المسرحي الناجح؟ وهي أزمة أقرّ بها عدد من كتاب المسرح ونقاده. يقول الناقد المسرحي الكبير ريني خشبة، المشهور بترجمته لعيون من كتب النقد المسرحي العالمي(17): «لعل فرقنا المسرحية لا تشكو من شيء كما تشكو من عدم وجود المسرحية الناجحة.. والمؤلف الذي يكتب مسرحية وهو يعرف القواعد الأساسية التي يجب أن تتوافر في المسرحية»(18). ومن ملامح هذه الأزمة مسرحية (تحويلها إلى مسرحية) بعض النصوص الروائية أو القصصية، على نحو ما فعل المسرحيان الجزائريان محمد بن قطاف وزياني شريف عياد مع رائعة الطاهر وطار "الشهداء يعودون هذا الأسبوع" التي مثلت الجزائر في مهرجان قرطاج بتونس، ونالت جائزة في المهرجان لجرأتها في الطرح، ويمكن أن نقول إن أزمة النص التي تثار من حين إلى آخر في الملتقيات والتظاهرات الثقافية، قد تكون حقيقية لدى بعض المسارح العربية، ولكنها في بعض الأقطار الأخرى لا تعدو أن تكون قضية مفتعلة. أما ظاهرة مسرحة بعض النصوص الروائية والقصصية، فيمكن أن تفسر على أن هؤلاء الكتاب وجدوا في تلك النصوص إمكانات درامية كبيرة، فحاولوا استغلالها والاستفادة منها مسرحياً. ولا تتوقف أزمة المسرح العربي عند حدّ النص، بل اشتكى رجاله من التضييق الذي تمارسه السلطة، ومن قلة الموارد المالية، ومن عزوف الجمهور عن مشاهدة ما يقدم من عروض. وكعينة على هذا العزوف وللتدليل على أن رقعة المسرحة العربي عرفت –في مصر- انحساراً وانكماشاً كبيرين، نورد هذه الإحصائيات التي قدمها الدكتور رشاد رشدي، من خلال موازنته بين مسرح فترة الستينات ومسرح السبعينات أن عدد رواد المسرح في مصر خلال الموسم المسرحي 1964-1965 بلغ نحو مليون مشاهد، وبلغ عدد العروض المسرحية في الموسم نفسه خمسة وستين مسرحية، في حين لم يتجاوز رواد مسرح القاهرة في موسم 1970-1971 مائة وخمسين ألف مشاهد، شاهدوا سبعة عشر عرضاً(19). مع أن عدد السكان زاد ونسبة المثقفين في ازدياد مستمر، بينما انحسرت رقعة المسرح، وضاقت بدلاً من أن تتسع. أم أن مرجع هذه القطيعة بين المسرح الشعري والمخرجين يعود إلى قصور فني ولغوي، على وجه التحديد، كون هذا اللون من التعبير الذي اعتمد الشعر أداة للحوار والتواصل بين شخصياته وهو الأسلوب الذي لم يعد يلائم أذواقنا وحياتنا، ويكاد يكون غريباً عنها. ولما كان الحوار يمثل العمود الفقري لأي نص مسرحي، باعتباره «الأداة الرئيسية التي يبرهن بها الكاتب على مقدمته المنطقية ويكشف بها عن شخصياته، ويمضي بها في الصراع... إنه أوضح أجزائها وأقربها إلى أفئدة الجمهور وأسماعهم»(20). فاتخاذ هؤلاء الكتاب الشعر أداة للحوار في مسرحهم كان –فيما نعتقد- سبباً جوهرياً في عزوف المخرجين عن إخراج مثل هذه المسرحيات. ومن باب التذكير، نقول إن العامل اللغوي "الحوار" كان أحد مرتكزات طه حسين في رفضه للمسرح الشعري وعدم تحمسه له، وقد عبر عن هذا الرأي في تلك المقدمة الطويلة التي صدر بها مسرحية "غروب الأندلس" لعزيز أباظة، حيث قال: «إني لست من المكلفين بالقصص التمثيلية التي تعرض على الناس شعراً في هذه الأيام، وشعراً عربياً من نوع خاص، فقد شب التمثيل عن طوق الشعر وتمرد على أوزانه وقوافيه، وآثر حرية النثر وطلاقته وسماحته على قيود الشعر»(21). وإذا كان همّ أي مخرج مسرحي في المسرح أو التلفزيون أو السينما أن يلقى عمله الإقبال والاستحسان، فإن المراهنة على المسرحيات الشعرية لن تحقق له تلك الغاية، فلم يعد إنسان هذا العصر الذي أغرم بالمخترعات العلمية من فضائيات وإعلام آلي وأنترنيت (internet) وسيطر عليه التفكير العلمي والمادي لم يعد يستسيغ أن يرى على خشبة المسرح شخصيات تتحاور فيما بينها بشعر عربي فصيح. فإذا كانت الفصحى لم تعد اللغة الملائمة في الرواية والمسرح النثري والقصة، فكيف يستقيم الحال مع الشعر الذي يضيف قيوداً أخرى على الحوار. وهكذا تحول الشعر –في نظرهم- إلى عقبة أخرى تعرقل مسيرة المسرح الشعري، وتحول دون تمثيله، والأكثر من ذلك أن بعض مسرحيات عزيز أباظة وعدنان مردم توهج فيها الشعر وتأنقت اللغة وسما الأسلوب، وهي صفات محببة في الشعر الغنائي لا المسرحي، وعمدا إلى تطعيم الحوار بمفردات غربية وشاذة لم تعد من مفردات لغة العصر، مما أثر سلباً على الحوار، وهي صعوبة أحس بها الشاعران فاستنجدا بالهامش لشرح تلك الألفاظ الغربية والشاذة. فهل نذهب إلى المسرح ونحن نتأبط القواميس؟ فضلاً على أن التركيز على الجانب اللغوي في النص يجعل المشاهد لا يولي أهمية للحدث الدرامي وبقية العناصر الفنية، وهي مستوى لم يعد مقبولاً لدى الجمهور وحتى لدى الممثل. فالمسرحية ليست مجالاً لإظهار البراعة اللغوية أو التفنن في إظهار الشاعرية والسمو بالبيان، والكاتب المقتدر هو ذلك الذي يستطيع الوصول إلى جمهوره في سهولة ويسر ويخاطب المشاهدين، «بلغة يستطيعون أن يفهموها فيقرر الأمور، ويحكي الوقائع والأحداث في عبارات بسيطة مفهومة.. ومن ثمة يجب عليه أن يتحاشى الكلمات الغامضة غير المألوفة، أو التي يكون لها مضمونات معنوية خاصة»(22)، لأن الجمهور الذي قدم إلى المسرح لم يكن هدفه أن يتمتع بجمال اللغة وسلاسة الأسلوب فحسب، فهناك من يأتي وهو يؤمن بأن قمة المسرحية تكمن في فكرتها لا في حوارها. حتى الممثل يفضل أن تكون لغة المسرحية بسيطة وعباراتها قصيرة حتى يتسنى له إلقاؤها وإيصالها إلى الجمهور. وحرصاً على سلامة الحوار، كان برنارد شو يحضر تدريب جميع مسرحياته، حتى يستطيع أن يفسر للمثلين ما لا تستطيع اللغة أن تنقله إليهم من المعاني، ويقوم بتنقيح اللغة وتعديلها قبل العرض الأول(23). على أن هذه العقبة الفنية يمكن تذليلها خلال مرحلة قراءة النص قراءة مسرحية وإعادة صياغته من لدن المخرج والسيناريست أو المؤلف نفسه: «فيقتصد في استعمال الكلمات ولا يأتي منها إلا بالضروري، وعليه أن يضحي بزخرف الكلام وحذلقته في سبيل الشخصية إذا اقتضى الحال»(24). وعليه فإذا كان الانصراف عن إخراج المسرحيات الشعرية سببه ضعف الشعراء فالحل يكمن في تظافر جهود الأطراف الأساسية للنص المسرحي من كتاب ومخرجين وممثلين، كأن يستعين هؤلاء الشعراء بكبار المخرجين والممثلين والاسترشاد بآرائهم ونصائحهم أثناء التأليف بغية التخفيف من تلك العقبات التي تحول تمثيل مسرحياتهم، وهي تجربة سبق وأن خاضها بعض شعراء المسرح في بريطانيا خلال القرن التاسع عشر، أمثال "شيلي" و"بايرون" واستيفان فيلبس" وغيرهم من الكتاب الذين حققت مسرحياتهم نجاحاً كبيراً على خشبة المسرح. أما إذا كان عدم الاهتمام بها سببه طبيعة الشعر الذي كتبت به تلك المسرحيات فالواجب تغيير هذه الأداة والسعي إلى تطويرها كالأخذ بتجارب المسرحيات التي لقيت نجاحاً حين حولت إلى المسرح، وتقليد كتاب المسرحية النثرية ومنافستها فلا يكتبون إلا عن تلك الأحداث التي تمس حياة الناس وبلغة أقرب إلى لغة الحياة اليومية، ولا شك في أن اقتفاء مثل هذه الخطوات تخفف من ظاهرة حضور النص وغياب التمثيل في المسرح الشعري. وإذا كان الشعر لم يعد ذلك الأسلوب الذي يتخاطب به الناس في حياتهم ولا يشبه ما هو سائد ومألوف من لغتهم، فما الذي جعل مسرحية "الوزير العاشق" لفاروق جويدة تلقى ذلك النجاح الذي لم يستطع تحقيقه العديد من المسرحيات النثرية؟ وما الذي دفع بأهل الثقافة في مصر والقائمين عليها إلى اختيار هذه المسرحية لتكون صوت مصر في ثلاثة مهرجانات مسرحية دولية، ولأكثر من موسم مسرحي، منها مهرجان الجزائر سنة 1984، ومهرجان جرش بالأردن في السنة نفسها، ومهرجان قرطاج بتونس عام 1985؟ ألم تحقق نجاحاً كبيراً في هذه التظاهرات؟ ما الذي دفع بدور النشر إلى إعادة طبعها أكثر من مرة، وما الذي جعلها تنقل إلى عدد من القنوات العربية؟ وما الذي جعل الجمهور يحتضنها ويقبل عليها في الحالتين، كونها نصاً أدبياً وعرضاً تمثيلياً؟ ألم تكتب شعراً؟ ألم يكن الجمهور هو نفسه الذي كتب ويكتب له بقية شعراء المسرح في الوطن العربي؟ أين الخلل؟ هل العيب في المسرح أم فينا، نحن الذين لم نعد نهتز للكلمة العذبة واللفظة الشاعرية، والصورة التي تحلق بنا بعيداً؟ أسئلة كثيرة تحاصرك حين تستعرض ذلك الزخم الكبير من المسرحيات الشعرية، التي سجلت حضوراً على مستو النص، وغياباً على مستوى العرض والتمثيل، فظلت بعيدة عن الخشبة. وقد تزداد الحيرة ويتكرر السؤال حين نعلم أن الثروة المسرحية والتراث العالمي من هذا الفن يتشكل في معظمه من مسرحيات شعرية، لأن المسرح ظل يكتب شعراً لفترة جاوزت العشرين قرناً، ولم يعتد بالنثر كأداة للحوار إلا في القرن التاسع عشر، حين تعالت الأصوات بضرورة إبدال لغته بأخرى نثرية قريبة من لغة الحياة اليومية، فكانت بداية الانصراف شبه الكلّي عن المسرح الشعري، والالتفات إلى صنوه النثري، تأليفاً ومطالعة وتمثيلاً. ولم يشفع له ذلك التاريخ الطويل أن يظل الفن الذي يَشد إليه الأعناق ويستحوذ على الاهتمام. لقد تحول المسرح الشعري، في المرحلة الأخيرة، إلى فن غريب عن القارئ والمشاهد والمخرج، وانحصر الاهتمام به في مجال الدراسات المتخصصة، فمساحة الكتابة له وعلى امتداد رقعة الوطن العربي في انكماش، مع أن نمو السكان وعدد المثقفين في تزايد مستمر، وشعراءه الذين غامروا في الكتابة له في تناقص مستمر، بعد وفاة نخبة منهم، أمثال صلاح عبد الصبور وعبد الرحمن الشرقاوي، وعدنان مردم بك، ومعين بسيسو، في النصف الثاني من الثمانينات، ولم تعرف ساحة المسرح اسماً يلفت الانتباه ويشد إليه الأعناق، ومعظم الذين يكتبون له في هذه المرحلة لا يملكون المؤهلات الفنية والفكرية التي تجعل نصوصهم قادرة على أن تقف في مستوى واحد مع تلك النصوص، التي قدمها الجيل الذي حمل لواء الكتابة للمسرح الشعري بعد شوقي. وساهم عدد من الشعراء –نتيجة لقصور ثقافة بعضهم عن التمثيل والتشخيص- في هذه القطيعة أو التباعد بين مسرحياتهم الشعرية وقاعات التمثيل، فأثناء التأليف قد يسقط من ذهن الكاتب فكرة التمثيل بكل مقوماتها الأساسية، من جمهور وممثلين وديكور وخشبة، «ولكي تصبح المسرحية شيئاً كاملاً، يجب على الكاتب المسرحي أن يبدأ عملية كتابة المسرحية والجمهور نصب عينيه، وذلك بإيجاده بطلاً ينجذب إليه الجمهور.. إن المسرحية يجب أن تكون عملية نقل دم ناجحة بين الممثلين والمتفرجين، إذ لا يمكن أن تتاح الفرصة لنجاح المسرحية ما لم يقم هذا الاتحاد بين الجانبين»(25). ويكون هدفه أن يقدم نصاً مسرحياً يطبع في كتاب ويقرأ، ويقوّم من منظور نقدي يلقى القبول، وتبعاً لذلك تأتي المسرحية جيدة باعتبارها نصاً أدبياً، ولكنها ميتة أو شبيهة بالميتة من الناحية التمثيلية، يصدق هذا المعنى مسرحيات عدنان مردم وعزيز أباظة وسليمان العيسى وبعض مسرحيات البرادعي. ولكي تحول هذه المسرحيات إلى عروض تمثيلية لا بد لها من قراءة أخرى من لدن سيناريست أو كاتب له حس تمثيلي. ولكن ما السبب في إهمال بعض المسرحيات الأخرى لهؤلاء الشعراء أنفسهم ولغيرهم من الذين كشفوا عن حس تمثيلي ودرامي كبير، حيث يضع أمام المخرج ما يساعد على إخراج النص، كأن يضع مقدمة صغيرة تتضمن بعض التفصيلات عن المكان، والشخصيات، والديكور، والإضاءة، كما في مقدمة مسرحية "الملكة والمجنون" لأنس داود: «المسرح صالة فسيحة مقسمة إلى أركان: ركن به مجموعة الكراسي الوثيرة، وركن به طاولة طعام وحولها عدة كراسي، وركن للمكتبة، به مكتب متوسط الحجم، وفوقه هاتف، وفي إحدى رفوف المكتبة جهاز تلفزيون.. توحي هذه الصالة ذات الأركان المتعددة بأنها بيت لأسرة صغيرة من الأسر البرجوازية، ويبدو اهتمام خاص بالكتب والموسيقى والفن عموماً، غرفة للاستقبال تبدو على الجانب الأيسر من خشبة المسرح، وفي نهاية الجانب الأيمن تبدو ستارة منقوشة وباب يفضي إلى داخل الشقة... يفتح الستار عن امرأة شابة أنيقة، بل وجميلة تجلس على كرسي وثير في ركن القاعة، بيدها كراس أو كتاب تقرأ فيه... يبدو واضحاً أنها تذاكر شيئاً ما، وأنها أحياناً تنفعل وتحفظ.. بعد لحظة تقف وتأخذ وضعاً تمثيلياً»(26). وعمد آخرون إلى تقديم إشارات عامة دون تقيد بمثل هذه التفصيلات التي قدمها أنس داود، كما في مسرحية "المؤتمر الأخير لملوك الطوائف" التي سخر فيها خالد محيي الدين البرادعي من واقعنا المعاصر، انطلاقاً من هذه الواقعة التاريخية، حيث افتتح المشهد على النحو التالي: «قاعة العرش في قصر المعتمد بن عباد في إشبيلية، الوقت ما بين المغرب والعشاء، في صدر القاعة يبدو المعتمد وضيفه ألفونسو السادس، يتحادثان، يقف إلى جانب المعتمد أحد الحجاب، وإلى جانب ألفونسو أحد مرافقيه، في مدخل القاعة يقف ابن رشد والباجي وابن الفراء»(27). والمخرج غير ملزم بأن يتقيد بمثل تلك التفصيلات في أثناء الإخراج، فقد يحتفظ بها، أو يثريها، أو يحورها، وإلى هذا يشير أنس داود في مقدمة إحدى مشاهد مسرحية "بنت السلطان": «مجموعة أو مجموعتان، وفق رغبة المخرج ورؤيته للمشهد.. يسلط الضوء على الجوقة في مقدمة المسرح قريباً من الستار، بينما تسود الظلمة سائر المسرح»(28). في حين تخلو مسرحيات عدنان مردم من هذه الإضاءات التي تساعد على الإخراج، فلا تتجاوز أحياناً الجملتين، فكثيراً ما افتتح المشهد بعبارة "في المكان نفسه"، أو "الأشخاص أنفسهم"، وحين تطول لا تتجاوز السطر أو السطرين. إن عدم الالتفات إلى هذه النصوص على مستوى الإخراج، وعدم أخذها لنصيبها من الدراسة والتقويم، لم يكن دائماً بسبب قصورها الفني، بل لعوامل غير فنية أحياناً، فعلى الرغم من أن خالد محيي الدين البرادعي(29) من كبار الأدباء المسرحيين في سورية، وأغزر شعراء المسرح في الوطن العربي على الإطلاق، حيث بلغت مسرحياته واحداً وعشرين مسرحية، منها سبعة عشر شعرية، طرح فيها قضايا وطنية وقومية من خلال رؤية فكرية تتمحور في الإيمان بالعروبة والدعوة لها، ومحاربة التشرذم، إلا أن هناك ما يشبه القطيعة بينه وبين المخرجين والنقاد الذين اكتفى بعضهم بالإشارة إلى عدد من مسرحياته دون التعمق فيها أو دراستها، يتساوى في هذا مع شاعر مسرحي آخر هو عدنان مردم الذي ترك هو الآخر خمس عشرة مسرحية، ورحل عن عالمنا دون أن يرى واحدة من هذه المسرحيات على الخشبة. ومع أنه لم يجب صراحة حين سألته في إحدى المراسلات عن السر في عدم الاهتمام بمسرحياته(30)، إلا أن في سيرته ما يفسر بعض ذلك، حيث بدا الكتابة والنشر في أواخر ستينيات القرن الماضي، وهي المرحلة التي عرف فيها الشعر والمسرح منعطفاً جذرياً في حين ظل عدنان متشبثاً بشعره الغنائي والمسرحي بتقاليد المدرسة الكلاسيكية، وكأنه لا يعلم شيئاً عن ذلك التحول الذي مسَّ القصيدة والمسرحية. والصورة نفسها تصدق على الدكتور أنس داود، الذي أثرى المكتبة العربية بأحد عشر كتاباً نقدياً، وخمسة دواوين شعرية، وعشر مسرحيات، إلاَّ أنها أهملت كلية من قبل النقاد والمخرجين أيضاً، وحين نبحث عن أسباب ذلك التقصير، لا نجد شيئاً مقنعاً، فإذا كان المخرجون انصرفوا لأنهم رأوا أن جانب الأدب فيها هو المسيطر مثلاً، فأين دور النقد المسرحي، الذي من مهامه الأساسية تقويم النصوص، وبيان ملامح قوتها وضعفها، وحينها نجد المبرر الفني لذلك الإهمال. بينما كانت الاعتبارات غير الفنية والإيديولوجية على وجه التحديد وراء شهرة عدد من كتاب المسرح الشعري، فقد حظي مسرح عبد الرحمن الشرقاوي ومعين بسيسو باهتمام لم يعهده المسرح العربي بشقيه الشعري والنثري، من حيث القراءة والدراسة النقدية والأكاديمية، والإخراج، مع أن بعض نصوصه يشوبها الضعف، بشهادة عدد من النقاد، وكانت مثار جدل كبير. لقد فجر عرض مسرحية "ثأر الله" نقاشاً كبيراً في مصر بين رجال الدين وعدد من المثقفين وبعض رجال المسرح، حال دون عرضها في مصر، لتقدم بعد فترة في العراق ثم في مصر، وحين أعاد طبعها ألزم بأن يطبع معها رأي الأزهر ويضعه على صفحاتها الداخلية الأولى، فلماذا لا يقال عن هذه المسرحية إنها تطرح فكراً مناقضاً لما هو سائد، وحين أخرجت لماذا تمت الموافقة على عرضها؟ ولكن للسياسة والإيديولوجية في تقويم النصوص وإخراجها شؤون. وقد يعود هذا الانصراف إلى طبيعة مضامين المسرح الشعري والرؤية الفكرية لتلك النصوص، التي لم تعد تلقى الرواج والإقبال لدى الجمهور، كونها عبارة عن مآس تاريخية عاشتها الأمة عبر عصور التاريخ ومحطاته القريبة والسحيقة، لأن الاتكاء على أحداث الماضي ووقائعه أحد تقاليد هذا اللون من الكتابة المسرحية. وحول تجذر هذه العلاقة، يقول ماكسويل أندرسون Maxwell Anderson أحد كبار شعراء المسرحية في الولايات المتحدة: «إننا لا نجد مطلقاً مأساة واحدة كتبها أسخيلوس أو صوفوكليس أو شكسبير أو كورناي أو راسين لا تتميز بأنها تدور حول موضوع من موضوعات الماضي، أو موضوع سحيق في القدم»(31). وعليه، فإن مثل هذه المسرحيات التي تستلهم مضمونها من التاريخ، لا تعرض لمشكلات العصر، ولا تتناولها إلا من خلال ذلك القناع التاريخي. وتكييف الحدث المنتخب، والتصرف في بعض جزئياته، أو من خلال فكرة التماثل والإسقاط، نصوص لم يستطع كتابها مواكبة التغيرات الاجتماعية التي مست حياة الإنسان العربي، ولا التعبير عن المشكلات التي أفرزتها صعوبة الحياة وتعقيداتها، فما الذي تقدمه تلك المآسي لهذا الإنسان الذي تطعنه مشكلات الحياة ويكاد ينتهي بين دواليبها. فأدى الانفصام بين مضمون هذه المسرحيات وواقع الحياة للمتلقي إلى انفصام آخر بين هذا المسرح والمخرجين، لأنه إذا كان همّ أي مخرج في المسرح أو في غيره من ميادين التمثيل أن يلقى عمله الحظوة والاهتمام، ومن ملامح تلك الحظوة أو النجاح أن يقبل الجمهور على مشاهدته طوال فترة عرضه، فإن المراهنة على إخراج النصوص الشعرية لن يحقق ذلك بحكم المضمون وبحكم عوامل فنية أخرى سبقت الإشارة إلى بعضها، وكبديل اتجه المخرجون إلى النصوص النثرية لأنها تتناول الأزمات المتعددة الوجوه التي تحاصر هذا الإنسان: أزمته في العمل، وفي الشارع، وفي البيت، والقهر، والفقر، والاستغلال، والخيانة والسرقة، والتواكل، والقتل... وغيرها من القضايا التي تشغله وتنغص عليه حياته، وبلغة عامية في أغلب الأحيان. ولكن ما الذي حال دون تجسيد تلك النصوص التي ابتعدت عن وقائع التاريخ، وأحداث الماضي، وتناولت بعض مشكلات الحياة المعاصرة تناولاً صريحاً ومباشراً أحياناً، دون قناع تاريخي، على نحو ما عبرت عنه مسرحية "السؤال" لهارون هاشم رشيد، و"الشاعر"، و"الملكة والمجنون" لأنس داود؟ وما الذي دفع بمخرجين كبار أمثال زكي طلمات ونبيل الألفي وحسين إدلبي وكرم مطاوع على إخراج عدد من المسرحيات التي تشترك في خصائصها الفنية والموضوعية مع هذه النصوص التي حيل بينها وبين الخشبة؟ ومن خلال هذين المحورين (المضمون وأداة الحوار) استطاعت طائفة من المخرجين خلق التواصل، أو ما أسماه بعض المخرجين بعملية نقل دم ناجحة، بين النص والجمهور، حين اختاروا له النصوص التي تعالج قضاياه واستبدلوا اللغة بأخرى قريبة من لغة الحياة اليومية، ساهمت في الترفيه عنه من خلال إشباع حواسه وإدخال السرور على نفسه، «وتلك بعض مواصفات النص الناجح، والمسرحيون الناجحون يهتدون دائماً في أن تكون مسرحياتهم مجالاً شائقاً تتنافس فيه العقول والعواطف وتقتسمه الأذهان والانفعالات»(32). وهكذا، فإن سمو اللغة وتقليدية المضمون في هذا اللون من الكتابة المسرحية كانا في مقدمة أسباب العزوف عن قراءته ومطالعته، وانصراف المخرجين عن تمثيله، وانحسار رقعته واقتصار دراسته على البحوث الأكاديمية. الهوامش والإحالات: (1)-تناول يوسف نجم في كتابه المسرحية في الأدب العربي، أهم المسرحيات التي نقلت إلى العربية، وأبرز الكتاب الذين ترجمت مسرحياتهم والفرق المسرحية التي قدمتها، وأبرز وجهة نظره في تلك الترجمة والنقل. ص 199 وما بعدها. (2)-توفيق الحكيم، السلطان الحائر، ص 243. (3)-مع كل من طليمات سنة 1935، ونبيل الألفي سنة 1960. (4)-عبد الرحمن ياغي، في الجهود المسرحية، ص: 221. (5)-عزيز أباظة، الأعمال المسرحية الكاملة، الجزء الأول. (6)-أحمد شمس الدين الحجاجي، المسرحية الشعرية في الأدب العربي، ص: 185. (7)-مدحت شوقي قاسم، المسرح الإسلامي، ص 382. (8)-فاروق جويدة، الوزير العاشق، ص 76. (9)-حورية حمو، النقد المسرحي في سورية، ص 70. (10)-المرجع نفسه. (11)-معين بسيسو، الأعمال المسرحية، ص 369. (12)-كان ميخائيل رومان أسبق من معين في الكتابة عن هذه الشخصية التاريخية، حيث نشر سنة 1969 مسرحية عنوانها "ليلة مصرع جيفارة" أخرجها للمسرح كرم مطاوع. (13)-حركة النقد المسرحي في سورية، ص 76. (14)-معين بسيسو، الأعمال المسرحية، ص 369. (15)-علي الراعي، المسرح في الوطن العربي، ص 280. (16)-المرجع نفسه، ص 239. (17)-منها: علم المسرحية للأردس نيكول، فن الكتابة المسرحية للأجوس أجرى، فن الكاتب المسرحي لروجرم بسفيلد، المدخل إلى الفنون المسرحية (بالاشتراك)... (18)-لاجوس أجرى، فن كتابة المسرحية، ترجمة دريني خشبة، ص 7. (19)-رشاد رشدي، فن الكتاب المسرحية، ص 230. (20)-المرجع نفسه، ص 413. (21)-عزيز أباظة، الأعمال الكاملة، ج 1، ص 648. (22)-روجرم بسفيلد، فن الكاتب المسرحي، ترجمة دريني خشبة، ص 269. (23)-المرجع نفسه، ص 264. (24)-عثمان عبد المعطي، عناصر الرؤية عند المخرج المسرحي، ص 225. (25)-المرجع نفسه، ص 106. (26)-أنس داود، الأعمال الكاملة، ص 165. (27)-خالد محيي الدين البرادعي، المؤتمر الأخير لملوك الطوائف، ص 39. (28)-أنس داود، الأعمال الكاملة، ص 13. (29)-نشر ما يقارب الخمسين كتاباً في المسرح والشعر والنقد والدراسة، ترجمت مسرحياته إلى عدد من اللغات الأجنبية، وهو عضو مؤسس لاتحاد الكتَّاب العرب بدمشق، وعضو في عدد من الهيئات العلمية والثقافية، حاز على عدة جوائز. انظر ترجمته في كتاب حورية حمو، تأصيل المسرح العربي ص 330. (30)-في رسالة له مؤرخة بدمشق في 15 أفريل 1986. (31)-فن الكاتب المسرحي، ص 250. (32)-عناصر الرؤية عند المخرج المسرحي، ص 104. المصادر والمراجع: 1-أحمد شوقي قاسم، المسرح الإسلامي، دار الفكر العربي، القاهرة (د.ت). 2-أنس داود، الأعمال الكاملة، دار هجر للطباعة والنشر، ط1، القاهرة 1989. 3-حورية حمو، حركة النقد المسرحي في سورية، اتحاد الكتاب العرب، دمشق، 1998. 4-حورية حمو، تأصيل المسرح العربي بين النظرية والتطبيق، اتحاد الكتاب العرب، دمشق، 1999. 5-لاجوس أجرى، فن المسرحية، ترجمة دريني خشبة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 2000. 6-محمد يوسف نجم، المسرحية في الأدب العربي، ط3، دار الثقافة، بيروت، 1980. 7-معين بسيسو، الأعمال المسرحية، دار العودة، ط1، بيروت، 1979. 8-عبد الرحمن ياغي، في الجهود المسرحية، المؤسسة العربية للطباعة والنشر، ط1، بيروت، 1980. 9-عزيز أباظة، الأعمال المسرحية الكاملة، الجزء الأول، الهيئة العامة للكتاب، القاهرة، 1994. 10-علي الراعي، المسرح في الوطن العربي، عالم المعرفة، ط2، الكويت، 1999. 11-عثمان عبد المعطي، عناصر الرؤية عند المخرج المسرحي، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة. 12-فاروق جويدة، الوزير العاشق، مكتبة غريب، ط1، القاهرة، 1977. 13-روجرم بسفيلد، فن الكاتب المسرحي، ترجمة دريني خشبة، دار نهضة مصر، القاهرة، 1978. 14-رشاد رشدي، فن كتابة المسرحية، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 1978. 15-توفيق الحكيم، السلطان الحائر، دار الكتاب اللبناني، ط1، بيروت، 1975. 16-خالد محيي الدين البرادعي، المؤتمر الأخير لملوك الطوائف، اتحاد الكتاب العرب، دمشق، |
|
| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |